Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > انتصار مفهوم الثقافة- دوني كوش

انتصار مفهوم الثقافة- دوني كوش

على الرغم من أن الظروف قد ساعدت مفهوم الثقافة أو فكرتها على فرض نفسها،  إلا أن البحث في عمل الثقافة بشكل عام أو الثقافات على وجه الخصوص،  لم يتطور بشكل كبير في كل البلاد التي بدأت فيها الإتنولوجيا بالانطلاق.وحظي هذا المفهوم بأحسن استقبال  في الولايات المتحدة وفي كنف الأنثروبولوجيا  الأمريكية الشمالية  وجد أفضل تعميق نظري له.في هذا السياق العلمي الخاص كان البحث في مسألة الثقافات تراكمياً  ولم يشهد بعدها أي تراجع.وهذا الأمر كان حقيقياً لدرجة أن الكلام”عن أنثروبولوجيا ثقافية”  هو الكلام نفسه من الناحية العملية.وقد بلغ التكريس العلمي ل”الثقافة” في الولايات المتحدة لدرجة اعتماد المصطلح بسرعة،  بمعناه الأنثروبولوجي،  من قبل العلوم المجاورة كعلم النفس وعلم الاجتماع على وجه الخصوص.

أسباب النجاح

البحث العلمي ليس مستقلاً تماماً عن السياق الذي أنتجه.ويعد السياق الوطني الأمريكي سياقاً نوعياً  إذا ما قيس بالسياقات الوطنية الأوربية.والولايات المتحدة تقدم نفسها دائماً على أنها بلد يضم المهاجرين من مختلف الأصول الثقافية.وبالتالي فإن الهجرة في الولايات المتحدة تؤسس وتسبق الأمة التي ترى نفسها كأمة متعددة الأعراق.

الأسطورة الوطنية الأمريكية القائلة بأن شرعية المواطنة ترتبط تقريباً بالهجرة- الأميركي هو مهاجر أو ابن مهاجر- هي أساس الاندماج الوطني المثالي  الذي يقبل بتأهيل الجماعات العرقية الخاصة.وغالباً ما ينسجم انتماء الفرد إلى الأمة مع المساهمة المُعترف بها مع جماعة معينة.لذا فإن بعضهم يصف هوية الأميركان بأنها “صلة وصل”،  إذ،  في الواقع يمكنك أن تكون “إيطالياً أميركياً” و”بولونياً أميركياً” و”يهودياً أميركياً” الخ.وقد نتج عن هذا  الأمر ما يمكن تسميته ب “الفيدرالية الثقافية [ شينابر 1974]،  التي  تسمح باستمرارية معينة لا تخلو من التغيرات بسبب الوسط الجديد والثقافات وأصول المهاجرين.ومع هذا تجدر الإشارة إلى أن الأسطورة الأميركية تقود إلى اعتبار الهنود الذين لا ينطبق عليهم تعريف المهاجرين،  والسود الذين كان تهجيرهم قسرياً، غير أمريكيين تماماً.

وللأسباب التاريخية نفسها فإن علم الاجتماع الأميركي الناشئ يفضل البحث في ظاهرتي الهجرة والعلاقات البيعرقية.وعلماء الاجتماع في جامعة شيكاغو، وهي أول مركز لتعليم علم الاجتماع ونشره في الولايات المتحدة، يضعون مسألة الأجانب في المدينة في صلب تحليلاتهم، مساهمين في هذا بتطوير مجال أساسي بالنسبة للمجتمعات الحديثة،  وهو مجال لم يتطور في فرنسا ولم يحظ بالاعتراف إلا في وقت متأخر.أي في السبعينات .وذلك لأن فرنسا، خلافاً للولايات المتحدة لا تعتبر نفسها بلد هجرة، مع أنها كذلك بشكل كبير وبنيوي منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر.إن التمثل الواحدي للأمة مضافاً إلى تمجيد الحضارة الفرنسية المعتبرة نموذجاً عالمياً، يفسر جزئياً أسباب ضعف تطور التفكير الذي استمر طويلا حول التنوع الثقافي للعلوم الاجتماعية في فرنسا. أما السياق الخاص بالولايات المتحدة الأمريكية فقد فضّل طرح تساؤل منهجي حول التباينات الثقافية واحتكاك الثقافات.

طالما وُصفت الأنثروبولوجيا الأميركية ب”الثقافوية”  culturaliste  وهو مصطلح ينطوي على إيحاء تحقيري.إذا أخذنا المصطلح بصيغة المفرد فإنه يبدو تقليصياً:والحقيقة أنه لا يوجد ثقافوية أمريكية بل ثقافويّات  تمثل، إذا لم تكن إحداها مرتبطة بالباقيات، مقاربات نظرية متباينة  ويمكن جمع هذه الثقافويات في تيارات ثلاثة كبرى : الأول هو التيار الذي ورث تعاليم بواس بشكل مباشر، وينظر إلى الثقافة من زاوية التاريخ الثقافي.والثاني يهتم بتوضيح العلاقات القائمة بين الثقافة (الجماعية) والشخصية (الفردية).أما التيار الثالث فيعدّ الثقافة منظومة اتصالات بين الأفراد.

التاريخ الثقافي:إرث بواس

من بين الطرق التي فتحها بواس نشير إلى البحث في البعد التاريخي للظواهر الثقافية التي سيتمسك بها خلفاؤه المباشرون على وجه الخصوص.وهؤلاء، لاسيما ألفرد كروبر وكلارك فيسلر، سيجهدون في توضيح عملية توزع العناصر الثقافية في المكان. فأخذوا عن الاتنولوجيين”الانتشاريين” الألمان في بداية القرن، مجموعة من الأدوات المفهومية التي حاولوا تهذيبها، لا سيما مفهوم “المجال الثقافي” aire culturelle  ومفهوم السمة الثقافية  trait culturel  الذي يقع على عاتقه، بشكل خاص، السماح بتعريف أصغر مكونات ثقافة معينة، وهو تمرين يبدو في ظاهره بسيطاً لكنه في الحقيقة تمرين صعب بل وهمي طالما أنه ليس من السهل عزل عنصر عن مجموع ثقافي لا سيما في المجال الرمزي،  فكيف إذاً والحال هذه يمكن تحليله!.تقوم الفكرة على دراسة التوزع الفضائي لسمة ثقافية أو أكثر في ثقافات قريبة من بعضها وتحليل عملية انتشارها.وفي الحالة التي يكون فيها تلاق كبير بين السمات الثقافية المتشابهة، يمكن الكلام على”مجال ثقافي”وفي مركز المجال الثقافي تقع الخصائص الأساسية لثقافة معينة:وعلى محيطها تتقاطع هذه الخصائص مع السمات الناشئة عن مجالات مجاورة.

كما بيّن كرومر فإن مفهوم المجال الثقافي “يعمل” جيداً في حالة الثقافات القديمة لأمريكا الشمالية، لأن المجالات الثقافية والزراعية تتلاقى هنا تقريباً.لكن في كثير من مناطق العالم نرى أن طابعها فاعل وقابل للنقاش، لأن الحدود أقل وضوحاً ولا يمكن تعريف المجالات الثقافية إلا بشكل تقريبي وانطلاقاً من عدد ضئيل من السمات المشتركة.ومع  ذلك، إذا استخدم هذا المفهوم بشكل مرن فإننا نرى أنه لا يخلو تماماً من الفائدة الوضعية [كروبر، 1952].

لقد قسونا في بعض الأحيان على التخطيطات النظرية والمفهومية للأنثروبولوجيين الذين يركزون تفكيرهم على الظواهر المسماة ب”الانتشارية” لأن الانتشار هو نتيجة التماس أو الاحتكاك بين مختلف الثقافات وبين حركة السمات الثقافية.وإذا صحّ أن بعض إعادات البناء التاريخية خاضعة للصدفة أو   غير معقولة فمردّ ذلك إلى بعض الباحثين من دعاة الانتشار الواسع hyperdiffusionistes  من الأوربيين وليس الأمريكيين.وأغلب أتباع بواس الذين تأهلوا على دقّته المنهجية التجريبية كانوا حذرين في تأويلاتهم.

