عرض بعض الدراسات التى تناولت الزار والممارسات الشبيهة

جاكلين نكولاس نيلسون سامية النقر باميلا كوستانتينيدس ناتفيك ريتشارد
التيجاني الماحي لوين برونو طه بعشر أحمد عكاشة فاطمة المصري
كنيدي ألفت محمد حقي سنديوني عبدلبصمد مصطفي سيد حريز
بربارة سيلار شيخ إدريس موري لاست عادل العليمي كيفن كافانو
دونفان وبستر ويمان ماكجنتي هوبان ساندرا شولتز و جاكبسون هربرت بنسون

إصدارة جامعة هارفارد للصحة النفسية

محمد أيمن خير

الخلفية الاجتماعية – الثقافية والسياق الرمزي لطقوس الزار والممارسات المشابهة

تقوم العديد من الدراسات عن الزار على السرد الوصفي لطقوس تقمص الأرواح، مع إضافة محاولات لتحليل الظاهرة علي ضوء العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. أمكن من خلال تلك الدراسات جمع بيانات امبيريقية مهمة تدعم عدداً من الفروض مثل فرضية الحرمان والتعويض التى تقوم علي مبدأ أن التمييز الجنسي ضد النساء يولد الحاجة والقابلية للتعويض في هذه الانفعالات والتقمص، وأن تمتع الرجال بالأدوار الاجتماعية الحيوية، خارج نطاق البيت لابدَّ وان يواكبه التعويض في الأدوار الطقوسية عند النساء، وأن الحرمان من الأدوار الاجتماعية الحيوية يقود إلى ابتداع آليات القوة لدى النساء عن طريق استغلال الرجال مادياً من خلال الطلبات المادية الخاصة بالشعائر الطقوسية للزار (Berger,1976 ; Samia,1975 ; Cloudsley,1983 ;Lewis,1966 ; Hall and Ismail, 1981 ; Ismail,1991).

فرضية ثانية تتصل بقضية القهر الاجتماعي وتستند علي المبدأ القائل بأن القهر يولد المجموعات الضاغطة في شكل آليات للتخلص من الإثارة المترتبة على القهر الاجتماعي، ويمثل النساء الفئة المقهورة اجتماعياً، ومن ثم فإن الممارسات الطقوسية ليست سوى رموز لتلك العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة، وحيث أن المريض والمعالج في أغلب الأحيان من فئة النساء فإن ذلك يؤكد دوام عملية الصراع من أجل البقاء والتخلص من قيود القهر الاجتماعي بأشكالها المختلفة (انظر على سبيل المثال: Mohammed,1993 ; Ben-Amos,1944 ; Constantinides,1991).

دراسة جاكلين نكولاس

Nicolas Jacqueline, 1970, ‘Culpabitité, somatisation et Catharsis au se d’un culte de possession : «le bori Hausa»’, Psychopatologie Africaine 2:147-80.

دعمت الكثير من الدراسات فرضية السياق الرمزي الذى تمارس فيه احتفالات طقوس الزار والطقوس المشابهة لها مثل البوري في نيجريا والزار في مصر. ففي دراسة عن طقوس البوري في نيجريا أخضعت جاكلين نكولاس في دراستها هذه الظاهرة للدراسة التى برزت من خلالها فكرة اقترانها بالذنب عند قبيلة الهوسا، مما يعنى أن الممارسة ذات طابع رمزي الهدف منها التطهر من الخطيئة والذنوب.

دراسة نيلسون

Nelson C. 1971, ‘Self, Spirit Possession and World View: an illustration from Egypt’, International Journal of Psychiatry XVII, 3: 194-209.

أجرى نيلسون دراسة في مصر أيضاً ناقش من خلالها فكرة الرمزية من منظور وظيفي وعد الفعل الرمزي تعبيراً عن المفاهيم الأساسية عن الذات والعالم، والعلاقة بين الرجل والمرأة. بعد أن قدم نيلسون وصفاً للسياق الاجتماعي والثقافي حدد أهم مظاهر الاحتفالات في الزار وقام بدراسة لبعض الحالات للممتلكات بأرواح توصل من خلالها إلى أن المرأة تعبر عن نفسها بطرق تتقبلها البيئة الاجتماعية ويتم فيها تعزيز الذات، كما تعكس الطقوس رمزياً التفرقة بين الجنسين، وعدم استقرار الحياة الزوجية. الفكرة المركزية لدراسة نيلسون إظهار رمزية المناورة بالسلطة وبمفاهيم الخير والشر.

دراسة سامية الهادي النقر

Samia el Hadi el Nagar, 1975, ‘Spirit possession and social change in Omdurman’, Unpublished Msc. Thesis, University of Khartoum.

من بين الدراسات التى أجريت في السودان عن الرمزية في طقوس الزار دراسة سامية الهادي، وهى دراسة ميدانية وهدفت إلى تقديم تفسير للممارسة الطقوسية للزار ولفحص المظاهر ولفحص المظاهر الأيديولوجية والنشاطات فيها، وعلاقتهما بالمظهر الثقافي والاجتماعي بالإضافة إلى التحليل الرمزي لمحتويات الزار والرموز المستخدمة فيه. حيث ناقشت فكرة الرمزية في طقوس الزار، وركزت على ازدواجية المعاني الرمزية التى يحملها اللون في الواقع الثقافي الاجتماعي السوداني وانعكاساته في هذه الطقوس، فاللون الأحمر هو لون الحنة وهو اللون المفضل للأرواح الحبشية، ولون دم الضحية؛ واللون الأزرق هو لون البشرة السوداء (الزرق) ولون الكحل، وحنة العروس ليلة زفافها؛ واللون الأبيض هو لون الحداد، ولون ملابس الأولياء الصالحين وقدح البياض، وملاح الروب. رمزية ليس في الألوان فحسب، بل في الطعام ما بين المحلي والوافد، البليلة والزيتون والديك الحبشي [الرومي]، ورمزية العدد.

ورأت سامية أن طقوس الزار تحمل رموز تواصلية ومعلومات عن المجتمع وعلاقات أعضائه، وقيمهم وعاداته وتشتق معانيها من السياق الاجتماعي والديني. ويتم تفسير الكثير من الرموز بمصطلح الدلالة الدينية واللا دينية.

دراسة باميلا كوستانتنيدس

Constantinides, P.M. 1977, ‘ Ill at Ease and Sick at Heart’ :Symbolic behavior  in a Sudanese healing cult’.  In: Ioan Lewis (ed.) ,Symbols and Sentiments.  Cross-cultural studies in symbolism, London, Academic Press: 61-84

أجرت باميلا كوستانتنيدس دراسة تحليلية عن السلوك الرمزي في طقوس الزار، سيتم تناولها بشيء من التفصيل لكونها تتمحور حول السياق الرمزي لهذه الطقوس. ورأت فيه طقساً علاجياً يمارس في مجموعة نسوية ذات تمركز ذاتي وغنى بدلالات شخصية، ودرامية، وتاريخية، كما أن لها دلالة رمزية لكل من يشارك فيها. وأكدت على احتوائها على رمزية الصراع والتنافس والدعم من بنات جنسها، والعداء مع الجنس الآخر الذى يدفع لتحمل نفقات الطقوس وتلبية طلبات المريضات. وأوضحت الباحثة أن نقطة البداية لتحليل وتفهم طقوس الامتلاك والطقوس العلاجية المرتبطة به تتطلب تناول الحدود المشتركة بين الرموز الخاصة والعامة والوجدانات، مع التركيز على تفهم طبيعتهم والعلاقة بينهم. واقترحت الباحثة أن النساء في طقوس الزار ولأسباب داخلية وخارجية وجسمانية وعاطفية لا تتقارب بمعيار مناسب مع القوة الثقافية الكامنة. وبالتالي يعبرن عن مشاكلهن من خلال السلوك الرمزي ونشاطات الأداء الطقوسي. وتعتقد الباحثة أن الطقوس تحقق أكثر من ذلك فهي منفذ تعبيري وآلية تدرك بها أخطاء هذا الواقع مع التزود بآمال بتحسن الأحول والحصول على حل لمشاكلها. وذكرت الباحثة أن طقوس الاعتقاد تتطلب المشاركة الجماعية من كل أفراد النسيج الاجتماعي. تكون المشاركة من خلال أداء قياسي لكنه درامي تتم فيه مسرحة مشاكل المريضة ومشاكل الأخريات من قلق وعدم مواءمة. كل ذلك في مناخ داعم مشترك والتأكيد الرمزي بالمآل الجيد للحياة القادمة. كما أن الكرم الذي تتميز به الطقوس يعطى تعريفاً عن حالة المريضة.

وأشارت كونستاتينيديس إلى أنه في مجتمع فيه تفرقة بين الجنسين في الريف والحضر، ومع وجود مجتمع نسوى صرف، ترى النساء أن وضعهن يكتسب أهمية ويعطيهن الأمان، وذلك بسبب مقدرتهن على الإنجاب والتكاثر. لذا فالطقوس تقام لحماية تلك القوة، فالفكرة المحورية للرمزية هى الحماية والدعم لهده القوة والتحكم فيها. فطقوس الزواج، والختان، والولادة،جميعها مهن خاضعة لسيطرة النساء، فهن المنظمات، والمتحكمات والمزخزفات لها. لذا تعتقد الباحثة أن الأفكار الأساسية الممثلة في الرمزية لها حضور في كل مناسبات دورات الحياة (زواج، ختان، ولادة، موت) من ضحية واغتسال في النيل، وأغصان نخيل، وتعطر وتزين، وموائد الطعام. وأكدت على أن الطقوس تعكس رمزية الزواج  marital symbolism وتتشابه معه من حيث الدوام والتكلفة، والاستعارة لبعض المصطلحات (عروس الزار) ،كما تتشابه مع احتفالات الطقوس الدينية، التى تعزل فيها النساء، من حيث التوقيت الزماني (احتفالات رجبيه و15 شعبان). وتعرضت الباحثة لرمزية اللون وللفكرة المركزية للدم في الطقوس. فاللون الأحمر يرمز للحرارة التى تتصف بها الأرواح الحبشية، ولون الدورة الشهرية، فوجودها يعنى الخصوبة، وغيابه أو النزف يعنى العقم. وخلصت في بحثها إلى القول بأن الاتجاهات والعواطف والاحتياجات تتشكل وفقاً للثقافة التى نشأ فيها المريض. وبالتالي، فإن التفاعل مع الضغوط النفسية، مع أنه فردي، لكن له ارتباط بوجدانات الثقافة التى نشأ فيها. وهكذا فإن تلك الاتجاهات الفردية والاحتياجات والعواطف وتفاعلات الإجهاد النفسي تجد منافذ تعبيرية في رموز ثقافية مناسبة من خلال جماعة الزار. وتسمح أيضاً تلك الطقوس بالتغير التكيفي لتعزيز مكانة الممارسات “المريضات” من خلال علاقة مع أدوات الضغط الاجتماعي.

دراسة ناتفيك ريتشارد

Natvig, Richard 1988, ‘Liminal rites and female symbolism in the Egyptian Zar possession cult’. Numen 35,1: 56-68.

وفي مصر ركز بحث ناتفيك ريتشارد على احتفال الضحية في طقوس الزار ووصفها بأنها تعد بنيوياً طقساً للانتقال، أي، بمعنى أنها على عتبة فاصلة بين المرض والصحة وهى، كمرحلة فاصلة، غنية بالرمزية والاستطالة. تبدأ استطالة عتبة الشعور بوضع دم الأضحية على جسم المريضة، وهو ما عدته نكولاس مرحلة انتقالية مشبعة بالرمزية تفصل ما بين حالة المرض والموت والانتقال منها إلى الصحة والعافية والحياة والخصوبة.

الدراسات النفسية والتأثيرات العلاجية

اهتم هذا النوع من الدراسات بجانبين، تمثل الأول في أثر المكونات الثقافية من عادات وتقاليد ومعتقدات على تكوين شخصية الممارسين للزار، ويتم على أساس هذه الدراسات تفسير الأعراض النفسية المرضية للممارسين من خلال المحتوى الثقافي الذى يتعايشون فيه. أما الجانب الثاني فيتمثل في الاهتمام بمتابعة الظاهرة من خلال التشخيص لأمراض الزار ومحاولة وضع تفسيرات تنطوي على المفاهيم المرتبطة بالتحليل النفسي لهذه الأمراض.

دراسات التيجاني الماحي

التيجاني الماحي،1949، “الرائد لا يكذب أهله: الزار في السودان” مجلة السودان الجديد عدد يونيو، الخرطوم.

Al Tigani Al Mahi 1960, ‘Concept of Mental Health’. The East African Medical Journal, June 1960: 472- 476.

