قراءات انثروبولوجية: الانتماء ووسائل الاتصال

مقدمة

يتناول هذا البحث واحداً من أهم الموضوعات التي شكلت على الدوام محوراً أساسيا للحوار والمناقشات التي انتظمت أروقة المؤتمرات والندوات الدولية وشغلت تجمعات السياسيين والعلماء والمثقفين …
ومن هنا كانت الحاجة ضرورية الى دراسة ظاهرة الانتماء في أبعادها التربوية والاجتماعية والثقافية , والتي تشكل في عصرنا الراهن مشكلة تعاني منها كثير من قطاعات المجتمع , إذ تجلت نتائجها السلبية في سياق القيم والسلوك والمواقف والآراء تجاه مكاسب المجتمع الروحية والمادية، وضعف مقاومة التيارات الفكرية التي تتصارع على خريطة العالم في أظهار وتأكيد انتمائها وهويتها الثقافية .
ولتوضيح بحثنا الخاص بموضوع الانتماء ووسائل الاتصال سنتناول جوانبه المختلفة من خلال المحاور التالية :
-  مفهوم الانتماء
-  الانتماء والثقافة
-  الانتماء والاتصال
-  اللغة الاتصالية والانتماء

أولا:-  مفهوم الانتماء

يعد معنى الانتماء نوعا من الارتباط الوجداني المعنوي يؤطر إحساس المواطن بالمواطنة ويؤسس لولائه اتجاه ثوابت وطنية ومبدأ أمته .
أشار العلامة  “كروبر ” (1) إلى الانتماء هو مجموعة من الأنماط السلوكية والفكرية التي يكتسبها الأفراد من خلال المجتمع والتي يؤمن بها ويقرها أفراد ويكافحون من أجل أطاعتها .
” ويرى ” ادوارد تايلر ” (2) أحد اقطاب علم الأنثروبولوجيا ورواده الأوائل أن الانتماء والهوية الثقافية هو الكل الذي يشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد والعادات وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الانسان بوصفه عضوا في المجتمع ” .. وقد أشار ألن فيلي – وروبرت إلى أن الإنسان في حاجة إلى الانتماء وإلى الجماعة ليشبع حاجته المادية وحاجته الى الأمان والطمأنينة وقد أكدت بعض الدراسات الاجتماعية أن الانتماء يعد ضرورة حتمية في الحياة ووسيلة فعالة لتأمين رغباته الأخرى ALAN  PP -359 (3) -357 .
أما العلامة أرنست بيكر  (Beaker Ernest  ) فقد ذهب في قوله تأكيدا للعلاقة فروم from حين قال ان الانسان حين ابتعد عن الطبيعة حاول إيجاد طرق تربطه بها , عن طريق الانتماء إلى جماعات تربطها أساطير وطقوس وعبادات وظواهر طبيعية كالشمس والقمر والنار … إلخ  وفي هذا السياق أكد بيكر أهمية الجوانب الثقافية والاجتماعية والشخصية في توحيد الانسان وكظاهرة اغترابه .
والعلامة سروكين Sorokin (5) في دراسته لظاهرة الانتماء أكد أهمية التمييز بين الجوانب الذاتية والموضوعية للظاهرة الاجتماعية منطلقا من أن الجانب العضوي للشخصية لا يتحدد عن طريق ما يكتسبه الفرد من الميراث البيولوجي ولكن الوسط الاجتماعي هو الذي يشكل الفرد ومعتقدات الانسان وقيمة شعوره وفعله ويكون ذلك نتاج للجماعات الاجتماعية التي يتفاعل معها ويأتي ذلك في المصلحة النهائية للفرد والمجتمع. إن التفاعل الاجتماعي والثقافي يشكل شخصية الفرد بصورة عامة  ٍSorokin p 342)) (6) ، وضرورة الانتماء تتجلى على النحو الآتي :
-الانسان في حاجة ضرورية الى الانتماء الاجتماعي على أكثر من صورة منها: الاحساس بالانتماء الى العائلة , المدرسة , الجماعة , المؤسسة , الى الوطن ليرتفع بذلك فوق الطابع الحيواني .
- حاجة الانسان الى الارتفاع والارتقاء ومن ثم فهو يعمل لتزدهر مواهبه وقدراته وابداعاته في شتى مجالات الحياة ومن اجل الابتعاد عن الوحدة والعزلة والاغتراب إذ يتجه الانسان برغبة التوحد مع الاخرين في سياق بناء طابعه الاجتماعي في صورة هويته الثقافية والاجتماعية .
- حاجة الانسان الى الانضباط الاجتماعي لتحديد المعايير لنظام القيم السائدة التي ينبغي احترامها والالتزام بها والتوافق معها . والعمل على تدعيمها ليسود الوئام والوفاق كيان المجتمع . وفي هذا السياق أشار المفكر العربي فؤاد زكريا (7) لتحديد معنى الانتماء والهوية إلى ثلاثة معان رئيسية :