بالإضافة إلى التراكم المذهل للملاحظات التجريبية التي ندين بها لبواس هناك  المساهمات النظرية لتيار الأنثروبولوجيا الأمريكية هذا الساعي  لفهم تشكل الثقافات، وهي مساهمات ليست قليلة أبداً.كما ندين لهذا التيار بالمفهوم الأساسي ل”النموذج الثقافي” cultural pattern  الذي يدل على المجموع المتكون للآليات التي تتكيف الثقافة مع وسطها (بيئتها)وقد أخذت مدرسة “الثقافة والشخصية” هذا المفهوم من أجل تعميقه. أدى تركيز بواس وأتباعه أبحاثهم على ظواهر الاحتكاك الثقافي وبالتالي على الاقتراض،  إلى فتح الطريق أمام الأبحاث المستقبلية على المثاقفة والتبادلات الثقافية.وكشفت أبحاثهم عن أن أشكال الاقتراض ترتبط بالمجموعة المُعطية والمجموعة المتلقية في الوقت نفسه.كما صاغ أولئك الكتاب فرضية، سيتم التنظير لها لاحقاً، تقول بعدم وجود اختلاف أساسي بين الاقتراض والإبداع،  على اعتبار أن الإبداع غالباً ما يكون  تغييراً، أي إعادة خلق العنصر المُقتَرَض  لوجوب تكيفه مع النموذج الثقافي للثقافة المستقبلية.

مالينوفسكي والتحليل الوظيفي للثقافة:

مثلما أدت تنظيرات الاتجاه التطوري إلى رد فعل بواس التجريبي، فقد أثارت المبالغات التأويلية لبعض دعاة الانتشارية رد فعل برونيسلاف مالينوفسكي (1884-1942) وهو الأنثروبولوجي الإنكليزي الذي ولد نمساوياً من عائلة بولونية.وقد وقف ضد أية محاولة لتدوين تاريخ الثقافة الشفوية، وطالب بالاكتفاء بملاحظة الثقافات مباشرة في حالتها الراهنة دون السعي إلى تتبع أصولها، الأمر الذي يمثل مسعى مؤقتاً  لأنه لا يستند إلى البرهان العلمي.

ومن جانب آخر، انتقد مالينوفسكي تشظية الواقع الثقافي الذي تؤدي إليه بعض أبحاث التيار الانتشاري المتميز بمقاربة  متحفية  muséographie للوقائع الثقافية المردودة إلى سمات نجمعها ونصفها لذاتها دون أن نكون دائماً قادرين على فهم مكانتها في المنظومة الشاملة.ليس المهم أن تكون هذه السمة أو تلك موجودة هنا أو هناك بل المهم هو قيامها بوظيفة محددة في كلِّ ثقافي معين.ويستبعد دراسة تلك السمات منفصلة عن بعضها  لأن كل ثقافة تشكل منظومة ترتبط عناصرها مع بعضها بعض:

“[في كل ثقافة] يقوم كل من العرف والشيء والفكرة والمعتقد بوظيفة حيوية معينة، وتضطلع بمهمة معينة وتمثل جزءاً لا يمكن استبداله في الكل العضوي”[1944].

علينا تحليل الثقافة من منظور تزامني انطلاقاً من تحليل معطياتها المعاصرة.وفي مقابل الانتشارية التي تهتم بالماضي والتطورية التي تهتم بالمستقبل، اقترح مالينوفسكي الوظيفية التي تركز على الحاضر، وهو الفسحة الزمنية الوحيدة التي يمكن للأنثروبولوجي من خلالها دراسة المجتمعات البشرية بشكل موضوعي.وبما أن كل ثقافة تشكل كلاَ متجانساَ، وأن كل عناصر منظومة ثقافية تنسجم مع بعضها بعض فإن هذا يجعل المنظومة متوازنة ووظيفية، وهو ما يفسر  كون الثقافة تسعى للاحتفاظ بانسجامها مع نفسها.ومالينوفسكي يقلل من أهمية اتجاهات التغير الداخلي الخاص بكل ثقافة.ويعتبر أن التغير الثقافي ينشأ أساساَ عن الخارج بفضل الاحتكاك الثقافي.

ولتفسير الطابع الوظيفي للثقافات المختلفة يضع مالينوفسكي نظرية ستثير الكثير من الجدل، وهي النظرية المسماة بنظرية “الحاجات” أساساَ لنظرية علمية للثقافة.(عنوان أحد كتبه المنشورة عام 1944).و يرى أن من شأن العناصر المكونة لثقافة ما،  تلبية الحاجات الأساسية للإنسان.ويقترض نموذجه من علوم الطبيعة،  ويذكر بأن البشر يشكلون نوعاً حيوانياً. لأن الإنسان يعيش عدداً من الحاجات الفيزيولوجية (الغذاء،  التناسل،  الحماية،  الخ..) التي تفرض مقتضيات أساسية.والثقافة هي تماماَ  الاستجابة الوظيفية لتلك المقتضيات الطبيعية.والثقافة تستجيب لها من خلال “المؤسسات”وهو المفهوم الذي يتبناه مالينوفسكي والذي يشير إلى الحلول الجماعية (المنظمة)للحاجات الفردية.والمؤسسات هي العناصر المادية للثقافة وهي الوحدات الأساسية لأية دراسة أنثروبولوجية أما السمات الثقافية فليست كذلك:إذ لا تتمتع أية سمة بأية دلالة إذا لم تعز إلى المؤسسة التي تنتمي إليها.ليس غرض الأنثروبولوجيا دراسة الوقائع الثقافية بشكل عشوائي معزول، بل دراسة المؤسسات( الاقتصادية، والسياسية والقانونية والتربوية ..)والعلاقات القائمة بين المؤسسات في علاقتها مع المنظومة الثقافية المندمجة فيها.

من نظرية الحاجات هذه التي تضع الأنثروبولوجيا في مأزق، نرى أن مالينوفسكي يخرج من إطار التفكير حول الثقافة  بمعناها الحقيقي لكي يعود إلى دراسة الطبيعة البشرية التي يجهد في تحديد حاجاتها بشكل عشوائي إلى حد ما، ويضع قائمة بالوقائع التي تعزز فكرته عن الاستقرار المنسجم  لأية ثقافة، وهنا تتضح حدود الوظيفية:كما يتبين شيئاً فشيئاً أنها غير قادرة على النظر في التناقضات الداخلية والخلل الوظيفي أي الظواهر الثقافية المَرَضيّة.

ومع ذلك فإن لمالينوفسكي  الفضل الكبير في بيان عجزنا عن دراسة الثقافة من الخارج أو عن بعد.ولم يكتف مالينوفسكي بالملاحظة المباشرة(الميدانية)إذ قام بتنظيم systématisé  استخدام المنهج الاتنوغرافي(وصف الأعراق) المسمى ب”الملاحظة المشارِكة” observation participante (وهو صاحب هذه العبارة) وهي الشكل الوحيد للتعمق في معرفة الغيرية الثقافية التي يمكنها الإفلات من المركزية العرقية ethnocentrisme .في استطلاع مكثف وطويل يتقاسم الاتنولوجي حياة (وجود) شعب يجهد في النفوذ إلى عقليته الخاصة به من خلال تعلم لغة أهل البلاد.ومن الملاحظة الدقيقة للوقائع الأكثر خلواً من الدلالة (ظاهرياً) وهذا يعني أن نفهم بشكل أساسي وجهة نظر ابن البلد الأصلي.وهذا المسعى الناشئ هو وحده القادر بالتدريج على إظهار العلاقات المتبادلة بين كل الوقائع التي تمت ملاحظتها وبالتالي تحديد ثقافة الجماعة المدروسة.

مدرسة ((الثقافة والشخصية))

إن الأنثروبولوجيا الأميركية التي طالما سعت إلى تفسير الاختلافات الثقافية بين الجماعات البشرية قد انخرطت تدريجياً منذ الثلاثينات في طريق جديدة.

ولأن دراسة الثقافة جرت حتى هذه الساعة بشكل مجرد، ولأن العلاقات القائمة بين  الفرد مع ثقافته لم تؤخذ بعين الاعتبار فقد اهتم  عدد من الأنثروبولوجيين بفهم الكيفية التي  تقوم من خلالها الكائنات البشرية بتجسيد ثقافتهم ومعايشتها وهم يرون أن الثقافة لا توجد كواقع”في حد ذاته” خارج الأفراد، حتى لو تمتعت كل ثقافة باستقلالية نسبية إزاء هؤلاء  الأفراد.وبالتالي فالمسألة هي كيف أن ثقافتهم موجودة فيهم وكيف تدفعهم إلى الفعل.وما هي التصرفات التي تثيرها لديهم طالما أن الفرضية تقوم تماماً على أن كل ثقافة تحدد أسلوباً معيناً للتصرف المشترك بين الأفراد المشاركين في ثقافة معينة.وهنا قد يكمن ما يشكل وحدة الثقافة ويجعلها نوعية بالنسبة للثقافات الأخرى.إذ ينظر المرء إلى الثقافة دائماً على أنها كلّ وأن الاهتمام يتركز دائماً على الانقطاعات التي تحدث بين مختلف الثقافات لكن طريقة التفسير تتغير.