لأهمية هذا النوع من الدراسات رأيت التعرض لها بقدر من التفصيل، ولا شك أن دراسات التيجاني الماحي، وهو رائد هذا النوع من الدراسات النفسية في أفريقيا جنوبي الصحراء وفي السودان على وجه الخصوص، تأتي في المقدمة. أشار التيجاني الماحي في كتاباته عن الزار إلى أن الصراع بين أنماط الشخصية وبين التوقعات الثقافية يؤدي إلى تطور الأمراض العقلية بخاصة في حالات التغير الاجتماعي الشيء الذى يدل على العلاقة المتبادلة بين العوامل الاجتماعية والثقافة والتكوين النفسي، وتتحدد العلاقة الوثيقة بين الثقافة والحالة النفسية المضطربة، في اعتقاد التيجاني، بصورة خاصة بالتجارب في المراحل الأولي لتكوين الشخصية وهى المراحل المهمة لتكوين الأجزاء الوظيفية للشخص حيث يظهر فيها أثر الأنماط الثقافية التقليدية وغيرها أساساً من أسس الدفاع الرئيسة للشخصية. ويشير التيجاني في دراساته إلى أن حالات الحرمان وعدم توافر إمكانيات العلاج الطبي، أو عدم الاستفادة مما هو متاح منها في السودان يجعل أفراد المجتمع أكثر قابلية للأمراض العقلية والنفسية، حيث يصعب التفريق بين أعراض الأمراض العقلية الناجمة عن أمراض عضوية ونفسية وبين تلك الناتجة عن اختلافات ثقافية. ويرى التيجاني أن الكثير من الطقوس الدينية التقليدية والسحرية، وفي مقدمتها الزار، تشتمل على التنوع والتعقيد في الطرق والوسائل المستخدمة للتحليل النفسي التى يعتمد اختيارها على عوامل ثقافية للتحليل بالتنوع في الطرق التقليدية للتحليل النفسي. وعدّ أنه ولضمان تأثير العلاج لا بدَ من توافر حالة من حالات “توقع الشفاء” Expectant Faith لدى الشخص المريض. ويؤكد التيجاني أنه بالرغم من أن طرق العلاج تظهر مختلفة فإن الهدف الأساسي منها هو تأكيد التوازن وجعل الحياة أكثر سهولة للمريض وللمجتمع مشيراً إلى “أنه في حالة التحليل النفسي تحدث عادة مواجهة للأنماط الثقافية وليست الموازنة بينها، وان ما يتم علاجه ليس الأعراض الواضحة بل القوى التي من خلفها”، ومن ثم يستنتج التيجاني بأنه يصعب قياس نتائج التحليل النفسي إلا عن طريق تقييم هذه القوى والعوامل على ضوء بدائيتها أو تحضرها والتي لها تأثير مباشر على درجة نجاح العلاج أو فشله. ويحقق الزار بوصفه طريقة تقليدية لعلاج الاضطرابات العاطفية والنفسية، وفق التيجاني، نسبة عالية من النجاح تضاهي الوسائل المتقدمة والحديثة (1944:9). ويشير التيجاني إلى أن طرق العلاج تكون محكومة ببعض النظم التى تربط المعالج والمريض والمجموعة التى ينتمي إليها وتمثل هذه النظم عادات تحدد الحالة النفسية التى تستجيب لها المجموعة طواعية لسلطة المعالج وقوته؛ ومن ثم يعتقد التيجاني أن العلاج بالزار يتضمن بالإضافة إلى المعرفة النظرية والتجربة جزءاً لا يستند إلى المنطق، وهو نظام المعتقدات والطقوس والرموز … الخ.، من هنا جاءت دعوة التيجاني إلى التعرف على أطروحات الطب النفسي التقليدي لكونها قد تسهم في إضافة مضامين جديدة لنظم التحليل النفسي القائمة.

توصل التيجاني في دراساته المستفيضة لظاهرة الزار في السودان إلى استخلاصات تتعلق بتشخيص أمراض الزار ووضع تفسيرات تنطوي على المفاهيم المرتبطة بالتحليل النفسي لهذه الأمراض يمكن إجمالها في الآتي :

1- إن تقمص الأرواح في الزار والطمبورة هو عبارة عن وسائل علاج نفسية شعبية لحالات مرضية تستغل في ذلك الطقوس والشعائر؛

2- إن التفاعل الاجتماعي فيه يمثل أساساً مهماً للعلاج النفسي الشعبي لبعض الأمراض؛

3- إن المشاكل النفسية والاجتماعية في الواقع الشعبي قد لا يمكن معالجتها بالطريقة المألوفة لذلك لا بدّ من اللجوء للفنتازيا الموسيقية مثلاً من أجل العلاج؛

4- إن أغلب طقوس الزار لها أهمية رمزية واضحة وتعد معرفة الرموز وما ترمي إليه من الأركان الأساسية في وسائل العلاج النفسي، حيث ترتبط الرمزية بالتكوين النفسي في شخصيات المجتمع؛

5- إن التعبير عن إشباع الدوافع المقهورة يكتمل بالتحرر من قيود العادات والتقاليد في شكل حرية الحركة في الرقص والتدخين والانعتاق من الكثير من الضوابط الاجتماعية دون عقاب أو تجريم؛

6- إن الظواهر المرضية النفسية مثل الهستيريا وأمراض القلق …الخ. تنشأ عن عدم التوفيق بين إلحاح الرغبات والميول الفطرية، وبين ما يتطلبه المجتمع من تضحية في سبيل وحدته وسلامته. ومرد ذلك منشأ الصراع النفسي الذى هو الخطوة الأولي في تكوين النفس المريضة في حالات لا شعورية من القلق والوسواس، والزار هو التعبير المرضي لهذه الحالات؛

7- إن الحياة النفسية للمرأة السودانية ترتبط بأمراض نفسية متأصلة ومتعددة منها مركب النقص، والشعور بالخطيئة، والجوع الوجداني، والكبت …الخ. يعد الزار نوعاً من الهستيريا التى تكشف عن الأمراض النفسية وتساعد على التخلص منها، وهو ما يفسر انتشار ظاهرة الزار في السودان بين فئة النساء عموماً؛

8- إن الأشخاص اللذين يميلون إلى العنف والغضب السريع هم أكثر الناس قابلية للإصابة بالزار، وبالرغم من أن اللوم يقع على هذه الأرواح كمسبب للمرض فإن الارتباط وثيق بين التكوين النفسي للشخصية وبين الإصابة؛

9- إن الأيديولوجيا والطقوس المرتبطة بها تؤمن للمريض النفسي خطة العمل الفعلية التى توجهه للتخلص من صراعاته الداخلية وتؤمن له الإحساس بالأهمية، تأتي بعد ذلك الخطوة التى تتبع العلاج وهى استعاده التوازن الاجتماعي؛

10- ترتبط الكثير من الأمراض النفسية بالمكونات الثقافية للمجتمع السوداني، من أهمها المفاهيم المرتبطة بالأولياء والصالحين وبعلوم الغيب والسحر، ومن هنا تأتي أهمية الأفراد اللذين لهم ارتباطات بعوالم ما وراء الطبيعة والجن من شيخات الزار وشيوخه والمعالجين الشعبيين في علاج هذه الأمراض.

دراسات لوين برونو

Lewin Buno 1958, ‘Der Zar, ein ägyptischer Tanz zur Austreibung böser Geister bei Geisteskrankheiten, und seine Beziehungen zu Heiltanz-zeremonien anderer Volker und Tanzwut des Mittelalters’. Confinia Psychiatrica 1: 177-200. (Abstract extracted from: Lewis, I.M., Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.) 1991, Women’s Medecine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press).

أيضاً هناك دراسة للزار من منظور علاجي أجراها في مصر منذ أمد بعيد لوين برونو وصف فيها الزار بوصفه طقساً علاجياً يمارس في احتفالات خاصة تهدف إلى معالجة بعض الاضطرابات العقلية. وتتبع في دراسته تاريخ المعالجة بالرقص العلاجي منذ أقدم العصور مشيراً إلى أنها تتفرع، في اعتقاده، عن الطقوس الدينية. وافترض أن الرقص الطقوسي في الزار تؤسس فكرة المعالجة فيه على الاعتقاد بتملك أرواح شريرة للفرد يكون من الممكن استخراجها عن طريق هذه الطقوس التى تتسم بالعنف وتحتوي على رقصات قروسطية أصبحت مرضية. وقدم برونو تفاصيل عن الأداء في طقوس الزار في مصر وتوصل إلى أن 90% من النساء المريضات بالزار هن في الواقع مصابات بحالات نفسية عصابية عزاها للإحباط الجنسي والوضع الاجتماعي والثقافي المتدني للمرأة المصرية. ونصح برونو باستخدام بعض عناصر الرقص الايجابية بعد استبعاد النزعة السحرية علاجاً لبعض حالات الأمراض العصابية.

دراسات طه بعشر

Baasher, A.T. 1961, ‘Survey of mental illness in Wadi Halfa’, World mental Health 13, no.4, November. id.,1962, ‘Some aspects of the history of the treatment of mental disorder in the Sudan’, Sudan Medical Journal 1, 44. id.,1963, ‘The Influence of Culture on Psychiatric Manifestations’. Trancultural Psychology Review and Newsletter 15 (51), October. id., 1975, ‘The Arab Countries’, in: J.G.Howells (ed.), World History of Psychiatry, New York: Brunner Mazel Inc.: 547-577. id., 1988, ‘Historical and Socio-Cultural Background of Zar’, Paper Presented to the Workshop on the Contribution of the Zar Cult in African Traditional Medicine, Khartoum 11-13 Jan. 1988.

عبر طه بعشر في دراساته حول الزار عن أراء لا تبتعد كثيراً عن استخلاصات التيجاني الماحي، فالعناصر الاجتماعية الثقافية الأساسية للتقنيات العلاجية في الزار، وفق بعشر، من الممكن تلخيصها في الآتي :

1- التحضيرات الأولية الجيدة من خلال التقاليد الثقافية والمعتقد الشعبي فيما يتعلق بفاعلية العلاج بالزار؛

2- الثقة الكاملة والاعتقاد القوي  بطريقة المعالجة؛

3- خبرة الشيخة المعالجة وخبرتها في التعامل مع المرضى؛

4- الارتباط المستمر بالجماعة واستخدام دينامية الجماعة في عملية إثارة الانفعال وتقوية التنفيس الانفعالي Abreaction؛

5- الاستخدام الكلي لمجمل نماذج الإحساس بخاصة الإثارة السمعية من خلال الإيقاع التقليدي بالطبول لدرجة الانشطار الذهني بل حتى درجة الانهيار؛

6- تقمص الأسياد وغيرهم من شخصيات المعتقدات الاجتماعية الثقافية؛

7- استخدام التلميح السحري وسيلة للإيحاء والإقناع؛

8- تطوير نظام يسمح للمرضي بالتعبير عن صراعاتهم النفسية الاجتماعية وإفراغها بصورة مسرحية؛

9- إفراغ الأحاسيس العاطفية؛

10- التعبيرات ذات المعني خلال مرحلة الانشطار الذهني والتي تشير إلى صراعات المريض الكامنة والتي يجب ملاحظاتها بدقة بحيث تتم الاستجابة لرغبات المريض وطلباته.

وقد توصل بعشر من خلال تجارية المتراكمة في معالجة المرضي النفسيين في السودان إلى عدد من الاستخلاصات يأتي في مقدمتها أن الزار في السودان يمثل ممارسة نسائية في الأساس. ولاحظ بعشر أن أعمار النساء ممن لهن تاريخ علاج بالزار تتراوح ما بين 15-55 سنة، ومعظمهن من المتزوجات الأميات، أو ممن أكملن تعليمهن الابتدائي وغالبيتهن من ربات البيوت، ويقول بعشر إن الأنماط الشخصية للمريضات تظهر سمات هستيرية مع قابلية نسبية للاستمالة، والإيحاء، وتقلب المزاج، والتعبير عن مشاكلهن النفسية الاجتماعية بصورة مسرحية، كما أن بعض الأنماط الشخصية من النوع الذى يتميز بالقلق، والتهيج، والإلحاح في الطلبات.

ويلاحظ بعشر أن مثل أولئك المريضات عندما يحضرن إليه لتلقي علاج نفسي فإن الأعراض التى تظهر عليهن تكون عبارة عن اضطرابات نفسية، في الأساس ردود فعل هستيرية، ومشاكل فسيولوجية وسايكوسوماتية شاذة مثل اهتزاز الرأس والأطراف وعدم الاتزان عند المشي، والتشويش البصري، والتغير في الصوت، وألم غير محدد في البطن، وعدم انتظام الدورة الشهرية وما إلى ذلك، كما أن بعضهن يعانين من القلق وحالات الإكتئاب وفي حالات نادرة من تفاعلات استحواذية قهرية (Obsessive compulsive reactions) (Baasher,1988). وفي اعتقاد بعشر أن المحددات التي تدفع بأولئك النساء إلى اللجوء للعلاج بالزار قد تكمن في حقيقة أن احتفال الزار يمثل بالنسبة لهن ممارسة اجتماعية محفزه ومدفوعة تحدث فيها المتعة والاستمتاع.

ويشير بعشر إلى أن أعراض المريضات بالزار أشبه بالأعراض المعروفة باسم التفاعلات العصابية Neurotic Reactions والتي كونت حوالي 40% من بين جميع الحالات التي شوهدت في عيادة الاضطرابات العصبية في مستشفي الأمراض النفسية بالخرطوم بحري عام 1975.

