مع محمد أسليم

حوار مع الباحث المغربي محمد أسليم

الكاتب المغربي محمد أسليم المهموم بدراسة السحر وعوالمه : ارتباط المغرب بالسحر يدخل ضمن مكونات المتخيل العربي الإسلامي.. وجميعنا نمارس السحر بدون وعي منا!!

كتب عن السحر وعن خفاياه، وكان كتاباه “حديث الجثة” و”كتاب الفقدان: مذكرات شيزوفريني” أهم محطتين ضمن مسيرته الأدبية، ذلك أن الأول حظي بترحيب من نقاد الأدب المغاربة بلغ حد إمكانية جمع كتاباتهم عن هذا المؤلف في كتاب تحت عنوان: “الكتابة والموت.. دراسات في حديث الجثة”، والثاني أحرز سنة  2000على تنويه لجنة تحكيم جائزة “الأطلس الكبرى” التي تمنحها السفارة الفرنسية بالمغرب سنوياً للكُتَّاب والباحثين المغاربة.
(محمد اسليم) ولد في الستينات وتلقى دراسته الثانوية والجامعية في الرباط والعليا في باريس، يمتهن حالياً التعليم بإحدى مؤسساته العليا بالرباط، شرع في كتابة نصوصه السردية منذ أوساط الثمانينيات. وقد صدر منها – بالإضافة إلى العملين السابقين – “سفر المأثورات”، “بالعنف تتجدد دماء الحب”، وأخيراً “رقصة باخوس” التي قد لا يعرفها القراء الورقيون الذين لا يتعاملون مع عالم المعلوميات، لأنها صدرت في طبعة رقمية لا غير. أما الأبحاث، فلم تلج حقل التداول إلا في مستهل التعسينيات، ولم يجتمع منها في هيئة كُتَّاب إلا ثلاث مجموعات، إحداهما تحت اسم “ذاكرة الأدب في الشعر والرواية والمسرح”، والثانية تحت عنوان: “الإسلام والسحر”، والأخيرة تحت اسم “هوامش في السحر”، إضافة لما سبق، له اهتمام بالترجمة، من الفرنسية إلى العربية حيث ترجم سبعة كتب تتوزعها انشغالات اللغة والسلطة والمجتمع والأدب والتحليل النفسي والاثنولوجيا والتربية والعلوم السياسية. وبإمكان عموم المهتمين بقراءة الأعمال الآنفة تصفحها والحصول مجاناً على نسخ منها انطلاقاً من موقعه على شبكة الإنترنت: http//aslimnet.free.fr.في التي يرغب في اصطيادها أدت هذه الطلاسم إلى تسهيل عملية الصيد، إلخ. هذه النظرية والطقوس لم ترُق، مع تقدم السنين والتجارب، قسماً من السحرة فانفصلوا عن عالم السحر وأسسوا عالماً آخر، يدعى “العلم”. بيد أن ما يفعله المعلم والتلميذ المنشق، إلى يومنا هذا، لا يعدو مجرد التعبير عن الرغبة وابتكار أدوات إشباعها. لكن كل يسلك إليها سبيل: السحر يلازم منظومته الفكرية وطقوسه العتيقة، رافضاً أي تجديد أو ابتكار، أو يتجدد ويبتكر، لكن سائراً سير السلحفاة بحيث لا يمكن إدراك جديده وتحولاته إلا بمقياس القرون أو الألفيات. أما المعلم، فمنظوماته الفكرية متعرضة على الدوام للتغيير والانقلابات الجذرية، ابتكاراته/طقوسه تحقق تراكماً وتكاثراً هائلين. فقد رغب الإنسان، منذ القدم، في الطيران في الهواء، وطي المسافات، مثلاً، فابتكر السحر طقوساً لارغام الجن والأرواح المنتشرة في الكون على نلبية الراغب في هذا الطيران. ومع ابتكار الطائرة والتواصل الإلكتروني، مثلاً، لم يأت العلم بجديد سوى تعويض الكائنات غير المرئية بأخرى مرئية تتيح تلبية رغبة الطيران في الهواء وطي المسافات لسائر الراغبين في ذلك. أكثر من ذلك مرغماً الجميع على اجتياز طقوس سحرية، أشدها جلاءً ذلك الطلسم المزخرف بنقوش ورسوم وطلاء مداد، الذي يدعى تذكرة السفر.. من هذا المنظور، يمكن تلخيص الفرق الجوهري بين السحر والعلم في ثبات الأول وروحانيته وتحول الثاني وماديته.