كان إدوارد سابير  E Sapi (1884-1939) من أوائل الذين أسفوا  لإفقار الواقع الذي رأى سببه في محاولات إعادة تكوين انتشار السمات الثقافية.ويرى أن الموجود ليس العناصر الثقافية التي تنتقل كما هي من ثقافة  لأخرى بمعزل عن الأفراد.، وهي السمات الخاصة بكل ثقافة  ومن شأنها تفسير الاقتراض الثقافي [1949].وقد تكون تيار ثقافي  وُصف بمدرسة “الثقافة والشخصية” مارس تأثيراً كبيراً على الأنثروبولوجيا الأميركية.لا شك أن هذا المصطلح ينطوي على بعض المبالغة نظراً للتنوع الكبير في توجهات الباحثين ومناهجهم. فبعضهم  يميل إلى القول بتأثير الثقافة على الفرد، وآخرون يميلون إلى رد فعل الفرد إزاء الثقافة.ومع ذلك فهم يشتركون في الاهتمام بالمكتسبات التي تم إحرازها في علم النفس العلمي والتحليل النفسي ويتسمون بالانفتاح على تعددية المعارف.ومع ذلك فإن إشكاليتهم تقلب المنظور الفرويدي، حيث لا يرون أن الليبيدو هو الذي يفسر الثقافة، بل على العكس فإن عُقد الليبيدو يمكن تفسيرها من خلال أصلها الثقافي.

إن المسألة الأساسية التي يطرحها باحثو هذه “المدرسة” على أنفسهم هي مسألة الشخصية. وتساءلوا عن آلية التغيير التي تقود أولئك الأفراد،  ذوي الطبيعة المتشابهة في البادية إلى اكتساب أنماط مختلفة من الشخصية التي تتميز بها جماعات معينة. وفرضيتهم الأساسية هي أنه ينبغي على تعددية الثقافات أن ترتبط بتعددية أنماط الشخصية.

روث بينديكت و (الأنماط الثقافية)

كرّست روث بينديكت، (1887-1948)،  التي كانت تلميذة بواس ثم مساعدة له، جزءاً كبيراً من أعمالها لتحديد “أنماط ثقافية” تتسم بتوجهاتها العامة  واختيار تلك الأنماط للانتقاءات  ذات الدلالة المسبقة من بين الخيارات الممكنة.وضعت بينديكت فرضية وجود “قوس ثقافي”يتضمن كل الإمكانيات الثقافية  في المجالات كلها على اعتبار أن كل ثقافة غير قادرة على تحقيق سوى جزء خاص من هذا القوس الثقافي، وبالتالي تظهر الثقافات المختلفة محددة ب”نمط” أو بأسلوب معيّن.وهذه الأنماط من الثقافات الممكنة لا توجد بعدد غير محدود بسبب حدود “القوس الثقافي”وبالتالي يمكن تصنيفها بعد أن يتم تحديدها.وإذا كانت بينيديكت مقتنعة  بنوعية كل ثقافة فإنها تؤكد على أن تنوع الثقافات يمكن رده إلى عدد معين من الأنماط المحددة.

واشتهرت بينيديكت على وجه الخصوص، باستخدامها المنهجي لمفهوم النمط الثقافي  pattern of culture (الذي سيكون عنوان  أشهر كتبها الصادر عام 1934) مع أنها لم تكن مؤلفته بالمعنى الحقيقي للكلمة. لأن فكرته كانت موجودة سابقاً عند كل من بواس وسابير.وهي ترى أن الثقافة تتميز بنموذج pattern خاص بها أي بشكل معين وأسلوب ونموذج خاصين.وهذا المصطلح الذي لا مكان له في اللغة الفرنسية، يقتضي فكرة وجود كل متجانس ومنسجم.

وبالتالي فإن كل ثقافة هي متجانسة لأنها تنسجم مع الأهداف التي تسعى إليها وهي أهداف مرتبطة بخياراتها  من مجموعة الخيارات الثقافية الممكنة.ولا تسعى إلى هذه الأهداف بعلم الأفراد بل من خلالهم بفضل المؤسسات (لاسيما التربوية ) التي ستشكّل كل التصرفات المتفقة مع القيم المهيمنة الخاصة بها.وبالتالي فإن ما يحدد ثقافة معينة ليس حضور أو غياب سمة أو عقدة  أو سمات ثقافية بحد ذاتها، بل في توجهها الشامل في هذا الاتجاه أو ذاك، إنه نمط فكرها وفعلها المنسجم.الثقافة ليست مجرد مراكمة سمات ثقافية،  إنما هي شكل متجانس لتراكبها كلها مع بعضها بعض.وكل ثقافة تقدم  للأفراد مخططاً غير واع لكل نشاطات الحياة.

بالنتيجة فإن الوحدة الدالة التي ينبغي دراستها هي الشكل الثقافي  configuration culturellr من أجل إدراك منطقها الداخلي.وقد أوضحت بينيديكت منهجها من خلال  دراسة مقارنة لنموذجين ثقافيين متناقضين هما  نموذج هنود بويبلو في المكسيك الجديدة لاسيما شعب الزوني(وهو شعب محافظ ومسالم ومتضامن مع بعضه بشكل عميق، كما يحترم الآخرين وهو معتدل في التعبير عن مشاعره) ونموذج جيرانهم هنود السهوب ومنهم شعب الكواكيوتل kwkiutl ( وهو شعب طموح، فردي وعدواني بل وعنيف ويميل إلى التميز بالعاطفة الجياشة): فوصفت الأول بأنه نموذج “أبولوني”  والثاني “نموذج ديونيسي”(الإحالة إلى نيتشه واضحة هنا) وبينت أن ثقافات أخرى ترتبط بهذين النموذجين وبينهما أنماط وسيطة[بينيديكت، 1934].

في الفترة نفسها التي عاشت فيها بينيديكت اختارت مارغريت ميد M .Mead(1901-1978) توجيه أبحاثها إلى الطريقة التي يتلقى الفرد من خلالها ثقافته والنتائج المترتبة على تكون الشخصية. وقررت أن تضع عملية النقل الثقافي وإخضاع الشخصية لضوابط المجتمع socialisationفي مركز تفكراتها واستطلاعاتها.وبالتالي فقد قامت بتحليل ظواهر استقرار الثقافة في الفرد لتفسير المظاهر المهيمنة في شخصيته التي يكمن سببها في عملية الاستقرار هذه.

وأهم أبحاث ميد في هذا المجال هو ذلك الذي قادها إلى أوقيانوسيا حيث تعرفت على ثلاثة مجتمعات في غينيا الجديدة هي مجتمع الأرابش  Arapesh ومجتمع الموندوغومور Mundogomore ومجتمع الشامبو يليChambuili[ميد، 1935].ومن خلال هذه الحالات الثلاث بينت أن الشخصيتين المذكرة والمؤنثة اللتين نظن أنهما موجودتان في العالم كله وأنهما ميزتان بيولوجيتان، لاوجود لهما كما نتصورهما في المجتمعات كلها، بل هناك ما هو أكثر من هذا،  فبعض المجتمعات تتمتع بمنظومة تربوية ثقافية لا تهتم بمقابلة الصبيان بالبنات على مستوى الشخصية.

عند الأرابش يبدو كل شيء منظماً منذ الطفولة الأولى حيث يربى كل من الرجل والمرأة على أن يكونا لطيفين وحساسين ومحبين لخدمة الآخرين.بينما عند الموندوغور، فإن نتيجة منظومة التربية تؤدي إلى التنافس والعدوانية سواء بين الرجال  أو بين النساء أو بين الجنسين.المجتمع الأول يدلل الطفل دون تمييز بين الجنسين،  أما الثاني فيربي أطفاله بطريقة قاسية لأنهم غير مرغوب فيهم سواء أكانوا صبياناً أم بنات.هذان المجتمعان ينتجان، من خلال منهجيهما الثقافيين، نموذجين متناقضين من الشخصية.وفي المقابل يشترك هذان المجتمعان في نقطة واحدة:باعتبارهما لا يميزان بين “علم نفس أنثوي”و”علم نفس ذكري”فهما لا ينتجان شخصية نوعية ذكرية أو أنثوية.وفقاً للمفهوم السائد في مجتمعنا، يبدو الأرباشي، ذكراً كان أم أنثى، متمتعاً بشخصية أنثوية أما الموندوغومورية أو الموندوغوموري فيتمتعان بشخصية ذكرية.لكن عرض الوقائع على هذا النحو من شأنه أن يؤدي إلى معنى مضاد.

