بقلم: ابراهيم الحَيْسن    المصدر انقر هنا

الطبيخ والعادات الغذائية الشائعة عند مجتمع البيضان
“يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إيَّاهُ تَعبدون”
البقرة، 172.
———–
الطعامُ حاجةٌ بشريةٌ لا محيد عنها، لأنه يشكل مادة رئيسية لتغذية الجسم وتمكينه من العيش والبقاء على قيد الحياة. وفي العُرف الطعام اسم لما يُؤكل والشراب اسم لما يُشرب، وفي رأي بعض المشايخ، ينصرف الطعام إلى ما يمكن أكله، يعني المعتاد للأكل كاللحم المطبوخ والمشوي ونحوه. والطعام وسيلة يُعبِّر بها المضيف عن استعداده لاستقبال الضيوف وإكرامهم ومعاملتهم معاملة حسنة.

وينبع الاهتمام الأنتروبولوجي بالطعام من الاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية التي تُعَدُّ سمة من سمات الدراسات الإثنوغرافية. فالتَّحريمات والوصفات المتَّصلة بالطعام تقدِّم وسيلة مفيدة لدراسة الفروق الثقافية، فبدون الاهتمام بوصف التفاصيل الكاملة للسلوك اليومي، والتي تؤخذ أغلبها على أنها مُسَلَّمَات Postulats، فإن الأفكار والممارسات حول الطعام لم تحتل حتى عهد قريب سوى أهمية طفيفة بالنسبة لعلماء الاجتماع، اللهم إلاَّ في سياق دراسة الفقر والحرمان أو دراسة الزراعة والصناعة1.

على مستوى الكتابة حول أنتروبولوجيا الطعام، يجدر بنا الاستشهاد بما تناوله المؤلفون العرب في أمور الطبيخ وذكر أسماء ووصفات الأكلات كإبن النديم الذي أحصى في كتابه “الفهرست” مجموعة كتب أُلِّفَت في الطعام وآدابه والتي بلغت أوجها في العصر العباسي، وهذه الكتب هي: كتاب الكسباج لجحظة (وله أيضاً الطبيخ)، والطبيخ لإبراهيم بن العباس الصولي، والطبيخ لإبراهيم بن المهدي، والطبيخ لأحمد بن الطبيب، والطبيخ للحارث بن بسخز، والطبيخ للطبيب الرازي، والطبيخ لعلي بن يحيى المنجَّم، والطبيخ للمرضى لمخبره..إلخ. زد على ذلك كتب أخرى خاصة بالطعام، منها كتاب “تذكرة الخواتين وأستاذ الطبخ” لخليل سركيس (1885م)، ثم كتاب “فص الخواتيم في ما قيل في الولائم” لمؤلفه شمس الدين بن علي بن طولون الدمشقي الصالحي، وكتاب “الأمالي” لأبي علي القالي، و”فقه اللغة” للثعالبي الذي ضمَّ بحثاً مفصلاً في أسماء أطعمة العرب، وأيضاً العديد من الرسائل التي أنجزت في الأكل والمؤاكلة، منها ما كتبه الشيخ بدر الدين محمد الغزي (1499م/ 1577م)، وعلى الخصوص رسالته المعنونة بـ”رسالة آداب المؤاكلة” والمحفوظة ضمن مخطوطات دار الكتب الظاهرية في القاهرة.

كما يُمكن الاستشهاد بمقالات حبيب الزيات المنشورة منذ مطلع القرن الماضي، وتحديداً خلال الفترة الممتدة بين عامي 1929 و1952، وذلك بمجلة الشرق الكاثوليكية.. إلى جانب الكتاب الصادر عام 1934 حول الطبخ العربي خلال العصر الوسيط في الموصل وهو لداوود الجلبي وقد تمَّت ترجمته عام 1939 إلى اللغة الإنجليزية.

أضف إلى ذلك الإسهامات المهمة للباحث الفرنسي مكسيم رودنسون التي دشنها عام 1949 ببحث قيِّم تناول فيه المصادر العربية في مجال ثقافة الطعام والذي تم نشره في مجلة الدراسات الإسلامية الفرنسية. وقد فتح هذا البحث المجال لظهور أبحاث أنتروبولوجية أخرى أبرزها أطروحة الباحث الإسباني ف. دولاجراخا (1958/1959) في إطار جامعة كومبليتاتس بمدريد، فضلاً عن كتاب أندلسي لمؤلف مجهول يعود للمرحلة الموحدية، أو أواخر العهد المرابطي من قبل المؤرخ الإسباني ويتشي ميراندو اهتمت مجلة معهد الدراسات الإسلامية الإسبانية بمدريد (1961/ 1962) قبل ترجمته إلى الإسبانية عام 1966.

كما نضيف كتاب “الطعام في الثقافة العربية” لنينا جميل، منشورات رياض الريس للكتب والنشر/ الطبعة الأولى، عام 1994، ثم: كتاب “الطعام والشراب في التُّراث العربي” الصادر ضمن منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة (2008)، وهو لسهام الدّبابي الميساوي، وأيضاً كتاب الطعام والمجتمع في العصر الكلاسيكي القديم” لمؤلفه بيتر غرانسي، وهذا الكتاب تمت ترجمته إلى اللغة العربية وقد صدر ضمن مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبو ظبي للثقافة والتُّراث، فضلاً عن كتاب “قرب ألف مائدة: تاريخ الطعام” لصاحبه فيليب أرمستو، مع الإشارة كذلك إلى العدد السادس عشر من مجلة أمل الصادر عام 1999 بالدار البيضاء، وقد تضمَّن ملفاً حول “الأطعمة والأشربة في تاريخ المغاربة”..

1- في ثقافة الطعام

يَلْعَبُ الطعامُ في عُرْفِ وثقافة الصحراويين دوراً رئيسياً في نسج وتطوير العلاقات الاجتماعية، يظهر ذلك جلياً من خلال الولائم (لْعَرْظَاتْ) التي تقام أساساً بمناسبة العديد من الاحتفاليات الاجتماعية والدينية وغيرها. فهو مادة مغذية للجسم ومساعدة على النمو. كما أنه مظهرٌ من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية وجزءٌ من ذاكرة الصحراويين التي تَحْبُلُ بموروث كبير من الأطعمة والأشربة التقليدية المأخوذة من البيئة المحلية، كلحوم الطرائد (الصيد البري) والمنتجات البرية والبحرية المتنوِّعة.

