الأولياء و الأضرحة بالمغرب (دراسة ميدانية لضريح مولاي التهامي بوزان كنموذج)

 من طرف mansour-hajji

تقديم :

يتناول هذا البحث موضوع ”الأولياء والأضرحة” بالمغرب ( ضريح مولاي التهامي بوزان) فالأولياء والأضرحة بالمغرب تاريخ له رواسبه الخاصة الراسخة في ذاكرة المجتمع المغربي وفي جذوره الضاربة في القدم وحصيلته السلبية والإيجابية في صنع تاريخ المغرب القديم والحديث، الضريح لم يكن وليس قبر ولي صالح ولا قبر شيخ ولا قبر شيطان…، لكنه كان مشروعا للسلطة بدأ كفكرة طقوسية واحتفالية فرجوية علمية ثقافية فكرية لها طابع ديني قبل أن يفطن أصحاب السياسة إلى تحويل مجراه وتحوير معناه نحو المستنقع السياسي ونحو لعبة الصراع على السلطة ليتحول إلى ”سحر أبيض” رقى سلالات مغربية (ذات أصول عربية) لتتربع على كرسي حكمه ورقى تجمعات إثنية وعرقية بحكم عدد أفرادها وانتسابها التاريخي وشوكة عصبيتها… للضغط والابتزاز… وبنية استحضار هذا البعد ساعة توزيع وتقسيم غنيمة الحكم أو الأحقية في الاستقلال ضمنيا عن الدولة المركزية أو الاحتماء بغية التقرب من دفع الضرائب ورغبة في الحصانة تحت غطاء الدين.
فمن خلال هذا البحث سنحاول الإجابة على بعض الإشكالات:
الزوايا والأضرحة بالمغرب هل تمثل سلطة دينية أم سياسية؟ وما هو موقعها بين الدين والدولة؟ هل تستمد شرعيتها من نمط الوعي السائد بالمجتمع أم من ارتباطها بالشرعية الدينية للدولة كمساعد وكوسيلة لتحقيق التوازن؟
هل للزاوية والضريح نفس الدور الذي كان لهما في مراحل سابقة من تاريخ المغرب؟
سنعمل من خلال هذه الدراسة أن نبني الأدوار المختلفة للضريح وسنتخذ كنموذج لذلك: ” ضريح الولي الصالح مولاي التهامي” بمدينة وزان.
ومن جهة ثانية سنحاول مقاربة ثقافة الزوايا والأضرحة من خلال اعتماد سوسيولوجيا الثقافة وعلم النفس الاجتماعي كإطار نظري لاستنباط نتائج تؤطرها الفرضية التالية:
« الضريح كوسيلة للتعميه والاستيلاب والمحافظة على نفس الكتلة التاريخية».