على عكس ما سبق،  فإن الشامبوليين، وهم المجموعة الثالثة، فيفكرون مثلنا أي أن الرجال والنساء يختلفون عن بعضهم اختلافاً عميقاً من حيث نفسيتهم  psychologismeلكنهم  يختلفون عنا  في قناعتهم أن المرأة،  بطبيعتها،  هي صاحبة المبادرة وديناميكية ومتضامنة مع أفراد جنسها وغير باطنية أما الرجل فهو حساس وأقل ثقة بنفسه، يهتم كثيراً بمظهره الخارجي وسريع الغيرة من نظرائه.والسبب هو أن شعب الشامبو لي يرى أن النساء هن من يمسك بالسلطة الاقتصادية ويقمن بتأمين ما هو أساسي لحياة الجماعة بينما يتوجه الرجال أساساً، إلى النشاطات الطقسية(الاحتفالية) والجمالية التي غالباً ما تضعهم في حالة تنافس مع الآخرين.

إن سمات الشخصية التي نصفها بالذكورة أو الأنوثة يتحدد عدد كبير منها إن لم يكن كلها بالجنس  وبطريقة سطحية كالملابس وأشكال التصرف وقصة الشعر التي تفرضها على هذا الجنس أو ذاك.[(1935)1963، ص252)].

وبالتالي لا يمكن تفسير الشخصية الفردية بخواصها البيولوجية(كالجنس على سبيل المثال) بل ب”النموذج” الثقافي الخاص بمجتمع معين يحدد تربية الطفل.بدءاً من اللحظات الأولى يتشبع الفرد بهذا النموذج عن طريق منظومة من المحرّضات والممنوعات المصاغة  بشكل صريح أو غير صريح، تقوده  بعد أن يصبح راشداًً،  للتقيد بشكل لاواعِ بالمبادئ الأساسية للثقافة.هذه العملية هي التي  سماها الأنثروبولوجيون بالتثقيف الداخلي  enculturation، .وبما أن بنية الشخصية الراشدة تنتج عن نقل الثقافة عبر التربية فستتكيف من حيث المبدأ مع نموذج هذه الشخصية.والشذوذ النفسي الموجود والظاهر المعالم في أي مجتمع لا يمكن تفسيره بالطريقة نفسها وليس بشكل مطلق(شامل) إنما بشكل نسبي باعتباره[أي الشذوذ]  نتيجة لعدم  تكيف الفرد المسمى ب”الشاذ” مع التوجه الجوهري لثقافته(شعب الأرابش أناني وعدواني، وشعب الموندوغور هو شعب لطيف وغيري).بالتالي هناك علاقة بين النموذج الثقافي ومنهج التربية ونمط الشخصية المُهيمن.

لينتون كاردينر و(الشخصية الأساسية)

يرى الأنثروبولوجيون المنتمون إلى مدرسة “الثقافة والشخصية” أنه لا يمكن تحديد الثقافة إلا من خلال البشر الذين يعيشونها.صحيح أن الفرد والثقافة يشكلان واقعين متمايزين لكن لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض ويؤثر أحدهما على الآخر كما لا يمكن فهم أحدهما إلا في علاقته بالآخر.

لكن الأنثروبولوجيين لا يتوقفون إلا عند ما هو مشترك في نفس الفرد بين أعضاء الجماعة نفسها.في الواقع يتعلق المظهر الفردي للشخصية بفرع معرفي آخر هو علم النفس. هذا المظهر المشترك،  في الشخصية يسميه رالف لينتون (1893-1953) “الشخصية الأساسية”  وهو يرى أنها تتحدد مباشرة بالثقافة  التي ينتمي إليها الفرد.لينتون لا يجهل  تنوع النفسيّات  psychologies  الفردية. ويظن أن مجموعة الاختلافات النفسية يمكن العثور عليها في أية ثقافة.وهو أمر يصح على ثقافة معينة وما هو صحيح في هذه الثقافة أو تلك هو هيمنة هذا النمط أو ذاك من أنماط الشخصية,وفي تطويره لأبحاث بينيديكت وميد رأى لينتون من خلال استطلاعاته المبدئية في جزر ماركيز ومدغشقر أن كل ثقافة تفضل من كل الأنماط الممكنة نمط الشخصية التي يصبح عندها “عادياً”  (متفقاً مع المعيار الثقافي وبالتالي معترف به بأنه نمط عادي.هذا النمط العادي هو “الشخصية الأساسية”، بمعنى آخر هو “الأساس الثقافي للشخصية”(وفقاً للعبارة التي ستتحول في عام 1945 إلى عنوان لأحد كتبه).كل فرد يكتسب هذه الشخصية من خلال منظومة التربية الخاصة بمجتمعه.

وجه المسألة هذا-اكتساب الشخصية الأساسية من خلال التربية- شكل معظم الأبحاث النوعية التي أجراها أبرام كاردينر Abram Kardiner
(1891-1981)، وهو محلل نفسي مؤهل وتعاون بشكل وثيق مع لينتون..وقد درس كيفية تكون الشخصية الأساسية عند الفرد عبر ما يسميه “المؤسسات الأولية” الخاصة بكل مجتمع(وأولها العائلة والمنظومة التربوية) وكيفية تأثير هذه الشخصية على ثقافة الجماعة عبر إنتاجها-عن طريق نوع من آلية الإسقاط)”مؤسسات ثانوية”(منظومات قيم ومعتقدات على وجه الخصوص) تعوّض الإحباطات التي تسببها المؤسسات الأولية التي تؤدي إلى تطور الثقافة بشكل ملموس[كاردينر، 1939]

أما لينتون فقد جهد لتجاوز المفهوم  الجامد للشخصية الأساسية.وكان يأخذ على بينديكت الاختزال الذي كانت تقوم به من خلال ربطها الثقافة  بنمط ثقافي واحد يرتبط بنمط سلوكي مهيمن.ويؤمن أن الثقافة الواحدة من شأنها  أن تتضمن في الوقت نفسه عدة “أنماط”عادية من الثقافة، لأن عدة  منظومات قيمية تتعايش في عدد من الثقافات.ثم ينبغي النظر بعين الاعتبار، كما يقول لينتون،  إلى تنوع القوانين في كنف المجتمع الواحد.والفرد غير قادر على أن يجمع كل الثقافة التي ينتمي إليها ولا يملك معرفة تامة بثقافته.كما أنه لا يعرف من ثقافته إلا ما هو ضروري لـه لكي يتوافق مع قوانينها (الجنس، العمر، الوضع الاجتماعي الخ) ليقوم بأدوار اجتماعية تنتج عنها.ووجود قوانين مختلفة يقود في نهاية الأمر إلى هذه التنوعات الدالة، إلى حد ما،  على الشخصية الأساسية وهي “الشخصيات القانونية “[ لينتون  1945].

وتابع كل من لينتون وكاردينر تفكراتهما حول الفعل المتبادل بين الثقافة والفرد فقالا بأن الفرد ليس مستودعاً سلبياً لثقافته.ويعرّف كاردينر الشخصية الأساسية على النحو التالي:

“هي تمظهر سيكولوجي خاص يتعلق بأفراد  مجتمع معين وتبدى في أسلوب معين من السلوك الذي ينمّق الأفراد تنوعاتهم(اختلافاتهم) بمقتضاه
[1939] .

إن أي فرد كان، ولأنه فرد فريد في حد ذاته وله سماته الخاصة به(حتى لو كانت  تلك السمات نفسية تتضمن الشخصية الأساسية إلى حد ما) ويتمتع بقابلية أساسية،  باعتباره كائناً إنساناً،  على الابتكار سيشارك(الفرد) في تغيير ثقافته بشكل لا يبدو، في أغلب الأحيان،  ملحوظاً،  كما يشارك بعدها في تغيير الشخصية الأساسية.بعبارة أخرى، ، لكل فرد طبيعته الخاصة في فهم وعيش ثقافته مع بقائه مطبوعاً بطابعها.إن تراكم  التنوعات أو الاختلافات الفردية، بدءاً بالموضوع المشترك الذي يكون الشخصية الأساسية يسمح بتفسير التطور الداخلي لثقافة معينة، وغالباً ما يتم هذا التطور وفق إيقاع بطيء.