فرضية أخرى تدعمها البيانات الأمبيريقية ترتبط بقضية العلاج الجماعي. تقوم الفرضية على أن جماعة الزار تتعامل مع الواحدة منهن من خلال تقمصها للدور الاجتماعي المرتبط بعلاقتها بالأسياد، وأن الشيخة المعالجة والمريضة وبقية الممارسات يمثلون مجتمعاً متفرداً بذاته من حيث إنهن جميعهن مصابات بالزار، ومن حيث معرفتهن بالمبادئ التي يقوم عليها العلاج والتزامهن باحتياجات العلاج، كذلك يعد تقمص الأرواح عملية خاصة أثناء ممارسة طقوس العلاج، فكل من لها خيط أو سيد أصابها لديها القابلية في التفاعل أثناء عملية الاتصال مع هذه الخيوط، كذلك فإن عملية العلاج لا تكتمل إلا بعد معرفة الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي للمريضة حيث تسهم الشيخة المعالجة في خلق العلاقة بين المكانة الاجتماعية لأسياد الزار وبين الفئة الاجتماعية والاقتصادية للمريضة نفسها، كما أن فرضية العلاج الجماعي تقوم على مبدأ أن العلاج يتم من خلال المحتوى الثقافي الذى يوجد فيه ويمثل فيه الزار جانباً من جوانب البناء الاجتماعي الكلي مثل مكانة المرأة، والنظام الطبقي…الخ. وكذلك الأمر بالنسبة للهروب من القيود الاجتماعية المرتبطة بالفئة الاجتماعية والاقتصادية التى تنتمي لها المريضة (الرقيق علي سبيل المثال) ويمثل نموذجاً من الحراك الاجتماعي نحو الفئات العليا، وعلية فإن العلاج يعد جماعياً من حيث الانتماء للمجموعة المريضة (تريمنجهام،2001؛ فاطمة المصري،1966؛ مصطفي عبدالصمد،1988؛ حسبو سليمان،1957 Zenkovsky,1950 ; Cloudsley,1983 ; Sharafeldin,1991 ; Baasher,1962 ; Rahim,1991 ; Hureiz,1988 ; Boddy,1989 ; Kenyon,1991).

دراسة أحمد عكاشة

Okasha, A. 1966, ‘A Cultural Psychiatric Study of El- Zar Cult in U.A.R.’, British Journal of Psychiatry 112: 1217-21.

في عام 1966 نشرت دراسة للطبيب النفسي أحمد عكاشة عن نتائج المسح السيكاتري الذى أجراه في مصر لمائة ممارسة للزار تبين أن أغلبهن من طبقة فقيرة وغير متعلمات، ومتزوجات غير سعيدات في حياتهن الزوجية، ومصابات بالهستريا، أو لديهن رغبة في أن يصبحن في دائرة الاهتمام. ويرى أحمد عكاشة أن الزار يعد شكلاً من أشكال العلاج النفسي والذي يخفض عن طريق الإيحاء والتفريغ وطرق علاجية فردية وجماعية، من حالة التوتر ويشفي من الأعراض السيكوسوماتية معطياً أملاً في المستقبل.

دراسة فاطمة المصري

فاطمة المصري، 1966، الزار دراسة نفسية اجتماعية، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الدراسات النفسية والاجتماعية، كلية الآداب، جامعة عين شمس.

تناول الباحثون المصريين ظاهرة الزار بالدراسة من حيث جوانبها الاجتماعية والأنثروبولوجية، والنفسية، والمسرحية، والموسيقية مثل دراسة فاطمة المصري- وهي دراسة اجتماعية نفسية وتوصلت فيها الباحثة إلى الاستنتاجات التالية :

1- كل الأمراض الوظيفية الخالصة تشفي بالاعتقاد في الأسياد، تطلب الشفاء وقتاً أطول مما لو كان المرض في بدايته. واستشهدت بحاله فتاة أصيبت بخرس بعد فسخ خطوبتها، وحين مارست تلك الفتاة الزار عدة مرات تم شفاؤها نتيجة لاعتقادها فيه.

2- في حالة الأمراض العضوية لا تشعر المريضة بالآم المرض أثناء ممارستها لطقوس الزار لأنها تكون في غيبوبة، ويكون عقلها الباطن في حالة تخدير وقد يستمر هذا الحال بعد زوال الإغماء اعتماداً على قوة الإيحاء.

3- ارتباطاً بالحركية العنيفة المميزة لطقوس الزار فإنه يجب الحذر من ممارستها بالنسبة لمرضى القلب وبقية الأمراض الأخرى التى تحتاج إلى راحة ومتابعة طبية منتظمة.

لقد اتبعت فاطمة المصري في دراستها المنهج الوصفي التحليلي، معتمدة في دراستها الميدانية على الملاحظات والمقابلات الحرة. لكنها لم تلجأ إلى استخدام أدوات قياس أو اختبارات، مما يمثل نوعاً من القصور الذى جعل النتائج المتوصل إليها تتسم بنوع من الذاتية، فعلى سبيل المثال يلاحظ أن استنتاجها بأن ” كل الأمراض الوظيفية تشفي بالاعتقاد في الأسياد …الخ “، أنه استنتاج ذاتي طالماً أن الباحثة لم تشر إلى إجراء كشف طبي للممارسين قبل الممارسة وبعدها.

دراسة كيندي

Kennedy, J.G. 1967, ‘Nubian Zar as Psychotherapy’, Human Organization a Scientific Quarterly for the Study of Developmental Change, vol.26, no.7, The Society for Applied Anthropology:185-195.

تبحث هذه الدراسة التى أجريت في النوبة المصرية في التأثيرات العلاجية لطقوس الزار. وفي جزء منها تم تناول الجانب الرمزي، وتوصلت إلى أن تكاثف العناصر الانفعالية والرمزية وتمازجها في طقوس درامية مطولة لها تأثيرات.

وتعتمد الإثارة الانفعالية لدرجة بعيدة على التأثيرات الرمزية الموظفة لتأجيجها وحفزها. تحمل الرمزية في الأجواء الطقوسية للزار دلالات الفرح، والصلاح، والطهارة، والحماية من الشر. وهناك محاولة لجعل المناسبة سعيدة بقدر ما كان ذلك ممكناً للأرواح والمريضات، لذا يتم استخدام كل أنماط نشاطات الأفراح كالزواج، من موسيقى ورقص وإيقاع، وتتزين المريضة مثل العروسة وتتعطر وتتبخر وتستخدم مواد لها دلالة رمزية أكثر من المواد المستخدمة في مناسبات الأفراح والطقوس الأخرى. تحمل الرمزية في طقوس الزار معاني تستدعى وتستنفر انفعالات قوية وارتباطات أخرى، كالحنة التى تستخدم لزيادة الجمال وإظهار الأنوثة، وللحماية من الشر، كما أن لها استخداماً طبياً. ويخلص كيندي إلى أن الفكرة المركزية التى تسيطر على كل الممارسة الطقوسية تنحصر في التطهير والحماية. فالبخور لطرد الأرواح الشريرة، أو لاستنفارها واستدعائها، والشرب والاغتسال من النيل للتطهير، بالإضافة إلى رمزية اللون، والعدد، والذهب، والفضة، كل ذلك للحماية من غضب الأسياد.

سنحاول تناول هذه الدراسة بقدر من التفصيل لأهمية فرضياتها عن التأثيرات العلاجية لطقوس الزار. يرى كيندي في طقوس الزار استخداماً لتقنيات الانفعال أكثر من التقنيات العقلانية، وافترض أن قوة الإيحاء والأجواء الطقوسية تبيح عملية التفكك أو الانشطار الذهني والتفريغ الانفعالي وتيسره مؤدية إلى حالات الغيبوبة. كذلك يرى أنها تحرر الفرد من الكوابح وتحيد القيود الاجتماعية.. “فالعالم الحقيقي يغمر بينما يبرز عالم خيالي من الفنتازيا. فاللا وعي والهو هما المسيطران في الممارسة”. وشبه الطقوس بالأحلام من حيث إبعاد سلطة الذات العليا وإطلاق العنان للتعبير. ويعتقد أن بها الكثير من مميزات العلاج الجماعي (فالمريضة محاطة بالصحبة ولا تعزل) كما يحدث في بعض المجتمعات، وتعطى الطعام الجيد، وتلبى مطالبها في بيئة آمنة. هذا بالإضافة إلى تأثير الاعتقاد والعون والتفهم لمعاناتها.

ويضيف كيندي بأن الزار يخدم احتياجات اجتماعية ونفسية إلى جانب العلاج النفسي الذى تقام من أجله الطقوس. ووصف الطقوس بأنها صمام أمان للممارسات (المريضات)، كما وأنها قوة داعمة بما تحمله من رمزية وتطهيرية. وما يلفت الانتباه هو اعتقاده بأن الرمزية والتطهيرية تمثل دعماً أعمق وأقوى من الدعم الجماعي والاعتقاد. وأشار إلى أن طقوس الزار تتيح وضعاً مثالياً باستبعاد الكوابح الدينية والاجتماعية وتحييدها سانحة لسيطرة قوة الشر، وتبعد الكبت مبطلة، بالتالي، عوامل القلق البيئي المتزايد.

أما عن الأمراض التى تتم معالجتها بالزار فقد أشار كيندي إلى الهستريا، مشيراً إلى أن تقنيات العلاج الغربي دائماً ما تستخدم الإيحاء والتفريغ لعلاج الهستريا. وأكد أن معالجة الزار فاعلة أيضاً مع تفاعلات القلق، ومع الإكتئاب العصابي (depressive neurosis)، بل حتى مع الحالات الذهانية (psychotic conditions)، والأعراض السيكوسوماتية. ويقول كيندي بأن الكثيرين من المخبرين أفادوه بأنهم شاهدوا حالات تم فيها الشفاء من الشلل بعد الممارسة. وتوصل من كل ذلك إلى أن تقنيات الزار يمكن أن تكون ذات فاعلية أكبر من غيرها لأنها تدمج في داخلها تقنيات متنوعة عديدة. فهي تحتوي على الإيحاء التنويمي، والتفريغ، والجماعة الداعمة، إلى جانب التركيز على دمج العناصر الانفعالية والرمزية التى تأخذ حيزاً من الزمن. وتعطي التقنيات السحرية المريض بنية أو هيكلاً لتنظيم الأسى المبهم، وتزيد من إحساسه بنفسه.. كل تلك عناصر لها وجود في العلاج الغربي. ونادى كيندي بإجراء المزيد من الدراسات التجريبية بهدف إمكانية الاستفادة منها وتطبيق بعض تقنياتها في العلاج الغربي رغم غياب النهج الاستبصاري فيها والعقلاني.

دراسة ألفت محمد حقي

ألفت محمد حقي،1970، “دراسة تجريبية مقارنة: الضغط الانفعالي وتأثيره على الأداء العقلي لدى الأسوياء والعصابيين”، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية.

أجرت الباحثة ألفت محمد حقي دراسة ميدانية بهدف مقارنة الضغط الانفعالي وأثرة على الأداء العقلي عند الأسوياء والعصابيين. ولا شك أن المقارنة بين الأسوياء والعصابيين من حيث دقة الأداء العقلي بعد التعرض للضغط الانفعالي تمثل نقطة ذات أهمية للدراما الحالية بخاصة وأن ألفت حقي أجرت مقارنة بين نتائج تجربتها وبين النظريات الفسيولوجية والسيكولوجية المتصلة بالإرهاق، وقد اعتمدت ألفت حقي في تجربتها على منهجين: الأول تجريبي يتعرض فيه المفحوصون لنوعين مختلفين من الحالات النفسية ليتم اختبارهم في كل حالة من الحالتين؛ والمنهج الثاني تمثل في التشخيص وتصنيف طريقة كل مفحوص تبعاً لدرجة انعصابه. واختارت ألفت حقي عينة عشوائية مؤلفة من مائة حالة مزدوجة إناثاً وذكوراً قسمت إلى مجموعتين تجريبية وضابطة، كما استخدمت اختبار الذكاء العالي للدكتور السيد خيري أداةً لقياس مختلف الوظائف العقلية.

وقد قارنت ألفت حقي نتائج الأداء العقلي بعد الانفعال في العينة التجريبية بنتائجهم تحت الظروف الطبيعية واستخلصت بذلك متوسطات التغير للمجموعة الكلية وأقسامها المختلفة. كانت المكونات الرئيسة الثلاثة للقدرات العقلية المختبرة في هذه التجربة هي : (1) التركيز (ويمثل في إتباع عدد من الإرشادات دفعة واحدة)؛ و (2) الاستدلال الحسابي (ويجمع بين الاستدلال والتفكير الحسابي وإدراك العلاقة بين الأشكال الهندسية)؛ (3) الاستدلال اللفظي (التعامل بالألفاظ في التعبير والمترادفات والأحكام).

وقد استخدمت ألفت حقي الفرض الصفري لاختبار صحة الفروض المتصلة بالأداء العقلي تحت ضغط الانفعال التى صممت بحثها على أساسها، وقد أثبتت النتائج الإحصائية بمختلف أنواعها أن الضغط الانفعالي يتسبب في انخفاض جوهري للأداء العقلي لدى الجنسين على السواء، وأن أكثر العمليات العقلية تأثراً هي الاستدلال الحسابي، وتليه قوة التركيز، أما هبوط مستوى الاستدلال اللفظي فلم يك ذا دلالة، وكانت معامل الارتباط بين درجة الانعصاب وبين تغير مستوى الأداء بعد الانفعال ذا دلالة إحصائية عالية. وقد دفعها ذلك إلى الاستنتاج بأن الأداء العقلي ينخفض عموماً كلما زادت درجة الميل العصابي للفرد، أي، أن العلاقة بينهما طرديه.