وحال الصحراويين في ذلك مثل حال قبائل البدو الرُّحل الأمازيغ والعرب الذين اعتادوا على تربية الماشية كمصدر أساسي لعيشهم، يجوبون القِفار وإيلاف الرحلتين، بحثاً عن الماء والكلإ كقبائل صنهاجة ولمتونة ظواعن رحالة في الصحراء مراحلهم فيه مسيرة شهرين في شهرين ما بين بلاد السودان وبلاد الإسلام.. وليس يعرفون حرثاً ولا زرعاً ولا خبزاً، إنما أموالهم الأنعام وعيشهم من اللحم واللبن. طريقتهم في ذلك، أنهم يقومون بتشريح اللحم وتجفيفه وبعد طحنه وطبخه يصبُّون عليه الشحم والمذاب أو السمن، ثم يأكلونه ويشربون عليه لبن الحليب. وكان هذا حالهم زمن الوزَّان الذي لاحظ أنهم يأكلون في المساء لحم القديد المطبوخ في اللبن والمدهون بالسمن2.

تتَّصل التغذية عند ابن خلدون بنمط العيش وما ينجم عن تفاعل الإنسان مع بيئته من تعوَّد على نوع وأنواع من الغذاء. يقول: “وأصل هذا كله أن تعلم أن الأغذية وائتلافها أو تركها إنما هو بالعادة، فمن عوَّد نفسه غذاءاً ولاَءَمَهُ كان له مألوفاً، وصار الخروج عنه والتبدُّل به داءً ما لم يخرج عن غرض الغذاء كالسموم واليتوع. فإذا أخذ الإنسان نفسه باستعمال اللبن والبقل عوضاً عن الحنطة والحبوب من غير شك، وكذا من عوَّد نفسه على الجوع والاستغناء عن الطعام”. واستنتج ابن خلدون أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الأغذية، وأنه يؤثر في نقاء الأبدان مما يشوبها من الزيادات المخلَّة بالجسم والعقل. كما ميَّز بين تغذية البدو والحضر المنغمسين في الخصب المتعوِّدين للإدم والسمن مبرزاً أثر ذلك على كل منهما3.

اهتم الصحراويون كثيراً بثقافة المطبخ وصنعوا العديد من الأكلات والوجبات (اظْوَاگْ) التي تلاءمت مع ظروف ونمط عيشهم البدوي ومناخات الحياة بالبوادي والأرياف الخاضعة لسلطة الطبيعة ولحجم الموجودات، اعتماداً على العلاقة بالبيئة والفهم الجيِّد لخصوصياتها والقدرة على استغلال خاماتها وجني ثمارها. وتتشكَّل أطعمة المجتمع الحسَّاني عموماً من أغذية نباتية وأخرى حيوانية ماشية (أهلية أليفة وبرية متوحشة) وطائرة (أو مجنَّحة) وسابحة. ومن أطعمتهم اليَدْمَة، وهي إدام الطعام، وغَطْسُ الأكل لقمته في محل الإدام، كما في كلامهم الشعبي: “اتَّغْطَاسْ فَ بَلْ اليَدْمَ”.

بالقاء نظرة وجيزة حول حياة الإنسان الصحراوي (زمن البداوة)، سنلحظ بأن له طبيخ ووجبات رئيسية خاصة تمثل برنامجه الغذائي شبه اليومي، وهي وجبات يشكِّل فيها الخبز ولحم ولبن الإبل والماعز والشعير والشاي المواد الاستهلاكية الأساسية له.

الخبز: أحِنُّ إلى رغيف أمي..

الخبز، هو من دون منازع مادة رئيسية يستهلكها المجتمع الصحراوي على نحو كبير، لاسيما النوع الأبيض المسمَّى دقيق الدرمك Froment الصافي والخالص، أضف إلى ذلك خبز الشعير ويليه خبز الذرة. ولوفرة الشعير بالصحراء، يخصَّصُ جزءٌ منه لعلف الماشية. والخبز مادة هيدركربونية هامة وغذاء ممتاز يتكوَّن من طحين القمح، أو الذرة، أو الشعير والماء والملح والخميرة غالباً، لاسيما إذا كان مستحراً من القمح الجيِّد أو مخبُوزاً بطرق صحية سليمة، وتتجلَّى قيمته الغذائية في كون كل مئة غرام منه تعطي 279 كالوري تقريباً.

عن الخبز قال الرسول (ص): “أكرموا الخبز، فإن الله تعالى أنزله من بركات السماء، ولا يسمح بمسح اليَدِ بالخبز”. يقال للخبز: ابن حبَّة، وفي هذا قال الشاعر:

في حَبَّةِ القلبِ منّي زَرَعْتُ حُبَّ ابنِ حَبَّة

الخبز، هذا الطعام الذي يطبخ في علاقة مباشرة مع النار أو الرماد أو الحجارة المحمَّاة دون أن تمسَّه النار وتحرقه. فيُلامسه الهواء يجفِّفه ويضاف إليه الماء ليعجن فيبعد في طبخه عن المشوي ويقترب من المطبوخ، وقد تساهم رطوبة الماء في فساده إذا لم يطبخ إو إذا طبخ طبخاً يسيراً. كما قد يوضع فيه الخمير (عفن) فيخمِّره ويساهم في تجفيفه، فيعبِّر الخبز عن الطبخ ويرمز إلى هذا الفن4. ومن أشهر أنواع الخبز بالصحراء “خَبْزَتْ لَفْطِيرْ” التي تُحَضَّرُ بدون خميرة وتُرْدَمُ داخل الرمل الساخن، و”خَبْزَتْ لْحَفْرَة” التي تُوضع بداخل حفرة فحمٍ مشتعلٍ وتكون مغطاة.

اللبن: إكسير الحياة في الصحراء

يلي الخبز اللبن، وهو خلاصة الأب -بشدِّ الباء- أي قوت الأنعام المتناول من لدن لبونة. هو حصيلة ما اقتاتت به ويعطي قوة للمغتذي به ويُنزع من الضرع نزعاً بالحلب. اللبن بعد استخلاصه من لبونة بالحلب يُدعى بالأسماء التالية: حَلوب، حلب (بالتحريك)، رِسل، نشيل، شخاب، عند اختلاب لبون ترى شخوب اللبن مندفعة من الضرع بقوة وبصوت هو الشخف أو الشبخ.

كل الشخوب تقع في المحلب إن كان الحلاب أو الحلابة من الهشم الحاذقين، وإلاَّ فإن اللبون تغلبه لاضطرابها. وفي هذه الحالة (شخب في الإناء وشخب في الأرض)، كما يقول المثل العربي. اللبن بعد احتلابه هو لبن حليب وهو خلاف اللبن الحقين، أي المخزون في وعاء ليختمر ويروب روباً وهو الصالح للمخض ولاستخراج زبد5.

