نتيجة بحث الصور عن الإنسان في القرآن

المصدر: موقع دفاتر أمير

مقدمة:

قبل أن أدلف إلى صميم موضوعي وجوهره، أود الإشارة إلى بعض الأشياء التي قد تساعد في القراءة الموضوعية لما سيلي تلك الإشارات. فهذه القراءة لا تسعى إلى الإجتهاد في مسائل عقائدية ولا هي بمحاولة لتفسير نصوص، ولا تشتغل على موضوعات تتعلق بالعبادات، فتلك موضوعات ومسائل إشتغل عليها أئمة وعلماء أجلاء أكثر دراية مني في هذا الشأن، إتفقوا وأختلفوا حولها هم انفسهم ومن تبعهم في مناهجهم التي استندوا عليها.

جوهر موضوعي هو سيرة الإنسان في القرآن، وقد شغلني هذا الأمر كثيراً أثناء قراءاتي المستمرة للقرآن الكريم، لكنه ألح علي في شهر رمضان الأخير وأنا أختم القرآن اكثر من مرة. فكما برق في ليلة مظلمة لمعت الفكرة في رأسي وأنا اتتبع آي الكتاب الكريم، لأبدأ التركيز على لب الفكرة التي سيطرت على عقلي، وهي كيفية الإشتغال على سيرة الإنسان بعد خروجه من الجنة وهبوطه إلى الأرض من وجهة نظر انثروبولوجية.

تناول القرآن الكريم مسيرة الإنسان في الأرض مثلما تناولتها الكتب السماوية الأخرى (التوراة والإنجيل)، وقبلها تناولت (الكتب السماوية) مسألة خلق الإنسان وإن إختلفت في بعض تفاصيلها عن بعضها. ولن أتناول مسألة خلق الإنسان إلا بالقدر الذي سيجعلها مدخلاً لتناولي مسيرته الأرضية حتى نزول الرسالة المحمدية، حسبما جاءت في نصوص القرآن، قال تعالى في سورة يوسف عليه السلام: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من قبله لمن الغافلين )، ويقول عز وجل في آخر سورة يوسف: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون).

إعتمدت في ذلك بعد الله تعالى على بعض المراجع، من بينها كتاب القرآن الكريم الذي طبعته دار الفرقان بدمشق وحسب قدراتي على فهم معاني نصوصه، ثم استعنت بمجموعة من كتب التفسير أولها تفسير بن كثير ثم تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي وكذلك على تفسير الميزان للشيخ الطباطبائي، وكذلك على بعض الكتب من بينها (خفايا التوراة وأسرار بني إسرائيل لكمال الصليبي الذي نشرته دار الساقي) وكتاب (قصص الأنبياء للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير – تحقيق محمد عبدالله الزغبي)

وما دخل الأنثروبولوجيا بالإنسان في القرآن؟ خاصة وإنها من العلوم الحديثة التي بدأت تأخذ ملامحها في القرن التاسع عشر الميلادي وبواسطة علماء من دول اوربا، وإنه علم ما نشأ إلا لمساعدة المستعمرين الأوربيين على دراسة الشعوب التي يحتلون أراضيها، وفوق ذلك هو علم يعتمد في دراساته وبحوثه على المنهج الإمبيريقي القائم على الملاحظة والمشاركة وطرق الاستبيان والاستمارات.

لكنه علم يدرس الإنسان أو كما يترجمون الأنثروبولوجيا (علم الأناسة) أو (علم الإنسان)، والقرآن الكريم نزل على إنسان هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو رسالة للإنسان “وما أرسلناك إلا كافة للناس”، على عكس الرسالات الأخرى والرسل الآخرين. وهو فوق ذلك يقص علينا سيرة الإنسان منذ بدء الخليقة، وبين نصوصه كثير من ملامح تلك السيرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وفيه مادة ثرة من التاريخ الإنساني يمكن الإشتغال عليها لمحاولة إستكشاف ثقافات ومعتقدات سادت في عصور بعيدة.