الفصل الأول: الولي الصالح مولاي التهامي بوزان
المحور الأول: نبـذة موجزة عن تاريخ الولي:
في المغرب لا تشكل رؤية ضريح ولي أمرا غير عادي فإنما ولى المرء وجهه إلا ويصادف قبة ضريح أو مزار، قصص كثيرة وحكايات حبكت على قدرات هؤلاء الأولياء الخارقة وعن كرامات مازالت حاضرة وفاعلة حتى بعد الممات، ولهذا يقبل الناس على زيارة أضرحة هؤلاء وعلى قدر أهمية صاحب الضريح يكون البناء وشكله من حيث السعة والكبر وفنون الزينة هذا ” ضريح مولاي التهامي” ابن مولاي ”عبد الله الشريف” ذووا النسب الشريف حسب مصادر تاريخية إلى الرسول الكريم نسبة إلى الشجرة النبوية. وسنعرض في النهاية الشكل الهندسي لسلسلة أسماء هذه الشجرة:
بعد هذا التحديد المبسط لنسب ”الولي الصالح مولاي التهامي” سنحاول وضع تأطير جغرافي وإداري لموقع هذا الولي.
يوجد ضريح ”مولاي التهامي” بمدينة وزان وبالضبط بالمنطقة الشمالية للمدنية مجاور للمقبرة العمومية غربا ومعمل الدباغة والحي الإداري للباشوية جنوبا هذا نمن الناحية الجغرافية، أما إداريا فهو ضمن بلدية وزان ( أصبح تابعا للأحباس سنة 1985، ووضعت فيه وزارة الأوقاف صندقا لجمع مال الزوار يسمى ”الربيعة”).
فضريح مولاي التهامي يتميز ببناية جد بسيطة فوق قبته تبن وقش يتجدد كل سنة فلاحية، وفي الداخل رجال يتلون القرآن ويرفعون الأدعية ( يسمون الشرفاء،بعضهم أحفاد هذا الولي)، ورجل يلبس جلبابا جالس عند المدخل معه ماء معطر ( ماء الزهر) وبعض الشموع وهناك نساء وأطفال جالسون حول قبر الولي المغطى بغطاء أحمر وأخضر به بعض الآيات ونسب الولي وتاريخ وفاته… وفوق هذا القبر بعض المصاحف.
وقد عرف هذا ”الولي الصالح” بالصلاح والعلم والتقوى والنسب الشريف وفعل الخير ونفع الناس والزهد ونكران الذات وكثرة الذكر والدعاء والصلاة. حيث قال أحد الشرفاء هناك: « أن مولاي التهامي كان يستقي الماء ليتوضأ به فيصعد في دلوه ذهب وفضة فيقول لا أريد إلا الماء به أن أتوضأ» ويقال أن الأولياء الصالحين هم أهل الدين ويصنفون حسب كثرة الذكر كالتالي: الغوت، القطب، السقف، الحبر. وهم من أقرب الناس إلى الله.

* المحـور الثاني: التبرك بالولي.
زيارة الأضرحة ممارسة دينية راسخة في المغرب:
طقوس زيارة ضريح ” مولاي التهامي” كما لدى غالبية الأضرحة تشمل قراءة بعض آيات القرآن الكريم وذكر بعض الأدعية ثم الطلب من الله ومتوسلين بالرسول الكريم وصاحب هذا القبر لقضاء حاجياتتهم وهنا يظهر الفرق بين المسجد والزاوية، إن المسجد هو مكان عام يدخله كل المسلمين ولا يمكن للمسلم أن يقوم بالأذكار بصفة جهرية كي لا يزعج باقي المصلين فلهذا أسست الزوايا ، فالزوايا أسست للقيام بالأفكار الخاصة بأصحاب الطرق( التصوف) والزائر يلجأ لهذا الضريح بغية قضاء المصالح الاجتماعية كالزواج وطلب الإبن الذكر… أوطبية كالشفاء من بعض الأمراض بالبرص ( حيث يغسل المريض بتراب الضريح)… أو اقتصادية لتيسير العمل والتجارة والربح… أو نفسية كالوسواس والاكتئاب وعدم الراحة النفسية إضافة إلى الحمق والهلوسة وبعض ضحايا المخدرات… أو فقط بغرض السياسة وهناك من يعتبر هذه الزيارة تقليدا عن آبائهم ومحافظة على التراث الشعبي والمعتقدات الشعبية.

الفصل الثاني: مؤسسة الضريح.

المحور الأول: الضريح بين الدين والدولة.