إن المغرب الحالي يحمل “ذاكرة” ثقافية يُعتَبَر السحرُ، والخفيُّ عموماً، أحد مكوناتها الأساسية.. ما السر وراء اقتران اسم المغرب بالسحر؟
– في الواقع، يدخل السحر والخفي ضمن المكونات الأساسية لجميع المجتمعات، وبدون استثناء. ألا ترتد أصول سائر المجموعات البشرية إلى ما نسميه الآن بالإنسان البدائي؟ ألم يكن السحر منظومة فكرية تهيمن على الفكر البشري في سائر أنحاء المعمور طيلة آلاف من السنين؟ إن هذا المعطى هو ما يكمن وراء الحديث عن السحر باعتباره من المكونات الأساسية للذاكرة المغربية. أما اقتران السحر باسم المغرب. فمن المفيد النظر إليه – برأيي – من جانبين: المتخيل والواقعي.
فقد انطلقت الحضارة، كما هو معروف، من المشرق. والمغرب كان يشكل في متخيل القدماء أقصى نقطة في المعمور، حافة الدنيا إذا جاز التعبير (ونذكر انهم كانوا يسمون المحيط الأطلسي بحر الظلمات، ويظنون عدم وجود أي شيء وراءه ولنستحضر في هذا الصدد انهم كانوا يتخيلون أن الأرض مسطحة وليست كروية). ولما وصلوا إلى المغرب توهموا انهم وصلوا إلى نهاية الدنيا التي تقع على حافة المجهول الذي لا يمكن أن يفضي إلا إلى عالم آخر لا تستوعبه سوى تسمية اللامرئي والآخرة. ومن يقيم قرب الظلام أو الجحيم أو الآخرة أو اللامرئي لا يمكن إلا أن يكون قد تماسَّ مع هذه العوالم واقتبس من معارفها وطقوسها.. بشكل هذا المعطى – برأيي – نقطة البدء التي سترتسم عبرها، بتقدم القرون، صورة “المغربي الساحر”. سيكون مفيداً إنجاز بحث في “ألف ليلة وليلة”، ينكب على دراسة حضور “الساحر المغربي” في حكاياتت هذا المتن الذي يدخل ضمن مكونات المتخيل العربي الإسلامي بقدر ما سيكون مفيداً دراسة منصفات للقدماء مملوءة بالمعارف والوصفات السحرية مع أن محور تلك المؤلفات ونقطة انطلاق تأليفها لم يكن سحرياً، من ذلك مثلاً “تذكرة داوود الأنطاكي” و”حياة الحيوان الكبرى” للدميري.
بيد أن هذه الصور ليست حقيقية مطلقاً بالنظر إلى واقع الأمور. فمن يسمع طلبات المشارقة ورغباتهم في قضاء أمورهم السحرية بالمغرب، يخيل إليه أن أهل المشرق يحملون عن المغاربة صورة متخيلة بمقتضاها يكون السحر داخلاً في الحياة اليومية لجميع المغاربة، بحيث يتحدثون عنه صباح مساء، يترددون كلهم على السحرة يعرفون عناوينهم ومراتبهم في الفعالية. إلخ. والحال أن من المغاربة من لا يعرف أي شيء عن عالم السحر الذي يظل ممارسة هامشية و”أقلية” – إن جاز التعبير – كما في سائر المجتمعات. بيد أننا هنا إزاء أمر له تفسيره، ويتمثل في كون إلقاء صفة “الساحر” على “الآخر” أو “الغير” يدخل في صلب التمثلات السحرية: فقد لوحظ في جميع الشعوب أن نعت السحرة يُلقى به على مجموعات اجتماعية بينها وبين الجماعة المسمية فوارق جغرافية أو عرقية أو ثقافية أو جسدية (اليهود، الحدادون، الغرباء، إلخ). والطريف في الأمر أن المغاربة بدورهم يعتبرون أمهر السحرة موجودين في المشرق، ثم إن الكتب المستعملة من لدن السحرة المغاربة حالياً أغلبها المطلق كتبه مشارقة وطبع في المشرق. ها نحن أمام التمثل نفسه، أمام تلك الصورة السحيقة المتسللة إلينا معاً من أعماق القرون.

في ممارساتنا الحياتية اليومية أو المتوارثة هل فيها سحر نمارسه بحكم العادة بدون وعي منا؟
– بالتأكيد. وهذا أمر عاد جداً، يدخل ضمن صمود ما يسمى ب “البقايا” أو “الرواسخ” التي تثبت في وجه التحولات الاجتماعية والثقافية وتواصل التسلل إلى سلوكات وأنماط تفكير أفراد هذه المجموعة الثقافية أو تلك. فاندثار العناصر الثقافية – أو جزء منها على الأقل – لا يتم دفعة واحدة، وإنما يستغرق زمناً طويلاً وطويلاً جداً. ينطبق هذا على سائر المجتمعات البشرية، بل وعلى النوع البشري ككل على السواء، فنحن، مثلاً، نتداول مجموعة من المفردات ونتصرف بسلوكات تبدو لنا حقائق بديهية بحيث لا نفطن حتى إليها، فأحرى أن نضعها موضع تساؤل أو نغيرها، مع أنها مغرقة في تمثلات الكون السحيقة التي أظهر العلم بطلانها، من ذلك، مثلاً، أننا نقول عن الشمس أنها “طلعت” أو “أشرقت” و”غابت” أو “غربت” مع أن هذا الكوكب واقف في مدار والأرض تحوم حوله، ودوران الأرض هو الذي يحجب عنا الشمس، ثم أن هذا الحجب لا يشمل أبداً كوب الأرض برمته، وإنما يشمل المتحدث عنه انطلاقاً من موقع جغرافي محدد، ف “اختفاء” الشمس في المغرب يوازيه “ظهور” لها في أقصى شرق آسيا.. وإذا اطلعنا على قسط زهيد من كتابات علماء الفلك حول جيولوجيا الكواكب، والأوصاف التي يقدمونها للسبع السيارة انتابنا الذهول أمام استمرار هذا الرواج العالمي لممارسة قراءة الأبراج المستندة إلى نظرية تحكم أجسام العالم السماوي في كل ما يجري في عالم الأرض.. كل ذلك هو في الحقيقة، بقايا من ثقافات سحيقة. والسحر لا يتضمن ما يستثنيه من هذه القاعدة، فهو قبل كل شيء ظاهرة ثقافية. وملاحظة بسيطة لسلوكاتنا اليومية توقفنا لا محالة على تواتر ممارستنا عوائد سحرية بدون وعي منا. لنتأمل أنفسنا لحظات التفاؤل أو التطير.

في بحثك تطرقت إلى أن التلفزيون والإعلانات التجارية تمارس سحراً على الجمهور؟ هل لك أن تحدد ماهية هذا السحر وأشهر أساليبه وآثاره بإيجاز؟
– بالتأكيد يمارس التلفزيون والإعلانات الدعائية سحراً على الجمهور، ويتمثل وجه هذا السحر في الفعالية التي تحققها التلفزة والوصلات الإشهارية مجسدة في القدرة على توجيه الاختيارات والسلوكات وإملاء الأذواق على المشاهدين/المستهلكين. يصعب تحديد ماهية هذا السحر انطلاقاً من التصنيفات السائدة، فنحن هنا إزاء أرقى أشكال التداخل بين العلم والسحر. وإن كان لابد فهو قد لا يخرج عن سحر التلاعب بالعقول والمخيلة، لكن باستخدام تقنيات (علمية) معقدة، تؤلف بين اللغة والنفس والصورة والصوت، وتتيح إيهام المشاهدين بأنهم سيعيشون حياة مثلى وسعيدة إذا ما واظبوا على شراء هذا المنتوج بدل الآخر وإن كان المنتوجان في الحقيقة متماثلين. عمل الإشهار، في هذا المستوى، ينكب على تحريف قيمة الشيء وحقيقته ونقلها من مستوى واقعي إلى مستوى أسطوري، ولا سحر بدون أسطورة كما نعلم.. أما تأثيرات هذا النوع من “السحر”، فهي هامة وحقيقية، إذ لولاها لما خصصت الشركات أحياناً ثلاثة أرباع رأسمالها للدعاية والإشهار وصرفت الربع الباقي في إنتاج البضاعة المراد تسويقها.ل
——-
صدر الحوار الحالي بجريدة الرياض (السعودية) يوم السبت 14 شعبان 1424العدد 12895 السنة 39، انظر نصه الأصلي ضمن قسم الحوارات في الموقع الحالي، تحت عنوان: «جميعنانمارس السحر دون وعي منا».