إن  مختلف الاعتبارات السابقة  تبين عدم إمكانية خلط النتائج التي توصل إليها كل من لينتون وكاردينر حول الشخصية الأساسية بالنظريات الرومانتيكية حول ” روح”الشعوب و”عبقريتها”.ولا يعني انطلاق الأنثروبولوجيين الأميركيين  من التساؤل الذي بدأ به الكتّاب والفلاسفة الألمان،  على وجه الخصوص،  حول الطابع الأساسي لكل شعب لايعني، مع ذلك،  أنهم يقدمون الأجوبة نفسها.إذ إنّ لدى كل من لينتون وكاردينر مفهوماً مرناً حول الانتقال الثقافي الذي تحل التنوعات الفردية محله بالإضافة إلى كونه لا يهمل مسألة التغير الثقافي.وبالتالي فإن مقاربتهما للثقافة وللشخصية هي مقاربة ديناميكية أكثر منها سكونية.

دروس الأنثروبولوجيا الثقافية

خضعت أعمال الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية لعدة انتقادات منها ما هو مشروع في حد ذاته،  في المناقشة العلمية.لكن ما هو أقل مشروعية هو ذلك العرض الاختزالي الذي تعرض من خلاله لأنك تراه أحياناً عرضاً كاريكاتورياً في فرنسا لا سيما حيت تُعرض أطروحات الثقافويين  culturalistes .

وأكثر وجه من أوجه هذا العرض قابلية للجدل هو طابعه التعميمي.فيقدمون الثقافوية على أنها منظومة نظرية واحدة في الوقت الذي يكون فيه الأصح هو الحديث عن “ثقافويات”. وهناك مجموعة من الانتقادات التي وجهت إلى الثقافوية دون أن تحدد أن  عدداً كبيراً منها قد صيغ أولاً من قبل ثقافويين ضد ثقافويين آخرين.وقد شهدت الأنثروبولوجيا الثقافية نقداً داخلياً واسعاً.لقد عُرضت المقترحات الثقافوية تدريجياً وصححت بعض المقترحات السابقة.وإذا نظرنا إلى أغلب الباحثين بشكل منفرد سنرى تطورات ملموسة لفكرهم طيلة ممارستهم لمهنتهم.

هناك الاتجاه الذاتي essentialiste  أو الجوهري الذي يقوم على فهم الثقافة باعتبارها واقعاً في حد ذاته-وهذا ما أُخذ على الثقافويين- هو نقد لا ينطبق بالفعل على كرويبر الذي كان يرى أن الثقافة ناتجة عن مجال “فوق عضوي” يحدد مستوى مستقلاً للواقع ويخضع لقوانين خاصة وبالتالي فهو يعزو إليه وجوداً خاصاً مستقلاً عن وجود الأفراد ويفلت من رقابتهم[كرويبر، 1917].واحتفظت بينديكت بشيء من مفاهيم الاتجاه الذاتي، إذ كانت تعتقد أن  الثقافة تتجه إلى هدف له علاقة بتوجه النمط الخاص بها دون علم الأفراد.لكن غالبية أنثروبولوجي مدرسة “الثقافة والشخصية” تحركوا في وجه المخاطر الناجمة عن إعادة تعريف الثقافة.وتؤكد مارغريت ميد بشكل واضح على أن الثقافة هي  شيء مجرد(لكن هذا لا يعني أنها وهم).ما هو موجود،  كما تقول،  هم الأفراد الذين يخلقون الثقافة وينقلونها ويغيرونها.الأنثروبولوجي لا يستطيع ملاحظة الثقافة على الأرض،  فما يلاحظه  ليس سوى تصرفات فردية.كل جهد الثقافويين القريبين من ميد انصب في نهاية الأمر على فهم الثقافات انطلاقاً من تصرفات الأفراد الذين “هم الثقافة” بحسب تعبير ميد.

ومن الاتهامات الموجهة إلى الثقافوية  ما يقول أنها قدمت مفهوماً سكونياً جامداً للثقافة.وسبق أن بيّنا أن هذا النقد لا يقوم على أساس صحيح.الثقافويون لا يؤمنون باستقرار الثقافويات ويهتمون بالتطورات الثقافية ويسعون إلى تفسيرها من خلال عملية الاختلافات  الفردية  في اكتساب الثقافة.والفرد الذي ينتج  حياة  نفسية خاصة به “يقوم بإعادة تفسير”ثقافته  على وجه الخصوص تبعاً  لتاريخه الشخصي.ومجموع التأويلات الفردية كلها مضافة إلى فعلها المتبادل هي التي من شأنها تطوير الثقافة.وتشدد مارغريت ميد  كثيراً على  حقيقة أن الثقافة ليست “مُعطى” يتلقاها الفرد بشكل كليّ دفعة واحدة من خلال التربية .ولا تنتقل الثقافة كالمورّثات (الجينات).لكن الفرد يمتلك ثقافته تدريجيا خلال حياته وفي كل الأحوال، فهو لا يستطيع اكتساب ثقافة المجموعة التي ينتمي إليها  كلها أبداً.

إن النقاش الأكثر جوهرية حول الأنثروبولوجيا الثقافية هو ذلك الذي يتعلق بالمقاربة النسبية للثقافات ويشدد على تعدديتها  أكثر من تشديده على وحدتها.وترى هذه المقاربة أن الثقافات تُعامَل على أنها كليّات نوعية بعضها مستقل عن البعض الآخر، وبالتالي ينبغي على الثقافة أن تُدرس لذاتها وضمن منطقها الخاص بها.والمسألة كلها تكمن في معرفة ما إذا كانت هذه النسبية الثقافية تشكل ضرورة منهجية أم هي مفهوم نظري.الأنثروبولوجيون الثقافويون يكتنفهم الغموض أحياناً حول هذه المسألة.فقد كانت النسبية في بدايتها مع بواس عبارة عن رد فعل منهجي ضد التطورية.وهذا لا يعني الزعم بأن الثقافات المختلفة هي بالقطع غير قابلة للمقارنة مع بعضها بعض.لكن لا يمكن إجراء هذه المقارنة إلا بعد القيام بدراسة كل ثقافة لذاتها بشكل كامل. لا ريب أننا واهمون إذ نعتقد بقدرتنا على مماهاة ثقافة  خاصة بسهولة مع ثقافة أخرى وتفصيل حدودها وتحليل الكيفية التي لا تُختزل فيها ثقافة إلى أخرى..وكذا الأمر على المستوى المنهجي، إذ من المفيد أحياناً بل من الضروري أن نتصرف “كما لو” أن ثقافة خاصة كانت توجد  كماهية  منفصلة  وتتمتع باستقلالية حقيقية حتى لو لم تكن تلك الاستقلالية، في الواقع، إلا استقلالية نسبية إزاء الثقافات الأخرى المجاورة.

لا شك في أن الثقافويين لم ينجحوا في تحديد طبيعة “الثقافة”  بشكل نهائي كما يقول كرويبر[1952] .ويبقى النقاش مفتوحاً.وهو نقاش لم تتوقف الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية عن المشاركة فيه واستمرت في متابعة أبحاثها بشكل يغلب الابتكار عليه.ودروس الثقافوية أو الثقافويات غنية بالتعاليم.ولم يعد اليوم ممكناً تجاهل وجود أشكال أخرى للعيش والتفكير وأنها ليست تجليّات أساليب قديمة من أي نوع،  كما أنها ليست تجليات أي نوع من أنواع “الوحشية” أو “البربرية”.ونحن ندين لتلك الدروس في أنها وضحت التجانس النسبي بين المنظومات الثقافية كلها.وكل منظومة هي تعبير خاص وأصيل لكل المنظومات الأخرى، عن إنسانية واحدة.

ساهم الباحثون الثقافويون كثيراً في جلاء الغموض  القائم بين ما ينشأ عن الطبيعة(عند البشر) وعن الثقافة وكانوا شديدي الانتباه إلى ظواهر خلط الثقافة بالمعنى الحقيقي للعبارة، مبينين أن الجسد نفسه من صنع الطبيعة.ويفسرون هذا بقولهم إن الثقافة “تفسر” الطبيعة وتقوم بتغييرها.حتى الوظائف الحيوية للإنسان  كالأكل والنوم والجماع والوضع “تمليها” الطبيعة، بالإضافة إلى التغوّط  والتبوّل والمشي والركض والسباحة  الخ. إن  هذه الممارسات التي هي من شأن الجسد تبدو طبيعية بما لا يقبل الشك، وهذا ما برهن عليه مارسيل ماوس عام 1936 في دراسته حول “تقنيات الجسد” حيث يقول:” إن المرء يختلف في طريقة جلوسه ونومه ومشيه من ثقافة لأخرى.ولا يمكننا ملاحظة الطبيعة عند الإنسان إلا بعد أن تقوم الثقافة بتغييرها.