1-الانتماء أو الهوية يعني جملة العادات والقيم التي يتميز بها مجتمع عن آخر , وأسلوب الحياة وطرق التفكير التي تسود حضارة دون غيرها .
2-كذلك يعني النواتج الرفيعة التي لا يبدعها ولا يتذوقها إلا فئة محددة من الناس داخل المجتمع الواحد .
3-وقد تعني اساليب الحياة الشائعة لدى جماعة أو مجتمع معين والتي تظهر في اقوال الناس وتصرفاتهم أو عاداتهم وتقاليدهم خلال حياتهم الجمعية .
كذلك يرى عبد الهادي الجوهري (8) معنى الانتماء أنه كيان اجتماعي , وهوية أو ذاتية ثقافية تشير إلى أساليب الحياة المعاصرة السائدة في هذا الكيان , والتي تميزه عن أساليب الحياة في الكيانات الاخرى . وقد أثبتت تلك الدراسات السوسيو الأنثروبولوجية لحالات كثيرة في سياق التطور التاريخي للحضارة العربية الإسلامية ونضرب مثلا على ذلك (العصبية) كمفهوم قد أخذت ابعادا أو أشكالا مختلفة باختلاف الظروف والعوامل التاريخية فأصبحت تعبر عن ارتباط المصالح وتبادل النفع والحماية في صراع البقاء بين القبائل . فانظم الذليل منهم إلى العزيز وحالف القليل منهم الكثير “( البكري , معجم ما استعجم ص 53 ) . وعن الانتماء إلى الارض أو النسب ( الروابط القرابية الدموية ) وهي نسب سلالي بيولوجي حقيقي يتسع ويصبح نوعا من الميتولوجيا الاعتقاد الأسطوري … فالقوة غير الاعتيادية للروابط القرابية بين الجماعات العربية ما زالت الى اليوم تمثل “مرجعية في اتخاذ قرارات الحسم والانتماء على مختلف المستويات السياسية والايديولوجية وغيرها . وباستقراء تعريفات العلماء والمختصين السابقين لنصل إلى :
- أن الانتماء والهوية في مضامينهما ينصان على أن الانسان يكمل مقوماته وقيمه ومزاجه وميوله ورغباته وعاداته وتقاليده .
- ويعد بمثابة الموجة لسلوك الافراد والمحدد لروافد أفعالهم في المواقف الحياتية المختلفة والتي تظهر في أفعالهم واقوالهم وعاداتهم وتقاليدهم .
- ويعد الانتماء منظما لحياة الفرد في إطار الجماعة مكتسبا الرؤى والقيم وعناصر الإدراك لما حوله عن طريق التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية وغيرها .
وقد أجريت كثير من الدراسات حول الانتماء كظاهرة اجتماعية وثقافية هدفت في مساعيها إلى قياس ومعرفة وتقويم العلاقة بين الافراد والجماعات وبين الأفراد والمؤسسات التي يعملون بها ومدى قوة الالتزام في تحقيق الاهداف المنوطة بهم ، ومدى قوة التعاون والعمل الجماعي لحماية المصالح المشتركة . وقد تنوعت هذه الدراسات وتعددت أغراضها وأهدافها وعلى سبيل المثال لا الحصر ,أجرى العلامة  ( داكس كارسون 1998 م) (9) دراسة عن قياس مدى الوعي بين أعضاء الهيئة التدريسية في تنفيذ البرامج والمهمات المنوطة بهم من خلال التعاون والعمل الجماعي لتحقيق الاهداف , بينما اهتم (ريمس 1998-Reams (10))  بإجراء دراسة أراد بها اختيار العلاقة بين الثقافة التنظيمية بين أعضاء الهيئة التدريسية في ولاية جورجيا الأمريكية أبرزت النتائج أهمية قيمة الولاء والالتزام التنظيمي في مسار ترسيخ القيم الثقافية التنظيمية .
وكما أجرى (عزام) (11) دراسة سعت إلى معرفة بعض التغيرات المصاحبة لاغتراب الشباب عن المجتمع الجامعي قسم فيها المبحث الميداني إلى قسمين :
القسم الأول اهتم بالمتغيرات التي افترض أن تكون لها علاقة وثيقة باغتراب الشباب مثل النوع في الكلية , الخلفية الريفية والحضرية , والوضع الاقتصادي للأسرة ونمط السلطة والرقابة داخل الاسرة, وفي القسم الثاني سعى البحث إلى معرفة الشباب الذين يعانون الاغتراب في المجتمع الجامعي . وأكدت نتائج الدراسة وجود علاقة بين اغتراب الشباب عن المجتمع الجامعي وبين بعض المتغيرات المفترضة وبالتحديد تدني مستوى التحصيل العلمي والخلفية الريفية والحضرية , وتدني المستوى داخل الاسرة ونمط الرقابة والسلطة في داخل الأسرة .
شكلت مثل تلك الدراسات والأبحاث إسهامات قيمة ومتميزة وقاعدة لقياس مدى العطاء والتفاني والعمل من أجل أهداف فردية أو جماعية أو مجتمعية …