فإذا كان علم الأنثروبولوجيا معني بدراسة الإنسان واعماله وبدراسة ثقافة الشعوب، فهناك الكثير الذي ورد في القرآن الكريم في سيرة للإنسان من قيم وعادات وتقاليد. لعل في قول الباحث الأمريكي  لويس ممفرود في كتابه (أسطورة الآلة) جانب كبير من الحق: “لقد ارتكب الأنثروبولوجيون جريمة نكراء في حق ما قبل التأريخ عندما اعتبروا إن الأشياء المادية (العظام والحجارة بوجه خاص) البرهان الوحيد الذي يمكن قبوله عملياً على فعاليات الانسان البدائي، فالطقوس الدينية واللغة والتنظيم الاجتماعي التي لم تترك أي أثر مادي وعلى الرغم من حضورها المستمر في كل حضارة، لكن بلا شك أهم ما أنتجه الانسان بدء من أولى المراحل، فلقد كان هذا الانسان يسعى إلى صياغة (أنا) انسانية متعالية على (أناه) الحيوانية، وذلك بصُنع الرموز التي يمكن أن يستمدها من إمكاناته الخاصة كأحلامه وأصواته وانحناءات جسده.”

في سيرة الإنسان يذخر القرآن الكريم بكثير من التفاصيل عن حياته، معتقداته، طقوسه، تنظيمه الاجتماعي، وعلم دراسة الإنسان “يهتم بوصف الخصائص البيولوجية والثقافية للجنس البشري عبر الزمان، فضلاً عن الصفات البيولوجية والثقافية المحلية كنظم مترابطة ومتغيرة، عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج متطورة، كما هي معنية ببحث الإدراك العقلي وابتكاره ومعتقداته ووسائل اتصاله” كما تقول الأمريكية مارجريت ميد.

هذا المفهوم يقودني إلى تحديد مساري أكثر، فعلم الإنسان أو الأنثروبولوجيا معنية هنا بدراسة النواحي البيولوجية (العضوية او الحيوية) والثقافية. ويستخدم مصطلح الأنثروبولوجيا الثقافية للإشارة إلى دراسة النواحي الاجتماعية والثقافية. والأخير هو ما سينصب عليه إهتمامي، خاصة وأن الإنثروبولوجيا الثقافية تشتمل على مجالين مهمين هما:

  1. الإثنوغرافيا Ethnography وهو المجال المعني بالدراسة الوصفية للأنماط الحياتية والعادات والتقاليد والقيم الدينية والفنون لجماعة أو شعب معين..
  2. الإثنولوجي Ethnology وهو المجال الذي يهتم بالدراسة التحليلية والاستنباطية للمادة الإثنوغرافية.

إذاً لست معنياً هنا أيضاً بتناول الجوانب المتعلقة بدراسة السلالات البشرية ولا الخصائص التشريحية والبيولوجية للإنسان، خاصة وأن تتبع سيرة الإنسان من خلال القرآن الكريم لا تتيح الإمكانية لدراسة ميدانية “إمبيريقية” بقدر ما هي تدخل في نطاق المنهج الوصفي والتحليل والاستنباط والمقارنة.

الملاحظة المهمة في تتبع خطى تلك السيرة هي جغرافيتها، فالقرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى تناولت سيرة الإنسان في نطاق جغرافي محدد حيث مهبط الديانات السماوية. ولم تتجاوز سيرة الإنسان تلك الجغرافيا المحصورة في الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر. هذا في الوقت الذي سادت فيه كثير من الحضارات في مناطق أخرى قبل آلاف السنين قبل الميلاد، وهي حضارات وسيرة ربما عاصرت سيرة بعض تلك الشعوب والأقوام التي جاءت في القرآن الكريم وربما سبقتها في الوجود زمنياً.