دراسة سنديوني

Sendiony M.F. 1974, ‘The Problem of Cultural Specificity of Mental Illness: The Egyptian Mental Disease in Zar Ceremony’, Australian and New Zealand Journal of Psychiatry 8: 103-112.

كذلك قام سينديوني بدراسة فحص خلالها العلاقة بين الاضطرابات النفسية والثقافة. اعتماداً على ملاحظات شخصية في مستشفيات الأمراض العصبية بالقاهرة، وبالاعتماد على الدراسات الأنثروبولوجية الوصفية، وتاريخ الحالات، ودراسات نفسية خلص إلى أن الأمراض العقلية هي نفسها في الثقافة الغربية أو المصرية، بالرغم من أن الأعراض تتشكل وفقاً لعوامل ثقافية خاصة وبالتالي تمنح الأعراض لوناً خاصاً.

دراسة عبدالصمد مصطفي عبد الصمد

عبدالصمد مصطفي عبدالصمد،1988، “العلاقة بين الشامانية ومعتقدات الزار”، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الأنثروبولوجيا بكلية الآداب/ جامعة الإسكندرية.

دراسة أخرى قام بها الباحث مصطفي عبد الصمد وهى دراسة أنثروبولوجية نفسية توصل فيها الباحث لعدد من النتائج من بينها : (1) ممارسة الشامانية والزار تجسد نموذجاً فعالاً في العلاج النفسي، إذ إن هذه الطقوس “تكون كالبيت الأمين الذى يلجأ إليه الفرد المصاب”؛ و (2) شخصية الشيخة (المعالجة) بوصفها شخصية ذات فائدة لممارس الزار؛ و (3) تقوم هذه الطقوس بدور في تحديد العلاج وتقرير الصيغ العلاجية المناسبة للممارس؛ وأخيراً أكد الباحث على النتائج التى توصلت إليها دراسة فاطمة المصري.

اعتمدت دراسة مصطفي عبد الصمد على المنهج الوصفي التحليلي منطلقاً من دراسة ميدانية قامت على استخدام أداة الملاحظة بالمشاركة والمقابلات الحرة مع كل المرضي والمعالجين.

دراسة سيد حامد حريز

Hurreiz, S.H. 1988, ‘Zar as Ritual Psychodrama’, Paper Presented to the Workshop on the Contribution of the Zar Cult in African Traditional Medicine, University of Khartoum 11-13 Jan.

من بين الدراسات الرائدة لظاهرة الزار في السودان لا بدّ من الإشارة إلى دراسة سيد حامد حريز المشار إليها عن الزار بوصفه طقساً سيكودرامياً. ركزت الدراسة على خصائص الزار الطقوسية العلاجية النفسية، وقدم حريز لدراسته بتناول الاحتفالات الطقوسية ذات المحتوى السيكولوجي والعلاجي النفسي في بعض المجتمعات التقليدية في أفريقيا. واعتمدت الدراسة على ملاحظات الباحث الشخصية والاستقصاء، بالإضافة إلى الاستفادة من التسجيلات التى نفذها معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم لبعض احتفالات الزار في العاصمة القومية الخرطوم.

ويشير حريز إلى أن الارتباط الذى لحظه العديد من الدارسين للمجتمعات التقليدية بين الاحتفالات الغنائية والدراما الشعبية يمكن الكشف عنه سواء بسواء في احتفالات الزار الغنائية ومن ثم تناولت دراسته الزار بوصفه شكلاً من أشكال الدراما الشعبية ذلك أن الزار، مثله مثل الاحتفالات الغنائية وغيرها من أشكال الدراما الشعبية، يتميز بالدمج بين أساليب مختلفة مثل الغناء والطبول والرقص. كما أنه يحتوي على تعبيرات فنية، وطرق يستخدمها مثل الملابس الشعبية، ووسائل مسرحية تقليدية، ومكياج وبخور .. الخ. هذا إلى جانب كون الممارسة تتم في جو احتفالي مدعوم بالذبائح والكرامات. ويؤكد حريز أن حفل الزار الغنائي يكشف عن الصراع وحل الصراع والذي يمثل ظاهرة ضرورية في كل دراما، مشيراً إلى وجود ممثلين في احتفال الزار الغنائي ومشاهدين يكونون كذلك على الأقل في بداية الاحتفال لكنه مع تصاعد الإيقاع يأخذ الجميع تقريباً في المشاركة الكاملة غناء رقصاً لينعدم الخيط الفاصل بين الممثلين والمشاهدين، أو ليصبح رفيعاً لدرجة يصعب معها ملاحظته. ويقول حريز أنه وفي الظروف التقليدية المثالية في احتفالات الزار فإن الممثلين هم المشاهدون، والمشاهدين هم الممثلون، ويشير حريز إلى وجود المخرج المسرحي في احتفالات الزار، فشيخة الزار هي المخرج في الواقع وسيدة الحفل، فهي تنظم كافة خطوات الحفل الغنائي وتديرها يساعدها في ذلك، في حالات، الملقن الذي ينشط الحفل يدفع قارعي الطبول والراقصات ويحثهم على إظهار المزيد من الحيوية في الأداء.

وبعد أن سلط حريز الضوء على الجوانب التقنية والفنية للدراما (بخاصة الدراما الشعبية) التى توجد في طقوس احتفال الزار، ينتقل لإلقاء نظرة على الزار كحفل غنائي درامي. هنا يلاحظ أنه إلى جانب تلك العوامل التقنية فإن الأغاني المستخدمة هي أغاني شعبية، وأن الموسيقي والطبول تصدح بأنغام وإيقاعات تقليدية، كذلك فهو يلاحظ أن معظم المواد الصنعية للثقافة المادية المرتبطة بالزار موجودة في الحياة الشعبية السودانية.

ثم أن حريز يؤكد على أن الأجواء الدينية التى يتم فيها احتفال الزار الغنائي مشتقة من الديانة الشعبية المتميزة بنكهة خاصة تعبر عن الخلط بين الإسلام الشعبي والمعتقدات الأفريقية التقليدية. ويشير حريز إلى أن تحليلاً عميقاً لاحتفال الزار الغنائي لن يكتمل بدون دراسة العناصر والقوى الدافعة وراء شعائر الزار والتقمص، والتي تنحصر من وجهة نظره، في الصراعات الاجتماعية والانفعالات العاطفية فحريز يرى بأن المضطهدين والمأزومين نفسياً هم الأكثر انجذاباً لحضور حفلات الزار الغنائية ليصبحوا عرضة للامتلاك من قبل الأرواح، ومن ثم يعرّف حريز الزار على أساس عناصر اجتماعية ونفسية ودرامية محدداً أهم مظاهره في: (1) حقيقة السلوك الرمزي القائم على مبادئ وقواعد تقليدية؛ و (2) ارتباطه بالديانة التقليدية؛ و (3) ارتباطة بالاحتياجات الفردية والتوازن الاجتماعي، أي بوصفه استجابة تكيفية تعويضية؛ و (4) ارتباطه بالذبائح والكرامات؛ و (5) تدخل وساطة الأرواح والدخول في الغيبوبة.

ويورد حريز تعريفاً للدراما النفسية، سبق أن قدمه دريدر (Drever,1952)، بوصفها “طريقة لتشخيص مشاكل الفرد وعلاجها، فإنها ذات علاقة وثيقة بطرق الإسقاط بل وأنها تظهر ارتباطاً أكثر بقياس العلاقات الاجتماعية القائم على دفع الفرد للاستجابة العفوية على المسرح وأمام جمهور في حالات. ويشترك آخرون في التمثيل على المسرح ويمكن أن يوجد جمهور مختار وفقاً لطبيعة المشكلة، وجميعهم يكونون تحت إشراف مخرج عادة ما يكون عالماً نفسياً مسئولاً عن المعالجة”.

اعتماداً على هذا التعريف للدراما النفسية يرى حريز أن احتفال الزار الغنائي يكاد يكون مطابقاً للدراما النفسية، ويحدد مظاهر الشبه في: (1) الاستجابة العفوية، و (2) التشخيص والمعالجة بتمثيل الوضع الملائم للمشكلة، و (3) حقيقة اشتراك المشاهدين في الإحساس نفسه الذى يتملك الفرد (المريض) الذى هو مركز الاهتمام، و (4) الأداء من فوق المسرح تحت إشراف مخرج مسئول عن المعالجة.

دراسة بربارة سيلار

Barbara Seller, 1991, ‘The Zar: Womens’ Theatre in the Southern Sudan’, in: I.M.Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond. Edinburgh University Press: 156-163.

بينما تناول حريز ظاهرة الزار من منظور سيكودرامي عموماً، أجرت بربارة سيلار دراسة ميدانية عن الزار في جنوب السودان (مدينة يامبيو) ناقشت فيها مختلف العناصر المسرحية المميزة للطقوس فيها. أشارت الدراسة إلى الاختلافات في الخلفية الثقافية والاجتماعية التى ينتج عنها تباين في استخدام الحركة وشخوص الزار بالرغم من الاتفاق في الأطر التقنية للمعالجة وأهدافها. وعدّت سيلار الزار وسيلة للترفيه وطقساً للامتلاك الروحي. شدد تحليل سيلار على الإطار الاجتماعي الدرامي الذى دعا له فيكتور تيرنر (1986) والذي يقول بتطور النهج المسرحي عبر أربع مراحل: (1) نقض العهد، (2) الأزمة، (3) الإصلاح، (4) إعادة التكامل. ومن ثم تعتقد سيلار بأن طقوس الزار تمر بالمراحل نفسها، وتوصلت إلى أن الزار يستخدم وسيلتين تساعدان في فصل تجربته عن الواقع العادي: الأولى – المسرح الخاص بالممارسة الطقوسية الراقصة – والثانية – الانتقاء لشخصيات تتقمص بالحركة والشخصية واللبس والزينة وهو ما يعكس، في رأي سيلار، فرضية التأرجح الاجتماعي.

أما التقنيات المسرحية المستخدمة في طقوس الزار فإنها تتألف من المخرج (الشيخة المعالجة)، والجمهور، وعنصر الخيال، والموسيقى، والرقص. فوق ذلك فإن طقوس الزار تحتوي على مظاهر هي أكثر عمومية مما نجده في المسرح مثل، على سبيل المثال، الفكرة الرمزية، والطهارة، والوليمة المشتركة، بالإضافة إلى عنصر الغيبوبة. وركزت الباحثة على فكرة التمثيل بحركات جسدية والاجتماع الجسمانى من خلال الغيبوبة.. ممارسة يشترك ويختلط فيها الجمهور المشارك والمريضات، وبها حبكة مسرحية. ووصفت سيلار تطور الحركات والشخصيات بالإبهام وظهور الطابع الرمزي عليها، والتكرار والارتجال، وعدت طقوس الزار بمثابة دراما محلية تعكس الوضع الاجتماعي للجماعة.

أما عن الاختلاف مع الدراما الغربية فهو وجود شخصية واحدة مركزية تعتلي المسرح في طقوس الزار، وهناك قمة واحدة يأتي بعدها الحل. فالشخصيات لا تتزامن في الظهور بل تتعاقب، بينما في الدراما الغربية هناك قمة واحدة يعقبها الحل.

جانب آخر يحتل أهمية بالنسبة للدراسة الحالية هو المقارنة لأنماط الشخصية، ونوعية الحركة في طقوس الزار في جنوب السودان. لاحظت سيلار التباين وعزته للمرجعية الثقافية والاجتماعية، وللاختلاف في المعتقدات الدينية وفي اللغة. وتعتقد سيلار بأن شخصيات زار الشمال أشد تجانساً بينما في يامبيو تبرز سيادة مجموعات عرقية (الأزاندي) والقليل من العرب. فالشخصيات المتقمصة في زار الشمال كثيرة ومتنوعة بينما في زار الجنوب توجد شخصيات مركزية (مثل الرجل الأبيض جوني، والمرأة العجوز، والرجل المقدس، والإثيوبيون).

هناك أيضاً اختلاف في شكل الحركة (الحركة المتأرجحة للأمام والخلف مع انتقال الجسم من القدم الأمامية للخلفية بالنسبة للرجل المقدس، والحجل بالقفز بالنسبة للعرب، والتأرجح من جهة إلى أخرى بالنسبة للإثيوبيين، بينما تمثل الخطوة الزاحفة المرأة العجوز، وتمثل خطوة المشي العادي للأمام والخلف الرجل الأبيض). هذا الاختلاف في نوعية الحركة وطبيعتها وفي الشخوص تدعم فرضية التأثير البيئي والاجتماعي.

رأت سيلار في ممارسة الزار حدثاً مسرحياً تتلاقى فيه جماعات عرقية مختلفة للتخفيف من حدة التوتر والمعاناة، حدثاً تتألف بنيته من تعبير سلوكي صريح ومكشوف من خلال تقمص شخوص في الحركة والأداء واللبس والزينة.

دراسة شيخ إدريس عبد الرحيم

Rahim, S.A. 1991, ‘Zar among middle-age female psychiatric patients in the Sudan’ in: I.M.Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.),Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond. Edinburgh University Press: 137-145.