ثانيا :- الانتماء والثقافة

تتميز المجتمعات الإنسانية عبر التطور التاريخي بشخصية ثقافية تتمثل في مجموع الأساليب تتيح للإنسان أن يمارس بها إنسانيته وتشتمل على القيم الاجتماعية كافة كالعادات والمعتقدات واللغة والتراث المسجل والشفوي والإنتاج الفكري والأدبي والفن ” الأسس والعناصر المكونة للثقافة والمولدة والمحفزة للانتماء لدى الافراد لذلك يجد الأفراد وسائلهم المفضلة للتعبير عن الذات وغير ذلك من أمور الحياة .
وهذه الذاتية الثقافية المتميزة تشكل القوة المحركة للمجتمعات البشرية , وتؤدي إلى تماسكها وحفزها على الدفاع المستمر ضد أي قوة خارجية تحاول السيطرة عليها , وهي بذلك تسعى إلى تعبئة موارد المجتمع والاتجاه به نحو المستقبل الأفضل” (12) .
فالمحفاظة على الذاتية الثقافية في مواجهة محاولات التحول إلى نمط عالمي موحد “العولمة” أصبح ضرورة ملحة ومسؤولية تضطلع بها مؤسسات التنشئة الاجتماعية والثقافية وبقية وسائل الاتصال المختلفة .
ونظراً إلى أن التطور التكنولوجي المتعاظم في سرعته على جميع الأصعدة الحياتية وسيطرة دول محدودة على هذه التكنولوجيات , وامتداد هذه السيطرة لتطال النتاج العلمي , التربوي , الثقافي , الاعلامي , فإن الاقطار العربية شأنها في ذلك شأن أقطار الدول العالم الثالث التي تواجه هجوما أو غزوا علميا ثقافيا واعلاميا متعدد الجبهات , في شأنه إغراق هذه البلدان بقيم اجتماعية وثقافية غير ملائمة , للمجتمعات المتلقية , وكما يؤدي هذا النشاط ، بوعي أو بغير وعي , إلى الإحساس بالاغتراب والسلبية عند التصدي لمتغيرات الحياة المتسارعة ومستجداتها وتداعياتها المختلفة .
ومصطلح الاغتراب الذي اشرنا اليه سابقا يعد تعبيرا صادقا عن عدم الرضا ” وعن الرفض للمجتمع وثقافته وجوهر الشعور بالفقدان , وأشد أنواعه هو ” فقدان الذات” مما يخلق عند الأفراد الشعور بالبؤس , فلا يستطيع الفرد منهم إن ينتمي بحرية كاملة واقعة وطاقته الفسيولوجية أو العقلية , ويرتبط بهذا شعور بالوحدة والخوف وعدم الاحساس بتكامل الشخصية , وشعور الفرد أصبح بلا مأوى (وطن) فهو بالنتيجة قد يكون حقيقة بلا مأوى بلا وطن ” ومن ثم بلا هوية أو انتماء . فهو ضحية ضغوط غامضة ومتصارعة يعيشها في مجتمعه , ولا يجد من هذا المجتمع ما يقدمه له ، الأمر الذي يؤدي به إلى فقدان الثقة ثم إلى عدم الالتزام الاجتماعي والتسيب , وهذا الوضع يعمل على توسيع الفجوة بين الاجيال دون محاولة لتذويب الاختلافات أو بناء الجسور التي يعبر عليها كل جيل إلى الجيل الذي يليه , وبذلك تتهيأ الفرصة لحدوث الصراع بين الاجيال بشكل حاد يقوض أركان التماسك الاجتماعي وينمي الفردية ويضعف الانتماء والولاء للمجتمع وهو الذي يعمل ايضا على اضعاف وشائج الانتماء إلى الأرض والتراث الحضاري للأمة وقيمها وثوابتها وغير ذلك من عناصر الانتماء .
وعليه يمكن أن ننطلق من القاعدة ” قبول التغيير دون أن نغترب فيه وأن نعمل على صيانة هذا التراث وإحيائه وضرورة ربطه بالفعل الإبداعي واعتباره منطلقا للثقافة الحية ومنبعا لتجديد مستمر لإبداعة  تغترف من كل منابع القيم وحتى الهوية الثقافية الموروثة” (13) .
والذي لا شك فيه أن الاهتمام بالدين والقيم الروحية والمثل الأخلاقية كإطار لتعزيز الانتماء , أمر حتمي في هذا العصر الزاخر بالتيارات الفكرية والتحديات والتناقضات ومستجدات العصر ومتغيراته المتعاظمة التي تهدد العافية الروحية للعالم العربي , بل المجتمع الإنساني بأسره .

ثالثا :- الانتماء والاتصال

الحديث عن العلاقة بين الانتماء والاتصال لا يمكن تناوله إلا من خلال الثقافة والاتصال باعتبارهما  وجهين لعملة واحدة  فقد أوضح ( أدوارد هول ) في كتابه عن اللغة الصامتة (( أن ثقافة الاتصال على اعتبار أن العادات والتقاليد والتراث والخبرات والقيم والمعارف المختلفة كلها  تنتقل من الأشخاص والجماعات والأجيال ، وهذا الانتقال أو التنقل والتوصيل هو يعطيها الصفة والاستمرارية والبقاء في الوجود )) (14) .
والاتصال والثقافة يلتقيان بأوجه كثيرة , فمن ناحية نجد أن كل العمليات الثقافية لا تخلو من التفاعلات الاتصالية والعكس صحيح . وفي ذلك تشكل الثقافة معظم المضامين التي تحملها  العمليات الاتصالية كما يسهم الاتصال في نشر المعارف ودفع عجلة النشر والثقافة , وفي انتفاع  الأفراد بصفة عامة بالنتاج الثقافي والمشاركة في الحياة الثقافية …
إن الاتصال بأنماطه المختلفة لا يمكن أن يعكس الثقافة أو يكون بديلا عنها , ذلك أن الثقافة اشمل وأعم من الاتصال , فهي تعكس الوجه الحضاري للمجتمع في مجالاته ونشاطاته كافة .
لقد أفضى تطور الاتصال ووسائله الالكترونية إلى مزيد من التعقيدات بين عمليات الاتصال والثقافة بمفهومها الأشمل فقد وجهت اتهامات عديدة إلى أجهزة الاتصال الالكترونية الحديثة باعتبارها أجهزة مساعدة على نشر وترويج الثقافة الرخيصة بدل من الثقافة الجادة التي تعبر عن صميم حياة الناس في المجتمع . الأمر الذي أوجد نوعا من التخوف على هويات الشعوب وانتماءاتها. ذلك أن هذه الاجهزة قد أفضت بسبب تباين قدرات الافراد على التعامل معها بسبب تباين التعقيدات المستجدة في أنماط الثقافة الوافدة إلى اتساع نطاق الهوة الثقافية في المجتمع بين الفئتين : الفئة الأولى هي تلك التي لا تستطيع التعامل مع الأجهزة الاتصالية لقصور إمكانيتها الشخصية أو الاقتصادية والاجتماعية ، والفئة الثانية تلك التي تجيد التعامل مع الأجهزة الاتصالية . وهذه الهوة تسهم في احداث التفكك الثقافي بدلا من الاندماج والتكامل .
وهذا بدوره قد يؤدي في معظم الحالات إلى أضعاف الشعور بالانتماء تجاه القضايا الوطنية التي تواجه الأمة العربية .
ومن أجل فهم أفضل للعلاقة بين الاتصال والانتماء الثقافي ينبغي الإحاطة بفهم مبدئي بالظروف الجوهرية لعناصر العمليات الاتصالية من ناحية وبناء القوة الساندة في المجتمع من ناحية أخرى . لان عمليات الاتصال تخضع بدورها للاحتكار والسيطرة في مضامينها والتوجه من جانب جماعات الضغط وأصحاب النفوذ والمصالح في المجتمع , الأمر الذي يملي على قنوات الاتصال الاقتصار على التعبير في خطابها العام عن هذه المصالح والاهتمامات , دون غيرها مما يجعل الثقافة التي تحملها نخبة معينة وليست ثقافة المجتمع الذي تتعامل معه , الأمر الذي قد يضر إلى حد بالموقف والاتجاهات الخاصة بالشعور والاحساس بالانتماء الوطني تجاه قضايا الأمة واهتماماتها القومية بشكل خاص والإنسانية بشكل عام .