وندين لمدرسة”الثقافة والشخصية” لتوضيحها أهمية التربية في عملية التميّز الثقافي.فالتربية ضرورية للإنسان وحاسمة بالنسبة له لأن الكائن البشري لا يملك عملياً، أي برنامج وراثي يوجه سلوكه.والبيولوجيون أنفسهم يقولون إن  البرنامج “الوراثي” الوحيد للإنسان  هو برنامج التقليد والتعلّم، وبالتالي فإن الفروق الثقافية بين الجماعات البشرية تُفسّر في جزء كبير منها بالمنظومات المختلفة للتربية  التي تتضمن مناهج تربية  élevageالرضّع (الرضاعة، العناية بالجسد، طريقة النوم،  الفطام، الخ) تختلف بشدة من جماعة لأخرى.

وجهد ثلاثة باحثين أمريكيين في تفسير وجود طقوس اليافعين في فترة بلوغهم سن الرشد في بعض المجتمعات وغيابها في مجتمعات أخرى.وظنّ هؤلاء الباحثون أنهم قادرون على إقامة علاقة بين الارتباط الوثيق بالأم في فترة الطفولة المبكرة وبين شرعنة هذه الطقوس.فهناك حيث  تنظيم النوم يتطلب أن ينام الطفل والأم معاً واستبعاد الأب لعدة أشهر وربما لعدة سنوات عن المخدع  الزوجي، فإن طقوس الإدخال، وهي ذروة التأهيل التربوي، تتسم بصرامة خاصة.في هذه الحالة يتم كل شيء كما لو أن الآباء، في فترة نضوج أبنائهم النفسي، يقررون إبعادهم عن تأثير الأم وتأكيد سلطتهم عليهم للحيلولة دون قيامهم بأي تمرد ويقومون بدمجهم في عالم الذكورة[وايتنغ، كلوكهون، أنتوني 1958].

هناك عدد كبير من الباحثين اللاحقين لم يرغبوا في الانتماء إلى الاتجاه الثقافوي ولايمكن حسابهم عليه، هؤلاء استفادوا من أعمال الأنثروبولوجيين الأمريكيين  في مجال التربية.وبينت جاكلين رابان أن تربية الطفل الصغير وولف(السنغال) تفضل أخذ  العلاقة بالآخر بعين الاعتبار .وخلافاً لما نراه في المجتمعات الغربية المعاصرة، فإن تربية وولف تجهد في  تجنب تمييز (فردنة) singularisation  الطفل من أجل تشجيع اندماجه الاجتماعي.لذا لانقدم  المديح للأطفال ولا إلى الأهل بشأن أطفالهم أو لا تقوم بها إلا بشكل مدروس.بالنسبة لجماعة وولف يمكن للمدح أن يكون شؤماً لأنه يشجع على تخصيص الطفل وبالتالي على تهميشه.والعلامات الوحيدة المقبولة بالنسبة للأطفال هي تلك التي تشير إلى  ما يمكن “تفسيره كعلامات اندماج اجتماعي على طريق التحقق في سلوكهم”[رايان، 1979، ص 141].إن علم تربية وولف  يقوم أساساً على تربية التواصل، وتعلم الاستخدام الاجتماعي  الشديد الترميز للكلام هو “تعلم قواعد العلاقات الاجتماعية[المرجع السابق، ص 142].وفي نهاية المطاف  فإن المكتسبات الاجتماعية أهم من المكتسبات التقنية التي تعلمها بشكل غير منهجي،  وأهم من التفتح “الشخصي”للطفل.

لقد اغتنى مفهوم الثقافة كثيراً بفضل الثقافويات المختلفة ولم تعد الثقافة تظهر كمجرد مجموعة من السمات المتفرقة بل كمجموع منظم من العناصر المترابطة فيما بينها وشكلها يساوي في أهميته  مضمونها إن لم يكن أكثر .

ليفي شتراوس والتحليل البنيوي للثقافة

لم تتمكن الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية من تكوين أتباع  كثيرين لها في فرنسا، إلا أن ليفي شتراوس عاد إلى موضوع الشمولية الثقافية التي يعرّفها على النحو التالي:

“يمكن اعتبار الثقافة كمجموعة من المنظومات الرمزية  التي تحتل المرتبة الأولى فيها اللغة وقواعد الزواج والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والدين.وهذه المنظومات كلها تهدف إلى التعبير عن    بعض أوجه الواقع المادي والواقع الاجتماعي وكذلك العلاقات التي يقيمها هذان النمطان مع بعضهما بعض وتلك التي تقوم بين المنظومات الرمزية  نفسها مع بعضها
[1950، ص
XIX ].

لقد سبق وأن اطلع شتراوس على أعمال زملائه الأمريكيين،  وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، أي خلال الفترة بين 1941 إلى عام 1947 أقام في الولايات المتحدة  فترة طويلة حيث تشرب بأعمال الأنثروبولوجيا الثقافية لا سيما أنثروبولوجيا بواس وكرويبر وبينيديكت.

وأخذ ليفي شتراوس أربع أفكار  أساسية من روث بينيديكت.أولها فكرة أن  الثقافات المختلفة تتحدد بنموذج معين  pattern، والثانية هي أن عدد أنماط الثقافات الممكنة محدود.وثالثاً، اعتبار أن دراسة المجتمعات ا”لبدائية”   هي أفضل منهج لتحديد التركيبات combinaisons الممكنة بين العناصر الثقافية.وأخيراً يمكن دراسة هذه التركيبات في حد ذاتها بمعزل عن الأفراد المنتمين إلى الجماعة التي تبقى[ التركيبات] غير واعية بالنسبة لها.

ويتضح إرث بينديكت في السطور التالية المأخوذة عن كتاب ليفي شتراوس : مدارات حزينة:

يتميز مجموع أعراف شعب ما دائماً بأسلوب معين، وهذه الأعراف تشكل منظومة معينة وأنا مقتنع بأن عدد هذه المنظومات محدود وأن المجتمعات البشرية،  شأنها شأن الأفراد في ألعابهم وأحلامهم أو هذيانهم-لا تنشأ أبداً بشكل مطلق، لكنها تكتفي باختيار بعض التركيبات في مسرد مثالي حيث يمكن إعادة تشكيلها.ويمكننا من خلال وضع كشف بكل الأعراف التي تمّت ملاحظتها وتلك التي نتخيلها في الأساطير، والتي توحي بها ألعاب الأطفال والبالغين وأحلام الأفراد الأصحّاء أو المرضى والتصرفات النفسية المَََرَضيّة، (يمكننا )وضع جدول دوري يشبه جدول العناصر الكيميائية حيث قد تظهر الأعراف الحقيقية أو الممكنة فقط مجموعة في عائلات وحيث لا يعود بإمكاننا  إلا الاعتراف بتلك التي اعتمدتها المجتمعات بشكل فعلي [1955، ص 203].

على الرغم من وراثة فكر ليفي شتراوس لبعض من فكر الأنثروبولوجيين الثقافيين الأمريكيين إلا أنه يتميز عن ذلك الفكر من خلال سعيه لتجاوز المقاربة الذاتية particulariste  للثقافات.وأراد ليفي شتراوس من دراسته للتنوعات الثقافية تحليل (ظاهرة)عدم تغيّر الثقافة.ويرى أنه لا يمكن فهم الثقافات الخاصة دون الرجوع إلى الثقافة”التي هي رأس المال المشترك” للبشرية التي تمتح الثقافة منها لوضع نماذجها النوعية.وما يسعى ليفي شتراوس إلى اكتشافه في تنوع الإنتاجات البشرية هو المقولات  catégories والبنى اللاواعية للعقل البشري.

تطمح الأنثروبولوجيا التي ينادي بها ليفي شتراوس إلى الكشف عن “الثوابت” ومن ثم تصنيفها.والثوابت هي المواد الثقافية التي تتشابه دائماً من ثقافة لأخرى، وعدد هذه الثوابت محدود حتماً  لأن  النفسية البشرية واحدة.في الوقت الذي تحل فيه الثقافة محل الطبيعة، أي في مستوى الشروط العامة جداً لعمل الحياة الاجتماعية يمكن إيجاد القاعدات العامة التي تشكل في الوقت نفسه مبادئ لازمة للحياة في المجتمع.فمن طبيعة الإنسان أن يعيش في مجتمع،  لكن تنظيم الحياة في مجتمع سببه الثقافة ويقتضي وضع قاعدات اجتماعية.وأكثر الأمثلة دلالة على هذه القاعدات الشاملة التي تقوم البنيوية بتحليلها هو تحريم جماع المحارم الذي يقوم على ضرورة المبادلات الاجتماعية.