الضريح في المغرب هو مؤسسة وجيش حقيقي مساعد في الحكم وفي الوصول للحكم وفي تمرير خطابات السلطة ورسائلها وتأدية وظيفة للنظام القائم بالاستمرار في الحكم.
نحن لن نساهم في إعادة تبرير ووجود الأضرحة وإنتاج سلعة التخلف والمساهمة في منح ” تزكية ذهبية” للأضرحة وتعليق أوسمة سامية على مؤسسة تغلغل داخلها مجموعة من معوقات تنميتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والغايات المنشودة من رقينا الحضاري وصارت مساهما مباشرا ومحبطا في إنتاج التخلف وسلعه وشتى منتجاته ولكنها قراءة مضمونة النتائج للإرتقاء بالإنسان من خلال مدحه التساؤل عن شرعية وجود هاته الأضرحة والسؤال هو مفتوح على مصراعيه من هؤلاء؟ وكيف نحول هذه الأضرحة من طاقة سلبية تساهم في تكريس القهر والخرافة والجهل قد تعيش اليوم خارج اهتمام الإنسان أو حاضرة بقوة في بعض الجهات في المغرب ضمن مصادر القرار الروحي في المملكة وضمن الاعتبارت القبلية التي تأخذها الدولة بعين الاعتبار أو ضمن أجندة الإنسان المغربي المقهور كأماكن للعلاج من الأمراض النفسية أو وسيط لقضاء الحاجات وتحقيق الرغبات ورفع المطالب الاجتماعية وغيرها من الأمنيات.
فالولي الصالح ” الذي يرقد في ضريحه” لا يشكل لدى الإنسان المغربي نموذجا يقتدى به ولكنه بطل خارق وأسطوري إلى درجة منحه صفة الوسيط المباشر من بين الإنسان والسماء وليست غريبة تلك الطلبات الموضوعة على مكتب ”الولي الصالح” كطلب مساعدة عينية أو رزق أو تيسير بيع وشراء أرض أو طلب الذكر دون الأنثى أو لعلاجه من العقم. لقد شكلت فترات تاريخية هامة إشكالية مباشرة للإنسان المغربي على الأضرحة وساهمت السلطة المـحلية أو السلطـان من خلال إصدار ”صكوك توقير” لتلك الأضرحة والعمل على منحها الهيبة والتبجيل والحضور المهيب القوي في وعي الإنسان المغربي وإقامة الاحتفالات اللائقة بها ناهيك عن ممثليه في الجهات المغربية من قياد الذين برعوا في تحويل الأضرحة إلى أدوات مسيرة ومساعدة ومسلمة لعملية الحكم.
الضريح يجر معه التاريخ والقبيلة والدين والولاية الصالحة والعادات والتقاليد والشخصية الذاتية والمعنوية للمغاربة وقد ساعد الأسرة الحاكمة التي تناوبت على حكم المغرب وممثليها في الأقاليم في الاستقرار واستثاب الأمن للتجسس حينا… وفي منح من يدور في فلكها من الأسر والقبائل والعائلات والحاشية شرعية الاستفراد بالغنائم والخيرات في مقابل تقديم خدمات للدولة ولا يمكن لمن يريد إنجاز دراسات سوسيولوجية وسيكولوجية واقتصادية للمغرب والمغاربة دون استحضار هذا المعطى في حياة الإنسان المغربي الذي كان ”فكرة تلاميذ كرسوا من خلاله مبدأ لعبة السلطان ولعبة حاشيته ولعبة عائلات ولعبة أعداء وما خفي من الأعراض كان أعظم ولم تتردد القوى الاستعمارية وخاصة الاستعمار الفرنسي من التسرب إلى مجتمع المغاربة من خلال الضريح بعد أن تمكنت من إنجاز مونوغرافيا للمجتمع القبلي المغربي وقامت بتحليل وتفكيك تركيبته العقائدية والسيكولوجية والسيسيولوجية… وسهل عليها مهمة الاختراق وتدمير مؤسسة الضريح وتلطيخ ما تبقى من سمعتها بل تفننت الإدارة الاستعمارية في التنظير للضريح وفي توظيفه لتخريب الذاكرة المغربية ولتدريس القهر في نفسية الإنسان المغربي ليخرج الضريح من مفهومه الطقوسي التكريمي الاحتفالي القديم إلى لعبة سلطة ولعبة ”قهر سلطوي” للوصول إلى هاته السلطة نفسها ولم يكن فيها الإنسان المغربي المقهور إلا الضحية والمطية والوسيلة وكم منهم ضحية الصراعات والتطاحنات على الأضرحة وكم منهم تم نحرهم على أعتاب تلك الأضرحة وقد شكل هذا الإنسان المقهور طوال التاريخ المغربي وطوال التطاحنات على السلطة الرافد والمنبع من خلاله يقوم الشيخ أو العالم أو الولي الصالح أو حتى الذكي الزئبقي أو السلطان أو المستعمر لاستغلال هـذا المنجم والتحكـم ببراعة في تدبيره وتسييجه ولم يكن يوما هذا الإنسان المغربي المستلب مصب حدوث التغيير وطلبه. وإنما كانت مزايدات دينية وسياسية تحت محاربة الفساد والسلطان الجائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يكن احد يريد ( بعد أن زاغت هذه المؤسسة عن دورها النبيل). أن يرقى من خلالها ”الكائن” وكان الدافع إجراميا محضا للإبقاء على لعبة المصالح وعلى توازنات الأسر الحاكمة، وكان تحريك هذا الإنسان المقهور تحريكا متحكما فيه بدافع الجهاد حينا وبدافع الولاء للسلطان وإن كان ساعتها هؤلاء عموما يصبحون مع من أصبح ويمسون مع من أمسى وإنما يوظفون الأضرحة ومن خلال التاريخ والدين والقبيلة والولاية الصالحة في الحصول على منافع يغنم من خلال هؤلاء ” الموالون” على رضى وعطف السلطان وعلى صك أبيض للتحرك بحرية في استعباد رعياه المقهورين وجز صوفي القطيع وحلب بقراته وذبح كباشه السمان أو في أحيان أخرى تفجير هاته القنبلة في وجه السلطان ولن نعرج لأن التاريخ المغربي حافل بالنماذج ومشوق في هذا الشأن ولم ينطبق المثل المغربي مطلقا على هؤلاء الذين حرفوا مؤسسة الضريح من مؤسسة منتجة لعقد اجتماعي وثقافي وروحي واقتصادي محلي ووطني وامن وسلام مغربي ووقاية للمجتمع المغربي من العنف والتطرف الديني ومؤسسة احتفالية فرجوية إلى مؤسسة سياسية يوظف فيها الحق بهدف إحقاق الباطل.

* المحور الثـاني: وظيفة الضريح.
- مؤسسة الضريح كمؤسسة اجتماعية:
ظلت الأضرحة مؤسسة اجتماعية ولم يفسدها إلا تدخل السلطان وممثلوه والقبائل وحتى مؤسسة الزوايا وجميع من حول الوصول إلى السلطان وظفها سياسيا فالاحتفال بالذكرى السنوية للرجل الصالح كان مناسبة للصدقة والزكاة ومناسبة اجتماعية للتضامن والزيارة والتراحم ومناسبة للزواج أيضا ومناسبة لتدبير وتصريف الخلافات والأحقاد والفتن ومناسبة عائلية على اعتبار أن اعنف النزاعات غالبا ما تكون العلاقة العائلية والعشائرية والقبلية حاضرة فيها بسبب الأرض أو بسبب الجوار أو بسبب النساء…
فضريح مولاي التهامي يضم مجموعة من الأفراد والجماعات المتمثلة في الزوار الدائمين وأحفاد هذا الولي ( الشرفة) يرأسهم ”المقدم” حيث تجمع بينهم علاقات اجتماعية وهذه الفئة الاجتماعية ملزمة بالحفاظ على صيرورة هذا الضريح والالتزام كذلك بالأمور الدينية كفظ القرآن والتفسير وحفظ الأدعية إضافة إلى الحفاظ على المكان.
* الضريح كمـؤسسة سياسية:
هنا قد نفاجأ من أن هاته الأضرحة هي الفيلق الثاني للحكم في المغرب وقوات مسلحة برتب مختلفة تساهم في الحماية المباشرة للسلطان وتثبيت دعائم سلطته وشيء ما خفقت قوة حضور الأضرحة وأصبح قليل منها على الهامش يمثل شيئا مجهولا لا أهمية له في المكان والزمان في حين ما زال الكثير حاضرا وبقوة، وهي وسيلة ضغط سياسي وتوظيف سياسوي من طرف بعض النافدين ورجالات الدولة الذي تشكل لهم الأضرحة وسيلة لامتطاء وتحقيق المجد السياسي. ووسيلة لربح أصوات المقهورين في مناطقهم من خلال الاهتمام بالأضرحة والإنفاق عليها وملازمة حضور مواسمها وتقديم الذبائح لها وبالقرب أيضا من مصادر القرار ولفت نظر السلطان ووضع منطقة ضمن المناطق الواجب أخذها بعين الاعتبار ضمن رسم خريطة التوازنات القبلية والعشائرية للدولة يحضر هذا البعد لدى كثير من السياسيين الذي يبرعون براعة مطلقة في استغلال تاريخ الاحتفال بصاحب الضريح.وهنا لا يعدم أمثال هؤلاء الوسائل للتغلغل في وسط المجتمع المقهور وتقديم أشخاصهم كأبطال قادرين على تغيير الواقع وتمرير خطاباتهم ”أنهم النموذج منبع للرحمة والعطاء دون حدود.
ونحن لن نقف موقفا سلبيا من هاته الأضرحة باعتبارها مستقرة رموز الحضارة المغربية والتاريخ المغربي وإمكانية الدولة الحديثة في المغرب تحتفل برموزها وت’قيم لهم تماثيل وان الحداثة بمفهومها الواسع لا تتناقض مطلقا مع القداسة الواجبة والتوقير والاحترام لكل من ساهم مساهمة فعالة في تاريخ الدولة وهاته القداسة لا تعني السلبية وإعادة إنتاج خطاب الماضي المشكوك في نزاهته الذي يبلغه من البهرجة والفجور قرب قبور هؤلاء.