فكل الرسل والأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم نزلوا على شعوب وأمم في تلك الرقعة الجغرافية، بينما كان الشرق الأقصى وبلاد الهند تزدهر فيها ديانات متعددة وحياة مليئة بالأحداث وحضارات أثرت على محيطها وتجاوزته إلى مناطق أخرى. ربما امتد هذا التأثير حتى إلى رقعة مهبط الرسالات السماوية وشعوبها نتيجة للتواصل بين تلك المناطق. ويمكن إكتشاف ذلك من خلال التشابه في كثير من طرق العقائد والتقرب إلى الآلهة والعديد من العادات والتقاليد الاجتماعية وحتى على مستوى النظام الاجتماعي. وبذات القوة وأكثر إنتشرت الديانات السماوية (اليهودية، المسيحية والإسلام) في تلك المناطق وأثرت في كثير من المناطق حول بما فيها الشرق الأقصى، إما بالتفاعل مع ما هو موجود أصلاً أو بإزاحة ما هو موجود من معتقدات وديانات.

ستركز هذه القراءة على تناول تلك السيرة من زوايا ثقافية واجتماعية محددة، لما لها من تأثيرات ممتدة. فهي ستتناول سيرة الإنسان والسحر بتتبع آي القرآن الكريم، ومدى تأثيره على الحياة الاجتماعية في تلك العصور، ولكنها ستستدعي كثير من القراءات التاريخية لعصور ما قبل نزول القرآن، لتشمل تلك المناطق الجغرافية التي لم يأت ذكرها في القرآن كالشرق الأقصى. وهي إستدعاءات ضرورية لأهمية المقاربة بين ما كان يجري في الشرقين الأقصى والأدني، حيث الأخير هو مهبط الديانات السماوية والأول لا يزال متربعاً على عرش الديانات الأخرى كالهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية، وجغرافيا تلك الديانات مليئة بالسحر كمؤثر ثقافي واجتماعي وحتى سياسي واقتصادي.

القراءة ستشتغل باهتمام أيضاً على سيرة الإنسان والجنس، وهو موضوع يمثل ركيزة أساسية في القراءة الاجتماعية للشعوب، وتاريخه مليء بالدسامة والغرابة، هذا غير قصة آدم عليه السلام وحواء حين بدت لهما سوءاتهما وطفقا يقصفان عليهما من شجر الجنة ليوارياها. لذا اهتم به القرآن الكريم وحدد مساراته وشروطه ليصب في صالح البناء الاجتماعي ويؤدي دوره إيجاباً دون ان ينحرف بالمجتمع إلى مسارات قد تعصف به، واعتبر الجنس خارج المؤسسة الشرعية المحددة جريمة يعاقب عليها لدرجة الرجم. هذا غير سيرة البغاء والشذوذ الجنسي وما جاء في سيرة قوم لوط كموضوع يدخل ضمن دائرة الجنس. إضافة لكل ذلك إرتباط الجنس بالسحر في كثير من الممارسات عند الشعوب والأمم القديمة

هنا يطرح السؤالان المتجاوزان لحالة الوصف (الإثنوغرافي) إلى التحليل والاستنباط بالدخول في مجال (الإثنولوجي) دون الدخول في متاهة اصول تلك الشعوب، بل الاهتمام بما يخدم قراءتنا بتلمس علاقتها ببعضها البعض ودراسة هذين السؤالين المتعلقين بالسحر والجنس دراسة مقارنة.

كذلك ستشتغل القراءة على النظم الاجتماعية لتلك الشعوب والأمم كعوامل مساعدة لإستجلاء الغموض الذي يكتنف بعض الجوانب في السؤالين الرئيسيين لإرتباطهما السيامي بتلك النظم. فكثير من النظم الاجتماعية كانت تقر ممارسة السحر والجنس على مستوياتها العليا كقيمتين أساسيتين لا مناص من ممارستهما في إطار تكامل القيم الاجتماعية والثقافية لتلك الأمم والشعوب.

إذاً سميتها قراءة وليس بحثاً او دراسة ليس هروباً من الإلتزامات والشروط الأكاديمية الصارمة، بل إنفتاحاً على مواطن اكثر تساهلاً. رغم ذلك، فهي ملتزمة إلى حد كبير بتلك الشروط، فالفروض مطروحة والأدوات مشار إليها بوضوح وستبقى النتائج مشرعة على كثير من الاحتمالات.