دراسة شيخ إدريس عبد الرحيم وهى ذات أهمية قصوى لهذه الدراسة حيث إنها دراسة عيادية مسحية هدفت إلى استكشاف نوعية الأمراض النفسية والعقلية، والتأثيرات العلاجية للممارسة الطقوسية في الزار. من خلال عينة عشوائية تم اختيارها من المترددات على العيادة الخارجية لمستشفي الأمراض العصبية بالخرطوم بحري، في مدى زمني استمر عشر سنوات (1983-1973) لفئة عمرية (55-40) التى تكثر وسطها ممارسة الزار، كانت نسبة اللائي خضعن للمعالجة بطقوس الزار 35% من العدد الإجمالي البالغ 819. ورغم أن العينة لا تمثل المجتمع الأصلي في السودان المترامي الأطراف والمتعدد الأعراق والديانات، فإنها ألقت مع ذلك بأضواء كثيفة على هذه الظاهرة من المنظور العيادي.

المتغير التابع في فرضية الدراسة هو تجربة المعالجة بطقوس الزار في الوقت الحالي، أو في الماضي وطبيعة التجربة العلاجية ومدتها وتأثيرها. أما المتغيرات المستقلة فتشمل سلسلة من المعطيات الشخصية والخصائص الديموغرافية (العمر، والإقامة “ريف-حضر”، والتعليم، والعمل، والحالة الاجتماعية، والمستوى التعليمي للزوج، وتاريخ العائلة في ممارسة الزار). وتأسس التقييم العلاجي على التقييم الشخصي للمريضة، وعلى المعلومات المستقاة من أهلها ومرافقيها.

وقد وضعت معايير التقييم بحيث يشير التقييم “جيد” إلى أن المريضة تعافت من الأعراض التى تعاني منها بعد الممارسة، وكانت النسبة 25.8%. أما التأثير المتوسط ويعني تسكين الأعراض مع نقص المعاناة فقد كانت نسبته 19.8%. وقد كانت الإجابة بالشك في مدى نجاح المعالجة أو فشلها قد سجلت نسبة 10.4%، في حين سجلت الاجابة بعدم تأثير إيجابي للمعالجة نسبة أقل من النصف بلغت 43.9%.

يلاحظ أن الاستجابة الجيدة انعكست على المريضات بالتفاعلات الهستيرية hysterical reaction 72.7%، وحالات القلق anxiety states 46.3%. أما عدم الاستجابة للعلاج فقد انعكست لدى المريضات المصابات بمتلازمات الدماغ العضوية organic brain syndromes 100%، والمريضات بمرض الصرع epilepsy 96%، والفصام shizophrenia والاضطرابات الوجدانية affective disorders 89%.

أما النتائج العامة للدراسة، فقد أكد الباحث فيها على أن استخدام نسبة 35% من أفراد العينة لطقوس الزار بوصفه علاجاً تمثل نسبة ذات دلالة ومعنى لا بدَّ من أخذها في الحسبان. كما أكدت على أن اللجوء للمعالجة بالزار أكثر شيوعاً في الأرياف منها في التجمعات الحضرية، ووسط الأقل تعليماً ونشاطاً اقتصادياً، بالإضافة إلى تفشيها في الأسر التى يتميز ربها بمستوى تعليمي متدني.

وأظهرت نتائج الدراسة بأن الغالبية من المرضى الذين يلجأون للمعالجة من الزار هم من مرضى التفاعلات العصابية المنشأ، وهى فرضية سبق أن أكد عليها طه بعشر، (Baasher,1962 ; id.1975) وهاردنج وآخرون، (Harding et al.,1980) ورحيم وسدربلاد (Rahim and Cederblad,1986).

كما أكدت الدراسة على دور العوامل الاجتماعية والثقافية في رفع معدل الممارسة (فقر، وتصحر، وحرب أهلية، وهجرة، وتغيرات ثقافية اجتماعية، بالإضافة إلى الهوة التى تفصل الشباب ومتوسطي الأعمار) مما يؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية. كما وأن من بين النتائج المهمة أن ممارسة الزار تساعد في إزالة الأعراض لدى مجموعة خاصة من مرضى التفاعلات الهستيرية 95%، وحالات القلق 87.2% وفقاً للتشخيص العيادي (السيكاتري).

ويشير شيخ إدريس عبد الرحيم إلى أن الكيفية التي تمت بها المعالجة باستخدام تلك التقنية لا تهم بقدر ما تهم الفائدة الناجمة عنها لكونها مقبولة اجتماعياً، ولأن فيها انطلاق لانفعالات مكبوتة وممارسات سلوكية محظورة. فوق ذلك فإن هذه المعالجة احتوت على نواحي علاجية نفسية مثل التوحد والإسقاط،  بالإضافة إلى الدعم الاجتماعي والعلاج السيكودرامي والجماعي. مع ذلك فإن شيخ إدريس يشير إلى بعض الجوانب السلبية لممارسة الزار والتى تتمثل في: (1) التكاليف الباهظة التى ترهق الأسر من أجل إشباع مؤقت؛ و(2) لا ينتج عنها، من وجهة نظر منطقية، فائدة علاجية عالية (تبلغ نسبة زوال الأعراض 54%، ونسبة المعافاة التامة فقط 1.5% بينما تلهث البقية وراء ادمان الممارسة لمدة قد تصل إلى ساعتين 46.6%، أو اللجوء للممارسة كلما شعرن بارتفاع الضغط النفسي 43.3%، أو لتعويذة أو بخور 8.4%. ويعتقد شيخ إدريس بأن ممارسة الزار هي هروب من مواجهة الواقع ومجرد تسكين للمعاناة لا أكثر؛ (3) تؤسس ممارسة الزار على مقدمات خرافية تتعارض مع الدين.

دراسة موري لاست

Murray Last 1991, ‘Spirit Possession as Therapy: Bori among non-Muslims in Nigeria’, in: Lewis,I.M., Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press.

وفي دراسة عن العلاج بالبوري في نيجيريا ناقش موري لاست التغير الذى خضعت له ظاهرة البوري (وهى ممارسة مشابهة للزار) في الوقت الراهن في نيجيريا. وتوصل لاست إلى أن استخدام البوري انحصر في الوقت الراهن بوصفه علاجاً للمرضى الممتلكين بالأرواح والتسكين، ويرى أنه قد تكتب للبوري الاستمرارية في هذا السياق بالتبصر في كيفية إسهامه في العلاج النفسي الوقائي في زمان تنخفض فيه ميزانية الصحة وتعطى الأولوية للوقاية. ورأى أن ممارسة البوري تحتوي على جوانب من نظائر حديثة في العلاج النفسي، مثال العلاج السيكودرامي، واستخدام التنويم الايحائي. ودعا إلى ضرورة إجراء دراسات ميدانية على مثل تلك الممارسات يراعى فيها الثقافة والفلسفة الأفريقية والتى يمكن أن تشتق منها طرق إبداعية في المعالجة النفسية الحديثة.

دراسة عادل العليمي

عادل العليمي،1993، الزار ومسرح الطقوس، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.

اتبع الباحث عادل العليمي أسلوب الوصف التحليلي لظاهرة الزار من خلال المشاهدات الميدانية. وتركز دراسة عادل العليمي على الزار كظاهرة فلكلورية درامية شعبية تعتمد على فنون الفرجة والعرض والتصوير البصري، وتحتوي من حيث النتائج التى توصل إليها إلى عامة وخاصة، تمثلت العامة في : (1) الزار ظاهرة وافدة على المجتمع المصري موطنه الأصلي إثيوبيا، للسودان؛ و (2) القرآن الكريم يشكل الخلفية الأساسية للزار في مصر لما ورد فيه من ذكر للجن، كما أن هناك وقائع في حياة الرسول صلي الله علية وسلم تتعلق بالسحر والعمل ورؤيته للجن؛ و (3) الزار ظاهرة فلكلورية عاشت وما زالت تعيش بحكم الوظائف التى تقدمها لقطاع من الطبقات الشعبية؛ و (4) المترددون على الزار أغلبهم من النساء وهن من أصل ريفي وغير متعلمات أو أنصاف متعلمات وجميعهن من أصل شعبي -حتى المتعلمات – ويغلب عليهن طابع المرض النفسي؛ و (5) أغلب مشايخ الزار من النساء – خصوصاً في القاهرة – أما في الأقاليم فيزداد عدد المشايخ الرجال. وأخيراً أن الزار علاج نفسي شعبي يعالج الوهم بالوهم ويعتمد على الإيحاء الذاتي في ظل معتقدات شعبية وفي ظل جو من الإثارة النفسية والانفعالية لتحقيق التوازن النفسي.

أما النتائج الخاصة فتمثلت في : (1) محاولة الدراسة إثبات ما ذهب إليه عبد الحميد يونس من أن الزار دراما شعبية وذلك بتقديم المعطيات التي تؤدي إلى هذه النتيجة؛ و (2) تقديم  الزار بوصفة دراما شعبية طقوسية تتجسد في المحاكاة التمثيلية الراقصة للجن متوسلة في هذا بوسائل عرض قائمة على الفرجة من مكان عرض وحركة وموسيقي وملابس وملحقات (إكسسوارات) وصيغ أدبية وشعبية في الأغاني والرقى والفتوحات.

دراسات في العلاج بالحركة والرقص

إن أدبيات العلاج بالحركة والرقص ليست بالكثيرة ذلك أن هذا النوع من المعالجات مازال في بداياته. الدراسات المتوافرة في هذا المجال في غالبتها دراسات لحالات أو تقارير اعتمدت على التغير في الحالة الصحية للمريض والتحسن في الأعراض، أو دراسات وصفية تحليلية. ستحاول هذه الدراسة التعرض لبعض من تلك الأدبيات وذلك بغرض إبراز تقنيات المعالجة والمفاهيم التى قد نجد صدى لها في طقوس الزار رغم أن هذا الأخير مؤسس على جانب اعتقادي وخرافي مرتبط بالخلفيات الثقافية الاجتماعية.

دراسة كيفن كافانو

Kavanaugh, Kevin 1995, ‘Dance and Drama therapies stimulate creativity, enhance patient well-being’. Brown University long-term Care Letter, Vol.7 Issue 14 : 5,(2P.).

وفي ورقة دراسية ناقش كافانو كيفين فكرة العلاجات البديلة من خلال دراسته عن العلاج بالرقص والحركة والدراما. وقد لخص إيجابياتهما بأنهما تحفزان النشاط الإبداعي، وتؤديان إلى التجديد من خلال التعبير عن الذات – بخاصة بالنسبة للمرضى الطاعنين في السن – وفي كلا نهجي المعالجة (الدراما والعلاج بالحركة والرقص) يقود المعالجون الحركة المرتجلة بدون برنامج روتيني. ووفقاً لكافانو فإن المعالجة بالحركة والرقص أثبتت فاعلية في تدعيم مفهوم الذات، مع شعور بالتحسن والراحة إضافة إلى اكتساب قدرة تواصلية مع الآخر. ويرى أن في هذه المعالجة تنشيط للأجسام واستخدام للخيال وتفريغ للتوتر. وبالنسبة لكبار السن فإنها تكسبهم حيوية واسترخاءً. ويقول كافانو أنه بالرغم من حداثة هذه التقنية ذات المدى الطويل، فإنها قد أثبتت فاعلية في تحقيق أهداف علاجية متنوعة. فالمعالج يوجه المجموعة في كيفية التنفس أثناء أداء الحركات، ويعيد الحيوية لدافعية الممارسة. كما وأن الحركة يتم استخدامها وسيلة لاستعادة ذكريات الماضي مما يتيح فرصة لإعادة التنظيم المعرفي. وفوق كل ذلك فإنها تزيل التشويش وتقوي التفاعل الاجتماعي والاحتكاك مع الآخر.

أما فيما يتعلق باستخدام العلاج الدرامي فإن كافانو يعده تقنية متقدمة صممت لزيادة الوعي بالذات والتعبير عنه وتقويته. كما أنها تحسن العلاقات الاجتماعية من خلال مهارات المواجهة، وتقلل من القلق، وتساعد في التلقائية ونسيان الألم والمشاكل. هذا فوق أنها تجعل الممارس يحس بالانتماء إلى مجموعة يتم في وسطها الاسترخاء عبر المشاركة في أدوار إبداعية. وكان ديفيد جونسون قد لخص فوائد هذا الشكل للمعالجة بأنه “الاستخدام القصدي للدراما الإبداعية بغرض الوصول للأهداف العلاجية وذلك عن طريق إزالة الأعراض، وتؤدي للتكامل الجسمي والعاطفي ونمو التوافق”.

دراسة دونفان وبستر

Donovan Webster, 1995, ‘Alternative Medicine’, Men’s Health, vol.10 Issue 3: 80-82.

سعى بعض الباحثين للتعامل مع الممارسة الحركية والرقص من منظور الطب البديل. من بين أولئك دونفان وبستر الذى ناقش معالجات حديثة تضمنت نهج يونج في العلاج، والعلاج الجشطالتي، والعلاج بالرسم، والعلاج بالحركة والرائحة، وهى كلها تتمحور حول الأنا. وارتأيت التركيز على مناقشة دونفان للعلاج بالرائحة والعلاج بالحركة لارتباطهما بطقوس الزار.

يتمركز العلاج بالحركة، في رأيه، على الاحتواء والارتباط والإنهاك الجسمانى، بالإضافة إلى الوقت الذى تستغرقه المعالجة. ويبيح هذا النوع من العلاج للمريض فرصة لينهي مشاكله عن طريق الرقص بإشراف معالج ومعلم في الرقص من خلال الحركة والضرب على الأرض، والتعبيرات التى تتسم أحياناً بالهدوء وفي حالات بالصراخ. إنها ممارسة تساعد، في تقدير دونوفان، في التخلص من المشاكل والقلق في مساحة آمنة. من ثم يجوز القول بأنه لم يختلف في تحليله هذا عن من سبقوه.

ويصف دونوفان العلاج بالرائحة Aroma therapy بأنه تقنية تستخدم الرائحة لاستدعاء ما يجلب الراحة للمريضة. فالرائحة تقوي وتنشط الألم وتحاصره. فمسح الزيت الخزامي في المكان يؤدي إلى زيادة النشاط، وهو ما يؤدي إليه أيضاً خلاصة شجر الاوكالينوس الطبي. ويعتقد دونوفان أن الجزء الأهم في المعالجة هو ممرات فتحات الأنف. العلاج لا يصحبه كلام، فقط الشم just sniffing مع وضع فكرة الصحة والعافية في الذهن والتي تساعد في الوصول إلى الراحة النفسية.

دراسة ويمان ماكجنتي

Wyman McGinty, Wendy Santa Monica, C.A. 1998, ‘Authentic movement and witnessing in analytic practice’, Journal of Analytical  Psychology , Apr., vol.43  Issue 2: 239- 61.

تناول ويمان ماكجنتي وصفاً تحليلياً مدهشاً لشكل من الخيال النشط سماه بـ “الحركة الأصيلة authentic movement” في الممارسة التحليلية التى تهتم بـ “اللا وعي الجسمانى somatic unconscious”. لذا رأيت عرض هذه الدراسة بقدر من التفصيل ذلك أن الدراسة المعنية أخضعت الأداء الجسمانى لتحليل دقيق أفرز الكثير من المفاهيم الخاصة بتلك المعالجة. تتمحور “الحركة الأصيلة”، التى يبرز فيها العنصر الخيالي النشط، في مجموعة حركات يقوم بها المريض، وهى نابعة من الأعماق خلافاً للحركة الموجهة والمخطط  لها من قبل من الأنا. أي، أن هذه “الحركة الأصيلة” هي حركة صادرة بإيعاز داخلي من أغوار اللا وعي، وهو ما وصفته ماري هوايت بمصطلح “حركة من الأعماق” (Mary White,1979). ويقوم المريض بهذه الحركات وهو في حالة جلوس أو رقود أو وقوف في مساحة آمنة تيسر له حرية الأداء. ويمكن تطبيق هذه المعالجة على فرد أو جماعة علاجية وتستغرق حيزاً زمنياً لاستكمالها يتراوح من 10 إلى 45 دقيقة. يعقب ممارسة الحركة محادثة بين المريض والمحلل لتقييم تجربة الممارسة التى سماها ويمان “حركات تداعي حر kinaesthetic free association” ويمكن التعامل معها من هذا المنظور. كما وأنها، في رأيه، ليست حركات تفريغية بل هي أكثر من ذلك لكونها أشد تماسكاً وتبرز القلق والتوتر المتولد نتيجة تصورات المريض، وما يرتبط بهما من عواطف وأحاسيس. ووصف ويمان الحركة الأصيلة شكلاً من الخيال النشط يوجه فيها الاهتمام بـ اللا وعي الجسمانى. في الحركة الأصيلة يُشجع المرضى للتركيز في دواخلهم والتنبه إلى أحاسيسهم الجسمية وشعورهم وتصوراتهم التى قد تبرز أثناء عملية التركيز الداخلي في التجربة المدركة جسمياً، تصبح التصورات، والذاكرة الجسدية somatic memory وما يرافق ذلك من مشاعر، قابلة للاستكشاف بوصفها وسيلة تواصل مع لا وعي المريض. الحركة الأصيلة تساعد الفرد على الربط بين الصورة والعاطفة من حيث كون الفرد يعيد تجربة المظهر الجسمانى للرمزية. ما تم تخزينه على المستوى الجسمانى – “كتجربة غير مدركة بالعقل unmentalized experience” – يمكن أن يصبح بالتالي في متناول العقل الذى سيفكر فيه ويجعله قابلاً للتحليل. في الحركة الأصيلة يعمل المحلل شاهداً صامتاً على استكشافات المريض. فالمشاهدة المركزة والاهتمام والوجود تساعد في خلق بيئة احتوائية آمنة يستطيع المريض أن يتحرك فيها بأريحية، وتعطيه الإحساس بأنه مشاهد ومحمي ويعيش تجربة الإحساس والتعبير التلقائي الحر. وظيفة المحلل هي اقتناء تجربة المريض واحتوائها في عقله والتعرف عليها، بخاصة الأجزاء المبهمة في تلك التجربة. ويستخدم المحلل (المشاهد) تحويله الجسمانى المضادsomatic counter transference الذى يحتوي على تصوراته ومشاعره واستجاباته الجسدية، المتولدة بفعل تواصله عبر اللغة الجسدية غير الناطقة، يستخدمها وسيلة للفهم والتجاوب مع المادة التى قدمها المريض. ودور المحلل أن يحافظ على مساحة من حلم اليقظة أو الفكرة الخيالية التى تبدأ في الوجود والظهور لتتكامل وتترابط في الوقت المناسب.

ويعتقد ويمان أن هذا النهج العلاجي يمكن أن يسهم في العملية التحليلية بطرق مختلفة: (1) الخيال النشط في الحركة الأصيلة هو وسيلة أساسية لتناول المادة اللا واعية وإيجاد علاقات لها؛ (2) تشكل الحركة الأصيلة اختراقاً لبنيات اللا وعي البدائية؛ (3) يبدو أن الحركة الأصيلة تدعم إعادة ربط التصور مع العاطفة من حيث إن الفرد يعيد حرفياً تجربة المظهر الجسمانى لعملية خلق الرمز؛ (4) تسمح الحركة الأصيلة فرصة للمحلل أن يعمل شاهداً صامتاً ووعاء يتلقى استكشافات المريض؛ (5) وأخيراً فإن الحركة الأصيلة، بوصفها شكلاً من أشكال التدريب العيادي، يمكن أن تكون لها قيمة بالنسبة لتطور علاقات الفرد (المحلل) بـ “اللا وعي الجسمانى” كما تتجلى في المحلل نفسه ومريضه.

دراسة هوبان ساندرا

Hoban , Sandra 2000, ‘Motion & Emotion-The Dance/Movement Therapy Experience’. Nursing Homes Long-term Care Management, Vol.49, Issue 11: 33 (2P.).

كان هوبان ساندرا قد وصف تجربة علاجية بالحركة والرقص تركت تأثيراً ايجابياً ضمن معالجة تكاملية وليست بديلة (مثل المساج والعلاج باللمس، إلى جانب العلاج بالحركة والعلاج التقليدي الغربي). أجريت التجربة في مصحة للتمريض في نيوهامشير New Hampshire بالولايات المتحدة الأمريكية. تكون فريق الدراسة من اختصاصي نفسي متخصص في العلاج بالحركة والرقص، إلى جانب طلاب دراسات عليا في مرحلة الماجستير، وخبير في الرقص. تكونت المجموعة التى أجريت عليها تجربة العلاج من 6-10 مرضى، ودامت فترة العلاج بالرقص لست سنوات.

استهل ساندرا بحثه بعبارة لخص فيها أهداف المعالجة كالآتي “وظيفة التقنية العلاجية هي أنها ذات طبيعة تواصلية تأتي من أعماق اللا وعي حيث مكمن الذكريات. يبدأ الرقص منذ الطفولة مروراً بالمراهقة ليستمر مدى الحياة، وهو أساس التعبير الانفعالي”. وتتلخص بداية البرنامج العلاجي بنشاط حر (لعب بالبالون في مجموعة ارتجالية لتشجيع روح المخالطة الاجتماعية. بعدها تبدأ عملية الإحماء من وضع الجلوس للمشاركين لتنشيط أجزاء الجسم، ولزيادة الوعي مع نشاط هوائي aerobic activity. وينبه المعالج المرضى بأن من لا يستطيع منهم الرقص بجسمه فعليه أن يفعل ذلك بقلبه. ويؤسس هذا العلاج على الحركة والرقص مصحوبين بالموسيقى. ترتكز الحركة على الخيال وليست تقليدية بحال من الأحوال بل هي حركة تلقائية لها معنى من منظور التعبير عن الذات. ويقوم هذا العلاج على أساس المنهج الذى اختطه مؤسس العلاج بالحركة ماريان شيز والذي يلجأ إلى استخدام المرآة لتكبير الحركات وانعكاساتها لجعلها أكثر تكاملاً وسط مشاركة أهل المريض وأصدقائه تشجيعاً له. فالمعالجة ليست فصلاً دراسياً بالمعنى العرفي، لكنها تجربة تلقائية يتم فيها قياس مميزات الحركات ونوعيتها وفقاً لتقييم غير رسمي في لحظة الممارسة، كما ويمكن إلحاقها بقياسات نفسية عن المريض. وظيفتها توسيع الارتباط بين العقل والجسم للمرضى المعاقين جسدياً أو من ذوي العاهات الجسدية والعقلية. من نتائجها استعادة المريض التوازن الرزمي بين انفعالاته وجسده. أظهرت إيجابيات لها مع مرضى الإكتئاب المعتدل والضياع النفسي والسلبية. كذلك ساعدت في خلق تفاعل سعيد في وسط اجتماعي. وقد وصف هيرفي، رئيس الفريق المعالج، بأن المعالجة مثلت وسيلة للتواصل وأنها ذات فائدة مع مرضى محدودي التواصل الإدراكى وللكثير من حالات شديدي الاختلال العقلي، وتدعم مفهوم الذات.

إصدارة جامعة هارفارد للصحة العقلية

Harvard Mental Health Letter 3, vol.17, September 2000

أوردت “مطبوعة هارفارد للصحة العقلية” نتائج عدد من الدراسات التى استخدمت التمارين علاجاً بالحركة من منظور تأثيراتها العلاجية في الاضطرابات العقلية. وخلصت إلى أن المداومة على المعالجة بالتمرينات، والتي تمت في دراسات عدة، توصلت إلى نتائج ايجابية فيما يتعلق بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات رعب أو خوف من المرتفعات. كما أثبتت المعالجة بالتمرينات الهوائية فاعليتها بالنسبة للأشخاص معاقي النمو. وبمراجعة الدراسات للمعالجة بالتمارين توصلت إلى نتائج يمكن إجمالها في: (1) أنها ذات قيمة صحية؛ (2) غير مكلفة؛ (3) أنها لازالت تقنية لم يتم استخدامها بالقدر الكافي لأنواع متعددة من الاضطرابات العقلية.

وتشير مطبوعة هارفارد للصحة العقلية إلى أن 14 دراسة مضبوطة عن مرضى إكتئاب يتدرج من خفيف mild إلى معتدل moderate أظهرت أن فاعلية المعالجة بالتمرين أكثر مردوداً من عدم المعالجة أو اللجوء لاستخدام العلاج المسكن. تمت مقارنة ذلك مع عدة علاجات نفسية فردية وجماعية.

وتورد مطبوعة هارفارد للصحة النفسية أيضاً بعضاً من الدراسات غير المضبوطة التى تشير إلى حدوث تحسن في أعراض اضطرابات القلق بفعل استخدام أنشطة الجري والتمرينات الهوائية، وحدوث تحسن في أداء الأوعية الدموية لدى المرضى معاقي النمو. كما تحسن الأداء عموماً، وتقلل من السلوك النمطي إلا أن تأثيرها يتوقف بانتهاء التمرين الخاضع للإشراف.

أما التقارير التى أوردتها عن دراسة الحالات في تجارب غير مضبوطة فقد أشارت إلى أن التمرين يخفض الإكتئاب والإثارة والهلوسة لدى مرضى الفصام. وتوصلت إحدى الدراسات إلى أن التمرين ثلاث مرات أسبوعياً لمرضى الهستريا التحولية أدى إلى تقليل استخدامهم للكرسي المتحرك. وأثبتت دراسة أخرى أن العلاج بالتمرين لمدة ستة أسابيع يعادل من حيث الفاعلية العلاج السلوكي المعرفي، كما وأنه أثبت فاعليته بالنسبة لمرضى الألم المزمن وإدمان الكحول والمخدرات.

دراسات عن العلاج بالاسترخاء

تقنية شولتز وجاكبسون للعلاج بالاسترخاء

Schultz, J.H. 1959, Autogenic Training: A Psycho-physiological Approach in Psychotherapy. Translated by W.Luther, New York and London: Grune & Stratton.

Jacobson, E. 1938,  Progressive relaxation, Chicago: University of Chicago Press

وكان شولتز في عام 1920 قد طرح تقنية أطلق عليها اسم “الاسترخاء ذاتي التوليدautogenic training (AT)”. وتعد هذه التقنية رائدة اشتقت أغلب الطرق النفسية الفسيولوجية عنها، وهى تمثل تقنية ذات أهمية للدراسة الحالية، حيث إنها تنطلق من مفهوم تكاملي للشخصية. تقنية ثانية، ترتبط هي الأخرى بتأسيس العلاج الاسترخائي انبثقت عن دراسات ادمون جاكبسون (Jacobson,1938) لطريقة “الاسترخاء التصاعدي progressive relaxation” التى تنبني على منظور فسيولوجي. بفحص التقنيتين المذكورتين لحظت الباحثة التشابه مع بعض التقنيات الموجودة في طقوس الزار وإن كان استخدامهما يتم بصورة عفوية.

يمكن النظر لتقنية شولتز بوصفها طريقة رائدة في التغذية الحيوية الراجعة لتقنيات الاسترخاء، وتم استخدامها في المجال الطبي. شدد شولتز في تقنيته على عنصرين سبق أن أشار إليهما أوسكار فوجت حيث قال بأنه للوصول إلى حالة التنويم بالإيحاء الذاتي autosuggestion يتم استخدام عنصرين هما الإحساس بالثقل والحرارة. المقصود بالثقل هو الارتخاء العضلي، في حين أن المقصود بالحرارة التوسع في الأوعية المحيطية، ويمثل العنصران، في رأي أوسكار، ركيزتا العملية التنويمية. استخدم شولتز، إذن، فكرة العنصرين الأوسكاريين وأضاف إليهما عنصراً أسماه “التركيز السلبي negative concentration” متوصلاً إلى توليفة جديدة تتلخص في خلق حالة من الانتباه السلبي والراحة.

ويقصد شولتز بالتركيز السلبي خلق مساحة لتلقائية اللا شعور بحيث يتاح للخيال مجال للتحرك. يتم الوصول إلى ذلك عن طريق تمرينات عقلية لها تأثيرات على وظائف الجسم. وتشمل تلك التمرينات جملاً لفظية ذات تأثير علاجي لخلق حالة من الدفء، وتمارين تعقبها للتأمل في الألوان والأشياء أو المفاهيم لخلق حالة من الانتباه السلبي الذى سيفضي بدوره إلى إرخاء السيطرة على الجسم، وإطلاق العنان للخيال والانفعال والذكريات. إنه استرخاء يتم الحصول عليه بإيعاز ذاتي التوليد. يكمن العنصر العلاجي في هذه التقنية في حدوث تغيير ذاتي وظيفي للعلاقات المتبادلة للقشرة الدماغية  وهو ما ينتج عنه زيادة للقدرات التنظيمية للجسم سواء كانت الإصابة للقدرات بالوهن بسبب عمليات عصبية أو نفس بدنية (سيكوسوماتية).

في حالة المقاربة بين عناصر تقنية شولتز وأحداث طقوس الزار يمكن ملاحظة الكثير من التناظر. فطقوس الزار تتميز بالإجهاد النفسي والبدني عبر التكامل والتواتر النمطي في الإيقاع، وكلمات الأغاني، ودعوات الشيخة “دستور يا أسيادي .. العفو والرضا يا أسيادي”، والألوان، وكل السياق الطقوسي ذي الطابع الرمزي. كل ذلك يؤدى إلى حالة من الانتباه السلبي أو هجرة من العالم الخارجي إلى عوالم داخلية تعقبها حالة من الوعي والغيبوبة التى قد توصل في النهاية إلى حالة استرخائية.

أما جاكبسون فإنه ينطلق من القناعة بأن الكثير من الأمراض المصحوبة بتوتر إنما تنتج من مشاكل اجتماعية – بالتالي – فإن التخلص من التوتر العضلي قد يقود، في رأيه، إلى المعالجة. ولذلك استهدفت تقنيته البعد الفسيولوجي للاسترخاء، مشددة على المركب العضلي العصبي، أي، بمعنى استرخاء الجهاز العصبي العضلي اللاإرادي. ويتم الاسترخاء من خلال تدريب للحس العضلي العصبي عن طريق تمرينات معينة. انطلاقاً من إدراك جاكبسون للعمل العضلي من خلال ثنائية انقباض – ارتخاء المتلازم مع توتر – ارتخاء، هدفت معالجته بالاسترخاء المتصاعد إلى حدوث استرخاء تتبعه راحة لقشرة الدماغ. ولتحقيق المعالجة لهدفها شدد جاكبسون على “قوة الخيال” وتأثيره على وظائف الجسم، وقام بالكثير من التجارب لاختبار قوة الخيال تلك تجريبياً. إذن، فجوهر تقنية جاكبسون تتمركز حول وعي المريض بتوتر عضلاته وسعيه لاسترخائها عبر تمرينات مصحوبة باستخدام الخيال مما يؤدي إلى استرخاء عضلي قد يشمل حتى العضلات الملساء (اللاإرادية).

هناك العديد من الدراسات التي قدمت بينات تدعم تقنية جاكبسون العلاجية. نذكر من بينها دراسة سانسبري وجيبسون (Sansbury and Gibson,1954)، ودراسة نديفير (Nidever,1959) والتي تمت فيهما الإشارة إلى أن أخذ عينة من العضلات (عضلة واحدة أو اثنتين) بعد الراحة التى تعقب الجهد المبذول، قد يمدنا ببينة عن درجة الراحة التى يحس بها الفرد. تم إظهار علاقة ذات دلالة بعد قياس نشاط عضلات معينة عن طريق التخطيط الكهربائي في حالات عيادية مثل الصداع، وآلام الظهر، والنشاط العقلي، والحالات الانفعالية.

أوضح جاكبسون من خلال تجربة أخرى أن الاسترخاء التصاعدي لعضلات الجسم قد يقلل إلى درجة كبيرة الضغطين الانبساطي والانقباضي. أجريت التجربة على مرضى مصابين بارتفاع ضغط الدم الأساسي وأظهرت انخفاضاً ملحوظاً في مستوى ضغط الدم عقب الاسترخاء التصاعدي، وبرهن على أنه وبزيادة شد العضلات وتوترها فإن ضغط الدم يميل إلى الارتفاع والتوتر برغم غياب التهيج العاطفي، وباسترخاء هذا الشد والتوتر فإن انخفاضاً يحدث في مستوى ضغط الدم (أي، انخفاض الانبساطي والانقباضي). وأشار ولبى (Wolpe,1985) إلى بحث لـ جاكبسون أشار فيه إلى وجود تناقص في مستوى ضغط الدم بلغ نسبة 66.66%، من عدد عينة تألفت من 90 فرد، وذلك بفعل التدريب على الاسترخاء.

دراستا هربرت بنسون

هربرت بنسون،1989، العقل والجسم، ترجمة محمد جابر، دار المامون، بغداد.

Benson H. 1975, The Relaxation Response, New York: William Morrou.

هناك أبحاث ذات أهمية معلومة بالنسبة لموضوعنا تمثلها أبحاث هربرت بنسون. هدفت دراسات  بنسون إلى الربط بين علوم الطب والفسيولوجية وعلم النفس والطب النفسي؛ بهدف الكشف عن إمكانية تحوير الكثير من الممارسات الطبية لتعطي رعاية صحية أفضل، ومن أهم ما يشير إليه بنسون هو محاولة إيجاد مدخل للرعاية أكثر فاعلية بتبني بعد تاريخي. يعتقد بنسون بضرورة الموازنة المعقولة بين الممارسة الطبية التقليدية والحديثة لكي يبقي الناس أصحاء لأطول فترة ممكنة، ويحصلوا على أفضل علاج في حالة تعرضهم للمرض. ويرى بنسون أنه ولاستيعاب العناصر غير المحددة للعلاج الطبي ينبغي الأخذ في الحسبان الممارسات العلاجية خلال العصور وقبل ظهور الطب العلمي. فقد اعتمد المعالجون الدينيون في الثقافات التقليدية غير المعقدة بصورة مركزة على عوامل علاجية غير محددة. ويشير بنسون إلى أنه برغم الاختلافات الثقافية التاريخية الكبيرة فإن هناك تشابه كبير على ما يبدو بين الأدوار المعطاة للمعالجين المختلفين.

ويأخذ بنسون على الطب الحديث استبعاده بشكل واسع للعوامل العلاجية غير المحددة للطب التقليدي … “تناسي الطب الحديث الممارسات غير المحددة التقليدية. فمن الصعب إثبات قيمة هذه الممارسات غير المحددة باستخدام طرائق حديثة مقبولة علمياً. وعلى كل حال فليس من الحكمة إهمال هذه العناصر العلاجية المفيدة لمجرد صعوبة بحثها”. وعليه يرى بنسون انه ينبغي تشجيع الأبحاث التى تؤلف بين المفاهيم القديمة والحديثة كما ينبغي أن يكون هناك بحث مركز حول ممارسات العلاج والشفاء في الثقافات المختلفة. لكن بنسون يؤكد على أهمية اعتماد البحث على المبادئ العلمية الحديثة التى أثبتت نجاحها وأنه يتوجب بحث المشكلات الطبيعية كما تؤثر على الإنسان ككل لكي يصبح ممكناً فهم كيفية تفاعل الجسم والعقل.

ويشير بنسون إلى دراساته المختبريه التى قادت إلى استجابات نفسية هي استجابة الاسترخاء، ويرى أن هذا البحث متعدد المناهج يشمل دراسات للتفاعل بين الدماغ (علم النفس والعلاج النفسي) والجسم (الفسيولوجيا والطب) مشيراً إلى ان استجابة الاسترخاء قد تم استنباطها من خلال ممارسات وتقنيات سلوكية محددة ظهرت منذ قرون، وتشمل هذه الممارسات أربعة مضامين أساسية ضرورية لاستخراج الاستجابة والاسترخاء : وضع مريح، ومحيط هادي، وإعادة لعبارة دعاء أو لعبارة صوت، وتبني اتجاه مستسلم حينما تأتي الأفكار إلى الشعور، ويرى بنسون أن الاستجابة الاسترخائية التى تستثار بهذه السلوكيات المحددة هي نظير لاستجابة “قاتل أو أهرب” التى هي استجابة فسيولوجية لحاله الضغط. “وقد أظهرت استثارتها المتكررة أمراضاً مرتبطة بالضغط النفسي كارتفاع ضغط الدم. فاستجابة القتال أو الهرب تتصف بارتفاع فاعلية الجهاز العصبي السمبتاوي، أي، ارتفاع إفراز الأدرينالين والنورادرينالين. وفي الجانب الآخر فإن استجابة الاسترخاء مرتبطة بانخفاض فاعلية هذا الجهاز. وبتقليل فاعليات الجهاز العصبي السمبتاوي فإن استجابة الاسترخاء تعد مفيدة علاجياً في الأمراض المرتبطة بالشد النفسي، وقد تكون مفيدة كذلك في الحد منها. إن المداخل السلوكية، كاستخراج الاستجابة الاسترخائية – وحين تزامنها مع الممارسات الطبية التقليدية – يمكن أن تكون دوائر أكثر فاعلية للأمراض المرتبطة بالضغط النفسي”.

وقد شكلت استجابة الاسترخاء النقطة الأساسية في أبحاث هربرت بنسون وممارساته الطبية على مدى ثلاثين سنة، ويقول بأن استجابة الاسترخاء تشير إلى قدرة الجسد على الدخول في حالة يمكن تحديدها علمياً بتخفيف إجمالي لسرعة الأيض في الجسم، وتخفيف ضغط الدم، وإنقاص معدل التنفس، وتخفيف سرعة النبض، وإبطاء موجات الدماغ. ويؤكد بنسون على حقيقة تهمنا بصورة مباشرة وهي …” الوقع الأعظم لاستجابة الاسترخاء هي عندما تمتزج بالعامل الإيماني، وهو ما ينطوي على إظهار الاستجابة في سياق مجموعة من الالتزامات العميقة بالمعتقدات الشخصية أو الدينية أو الفلسفية”.

دراسة محمد أيمن خير

“أثر الاسترخاء والرقية الدينية في علاج ارتفاع ضغط الدم الأساسي”، رسالة دكتوراة غير منشورة، قسم علم النفس، جامعة الخرطوم 1992.

في السودان قام محمد أيمن محمد خير بدراسة تناول فيها ايجابيات العلاج بالاسترخاء هدفت إلى اختبار تأثير الاسترخاء المصحوب بالرقية الدينية على مرضى ارتفاع ضغط الدم الأساسي. تكونت عينة الدراسة من 75 مريض شخصهم أطباء باطنيون. أجريت على 6 منهم تجربة الاسترخاء العضلي. كما تم تعليم المرضى طريقة استخدام الاسترخاء النفسي لممارسته في المنازل. وأجريت 53 جلسة علاجية لمجموعة الستة. أما المجموعة الثانية 69 طبقت عليهم طريقة الاسترخاء العضلي وذلك عن طريق جعلهم يستمعون تجيل أدعية مأثورة وآيات قرآنية، ودربوا على طريقة الاسترخاء النفسي المصحوب بالرقية (551 تجربة).

أظهرت نتائج اختبار (ت – T) لدلالة الفروق بين المتوسطات في المجموعات المرتبطة أن الفرق بين مستوى الضغط لحظة الوصول (للمستشفي)، وبين مستواه بعد إجراء الاسترخاء دال إحصائياً، ويسير في اتجاه متوسط الضغط في العاصمة المثلثة.

وكذلك أثبتت الدراسة وجود الفروق الدالة إحصائية بين مستويات الضغط لحظة، وبين مستويات الضغط بعد استخدام تقنية الاسترخاء والرقية معاً.

أظهرت الدراسة وجود فروق دالة إحصائية بين لحظة الوصول في الجلسة الأولى لحظة الوصول في الجلسة الأخيرة. وأظهرت المتابعة عدم وجود فروق دالة إحصائية.

وخلصت هذه الدراسة إلى وجود تحسن طويل المدى. وطالبت الدراسة بأهمية استخدام هذه الطريقة التى من شانها تطوير علاج ارتفاع ضغط الدم الأساسي، والتخفيف من الأعباء الاقتصادية على المريض والدولة معاً. بالإضافة إلى تجنب المريض الأعراض الجانبية نتيجة لاستخدام الأدوية الكيميائية المخصصة لعلاج ارتفاع ضغط الدم.

أشارت نتائج هذه الدراسة إلى أن 60% من أفراد العينة أحسوا بتحسن، وأن النسبة ارتفعت إلى 87.11 عند إضافة الرقية (الأدعية والآيات القرآنية).

تعقيب عام على نتائج تلك الدراسات

تمحورت تلك الدراسات التى تم تناولها على الكثير من المضامين التى تجد صدى لها في الممارسة الطقوسية للزار، بجانب الكثير من الفوائد العلاجية والسياق الرمزي والخلفية الثقافية الاجتماعية التى تؤدى فيها الممارسات، كما تعرضت الدراسات لنوعية الأمراض النفسية التى تصيب الممارسات والفوائد التى يتم الحصول عليها بتلك التقنية، ذات المقدمات الخرافية والسحرية .. ويمكن تلخيص أهم النتائج التي توصلت إليها تلك الدراسات فيما يلي:

أولاً: تؤسس الممارسة الطقوسية على دعامة ذات طابع اعتقادي وخرافي، وترتبط بخلفيات ثقافية واجتماعية؛ وتؤمن الأيديولوجيا المرتبطة بالممارسة للمريض النفسي، خطة عمل تدفعه للتخلص من الصراعات الداخلية لاستعادة توازنه الاجتماعي؛ كما أن الأجواء الطقوسية للزار تشتمل على نوع من التحييد للقيود الاجتماعية.

ثانياً: تعاني غالبية الممارسات للزار عموماً من أعراض شبيهة بالتفاعلات العصابية: هستيرية، واضطربات نفسية، وقلق، وأمراض سيكوسوماتية، وحالات نادرة من التفاعلات الاستحواذية القهرية.

ثالثاً: تدعم تلك الدراسات والأبحاث فرضية أن طقوس الزار تمثل شكلاً من أشكال العلاج الجماعي والسيكودرامي الذى يتم فيه الدمج بين أساليب مختلفة مثل الغناء، والطبول ، والإيقاع ، والرقص ، كما انه يحتوى على تعبيرات فنية يستخدمها مثل الملابس الشعبية ووسائل مسرحية تقليدية.كما أن حفل الزار الغنائي يكشف عن الصرع وحل الصراع والذي يمثل عنصر هام في كل دراما. وتحتوى هذه الطقوس على ممثلين (ممارسات) ومشاهدين، والشيخة هي بمنزلة المخرج المسرحي الذى ينظم كافة خطوات الحفل.ويتم في هذه الطقوس الاستخدام لكثير من العناصر المسرحية مثل الجمهور، عنصر الخيال، والتمثيل بحركات جسدية.وتحتوى طقوس الزار على مظاهر أكثر عمومية كفكرة الرمزية والطهارة، والوليمة المشتركة، بالإضافة إلى عنصر الغيبوبة، وبها أيضاً حبكة مسرحية. والحركات في هذه الطقوس تتميز بالإبهام وبطابع رمزي، وفيها كثير من الارتجال، ويمكن عده وفقا لفرضية سيلار دراما محلية تعكس الوضع الاجتماعي. فالحفل الطقوسي يمكن عده حدث مسرحي تتلاقى فيه جماعات عرقية مختلفة للتخفيف من حدة التوتر، وتتألف بنيته من تعبير سلوكي صريح، ومكشوف من خلال تقمص شخوص في الحركة والأداء واللبس والزينة. الممارسة الطقوسية فيها انطلاق للانفعالات المكبوتة، والممارسة لسلوكيات محظورة بالإضافة إلى الدعم الاجتماعي، كما يتم فيها الاستخدام لتقنيات ذات فائدة علاجية مثل استخدام التنويم الإيحائي، والتوحد، والإسقاط، والتماهي. وقد دللت معظم الدراسات والأبحاث على أن الممارسة الطقوسية يمكن عدها نوعاً من المعالجة ذات الفاعلية بالنسبة لأعراض تفاعلات القلق، والإكتئاب العصابي، بل حتى بعض الحالات الذهانية، والأمراض السيكوسوماتية؛ كما يلاحظ فيها الدمج لتقنيات علاجية نفسية مختلفة، واستخدام تقنيات الإثارة الانفعالية أكثر من التقنيات العقلانية. وأبانت تلك الدراسات والأبحاث أن الأجواء الطقوسية تتيح عملية التفكك أو الانشطار الذهني والتفريغ الانفعالي، وتحرر الفرد من الكوابح.

رابعاً: السياق الرمزي الذى تمارس فيه هذه الطقوس له أهمية واضحة ويرتبط بالتكوين النفسي للممارسات، وفيه تتجسد فكرة اجتياز العتبة الفاصلة بين المرض والعافية والصحة. كما أن الطقوس تعكس رمزية التفرقة بين الجنسين وعدم استقرار الحياة الزوجية والمناورة بالسلطة. وبمفاهيم الخير – الشر. المواد المستخدمة في هذه الطقوس من لبس وألوان وإيقاع وكلمات .. الخ. لها دلالة رمزية، تحفل بدلالات الفرح، والصلاح، الطهارة، والحماية، لذا يتم فيها استخدام كل أنماط نشاطات الأفراح، وتحمل رموز تواصلية ومعلومات عن المجتمع وعلاقات أعضائه وقيمهم وعاداتهم، إلى جانب الكثير من الدلالات الرمزية الدينية أو الغير دينية، وتحتوي على رمزية الصراع والتنافس والدعم بين النساء الممارسات، والعداء مع الجنس الآخر.

خامساً: أما من منظور العلاج بالحركة والرقص رغم أنه لا يحتوي على عامل حفز اعتقادي (مقدمات خرافية واعتقادية) فإن الدراسات والأبحاث دللت على أن فيه الكثير من الفوائد. أظهرت الدراسات بالعلاج بالحركة والرقص وجود الكثير من الايجابيات بالنسبة لعلاج مرض الإكتئاب، والضياع النفسي والسلبية، وبالنسبة للمرضى محدودي التواصل. فوق ذلك فقد تم التدليل على أنها ذات فاعلية في تدعيم مفهوم الذات، وتكسب الجسم حيوية واسترخاء لاستعادة ذكريات الماضي، وتساعد على الاحتكاك بالآخر، وتتميز بالتلقائية والحرية في الحركة والممارسة، وتساعد على إزالة الأعراض أو تسكينها، وفيها خيال نشط وحركات نابعة من أعماق اللا وعي (حركات تداعي حر). ويمكن عدها أكثر من مجرد حركات تفريغية لأنها أشد تماسكاً، وتبرز القلق والتوتر وذلك لاقترانها بتصورات، وفيها تركيز على الدواخل. يعكس العلاج بالحركة والرقص تجربة غير مدركة بالعقل، ويمكن أن تصبح هذه التجربة في متناول العقل الواعي، وتعطي الإحساس للممارس بأنه مشاهد ومحمي (held & seen)، كما يتم فيها التخلص من القلق في مساحات آمنة. الأمر كذلك فإن نتائج هذه الدراسات والأبحاث في مجال العلاج بالحركة والرقص تقدم معطيات ذات فائدة ملموسة بالنسبة لتقنية العلاج بالزار.

سادساً: أكدت تلك الدراسات والأبحاث على أن المعالجة بالمجهود البدني سواء من منظور رياضي أو بواسطة تمرينات اتسمت نتائجه بالإيجابية خاصة مع إضطرابات الرعب، ومعاقي النمو، كما أنها ذات قيمة صحية وغير مكلفة في وقت تنخفض فيه ميزانية الصحة النفسية (خاصة في البلدان النامية) وأثبتت أن لها فاعلية مع مرض الإكتئاب من خفيف إلى معتدل؛ كما أن الإجهاد البدني يخفف من الإثارة والهلوسة وله فوائد مع مرضى الهستيريا التحولية.

سابعاً: العلاج الاسترخائي له فوائد حيث أنه وفقاً لفرضية هربرت بنسون، يمكن أن تكون استجابة الاسترخاء، وتزامنها مع الممارسة الطبية التقليدية ذات فاعلية للأمراض المرتبطة بالضغط النفسي- بخاصة في حالة اقترانها بعامل اعتقادي.

وفي حالة المقارنة بين عناصر تقنية شولتز وجاكبسون للعلاج الاسترخائي وأحداث طقوس الزار تمت ملاحظة الكثير من التناظرات الشكلية والارتباطية .. فطقوس الزار تتميز بالإجهاد النفسي والبدني، وبشحذ للخيال والإثارة الانفعالية، والتواتر النمطي في الإيقاع، وكلمات الأغاني، ودعوات الشيخة (دستور يا سيادي .. العفو والرضا.. يا سيادي)، والألوان وكل السياق المفعم بالرمزية .. ذلك قد يؤدي إلى حالة من “الانتباه السلبي” و”شحذ للخيال”، وهجرة من العالم الخارجي إلى عوالم داخلية، قد تعقبها حالة من اللا وعي والغيبوبة التى قد توصل إلى حالة استرخائية يتم فيها التخلص من التوتر.

ثامناً: الجدير بالملاحظة أن معظم الدراسات التى أجريت في السودان للزار أشارت إلى أن أغلب الممارسات (المريضات) لهذه الطقوس هن من فئات عمرية متوسطة وشابة، ومن مناطق حضرية وريفية، وتعتبر نسبة المتعلمات منهن عالية في قطر ترتفع فيه نسبة الأمية.

المراجع

تريمنجهام، سبنسر، 2001، الإسلام في السودان، ترجمة فؤاد عكود، سلسلة المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

حسبو سليمان،1957، مقابلة صحفية مع جريدة الصحافة اليومية، الخرطوم 5/7/1957.

Ben Amos P.G. 1944, ‘The promise of greatness: Women and power in an Edo spirit possession cult’, in: T.D. Blakely, F.A. Van Beek and D.L. Thomason (eds.), Religion in Africa: Experience and Expression, Portmouth, New Hampshire: Heinemann

Berger Iris 1976, ‘Rebels or status-seekers? Women as spirit Mediums in East Africa’, in: Nancy Hopkin and Enda Bay (eds.), Women in Africa: Studies in Social and Economic Change, Stanford: Stanford University Press

Cloudsley A. 1983, Women of Omdurman: Life, Love and Cult of Virginity, London: Ethnographica

Lewis I.M. (ed.) 1966, Islam in Tropical Africa, London: Oxford University Press

Hall M. and Ismail B.A. 1981, Sisters Under the Sun: The story of Sudanese Women, London: Longman

Ismail A. 1991, ‘Neither friend nor foe: the Malam practioner-yan Bori relationships in Hausaland’. In: I.M. Lewis, A. Alsafi and S.M. Hurreiz (eds.), Women’s Medecine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press: 37-48

Samia el Hadi el Nagar 1975, ‘Spirit possession and social change in Omdurman’, Unpublished Msc. Thesis, University of Khartoum

Constantinides P.M. 1991, ‘The History of Zar in the Sudan: Theories of Origin, Recorded Observation and Oral Tradition’, in: I.M. Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond . Edinburgh University Press: 83-99

Mohammed B.B. 1993, ‘The Sudanese concept of beauty, spirit possession and power’, Folklore Forum, vol.26: 66 ff

Zenkowski S. 1950, Zar and Tambura as practiced by the women of Omdurman, Sudan Notes and Records, vol. 31 (1)

Sharafeldin E.A. 1991, ‘The Zar: an African cult of healing in an Islamic context’, Paper presented to International Congress of African Studies, 11-14 Dec., Khartoum

Baasher A.T. 1962, ‘Some aspects of the history of the treatment of mental disorder in the Sudan’, Sudan Medical Journal 1, 44

Rahim S.A. 1991, ‘Zar among middle-age female psychiatric patients in the Sudan’ in: I.M. Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond. Edinburgh University Press: 137-145

Hurreiz S.H. 1988, ‘Zar as Ritual Psychodrama’, Paper Presented to the Workshop on the Contribution of the Zar Cult in African Traditional Medicine, University of Khartoum 11-13 Jan

Boddy Janice 1988, ‘Spirit and Selves in Northern Sudan: The Cultural Therapeutics of Possession and Trans’, American Ethnologist 15 (1): 4-27

Kenyon Susan M. 1995, ‘Zar as Modernization in Contemporary’. Anthropological Quarterly, Vol. 68, Issue 2. p.107, 14P

Sansbury P. and Gibson J.G. 1954, ‘Symptoms of anxiety and tension and the accompanying physiological changes in the muscular system’, Journal of Neurology, Neurosurgery and Psychiatry 17: 216-224

Nidever J.E. 1959, ‘A factor analytic study of general muscular tension’. Doctoral dissertation (Psychology), UCLA.

You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.
Leave a Reply

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>