* الضريـح كمـؤسسة ثـقافية:
ساهمت الأضرحة بشكل متميز في صون والحفاظ على التصوف والهندسة المعمارية والزخرفة والخط والقراءة القرآنية المتميزة للمغاربة للقران وغيره ولأجلها أنشأت الأضرحة وانفي نفيا قاطعا أن يكون مهندسوا الأضرحة ابتغوا في البداية تحقيق شيء أو افتعال وسيلة ضغط أو بغاية التفاخر بالنسب أو غير ذلك ولكن كل بدعة حسنة معرضة للإغواء والتحريف والزيف وقد بلغت الوقاحة برجال السلطة المغربية استغلال الأضرحة للفساد ونشر الرذيلة ولهذا أكثروا في بنائها.
ولم تتردد القبائل التي كانت تطرد صلحائها في المطالبة برفاتهم بعد الوفاة لجلب منافع دنيوية، وهنا بدأ الفساد الحقيقي فأصبحت تجد وليا بضريحين بل وتفننت عبقرية المغاربة في بناء أضرحة لأشخاص مجهولين وقبور فارغة كانوا يدفنون فيها كل نفائس القرية أو القبيلة أو العائلة، ساعة تعرضها للمحن أو درءا لها من أيدي اللصوص والناهبين وبعيدات عن غارات القبائل المجاورة، أو إخفاء لها من عيون السلطان ومفسديه في الأرض وهكذا دواليك… أيضا كانت تنتعش خلال الموسم ”الحلقة” أو المسرح القبلي وهذا الانتعاش يصاحبه إبداع في التأليف والحكي وإنتاج الفرجة، وكانت ”الفروسية” أروع منتوج ثقافي يلازم موسم والضريح من خلال تاريخ انعقاده…
* الضريح كمؤسسة اقتصادية:
شكلت الأضرحة متنفسا للسكان قصد تصريف بضائعهم وممارسة التجارة وقد كان الموسم السنوي للضريح مناسبة اقتصادية هامة تفنن المغاربة في الاستعداد لها واليوم لم تعد كذلك بقدر ما أصبحت مناسبة للتسوق والاستهلاك، وقد كانت قبلا مؤسسة منتجة للاقتصاد.
فالقرابين والأشياء الثمينة والعـادية إضـافة إلى الذبيحة والمال تـوفر لمقيمي هذ
الضريح وعابر السبيل القوت الكافي لكن قد كان هذا فيما مضى أما الآن فمن الناحية الاقتصادية للولي يعرف تراجعا مستمرا حيث يعتمد أكثر من أربعين شخص ( أحفاد الولي) على إتاوات الزوار، التي غالبا ما تكون بين خمس إلى عشرين درهم، فضريح مولاي التهامي بوزان قد خضع للمأسسة سنة 1985، حيث وضعت الأحباس ما يسمى ” الربيعة” لجمع المال من الزوار ويفتح هذا الصندوق من طرف موظفي الأحباس ليتم إنفاق المال على الضريح ( الإنارة ، الأفرشة، الصباغة…) أما أفاد الولي أو الشرفاء ومصدر رزقهم المقبرة العمومية حيث يتلون القرآن على القبور مقابل شيء من المال.
إذن ومن خلال هذه المعطيات التي حصلنا عليها من البحت الميداني في الموقع ( ضريح مولاي التهامي بوزان) يتبين لنا أن لهذا الولي دور اقتصادي يهم فئة من المجتمع المهمش.

الفصل الثالث: نتائج البحث الميداني:

- المحور الأول: الخصائص العامة للمبحوثين.

توزيع العينة حسب متغير الحالة العائلية: السن:

الجدول رقم (أ).

الحالة العائلية الفئة المدروسة النسبة المئوية %
أعزب 8 %40
متزوج 11 %55
مطلق 1 %5
المجموع 20 %100

الجدول ر قم (ب).

السن الفئة المدروسة النسبة المئوية
{5-25} 6 %30
{25-40} 9 %45
من 40 فما فوق 5 %25
المجموع 20 %100

لعل هذه المعطيات توفر لنا أرضية للنظر في هاته العينة فيلاحظ من خلال الجدول (أ) أن الفئة المتزوجة تمثل 55% من العينة المدروسة ونسبة العزب تمثل %40 وهذا ما يفسر أن هذه العينة المتزوجة لها علاقة بمتغير السن حيث في الجدول (ب) نلاحظ أن الفئة العمرية {25/40} تمثل نسبة %45 وأغلبهم متزوجون. وبالتالي وعلاقته بالتراجع الذي عر فته الممارسات الشعائرية بالمغرب يتضح أن العامل المؤثر بشكل مباشر في هذه الظاهرة هو عامل التربية ونعني بها الأسرة والمدرسة والشارع ولما لذلك علاقة بالإعلام أو التنشئة الاجتماعية عموما. فالطور الفكري المتجلي في الحداثة ( الاستعمار الفكري) يجعل هذه الممارسات تتجه نحو الزوال، نظرا لعلاقتها بالتقليد والأساطير والحكايات…. وهذا التطور يضم جليا في اختلاف أبناء الحاضر مع أبائهم.

* توزيع العينة حسب متغير الجنس:المستوى الدراسي.

الجنس العينة المدروسة النسبة المئوية %
ذكر 9 %45
أنثى 11 %55
المجموع 20 %100

المستوى الدراسي الفئة المدروسة النسبة المئوية %
حاصل على شهادة 9 %45
غير حاصل 6 %30
غير معترف به 5 %25
المجموع 20 % 100

من خلال هذا الجدول يتضح لنا أن الإناث أكثر إقبالا على هذه الأضرحة مقارنة بالذكور فنسبة الإناث تمثل %55 أما الذكور فيمثلون نسبة %45 ولتفسير هذا التفاوت يجب الرجوع إلى ( الأسرة التنشئة الاجتماعية) ولنركز هنا على دورها في إبراز هذا النموذج.
لتحديد أسباب ارتفاع نسبة النساء على زيارة هذا الضريح باعتبار أن المرأة المغربية متحفظة من الشارع فهي ملزمة بالبيت والتربية…- يجب ربط هذه الظاهرة أولا بالجانب التعليمي والثقافي وعلاقة التحولات الاجتماعية بالتأثير الحضاري- صراع الحداثة والتقليد- فنلاحظ أن نسبة غير الحاصلين على شهادة تعليمية في الجدول (ب) أو غير المعترف بهم هم من الإناث أكثر من الذكور وهذا راجع إلى ضعف المستوى الدراسي وهشاشة التعليم المتمثلة في ارتفاع نسبة الأمية والانقطاع الدراسي لما لها من علاقة للجانب الاقتصادي للمجتمع وبذلك نحدث المعادلة التالية:
العجز الاقتصادي للأسرة المغربية+ هشاشة التعليم= الأمية+ التخلف الفكري+ الانحراف+ الجريمة…
وفي هذا الإطار يجب ألا ننسى الاحتكار العلمي والسياسي والاقتصادي للنخبة أو الأسرة البرجوازية بالمغرب ما هو إلا نتيجة لما قدمته الزوايا في مرحلة معينة من تاريخ هذا البلد من تعميه المجتمع عن طريق الدين والخرافة…
واستعمال إيديولوجية الاستسلام والخنوع ( الأسرة الشريفة وجعل الدين مخدرا لهذا الشعب لمصلحة طبقة معينة ضاربة في الوعي العلمي والتقدمي بعرض الحائط واستعمال سياسة القمع ضد كل صوت نادى باسم الحرية والديموقراطية والمساواة…

* المحور الثـاني: استنتاجات عامة.

من خلال نتائج هذا البحث الميداني نستنتج أن العامل الاجتماعي للمبحوثين (الحالة العائلية،السن) يوضح أن هناك تراجعا مستثمرا في زيارة الأضرحة والثقة في فعالية هذا الضريح نظرا لعلاقة التنشئة الاجتماعية للفرد بالإعلام والتربية والشارع كمؤسسات تحدد نوعا معينا من الفكر الذي يحمل اسم الحداثة ( الاستعمار الفكري) ومن هنا نستطيع الوقوف على إيجابيات هذه القفزة النوعية التي عرفها المجتمع المغربي عن طريق التقدم والحداثة وتطور المجتمع وبعد تجاوز إشكال الجنس أو التمايز بين الرجل والمرأة في المجتمع المغربي وما لعلاقة ذلك بالتعليم والواقع الذي يحدد الفكر وبالتالي يحدد الثقافة السائدة وتطورها، لكن يمكن لنا أن نقول وانطلاقا من علاقة الضريح والولي الصالح والزاوية والقبيلة بالسلطة فإن هذه العلاقة أرست جذورها في هذا المجتمع، من خلال احتكار السلط والسياسة تحت مظلة الدين (المخزن). قمع ومواجهة كل صوت ينادي بفصل الدين عن الدولة والعلمانية وفق استقلالية القضاة والممارسة السياسية عن الدين بشكل ديموقراطي.

خـاتمة:

إذن ومن هنا يمكن الجزم على أن الضريح قد استعمل ولا زال ولو بشكل نسبي وسيلة لتعميه المجتمع واستلاب فكره …. للحفاظ على نفس الكتلة التاريخية التي تخدم مصلحة السلطة الوراثية التي منحها الولي لصالح تزكية ساهمت بشكل مباشر في تقسيم غنيمة الحكم والسلط مستغلة في ذالك النسب الشريف في سلالات ذات أصول عربية اعتبرت دخيلا على المغرب الأقصى، وفي نفس الوقت فالدين الإسلامي أو الإسلام السياسي لا يقول دولة إسلامية بل أمة إسلامية فبالتالي ما نراه هنا ليس إلا استغلال لدين الإسلام ولقوة خطابه من طرف جهاز سمي ”المخزن” الذي يمثل أمير المؤمنين أعلى سلطة في بلد لقب ببلد 100 ألف ضريح تنتشر في طول البلاد وعرضها ومؤسسات منتجة للتخلف وغرس قيم القهر والضبط الاجتماعي لصالح طبقة اجتماعية معينة.

You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed.You can leave a response, or trackback from your own site.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Fatal error: Class 'MathCheck' not found in /home/dernofmy/public_html/wp-content/plugins/math-comment-spam-protection/math-comment-spam-protection.php on line 70