وما رَوَى عطش العرب بجانب الماء كان الألبان من النُّوق والنعاج والأغنام والأبقار. وأعدوا من اللَّبن الرثيئة، وهي اللَّبن الحامض يحلب عليه الحليب وقيل عنه هو أطيب اللَّبن. وقالت العرب: “إن الرثيئة تفتأ الغضب”. وأصل القول أن رجلاً نزل بقوم وكان ساخطاً عليهم وكان مع سخطه جائعاً فسقوه الرثيئة فسكن غضبه. والرثيئة شبيهة بشراب اللَّبن الرَّائب الذي يخلط اليوم مع الماء ويُسمَّى بالشنين6. جاء في اللسان8: إن الرثيئة هي اللَّبن الحليب يُصَبُّ عليه اللَّبن فيتخثر الحامض فيروب من ساعته.

يلعب اللَّبن دوراً رئيسياً في تغذية بدو الصحراء. فشرابهم اللبن قد غنوا به عن الماء، يبقى الرجل منهم الأشهر لا يشرب الماء7 ما دام عندهم لبن النُّوق فلا حاجة لهم بالماء خصوصاً في فصل الربيع، حيث تعوَّدوا أن يشربوا في الصباح ملء إناء كبير “تَازُوَّة” من اللبن الساخن فور ما يحلب “وقْتْ لْعَتْمَ”9. فاللاَّبنون من البدو الصحراويين إذا أخصبوا لا يختارون غير اللبن قوتاً ولا يفضلون عليه تمراً ولا حَبّاً ولا يوقدون ناراً ولا يختبزون10. يقول الشاعر الحسَّاني:

عْلَ لْبَنْ لْبَلْ كَنْتْ طَابْ وَعْـلَ مْرَيُومَ نَـوْمَ
وَالدَّنْيَ گَاعْ ألاَّ اشْرَابْ لْبَـنْ لْبَـلْ وَ مْرَيُومَ

ما يبرز أهمية اللبن كغذاء ما جاء في التنزيل العزيز والحديث. قال تعالى: “وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لَبَناً خالصاً سابغاً للشاربين”11. وعن ابن عمر قال الرسول (ص): “ثلاثة لا تُرَدُّ: اللبن والسواك والدهن”. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: أُتيَ رسول الله (ص) بلبن فشرب فقال: “إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، وإذا سُقي لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزِدنا منه، فإنه ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن”. رواه أحمد في مسنده وابن ماجة والترمذي وحسَّنه أبو داود.

ثم هناك لحم الإبل وعلى الخصوص لحم الجمل، طبيعته بارد يابس غليظ كثيف الغذاء يقوي الباءة وأجوده لحم الذي لم يتعد السنتين، وأكله أنفع لأصحاب الكَدِّ والتعب، وأكل دماغه يضعف العقل ورئته تضعف البصر. ومن منافعه العلاجية أن بَوْلَهُ أنفع شيء للزكام والسعال والكبد والطحال والاستسقاء شمّاً وشرباً12. يضاف إلى ذلك أغذية وأطعمة كثيرة ومتعدِّدة، كلحوم الماعز والغنم والتمر والزبدة والعسل..إلخ.

2- وجبات صحراوية

تشتغل النساء الصحراويات لإطعام أزواجهن وأبنائهن (أو لإعداد الطعام لهم) داخل ما يعرف ب”النْوَالَة”، وهي مكان قريب من الخيمة مخصَّص لإعداد الوجبات في شكل مطبخ موسع يضم جميع لوازم وحاجيات الطَّهي، وبجواره يوجد فرن في حجم جذع المخروط خاص بالرغائف والخبز (خْبَزْ لْحَفْرَة)..

ودون الدخول في تفاصيل جزئية لأنواع المطابخ بالصحراء والأشياء المحيطة بها، ندرج في مايلي أبرز الأكلات الشعبية التي تشكِّل السند الغذائي لأهل الصحراء، منها:

– تِيدْگِيتْ: مَ زِينَكْ يَ شِ..

يتطلَّب إعداد هذه الوجبة تجفيف لحم الإبل بعد تقطيعه في شكل حبال قصيرة ومتوسطة تبسط على “اصْدَرْ” (الشجر)، حيث تتعرَّض لأشعة الشمس، وتسمَّى هذه العملية بـ”التَّشْطَارْ”. وبعد أن يتم تقطيع اللحم (اللحم المشطر) قطعاً صغيرة يُدَقُّ جيِّداً ويمزج مع “لُودَكْ” (وهو حصيلة الذروة) السنام بعد إذابتها، ويطبخ الجميع دون إضافات باستثناء القليل من الملح، وبعد تناول هذه الوجبة يتم شرب اللبن مما يمنح مستهلكيها المزيد من القوَّة والصلابة والمناعة.

– زينابة: الطبخ وسط الرمل

زينابة، بتغليظ حرف الزاء، وجبة صحراوية تتم بقطع الذبيحة كلها وتجعل في معدتها على شكل كيس بفتحة واحدة تُشَدُّ على قطعة عظم الساق المفتوح من رأسيه على شكل قصبة هوائية، ثم يدفن الكيس في الرمال الحارة الملتهبة جرَّاء ما أوقد عليها من حطب، ورأس العظم إلى الأعلى ويشكِّلُ المتنفس الوحيد لها. وتطلق صفيراً متصاعداً لمحتوياتها على امتداد مدة قد تتجاوز ساعة من الوقت لتصير جاهزة للاستهلاك.

– بَلْغْمَانْ: رَافِّينْ عْلِيهْ كَامْلِينْ..

يسمَّى البَلْغْمَان أيضاً بـ”لُوْكِيلْ لَكْحَلْ” (الأكل الأسود)، وهو من أشهر الأكلات وأيسرها بالصحراء إعداداً وتهييئاً، حيث تقوم النساء بتنظيف الشعير من الشوائب (إنَگُّو ازْرَعْ)، وبعد أن ينتهين من هذه العملية يقمن بطحنه في الرحي وغربلته ليتحوَّل من شعير إلى دقيق يسمَّى (لْمَگْلِي). ومن أجل أن يتحوَّل لْمَگْلِي إلى بَلَغْمَانْ (الأكلة)، يقمن بتحضير كمية مختارة من دقيق الشعير وخلطها مع قدر ملائم من الماء المغلَّى جيَّداً والمحلَّى بقليل من السكر، وقد تتم عملية الخلط والمزج بواسطة عود سميك في شكل دبوس “لْمَصْعَادْ”، سواء بإزالة أو عدم إزالة الماعون/إناء الطبخ من فوق النار. وبعد ذلك توضع بوسطه “نَگْعَة” الزبدة أو الدهن حسب ما هو متوفِّر.

نشير في هذا الصَّدد إلى أن هناك من الصحراويين من يكتفي باستهلاك البَلَغْمَانْ على هذا الشكل، ومنهم من يُضيف عليه اللبن (بالمزج) وهي أفضل طريقة لتناول هذا اللون الغذائي الشعبي بالصحراء (اللْغِيفْ).