رابعا :- لغة الاتصال والانتماء

تعد اللغة عنصرا فاعلا في تحقيق الاتصال ,بل هي أداة الاتصال الرئيسية , فهي المرآة التي تعكس الفكر والقيم والعادات والتقاليد أي العناصر الإساسية المكونة لجذور الانتماء والشعور بالهوية الثقافية , وهي وسيلة التعبير عن الأفكار وتوصيلها وتبادلها .
ولذلك تعد اللغة العربية أهم الاختراعات الاجتماعية التي تميز بها الإنسان عن سائر الأحياء التي تقاسمه الوجود فقد كانت وسيلتها الهامة إلى كل ما أنجزه من تراث , وأبدعه ويبدعه من حضارة وبها تمايزت المجتمعات البشرية وتقاربت وتعارفت (18) . وتتعاظم وظيفة اللغة يوما بعد يوم مع التقدم التقني الهائل في ظل الحضارة المعاصرة , حضارة الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية , حضارة الاتصال والمواصلات , حيث يفوق دور اللغة كل دور جوهري كان لها دوما وعلى مر التاريخ دورا بالغ الأهمية , فالكلمة الآن أصبحت أكثر سيولة بفضل وسائل الاتصال الالكتروني عبر الفضاء .
واللغة في حد ذاتها ليست “رمزا ولا مواصفات فنية وحسب ولكنها إلى جانب ذلك وفي الأساس , منهج فكر , وطريقة نظر , وأسلوب تصور , هي رؤية متكاملة تمدها خبرة حضارية متضررة , ويرفدها تكوين نفسي مميز . وبديهيا فالذي يتكلم لغة , هو في واقع الأمر يفكر بها فهي تحمل في كيانها تجاري أهلها وخبرتهم وحكمتهم وبصيرتهم وفلسفتهم” (16) .
وإذا كانت اللغات تنتشر وتنحصر , وتخضع لعوامل المد والجزر باعتبارها مظهرا حضاريا لأهلها ومقياس لتقدمهم فإنها في ذاتها تنمو داخليا , وتضمر أيضا , فهناك مفردات وتعابير تموت وتندثر , وكلمات وتعابير أخرى تتخلق وأخرى تنشط وثالثة تستأنس وتستجلب وقد يحدث ذلك  في تراكيبها وذلك بسبب تأثير الالتمام والتفاعل مع اللغات الأخرى .
ولغتنا العربية وهي بين اللغات تعد لغة عريقة ولغة الحضارة , ولغة رسالة حية وخالدة هي لغة (القرآن الكريم ) المتعبد بكلماته ، وهي وعاء العقيدة الإسلامية مدى الدهر ثم هي أداة الفكر العلمي في أزهي عصور النهضة البشرية فكانت لغة العلماء في العالم المتحضر كله على مدى قرون ولغة الثقافة الخصبة متنوعة والفن الإنساني المبدع , وذلك الذي يتمثل في هذا التراث الضخم من الإنتاج الأدبي الذي لم يكن يتيسر بأمة من الأمم في ثرائها لا كما ولا نوعا ولا تنوعا وهذا هو التراث الذي  يشكل عناصر الانتماء والشعور بالهوية والمواطنة والانفعال بالقضايا القومية (17) .
وقد حافظت لغتنا العربية على هذه المكانة التاريخية الرفيعة في تاريخ الفكر الإنساني وبقدراتها على استيعاب المنجزات الحضارية والاستجابة للحاجات الاجتماعية المتنوعة وذلك نصبها لخصائص النوعية ولعبقريتها الذاتية .
ومن هنا فقد نشأت اللغة العربية لغة علمية بحكم بنائها العضوي وبحكم مسئوليتها الوظيفية , وما أدته وتؤديه للعالم من رسالة مستمرة مبرهنة على قابليتها للتطور ومرونتها لمتطلباتها المجتمع العربي على مر العصور وقد تمكنت بفضل هذه الخصائص أن تصبح لغة الاتصال اليومي لاستخدامها أداة للتبليغ عبر مختلف القنوات الاتصالية فضلا عن الدور الايجابي لتقريبها للشقة بين الفصحى والعامية.
وعلى الرغم من ذلك لا تزال هناك عوائق كثيرة على المستوى الاستخدام الدولي في نطاق التدريس والتعامل اليومي وفي إطار الاتصال وتمثل هذه العوائق فيما يلي(18) :-
1/ انعدام الوحدة اللغوية .
2/ ارتفاع نسبة الأمية في الأقطار العربية .
3/ مزاحمة للغات الأجنبية الرئيسية من الفرنسية وانجيليزية على وجه الخصوص للغة العربية سواء كان ذلك باعتبارهما الإعلام العربية والدولية .
4/ قصور الرسائل الإعلامية من حيث الصياغة وغموض الدلالة والمعنى في تحرير المواد البرمجية .
5/ تكاد مسألة تفصيح التعليم أن تدفع بنا إلى معادلة صعبة خاصة أن للتعليم أساليب, وللاكتساب أساليب أخرى , ويعد التعليم عملية إضافية تراكمية للإنسان والاكتساب عملية طبيعية تكون جزءا عضويا من الإنسان تسعى إلى إيجاد تأليف بين المكتسب والمحيط …
وخلاصة القول أنه لا بد لنا في مواجهة هذا الوضع اللغوي المتسم بالتشتت والتباين والتعقد في المستويات المذكورة آنفاً من العمل على وضع الأسس الصحيحة للموضوعات لسياسة لغوية عربية موحدة تأخذ بعين الاعتبار مقومات الانتماء للثقافة العربية الإسلامية والخصائص للمجتمع العربي وتساعد في تحقيق التقارب بين مستويات التعبير اللغوي الثلاثي , المستوى التذوق الفني والجمالي المستخدم في الأدب والفن والمستوى النظري التجريبي  في العلوم أو المستوى العلمي الاجتماعي المستخدم في الصحافة  وأجهزة الإعلام والاتصال بوجه عام .
ونصل إلى خلاصة هامة يمكن أن نوجزها في الآتي :
-إن وسائل التربية والثقافة هي في نهاية التحليل وسائل اتصال وينطبق عليها بشكل عام ما ينطبق على وسائل الإعلام إلا إن هناك صلة خاصة بين وسائل الاتصال من جهة والعمليتين الثقافية والتربوية من جهة أخرى ولوسائل الاتصال دور هام في كلتا العمليتين .
- ويمكن تقديم الاقتراحات والتوصيات إلى وسائل الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم والثقافة .
1/ الدعوة إلى قيام تنسيق مستمر وتكامل بين وسائل الإعلام ووسائل الثقافة بحيث تكمل وسائل الإعلام المهمات الثقافية المطروحة ، وان يراعي عدم الوقوع في الازدواجية وذلك وصولا لتعزيز الذاتية الثقافية وتعميق الشعور بالانتماء .
2/ دعوة المؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية إلى مزيد من الاستفادة من إمكانيات وسائل الإعلام واستخدامها في إنجاح العملية التربوية والتعليمية وفي إذكاء روح الانتماء للأرض والوطن والمجتمع المحلي الذي يعيش فيه ,
وفي الختام تعتبر اللغة الاتصالية والانتماء من العناصر الأساسية لتكوين واستمرار الثقافة العربية , وهي لغة حية متطورة ولديها القدرة على المزيد من التطور والتكيف وفقا لمقتضيات العصر ولذلك فإن المحفاظة على سلامتها يعتبر من الضرورات القومية على التراث والموروث من ناحية ومسايرة عوامل التطور والتحديث من ناحية أخرى .

الهوامش والمراجع :
……………………………..

1/  محمد الجوهري وآخرون الانثروبولوجيا ، ط 1 ، القاهرة ، دار المعارف1980 -  ص 62 .

2/  حسن الكاشف , تعريف الثقافة دراسة ميدانية , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية , مصر 1983 م ص 16 .

3/  Alan C.Filley and Robert J. House management process and Organization Behavior . Scott Foreman and company 2005  PP 357 . 359

4/  Sorokin , Rtitin society culture and personality . N y.  Cooper publish Inc 1962 .

5/  Oleka  , Sam ony ejindu ( 1978 ) the implications of consciousness of kind in school classroom relection .

6/  Baker ,Bernandette (2005) what is voice ? issues of identity , review of educational research : vol. 69 no. 4  pp 384-384 .

7/   فؤاد زكريا وشاكر مصطفى ,الثقافة العربية والاعتماد على الذات , المعهد العربي للتخطيط ,الكويت, 1988 م ص 16 .

8/  عبد الهادي الجواهري , أصول علم الاجتماع , القاهرة , مكتبة نهضة الشرق 1984م ص 239 .

9/   Carlson , Dakes et . Ai ( 1998 ) amovement approach toorgantion change  .

10/  Reams e. h. and Spencer w. a (1998) teacher efficacy and commitment .

11/  عزام إدريس و بعض المتغيرات المصاحبة لاغتراب الشباب عن المجتمع الجامعي , دراسة استطلاعية على عينة من  طلبة الجامعة , مجلة العلوم الاجتماعية ( 2003 ) ص  94- 96 .

12/  الإدريسي العلمي وحق الإعلام والاتصال ,تونس 1984م (محدود التوزيع ).

13/  علي عبد الرزاق الحلبي , المجتمع والثقافة والشخصية, دار المعرفة الجامعية الأسكندرية 1988 م ص 75 .

14/  محي الدين صابر و قضايا اللغة العربية الإسلامية في الخارج , المنظمةالعربية  للتربية والعلوم والثقافة , تونس 1983 م .

15/  مصطفى حسن , اللغة العربية والإعلام , تونس 1986 م .

16/ زكي الجابر , اللغة العربية والإعلام , تونس 1983 م .

17/18  نادية سالم , الهوية بين وسائل الاتصال والهوية الثقافية , المركز القومي  للبحوث , القاهرة 1984 م ص 2 .

…………………..
المصدر: مجلة العلوم الاجتماعية ، تصدرها الجمعية العراقية للعلوم الاجتماعية ، العدد2 – 2008م ، ص : 190- 120

د . علي زيدان

You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.
Leave a Reply

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>