تضطلع الأنثروبولوجيا البنيوية بمهمة العثور على ما هو ضروري للحياة الاجتماعية، أي  الكليّات الثقافية أو، بعبارة أخرى،  ما قبليات المجتمع البشري.وانطلاقاً من هنا  توضع البناءات structurations  الممكنة والمحدودة عددياً، للأدوات الثقافية matériaux culturels  أي ما من شأنه خلق التنوع الثقافي الظاهر بعيداً عن ثبات المبادئ الثقافية الأساسية.ولعرض هذه العلاقة بين عالمية الثقافة وخصوصية الثقافات يستخدم ليفي شتراوس مجاز لعبة الورق:

الإنسان يشبه اللاعب الممسك بيده، حينما يجلس إلى الطاولة،  تلك الأوراق التي لم يخترعها،  لأن لعبة الورق معطى تاريخي وحضاري[..].وكل توزيع للأوراق ينجم عن تمييز ممكن بين اللاعبين، ويتم هذا التوزيع دون علمهم.هناك توزيعات تتم لكن المجتمع كاللاعب، يفسرها وفقاً لعدة منظومات يمكن أن تكون مشتركة أو خاصة هي قواعد اللعب

أو قواعد التكتيك.ونعلم جيداً أن مختلف اللاعبين لا يقدمون مع التوزيعة نفسها الشوطَ نفسه مع أنهم غير قادرين على تقديم أي شوط في توزيعة معينة بسبب ضوابط القاعدات نفسها[1958].

وتنهي الأنثروبولوجيا رسالتها حين تنجح في وصف كل الأشواط parties  الممكنة بعد التحقق من الأوراق والإعلان عن القاعدات.وعلى هذا فإن الأنثروبولوجيا البنيوية تزعم العودة إلى الأسس العامة للثقافة،  أي إلى تلك المرحلة التي تم فيها الانفصال عن الطبيعة.

الثقافوية وعلم الاجتماع
مفهوما (الثقافة الفرعية) sous-culture
والاستشراكsocialisation

مارست الأنثروبولوجيا البنيوية تأثيراً كبيراً على علم الاجتماع الأميركي وكَثُر استخدام مفهوم الثقافة من قبل  عدد لا بأس به من علماء الاجتماع الأميركيين الذين استندوا إلى التعاريف التي قدمها الأنثروبولوجيون.

قبل ظهور الثقافوية بمعناها المعروف، كان علماء الاجتماع المؤسسون لما يسمى ب”مدرسة شيكاغو” مهتمين بالبعد الثقافي للعلاقات الاجتماعية، وهو ما يمكن فهمه حين نعلم أن أبحاثهم كانت تنصب أساساً على العلاقات القائمة بين الأعراق.وسبق لهم أن اهتموا بتأثير الثقافة الأصلية للمهاجرين على اندماجهم في المجتمع الذي يستقبلهم،  ومن هؤلاء وليام توماس الذي بحث هذا الأمر في دراسته الشهيرة حول الفلاح البولوني في أوروبا وأمريكا المنشورة بين عامي 1918و1920.وهناك أيضاً روبيرت بارك الذي درس مسألة مواجهة الفرد الأجنبي،  بشكل مباشر، لمنظومتين ثقافيتين متنافستين أحياناً هما منظومة ثقافته الأصلية ومنظومة مجتمع الاستقبال.حيث ينشأ عن هذه المواجهة “الإنسان الهامشي” الذي يتطبع إلى حد ما بطباع المنظومتين وفقاً لتعريف بارك.

إن التطور الكبير الذي شهدته الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية في الثلاثينات أثر بشكل كبير على قسم من علم الاجتماع.والتقريب بين علم الاجتماع والانثروبولوجيا قاد الأول إلى اعتماد مناهج الثانية كما أخذت هذه ميدانها عن الأول.ولهذا تكاثرت الدراسات المتعلقة ب”الجماعات المتمدنة” في الولايات المتحدة.هذه الجماعات التي تتكون عموماً من المدن الصغيرة أو المتوسطة أو الأحياء،  تمّت دراستها من قبل الباحثين عبر الطريقة نفسها التي يدرس فيها الأنثروبولوجيون جماعة قروية أصلية.وتقوم فرضية الدراسة على أن الجماعة تشكل عالماً صغيرا يسمح بفهم كليّة ثقافة هذا المجتمع
(هيربان 1973).

في بداية الأمر، كانت الدراسات المتعلقة بالجماعات البشرية، لا سيما دراسات ليند،  تلجأ إلى تعريف الثقافة الأميركية في شموليتها، كما تمكنت روث بينديكت من تعريف ثقافة هنود البويبلو، ومارغريت ميد في تعريفها لثقافة الآرابش.لكن خَلَف ليند اهتموا بالتعرف على التنوع الثقافي الأميركي ودراسته أكثر من اهتمامهم بالبحث عن البرهنة على وحدة ثقافة الولايات المتحدة.

هذه الأبحاث أدت إلى خلق مصطلح جديد حول مفهوم “الثقافة التحتية” الذي سيشهد فيما بعد نجاحاً كبيرا. ونظراً لشدة تنوع المجتمع الأميركي من الناحية الاجتماعية فقد تطبعت كل مجموعة اجتماعية بطابع ثقافة تحتية خاصة.وهنا نجد فكرة وضع لينتون خطوطها الأولى من خلال مفهوم “الشخصية القانونية” statuaire .وبالتالي يميز علماء الاجتماع الثقافات التحتية تبعاً للطبقات الاجتماعية والمجموعات العرقية.وذهب الأمر ببعض الكتّاب إلى الحديث عن الثقافة التحتية للمنحرفين واللوطيين  والفقراء والشباب الخ.في المجتمعات المركبّة التي يمكن أن يكون فيها لمختلف المجموعات أشكال تفكير وتصرفات خاصة إضافة إلى مشاركتها في الثقافة العامة  للمجتمع حيث تفرض على الأفراد نماذج أكثر مرونة وأقل تقيداً من نماذج المجتمعات “البدائية”بسبب تغاير المجتمع المركب نفسه.

على صعيد آخر فإن الظواهر المسماة ب”الثقافة المضادة” في المجتمعات الحديثة مثل حركة “الهيببين” التي انتشرت في الستينات والسبعينات ليست سوى شكل من أشكال جعل الثقافة الشاملة مرجعيةَ تزعم الحركةُ الوقوف في وجهها،  والسبب في ذلك طابع الثقافة الإشكالي وغير المتجانس.وهم يساهمون في تجديد وتطوير الديناميكية الخاصة بالمنظومة الثقافية ولا يضعفونها.وحركة “الثقافة المضادة” لا تنتج ثقافة بديلة عن الثقافة التي تدينها وتستنكرها وهي في نهاية المطاف ليست سوى ثقافة فرعية.

وتساءل علماء الاجتماع عن موضوع الاستمرارية عبر الأجيال وعن الثقافات أو الثقافات التحتية الخاصة بمختلف المجموعات الاجتماعية.وللإجابة على هذا السؤال لجأ بعضهم إلى مفهوم “الاستشراك” socialisation  بما هو عملية دمج الفرد في مجتمع معين أو في جماعة خاصة عبر استبطان  أشكال من التفكير والشعور والتصرف، أي نماذج ثقافية خاصة بذلك المجتمع أو تلك المجموعة.والأبحاث التي غالباً ما تجرى من منظور مقارن (بين أمم، بين طبقات اجتماعية، بين جنسين، الخ)تدور حول مختلف أنماط التعلّم التي يخضع لها الفرد والتي من خلالها يتم ذلك الاستبطان، وكذلك حول الآثار التي تتركها على السلوك.

على الرغم من أن استخدام كلمة استشراك يعدّ حديثاً نسبياً- لم يدرج استخدامه إلا في نهاية الثلاثينات-فهو يحيل إلى سؤال أساسي يطرحه علم الاجتماع:كيف يصبح الفرد عضواً في مجتمعه وكيف تتم عملية مماهاته في ذلك المجتمع؟ويعدّ هذا السؤال مركزياً في أعمال دوركهايم وإن لم يستخدم هذه الكلمة.يرى دوركهايم أن المجتمع ينقل إلى الأفراد الذين يتكون منهم،  عبر التربية، مجموع المعايير الاجتماعية والثقافية التي تؤمن التضامن بين أعضاء هذا المجتمع وأنهم مجبرون، نوعاً ما، على أن يجعلوا هذا المجتمع مجتمعهم.