– لَبْسِيسْ: حَگَا للَّه بَسُّو لْنَا!!

هناك من يسمِّيه بالزَّمِّيتْ، وهو أكلة لا تبعد طريقةُ تحضيرها عن طريقةِ تحضير البَلَغْمَانْ، إنما الفرق بينهما يتمثل في تضاؤل كمية الماء المستعملة في لَبْسِيسْ (الزَّمِّيتْ)، حيث يظهر بعد إعداده جافّاً وقابلاً للتفتُت.

ارتباطاً بهذه الخاصية، نجد في القاموس العربي عبارة: (بَسَّ الشيء) بمعنى فَتَّتَهُ. وفي التنزيل الكريم: “وَبَسَّتِ الجِبَالُ بَسّاً”، وفي القاموس أيضاً، بَسَّهُ أي فرَّقه وأذهب منه شيئاً، ويقال بَسَّت منه الأيام: نالت منه. وبَسَّ الإبل، وبها: ساقها سَوْقاً سهلاً (ويقال أيضاً: ابسها)، ومنها المثل القائل: “الأيناسُ قبل الإبساس” الذي يُضرب في المُداراة عند الطلب.

البَسِيسُ المراد منه القليل من الطعام. والبَسِيسَةُ: التَّسويق أو الدَّقيق يُلَثُّ بزيت أو سمن أو نحوهما، ثم يؤكل غير مطبوخ، ويُراد بها كذلك الخبز الجاف الذي يُدَقُّ ويمزج بالماء ثم يُشرب.

– مَارُو: بْغَيْتُوهْ باللبَنْ..وَلاَّ باللحَمْ؟

مَارُو أو الرَّوْزْ، هو الأُرز. هناك طريقتان لتحضير أكلة مَارُو، منها واحدة يتمُّ فيها مزج الأُرز وطهيه بالحليب أو اللَّبن (على الأرجح)، والثانية وهي الأكثر شهرة من غيرها، تتسم بطهي الأُرز مع اللحم (أو التَّشْطَارْ في حالات معينة) مع الثوابل إن وجدت. وسواء تعلَّق الأمر بالطريقة الأولى أو الثانية، فإن كيفية إعداد هذه الأكلة تتطلَّب الإكثار من الماء والتقليل من النار، وفي هذا السياق يبرز الكلام الحسَّاني التالي للدلالة على بساطة إعداده: “مَارُو مَ يُگَلَّلْ مَاهْ وْلاَ تُكَثَّرْ نارُ”. ورغم ذلك، فإن إعداد هذه الوجبة يتطلَّب خبرة مطبخية بحيث لا يحبذ استهلاكه وهو في حالة متعجِّنة.

– العيش، طعامُ الفقراء..

تُعَدُّ العصيدة -التي اعتبرها الحسن الوزَّان طعاماً خشناً13- من الأطعمة التي كانت منذ العصر القديم، وأكثرها انتشاراً وحضوراً في البوادي عصيدة الشعير، طعام الفقراء، وبعض أهل الزُّهد والتصوُّف14. والعصيدة، استناداً إلى اللسان15، هي التي تعصدها بالمِسْوَاطِ فتمدُّها به فتنقلب ولا يبقى في الإناء منها شيء إلاَّ انقلب، وهي دقيق يُلَثُّ بالسمن ويطبخ.

والعصيدة، أو العيش في الصحراء نوعان: عَيْشْ ادْگِيگْ (الدقيق) وخاصة الشعير، أو الدْشِيشَة، ومن أجل تحضيره تقوم النساء بوضع لتر من الماء في آنية فوق النار حتى يغلي (يْفِيظْ)، ثم يضعن فيه ادْگِيگْ أو الدْشِيشَة، بعد ذلك يقمن بتحريك هذا الخليط بعود خشبي يسمَّى (لْمَصْعَادْ) وتستمر عملية التحريك إلى أن يصبح العيش جاهزاً. وبعد طهيه يوضع العيش في وعاء كبير يُعرف باسم (لْگَصْعَة) وتوضع الزبدة بوسطه (لِيدَامْ) أو الدسم (الدهن). وهناك من النَّاس من يفضل إستهلاكه بهذه الصفة والبعض الآخر يضيف عليه اللَّبن.

يمكن أن نزيد إلى هذه الأكلات، لَگْلَيَّة، وهي حصيلة الزَّرع الذي يوضع في إناء كبير يسمَّى (لْحَمَّايَة)، حيث يتم تسخينه إلى أن يَحْمَرَّ ويصبح جاهزاً للاستهلاك. من أنواع لَگْلَيَّة نذكر: لَگْلَيَّة العادية، گْلَيَّة اجْمَرْ وگْلَيَّة البطحة (الرمل). ثم هناك الغَلْيَة (القلية) التي تضمُّ لحم الإبل (الهَبْرَة) والذَّرْوَة، وقد تتمُّ أيضاً بواسطة لحم الماعز.

أكلة أخرى تحظى بشعبية واسعة عند الصحراويين هي اللحم المطبوخ لوحده في الماء دون توابل ولا خضر عدا الملح في قليل من المرات. وأيضاً الشَّيْ (الشَّواء)، الذي يكثر فيه أَفَشَايْ، وهو حصيلة الكبدة والرِيَّة وأفَدَانْ (الشحمة). هذا دون الحديث عن أكلات أخرى ليست حكراً على أهل الصحراء فحسب، كالشَّعْرِيَّة ولَمْحَيْمْصَة والرْفِيسَة والكَسْكَسْ الذي يتم إعداده عن طريق برم (فتل) دقيق الشعير المجفَّف ووضعه في قِدْرٍ يسمَّى الكسكاس، لينضج على بخار الماء المتسرِّب عبر ثقوب الكسكاس المثبت جيِّداً على إناء الطبخ أسفله..إلخ. وبعد أن تصير حبَّات الكسكس طازجة، يسقي بمرق اللحم، وتوضع فوقه قطع اللحم سواء أكان لحم الإبل أو الأغنام، وقد يفضل البعض الكسكس بدون لحم، ويكتفي باستهلاكه ممزوجاً بلبن النوق أو حليبها مع القليل من السكر، وهذه الوجبة تُعرف لدى كثيرين بكسكس الغبَّة (أي الكسكس الناشف أو بدون لحم)، وهو الكسكس المستعمل في تسمين الفتيات إلى جانب وصفات غذائية دقيقة خاضعة لعملية لَبْلُوحْ Gavage الشائعة في الصحراء..

– أَوْنِيفْ: كَازِّينْهَ مَنُّو..

أَوْنِيفْ وجبة مكوَّنة من أحشاء الإبل (أو وحيش الصحراء بشكل عام)، ومن ذلك: الكَرْشَة ولْكَمْبَسْ والرِّيَة/ الرئة. يطبخ الكل قليلاً، ثم يجفَّف بتركه مدَّة يوم أو يومين في الظل، وبعد ذلك يُدَقُّ ويُوضع في كيس قبل طبخه من جديد. ويقول الصحراويون بأن طعمه ومذاقه يفوق مذاق اللحم.

إضافة إلى الأكلات الشعبية، يمكن الحديث أيضاً عن بعض المشروبات الشعبية الصحراوية أهمها:

– ازْرِيگْ: اشْرَبْ وْعَلْ اشْرَابَكْ..

ازْرِيگْ هو شرابٌ مكوَّنٌ من حليب أو لبن الإبل أو الماعز (في الغالب) بعد مزج كل واحد منهما (حسب الرغبة، أو ما قد يتوفر) ببعض الماء والسُّكر وتحريك الجميع بواسطة أداة تحريك تسمَّى “لْخَوَّاظَة” حتى يصير الشراب جاهزاً وصالحاً للاستهلاك. ويلجأ الصحراويون إلى هذه الطريقة في إعدادهم لمشروب ازْرِيگْ (اللبن الممزوج والسُكر) ليس بسبب اقتصادهم على مادة اللَّبن، وإنما ظنّاً منهم أن هذه الطريقة تساعد على تذويب وتقليص درجة الفيتامينات. ويسمَّى هذا المشروب أيضاً بـ”السَمار”، وهو اللَّبن المَمْذُوقُ الذي ثلثه ماء.

فعندما تكون نسبة الماء أكثر من اللَّبن، سمِّي المشروب بـ”اشْنِينْ”. في ذات السياق، يقال للَّبن الكثير الماء: الضَّيْحُ والضَّيَاحُ، وهو اللَّبن الخائر رُقَّت بالماء يصب عليه. وهو أسرع اللَّبن ريّاً. يُضرب لمن لا يشتفي موعوده بشيء، وذلك أن الريَّ الحاصل من الضَّيْحِ لا يكون متيناً وإن كان سريعاً16. في حين توصف قلَّة اللَّبن بالمُغَارَّة. ومن كلامهم “لم تحلب هذه الناقة ولم تُغَارَّ هي وأودى اللَّبن”. جاء في المثل: “لم تحلب الناقة ولم تُغَارُّ”، يُضرب لمن ضيَّع ماله أو مال غيره. والفُواقُ والفَواقُ: قدر ما تجمع الفِيقة، وهي اللَّبن ينتظر اجتماعه بين الحلبتين. وفي ذلك جاء المثل: “أمهلني فُوَاقَ ناقة” الذي يُضرب في سرعة الوقت.

بنفس الطريقة يتم خلط الماء بدقيق الشعير (أو القمح) المغربل فيُشرب، حيث يسمَّى هذا المشروب بـ”لَمْرِيسْ”، أو قد يتخذ نفس اسم ازْرِيگْ بشكل عام. وهناك أيضاً مشروب: الگُوفْيَا (الذي يعود الأشتقاق الإسمي فيه إلى المصطلح الإسباني Gofio)، وهو حصيلة طحين ودقيق القمح، أو الذرة الصفراء، الذرة الشامية (البَشْنَة). وتُعتبر الگُوفْيَا من أشهر المشروبات الباردة في الصحراء بعد ازْرِيگْ اللَّبن والحليب. وهناك من الصحراويين من يقوم بمزج مشروب الگُوفْيَا ببعض الحليب لإضافة نكهة مذاقية أخرى على هذا المشروب.

أضف إلى ذلك تَمْبَرْمَا، وهو حصيلة مزج مشروب غازي بالحليب المُعَلَّبِ خصوصاً (حْلِيبْ الرَّطْلَ) لمُداواة الألم الذي يُصيب المعدة والأمعاء (اللَّيَّ) جرَّاء حدوث تعفُّن، أو بسبب الإفراط في الأكل. وبهذا المعنى يتَّضح (خلافاً لمشروب ازْرِيگْ) أن مشروب تَمْبَرْمَا ليس شراباً يومياً، بقدر ما هو مشروب في شكل وصفة طبية تستمدُّ تركيبها العلاجي من المادتين المذكورتين، ويستهلك كثيراً في الحالات التي تستدعي ذلك رغم وجود أشكال أخرى من الدواء التقليدي وغيره.

– الشاي: أتَايْ لْعَصَرْ فِيهْ النَّصَرْ..

ظهر الشاي، أو التَّاي في بداية تناوله بالصحراء كواحد من المشروبات المحرَّمة، حيث كان كثيرون يعتقدون -خطأً أو صواباً- بأنه مادة مخدرة ولا يختلف في ذلك عن الخمر والنبيذ..

جاء في: شرح وتقديم مقامة ذات الدخان والتَّاي: “وإذا كان محرِّمهما اعتمد أساساً على تشبيههما بالخمر، خاصة بالنسبة إلى التَّاي، ومحلِّلهما على انتقاء ذلك الشَّبه من حيث التأثير، فإن ذلك القياس من وجهة النظر الأدبية، لا الفقهية، وأراد، وقد حصل.

فقد حلَّ الشاي في أدبهم محلَّ الخمر، فاستحضروا في أدبياتهم عنه كل الخمريات من المجلس إلى السَّمر والكأس والإبريق. وتحوَّل قول أبي نواس: “ألا فاسقني خمراً..”، أو قول يزيد: “ألا فاسقني كأسات خمر..” إلى قول أبي مدين الديماني:

ألا فاسقني كأسات شاي ولا تـذر بساحاتها من لا يعين على السمر

لكن استبدل غير الملائم بما يلائم، فأصبحت النشوة: انتعاشاً يُعين على العبادة والغناء، إنشاداً للشعر ومذكرات للعلم، والجواري: صالحين وأدباء.

والحقيقة، أن الحديث عن الخمر لم يكن مفقوداً في أدبياتهم قبل التَّاي ولا اقتصر عليه بعد دخوله، ولكنَّه حديث من باب الصوَّر اللغوية لا يمت إلى الواقع بشيء، فالشناقطة لم يعرفوا مسكِّراً ولا مخدِّراً.. وسيئتهم المحلية هي الخمر. فشاربها عندهم شبه منبوذ لا يقاس، في نظرة عموم المجتمع حتى بتارك بعض أركان الدين..

لقد رأينا هذا التوضيح ضرورياً كي لا تفهم بعض عبارات نص المقامة فهماً خاطئاً. فالتَّاي الذي يستعملونه هو التَّاي الأخضر الصيني لا شائبة فيه، والتبغ هو التبغ العادي (الصافي) لا غيره. وما ذكر عن تأثيره لا يتعدَّى ما يشعر به المدخن من دوار إذا دخن بعد فترة انقطاع..”17.

في نفس المرجع، نقرأ: “التَّاي بلوى قد عمَّت مُضِرٌّ بالصحة، متلف للمال مستغرق له مخرِّب للأسرة، محطِّم للقيم انجر عنه البخل والتنكُّر للصلاة والمعارف”18. يقول الشاعر حمدون بن الحاج:

شربنا من الأتاي كل معـتَّـق شراباً حلالاً لا نبيذاً ولا خمراً

ويضيف الشاعر سليمان الحوات (محذِّراً):

إيـَّاك إيـَّاك أن ترتاح للـراحِ وادفع مُدير كؤوس الرَّاح بالرَّاحِ

ومما يثبت على أن الشاي كان محرَّماً قديماً بالصحراء، وجود مخطوط فقهي موريتاني يقال بأنه للشيخ أحمد حامد بن محمد ابن المختار الله، وهو فقيه شنقيطي من آل اعمر بن بيج ينتمي إلى مدرسة الرگاگنة19، وفيه يَعتبر الشاي شكلاً من أشكال اللَّهْوِ وضياع الوقت والمال ويتسبَّب في انشغال الناس عن مواعيد الصلاة، إضافة إلى أن شُرْبَهُ يؤدي إلى الاختلاط بالنساء، كما يؤدي إلى الاختلاط بالمرد (جمع أَمْرَد، وهو الشاب بدون لحية) والعبيد والصبيان لملازمتهم سماع الغيبة والكذب والكلام الفاحش، فضلاً عن تسبُّبه في ضَعف البصر و تشوُّش العقل وتعطيل الذاكرة. في أهمية الشاي، قال الشاعر الحسَّاني:

أَتَايْ احْنَ ذَ يَجْمَعْنَ مخْلاَهْ اعْلِـينَ غَالِ
أُوْ هُوَ رَفِيقْ أنْ نَّحْنَ فِي النُّزُولِ وَالتِّرْحَالِ

وأضاف شاعر آخر:

أَتَايْ اعْلِــيَّ لَمْغَـلِّيهْ وَمْشَرِّينِ لُ لَلْكِيـسَانْ
عُودَانْ النَّاس اتْحَاسَنْ بِيهْ النَّاس أَلِّ تَعْرَفْ لَحْسَانْ

من طقوس الشاي بالصحراء أنه لا يصلح إلاَّ بتوفُّر ثَلاَثْ جِيمَات:
– اجْمَرْ: أي مادة الفحم الخشبي.
– اجَّرْ: أي إطالة مدَّة إعداده. يسمِّيه البعض بـ”جَرْ لَبْرُودْ”، وهو التَّراخي في تحضير براريد وحالته الشاي. والمُراد به نصب الشاي على النار وجرِّه، وهو التمهُّل في إعداده وتحضيره.
– اجْمَاعَ: أي جماعة من الناس الجالسين والمتحلِّقين حول الطبلة لشُرب الشاي، وتبادل الأحاديث والمشاركة في النقاش الذي يدور في مجلس الشاي ومائدته.. هذا بالإضافة إلى شروط أخرى، منها توفُّر المواد واللوازم الضرورية وطبيعة المجلس وشكله..

ارتباطاً بشكل مجلس الشاي وطقوسه، كثيراً ما يُقال بالحسَّانية: “طَارْ أَتَايْ”، ومعنى ذلك أنه انعدمت فيه الشروط الضرورية وفق ما تقتضيه الشعائر التقليدية. وبسبب ذلك، يكون الإسراع في تحضيره والتَّعجيل بإنهائه غاية كل الحاضرين. هذا بالإضافة إلى سياقات أخرى كثيرة تُستعمل فيها العبارة المذكورة، منها: عدم إتقان إعداد الشاي، أو عدم استعمال أكواب جيِّدة (كِيسَانْ مَلْسْ) والاقتصار على عيِّنة رديئة، أي كِيسَانْ حَرْشْ (غَجَرْ)، وهي عيِّنة تُعرف باسم كِيسَانْ عَبْلَكْ (أو لَمْهَارَزْ تشبيها ساخراً بلَمْهَارَزْ، وهي المهارس مفردها مهراس). في ذلك، يقال: “طَارْ أَتَايْ..نْزَلْ عَبْلَكْ.. وْطَارُو لْكِيسَانْ”. هذا إضافة إلى مغادرة محضِّر الشاي مكانه لمرَّات متكرِّرة دون أن يكترث بالجماعة، أو ظهور سُلوكات وممارسات مخلَّة بالمقام.. وغير ذلك كثير. يقول الشاعر الحسَّاني مُعَبِّراً في هذا الگَافْ (البيت) الذي يغلب عليه طابع الجناس:

أَتَــايْ يْطَيْرُ ذِي النَّوْبَ خَالَگْ
وَاتَــايْ يْطَيْرُ شِ مَا هُ خَالَـگْ

يتضمَّن هذا الگَافْ تعبير (يْطَيْرُ) الأولى وتعني الاستلطاف أو المدح بما يشبه الـذم، في حين يعني تعبير (يْطَيْرُ) الثانية الاستخفاف والإعراض عنه أو عدم الرغبة فيه.

يستهلك الصحراويون ثلاثة أكواب (بْرَارِيدْ) متتالية من الشاي، وعادة ما يُحَضر كأس رابع يخصص للأطفال (لِيشَاشْرَة) تكون فيه نسبة الثايِّين ضعيفة وغير مضرَّة بصغار السن، مثلما قد يحضر هذا الكأس لفائدة الضيوف حالة رغبة الجميع في إطالة حصة المجلس. لكن تحضير كأس خامس، أو آخر سادس معناه أن المضيف يدعو الحاضرين بوضوح لمغادرة المكان في أقرب وقت ممكن، غير أنه من النادر جدّاً أن يحصل هذا التصرُّف الذي يُعتبر من قبيل الإهانة، لأن دلالته لا تغيب على أحد20.

ونظراً لأهميته الاستثنائية، فإن الحسَّانيين يشربون الشاي ثلاث مرات (على أقل تقدير) خلال اليوم الواحد. وأحسن المواعيد والفترات المحبَّبة لتناوله ما بين العاشرة والحادية عشر صباحاً (اظْحَى) والرابعة مساءً، وهو المسمَّى بأَتَايْ العصر، أو “الأتاي الذهبي”. في هذا يبرز مثلهم الشعبي “أتَايْ لْعَصَرْ فِيهْ النَّصَرْ”. يقول الشاعر سيدي محمد ولد الشيخ احمديَّ:21

أَدرت عليهـم مرَّة بعد مرَّة إلى مرَّة أخـرى إدارة ما جد
فقلت لهم بعد الثلاثة أزيدكم فقـالوا: نعم..لكنَّني غير زائد

والشاي، هو بالطبع أحد مقومات السهر وشروطه، وقد قيل في ذلك:

أَتَايْ أَمْنَيْنْ اگْـدَ دْوَاخْ طَلَّـعْتُ بَالْـمَ طَــالَعْ
بَرْبَعْ كِيسـَانْ أگْدَادْ وَاخْ تَوْ اطْلُــوعْ المَطَــالِعْ

في هذا الگَافْ يعني تعبير: (أگْدَ دْوَاخْ) قمَّة الدْوَاخْ، أي التوق الى استهلاك الشاي، وقد حضره صاحبه بماء مغلَّى “لْمَ طَالَعْ”. فالشاي وحده الذي (يَگْلَعْ أَدْوَاخْ), أي يُزيل آلام وصداع الرأس.. تذكرت مثلاً شعبياً حسَّانياً يقول: “أَدْوَخْ مَنْ أَمْ ازْكَيْرِيرَة”، ومعناه: (أشدُّ تعطُّشاً إلى الشاي)، وأم ازكيريرة من الحبارى، ضرب بها هذا المثل في التَّعطش إلى الشاي لأنها لم تذقه قط!!

أمَّا (اگْدَادْ وَاخْ)، فترتبط بالكؤوس الأربعة المتساوية وذات العيِّنة الواحد المعروفة باسم (لْوَاخْ)، بينما يعني “تَوْ اطْلُوعْ المَطَالِعْ” وقت طلوع الفجر.

3- طقوس وعادات غذائية

للبيضان مجموعة من الطقوس والعادات الغذائية التي تلائم ثقافتهم وبيئتهم ودينهم، منها أنهم يمتنعون عن أكل لحم الخنزير تيمُّنا بقوله تعالى: “إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلَّ به لغير الله”- (البقرة، 2/ 173، النحل، 16/ 145). ثم: “حُرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهلَّ لغير الله به”- (المائدة، 5/3). وأيضاً: “ألا يكون ميتة أو دمّاً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رِجْسٌ”- (الأنعام، 6/ 145).

من طقوسهم كذلك غسل اليدين قبل الأكل، وهي عادة تمتد للشرق القديم والجلوس على الأرض للأكل والشرب اقتداء بالرسول الكريم الذي كان يجثو على ركبتيه ويجلس على ظهر قدميه، أو ينصب رجله اليُمنى ويجلس على اليُسرى رافضاً الاتكاء. أضف إلى ذلك الحث على التسمية والتحميد لقوله (ص): “لا تشربوا واحداً كشرب البعير، لكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمُّوا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم”- رواه البخاري عن أبي عباس. ولقوله أيضاً: “مصُّوا الماء مصّاً ولا تعبُّه عبّاً”- أخرجه البيهقي عن أنس. ولقول أنس: “كان النبي (ص) يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأبرأ وأمرأ”- رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. والمقصود بالتنفُّس هنا الشرب المنقطع، أي بوقفه لأخذ النفس. ويحبذ الحسَّانيون أن تتكرَّر التَّسمية في اللقم الثلاث الأولى جهراً وأن ينحَّى كوز الماء عن الفم بالحمد وأن يردَّ إليه بالتَّسمية. كما ينهون عن الشرب قائماً لقوله (ص): “لا يشربن أحد منكم قائماً”- أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وينهون عن الشرب من فم الإناء حتى لا يعافه الغير. فهم يشربون في وضعية قعود حتى لا ينزل الماء بسرعة إلى البدن فيضرّهم، والشراب عندهم يُدَارُ على القوم يُمْنَةً.. واليمين في اعتقادهم مصدر للخصب ورمز للسعادة والبركة، وهذه واحدة من الخصال المتأصِّلة في ثقافة إنسان الصحراء الذي يأكل باليمين ويأخذ باليمين ويعطي باليمين..إلخ. وساقي القوم عندهم آخرهم شُرْباً.

يرفض الحسَّانيون استعمال الملاعق والشَّوكات خلال الأكل ويفضلون استعمال اليَدِ اليُمنى ويعبِّرون عن ذلك بقولهم الشعبي: “أصْبَاعَكْ يْسَالُوكْ الحَقْ”. كما يتجنَّبون قطع الخبز بالسكين. ومن آدابهم التَّعجيل بأكل الخبز إذا حضر قبل الأدم والدسم، وينهون عن عضِّ الخبز ونهشه ومسح اليدين فيه. ويُفَسَّر حرصهم على لَعْقِ الأصابع وأكل سقط المائدة ولطع القصعة خوفهم من قوَّة الفضلة السحرية. فالسحر الودِّي يستعمل النظير (ما بقي من الطعام) للتأثير في النظير (البدن الذي أدمج في الطعام) إذ تبقى العلاقة متينة بين ما أكل وما لم يُؤكل من الشيء نفسه. والخوف من الفضلة والسقط تتلقفهما الأرواح الشريرة وتتخطفهما”22. يقال: من لعق القصعة وغسلها وشرب ماءها كان له عتق رقبة. وأن التقاط الفُتاة مهور الحور العين.

إضافة إلى ما سبق ذكره، ينصح الحسَّانيون بتجنُّب الأكل من وسط القصعة، ويفضلون الأكل من أسفلها وتفادي الأكل مما يلي الغير. كما ينهون عن قطع الخبز واللحم بالأسنان (انْتِيشْ) حفاظاً على الأسنان (لَمْظَاحَكْ)، وعن التَّگْرَاعْ وسط الأكل. كما يمتنعون عن تناول السمك مع الألبان لاعتقادهم أن المادتين لا تتفقان وقد ينتج عن استهلاكهما ممزوجين الإصابة بالبرص الذي يصيب الجلد. كما يمتنعون عن شرب الشاي مباشرة بعد الكسكس، لأن ذلك قد يتسبَّب في الإصابة بالمَحْوَرْ (حرقة تصيب البلعوم والحنجرة)..إضافة إلى تحريمهم لأكل الطيحان (لاسيما من لا يزال أبوه على قيد الحياة) ويحرِّمون بتر ألسنة الأضحية. فضلاً عن ذلك، يقطع الحسَّانيون الصَّمت أثناء الأكل بالكلام بالمعروف ويتحدَّثون بحكايات الصالحين في الأطعمة، ويَعتبرون الصَّمت من سيرة العجم.

وللحثِّ على الأكل، يستعمل الحسَّانيون تعبيرات شعبية متنوِّعة، منها:
– وَاللَّهْ إذَنَّكْ تَوْكَلْ..
– مَنَلاَّ إذَنَّكْ تْزِيدْ
– سَهْمَكْ..مَ يَعْگْبَكْ!
– طَوْجَنْ (تعبير شعبي موريتاني يعني: كُلْ).
– ذَ وْكِيلْ آشْ لْخَيْر!!
– هَذَ مَ زَگَّلْتُ (زَگَّلْتُوهْ) شِ
– مَ ذَاگُو اذْواگ
– اللحم مَ يْوَللِّي
– حْلَفْتْ بْمُولاَنَ إذَنَّكْ تَوْكَلْ
– مَ يْزُوزَكْ…إلخ.

من الطقوس الأخرى المرتبطة بالطعام عند المجتمع الحسَّاني أن لا يبتدئ أحدٌ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل، إلاَّ أن يكون هو المتبوع والمُقتدى به، فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشْرَأَبُّوا للأكل واجتمعوا له23. وما يستحب لديهم بعد الطعام أن يمسك المرء قبل الشبع ويَلْعَقُ أصابعه ثم يمسح بالمنديل ويغسلها ويلتقط فُتاة الطعام. قال الرسول (ص): “من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعومي في ولده”. ويستحب لديهم القول عقب الإفراغ من تناول الطعام: “الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا سيدنا ومولانا كافي من كل شيء ولا يكفي منه شيء أطعمت من جوع وآمنت من خوف فلك الحمد أويت من يتم وهديت من ضلالة وأغنيت من عيلة فلك الحمد حمداً كثيراً دائماً طيباً نافعاً مباركاً فيه كما أنت أهله ومستحقه. اللَّهُم أطعمنا طيبا فاستعملنا صالحاً واجعله عوناً لنا عن طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك”.

من آدابهم أيضاً تقديم من الطعام قدر الكفاية، فهم يَعتبرون التَّقليل عن الكفاية نقص في المروءة والزيادة عليه تصنُّع ومراءة، كما ينهون عن التَّفاخر بالطعام والتَّباهي به. قال ابن مسعود رضي الله عنه: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه. وكره جماعة من الصحابة أكل الطعام المُباهاة. ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي الرسول (ص) فضلة طعام قط لأنهم كانوا لا يقدِّمون إلا قدر الحاجة ولا يأكلون تمام الشبع. وينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعلَّه لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتُهم ويكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم وذلك خيانة في حقهم24.

ويُعتبر تقديم أجزاء معيَّنة من الذبيحة تكريماً للضيف، أو إهانة له. فالكتف من أفضل أجزاء الذبيحة ويفضِّلون تقديم الأضلاع للنساء. وإذا كان الضيف من حفظة القرآن يعطونه قلب الذبيحة، أمَّا الشيخ الذي يحظى بمنزلة كبيرة داخل القوم، فيقدِّمون له عظم الخاصرة (لْفَلْكَة)، ولكل من العبيد والحدَّادين (الصُنَّاع) نصيب من الذبيحة، إذ يقدِّمون الرأس والأرجل لِلَمْعَلَّم وللعبد الكَرْشَة والرَّقبة. فهذه الممارسة التفضيلية تُعدُّ في نظرنا طقساً أمسى متجاوزاً، وهو يمتدُّ لعقلية قديمة أفرزها زمن العبودية الذي كان يَنْظُرُ إلى بعض فئات هذا المجتمع نظرة احتقار وازدراء!!

كما أن الحسَّانيين في نفس الوقت يمقتون كثرة الأكل انسجاماً مع ما روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه عن النبي (ص): “من قلَّ طعامُه صَحَّ بطنُه وَصَفا قلبُه، ومن كَثُرَ طعامه سقم بطنُه وقسا قلبُه”. وعنه (ص) أيضاً: “لا تُمِيتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب كالزرع إذا كثر عليه الماء مات”. وقال كذلك (ص): “ما زيَّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه”. فالحسَّانيون يقلِّلون من الأكل ومن أهميته ويعبِّرون عن ذلك بالقول: “ألْ داخَلْ لْكَرْشْ مَ رَگْهَ”، وتفصيحه: الداخل للبطن خارج منه، ويفضِّلون بدلاً عن ذلك المظهر الجيِّد كما في قولهم الشعبي: “جَدْ امْنَادَمْ عْلَ جَلْدُ”.

فالقاموس اللهجي الحسَّاني غني بالعديد من الكِنايات والأوصاف والنُّعوت للإنسان الأكول، منها: لَگاَّكْ، وَكَّالْ، أوْكَلْ مَنْ آشْ، أوْكَلْ مَنْ دربالة.. إلى غير ذلك من التعابير القدحية التي تصل أحياناً إلى حَدِّ “المُعايرة”، مثلما هو الحال لدى العرب القدامى الذين كانوا يعيرون بعضهم البعض، ومن ذلك قولهم: “الوحدةُ خيرٌ من الجليسِ السوء، والجليسُ السوء خيرٌ من الأكيل السوء”.. إلى جانب قول الشاعر:

لستُ بأكَّالٍ كأكْلِ العبدِ ولا بنوَّامٍ كنومِ الفـهدِ

أمَّا في ما يخص المرأة النفساء، فإن الحسَّانيين يطبخون لها طعاماً خاصّاً مشحوناً بمواد غذائية غنية لمساعدتها على استعادة صحَّتها ونشاطها بعد متاعب الوضع والولادة. وهذا الطعام الذي يُتَّخذ صبيحة الولادة يسمَّى بالخُرس، بضم الخاء25. وقد اعتنى الطب بغذاء النفساء وألحَّ على أن يكون اللحم المشوي المكبَّب على الجمر وأمراق الفراريخ والدجاج والأخصبة، وأن تمتص ماء اللحم القوي وتتناول الشراب الحلو الأحمر ونبيذ العسل. فالنفساء مثلها مثل النَّاقة تدبيرها الغذاء المعتدل اللطيف الذي يُرجع إلى البدن قوَّته رويداً رويداً وهي الفاقدة لحرارتها بخروج الجنين من رحمها ودمائها التي كانت محتبسة تسخّنها. تنزف منها نزفاً يبرِّدها فتحتاج إلى ما يَرُدُّ دماءها إليها وما يحييها وقد كادت تفقد أنفاسها26.

من الأطعمة الأخرى توجد الوكيرة، وهي طعام البناء مأخوذ من الوكر، وهو المأوى. وكان يُتَّخذ طعاماً عند بناء دار أو شرائها فيتبرَّك صاحب الدار بإطعام أصحابه “يَكْشِي الدَّارْ”، هذا دون الحديث عن طبيخ وأطعمة أخرى مرتبطة بمغادرة مريض لمستشفى أو عودة حاج لبيت الله الحرام أو غائب دام غيابه وقتاً طويلاً..إلخ.