لقد جهد عالم الاجتماع الأميركي تالكوت بارسونز  Talcott Parsons  للتوفيق بين تحليلات دوركهايم وفرويد.ويرى أن العائلة، وهي أول من يقوم بعملية الاستشراك، تلعب في هذه العملية دوراً كبيراً.لكن علينا ألا نستهين بدور المدرسة أو مجموعة الأقران (رفاق الصف واللعب)ويظن أن الاستشراك  يكتمل في سن المراهقة، فإما أن ينجح هذا الاستشراك ويتكيف الفرد مع المجتمع بشكل جيد أو يفشل فينزلق الفرد ربما نحو الانحراف.وبمقدار ما يتدخل الامتثال لمعايير المجتمع وقيمه بشكل مبكر في وجود الفرد بمقدار ما يتجه إلى تكيّف ملائم ل”المنظومة الاجتماعية”[بارسونز، 1954].

إن مفاهيم الاستشراك هذه تفترض أولوية المجتمع على الفرد، كما تفترض أن الاستشراك ينتج عن ضغط يمارسه المجتمع على الفرد.يمكن فهم الاستشراك،  عند بارسونز، على أنه تكييف حقيقي.ويبدو الفرد ككائن غير مستقل وسلوكه ليس سوى إعادة إنتاج نماذج مكتسبة خلال مرحلة الطفولة.وكما بيّن بعض المعلّقين فإن الاستشراك هو نوع من الترويض  كما يراه بارسونز.

هناك تحليلات اختلفت عن تحليلات بارسونز تركز على الاستقلال النسبي للفرد الذي لم يتحدد الشكل النهائي لاستشراكه الذي عاشه خلال طفولته.فهو قادر على الاستفادة من الأوضاع الجديدة ربما لكي يعدّل مواقفه.على أية حال، فإن النماذج الثقافية في المجتمعات المعاصرة تتطور باستمرار وتقود الأفراد إلى مراجعة النموذج المُستَبطَن خلال مرحلة الطفولة.

وقام كل من بيتر بيرغر وتوماس لوكمان بتمييز “الاستشراك الأولي”(خلال مرحلة الطفولة) و”الاستشراك الثانوي”(الذي يتعرض لـه الفرد طيلة حياته البالغة والذي هو ليس مجرد إعادة بناء آليات الاستشراك الأول.ويرى هذان الباحثان أن الاستشراك لا يكون ناجحاً أبداً تماماً ولا ناجزاً.قد يكون الاستشراك الثانوي في حالات أخرى، امتداداً للاستشراك الأول.وفي حالات ثانية يكون الأمر معكوساً ففي أعقاب الصدمات السيرية  مثلاً، يقوم الاستشراك الثانوي بإحداث قطيعة مع الاستشراك الأولي.والاستشراك المهني، الذي تحدث عنه هذان الباحثان بشكل مباشر، هو أحد المظاهر الأساسية لهذا الاستشراك الثانوي.إذاً يظهر الاستشراك كعملية لانهاية لها في حياة الفرد القادر على معرفة مراحل”نهاية الاستشراك”(انفصال عن نموذج الاندماج المعياري) وعن “إعادة الاستشراك”(على أساس نموذج مُستبطن آخر).

ومن خلال مقاربة أحرى، لكنها تفضي إلى نتائج مشابهة تقريباً،  وضع روبيرت ميرتون، انطلاقاً من التمييز الذي أقامه بيين “مجموعة الانتماء” ومجموعة المرجع”، وضع مفهوم “الاستشراك الموسع ليدل على العملية التي من خلالها يمتلك الفرد ويستبطن مقدماً معايير وقيماً جماعية مرجعية لا ينتمي إليها بعد ويتمنى الاندماج فيها[ميرتون، 1950].وساق عنها دومينيك شنابر مثالاً حين بيّن أن التغيرات العميقة في الممارسات الثقافية للمهاجرين الإيطاليين في فرنسا، لايمكن تفسيرها تماماً إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار الاستشراك الموسع في إيطاليا مضافاً إلى عوامل تغيير أخرى[شنابر، 1974].

المقاربة التفاعلية للثقافة

لا ريب أن سابير كان من أوائل الذين عدّوا الثقافة منظومة اتصال بيفردية أي (بين الأفراد) حينما قال :” مكان الثقافة الحقيقي هو التفاعلات الفردية”.وهو يرى أن الثقافة عبارة عن مجموعة من الدلالات التي يتبادلها أفراد مجموعة معينة عبر هذه التفاعلات.ومن هنا فقد عمل خلافاً للمفاهيم الجوهرية للثقافة.وبدلاً من تعريف الثقافة على أنها جوهر افتراضي فقد اقترح ربطها بتحليل عمليات تكوين الثقافة[سابير، 1949].وبعده شدد باحثون آخرون وصفوا ب”التفاعليين” على إنتاج معنى تولده التفاعلات المتبادلة بين الأفراد مستندين في هذا إلى حدس سابير بعد أن قاموا بمنهجته.في الخمسينات،  نشأ في الولايات المتحدة  تيار التف بشكل خاص حول كل من غريغوري باتسون وبالو ألتو سمي ب”أنثروبولوجيا الاتصال” الذي يعير الاتصال غير الكلامي والاتصال الكلامي بين الأفراد عناية خاصة.فلم ينظر إلى الاتصال على أنه علاقة بين مرسل ومتلق بل وفقاً لنموذج أوركسترالي أي كنتيجة مجموعة من الأفراد المجتمعين ليعزفوا جميعاً وهم في وضع فعل متبادل دائم.وكلهم يشاركون بشكل متضامن، لكن يقوم كل منهم، على طريقته بعزف نص موسيقي غير مرئي.والنص الذي يعني هنا الثقافة، لا يمكن أن يوجد إلا من خلال الفعل المتبادل بين الأفراد.ويقوم جهد أنثروبولوجيي الثقافة كله على تحليل عمليات الفعل المتبادل التي تنتج منظومات ثقافية للتبادل.

ومع هذا لا يكفي التوقف عند وصف هذه الأفعال المتبادلة وآثارها بل علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً” سياق” هذه الأفعال المتبادلة، حيث يفرض كل سياق قواعده وشروطه،  ويفترض توقعات خاصة من قبل الأفراد.وتعدد سياقات الفعل المتبادل تفسر الطابع الجمعي  وغير المستقر لكل ثقافة.وكذلك تصرفات الفرد نفسه التي تبدو متناقضة ظاهرياً، إلا أن هذا الفرد ليس بالضرورة متناقضاً(من الناحية النفسية) مع نفسه.ومن خلال هذه المقاربة يصبح ممكناً النظر إلى تنوع الثقافة بدلاً من أن نفرض قصارى جهدنا للعثور على تجانس وهمي.

المقاربة التفاعلية تقود إلى إعادة النظر في مسألة القيمة الكشفية لمفهوم “الثقافة الفرعية” أو بشكل أدق في التمييز بين “ثقافة“/”ثقافة فرعية“فإذا كانت المسألة ناشئة عن التفاعلات بين الأفراد ومجموعات الأفراد فيصبح من الخطأ النظر إلى الثقافة الفرعية على أنها ثابت مشتق من الثقافة الكليّة التي قد تكون سبقت الثقافة الفرعية.لقد تكوّن مفهوما الثقافة والثقافة الفرعية  وفقاً لمنطق التقسيم الفرعي المتدرج للعالم الثقافي وبالطريقة نفسها التي ينظر عبرها البيولوجيون إلى تطور العالم الحي باعتباره يتكون من أنواع وأنواع تحتية( فرعية)..لكن في البناء الثقافي الأول تكون لثقافة الجماعة، الثقافة المحلية، الثقافة التي تربط الأفراد بفعل متبادل مباشر مع بعضهم بعض وليس الثقافة الكلية للجماعة الأوسع.ما نسميه “ثقافة كلية” هو ما ينتج عن علاقة المجموعات الاجتماعية التي تحتك ببعضها، وبالتالي هي ربط ثقافات تلك المجموعات ببعضها.ومن هذا المنظور تقع الثقافة الكلية، إلى حد ما، عند تقاطع”الثقافة الفرعية” للمجموع الاجتماعي نفسه.وهذه الثقافات الفرعية التي تعمل كثقافات مستقلة تماماً أي كمنظومات قيم، تبدو على شكل تمثلات وتصرفات تسمح لكل مجموعة بالتماهي في الفضاء الاجتماعي المحيط وترى نفسها وتتصرف فيه.وبالتالي فإن التفاعليين لا يرون مصطلح “الثقافة الفرعية” مصطلحاً مناسباً.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий