مهرجان للمطبخ التونسي التقليدي

يُقدِّم الكاتب التونسي عبدالكريم براهمي في ورقته «الثابت والمتحول في طقوس الغذاء أثناء الضيافة في المجتمع التونسي…»، المنشورة في مجلة «الثقافة الشعبية» في عددها السادس والثلاثين لشتاء العام 2017، مقاربة أنثروبولوجية، ينتقل فيها بين نماذج في الريف التونسي، وأخرى في الحضر، وتوصله إلى أنها في الأول تتنامى وتتعدد، وفي الثاني على رغم أن كثيراً من العادات والتقاليد بدأت في الانحسار في المدن، إلا أن جزءاً كبيراً من تلك العادات والتقاليد فيما يتعلق بالضيافة بدأ أيضاً في استجماع نفسه والعودة إلى منابعه في كثير من مناطق الحضر.

تبدأ ورقة براهمي بتعريج على مفهوم الطقوس، والتي تشمل مختلف الأحداث الاستثنائية واليومية، وتجمع بين ثنائيات عديدة، فهي جادة وصارمة ورسمية أحياناً، وأحياناً أخرى تبدو مقولبة وروتينية. وتتضمن الطقوس والممارسات الاجتماعية المقترنة بها جملة من المعاني والرموز الثقافية التي تستوجب تأويلها. مشيراً براهمي إلى أن دور الباحث في الأنثروبولوجيا «هو فك تلك الرموز وفهم معانيها للكشف عن جوانب من الهوية الثقافية للمجتمع». موضحاً أن الطقوس تعبّر عن القيم والمعاني والمعتقدات السائدة في مجتمعات معينة، وتقوم بمهمة دمج الفرد بطريقة أشد إحكاماً في الكل الاجتماعي. «وعليه فهي تسن في الحفاظ على الهوية والتعبير عنها، وهو ما يمكّن من مقاومة الضغوط الخارجية الناتجة عن التثاقف».

يبين براهمي بأنه اعتمد العمل الميداني لإنجاز المبحث، متخيّراً منهج الوصف المكثف والمقاربة التأويلية. مستهدفاً الوصف المكثف مختلف الممارسات والطقوس المرتبطة بالغذاء أثناء الضيافة سواء أكانت يومية أم احتفالية «حتى نتمكن من رؤية ما يراه أفراد المجتمع موضوع الدراسة، والاعتقاد في ما يعتقدون، والإحساس بما يحسون والتفكير في ما يفكرون فيه». أما المقاربة التأويلية فتهدف إلى فهم المضامين الثقافية للطقوس ومعانيها وفك رموزها».

في الضيافة التقليدية

يأخذ المبحث بمراحل تقديم الطعام ونوعيته وما يرمز إليه بعض الأطعمة، مبتدئاً من حيث استقبال الضيوف من قبل المضيف، واختلاف الأطعمة المقدمة إلى الضيوف من الضيافة التقليدية إلى الضيافة الحديثة، ومن الضيافة اليومية إلى الضيافة الاحتفالية، واختلافها كذلك بحسب الأوساط الحضرية والريفية، والانتماء الاجتماعي للمضيف والضيف. مشيراً براهمي إلى أن الأطعمة المقدمة إلى الضيوف في المجتمعات البدوية والريفية بالبلاد التونسية أثناء الضيافة التقليدية اليومية تكون على مراحل، ويتمثل أولها في الحليب الطازج أو الرائب أو اللبن أو التمر أو بعض الغلال المجففة على غرار التين والعنب. «ويرمز الحليب أو اللبن إلى السلام نظراً إلى لونه الأبيض. أما التمر أو الغلال الجافة الأخرى فترمز حلاوتها إلى التفاؤل والفأل الحسن.

أما إذا كان المضيف بدوياً في الصحراء فإن أول ما يقدم على الضيوف لبن النوق الطازج، والتمر إن كان متوفراً «ثم يقدّم له كسرة الملّة وزيت الزيتون».

وبعد الأطباق التي تمت الإشارة إليها، وهي سريعة التحضير، يتم تقديم الشاي الذي يعد من المشروبات الرئيسية. موضحاً الرمزية الاجتماعية والثقافية للشاي، باعتباره مرتبطاً في أذهان الناس بـ «الجماعة والأنس والضيافة…» وكذلك بالاحتفالات الشعبية «فارتباط الشاي بالجماعة والأنس يتطلب عدم التسرع في إعداده وتحضيره، لذلك فمن الأفضل طهيه على نار الحطب أو الفحم، والحرص على أن تكون النار هادئة حتى يطبخ شيئاً فشيئاً».

ثم يورد الباحث براهمي الترتيب الذي يلي الشاي، بتقديم الطبق الرئيسي المتمثل في الكسكسي، وهو من الأطباق الواجب حضورها أثناء الضيافات التقليدية سواء أكانت يومية أم احتفالية. ولإعداده طرق متنوعة تختلف من فئة إلى أخرى، ويعتمد ذلك على الإمكانات المادية لكل مجموعة، وكذلك عاداتها ونمط عيشها، وكذلك طبيعة المناسبة. «ففي المجتمعات الريفية والبدوية إذا كان كل من الضيف والمضيف ينتميان إلى الفئات الميسورة يكون الكسكسي بـ (المسلان) وهو ما يستوجب ذبح ضأن أو ماعز أو مجموعة منها بحسب عدد الضيوف»، لأن الذبيحة يجب أن تكون تامة؛ أي غير مجزأة على قطع صغيرة، وإنما مقسمة فقط إلى جزأين متساويين، ويكون موضع القص الضلعة الثالثة من الخلف، بحيث يكون جزء منه مقترناً بالألْيَة والفخذين حتى الضلعة الثالثة، والجزء المتبقي منه مقترناً ببقية الأضلع والكتفين.

الفقراء… الضيافة الحديثة

يضعنا الباحث عبدالكريم براهمي أمام جانب آخر من الصورة التي يكون عليها وضع الضيافة بالنسبة إلى الفقراء من المجتمع التونسي، وهي صورة تنبئ عن كثير من الأصالة والاعتزاز بالتقاليد، على رغم ضيق ذات اليد، إلا أن ذلك لا يجعلهم يُعفون أنفسهم عن القيام بدورهم تجاه ضيوفهم، ولو باليسير مما يملكون، علاوة على حال الترابط التي تجمع أفراد المجتمع التونسي بكل فئاته، وما يتبدَّى من فزعات وتعاون بين أفراده جميعاً.

في حال كان المضيف فقيراً – كما يكتب براهمي – فإنه يسعى إلى إكرام ضيوفه وإن التجأ إلى استعارة ذبيحة من جيرانه «وإذا كان عدد الضيوف محدوداً وينتمون إلى فئات اجتماعية شعبية، يكون الكسكسي بلحم الدجاج المتوفر لدى أغلب العائلات الريفية، أو بالقديد وهو اللحم المجفف». وقد جرت العادة أن يترك الفقراء من البدو الريفيين القليل من الدقيق والزيت والقديد جانباً لا يُمس بأي حال من الأحوال تحسباً لقدوم ضيف غير مرتقب، وهو ما يسمى في بعض الجهات بالجنوب التونسي «عصيدة الضيف»، وفي بعض الجهات الأخرى من البلاد «عشاء الضيف». وإن كان المضيف فقيراً ولا يملك أي طعام، تلتجئ ربة البيت عند قدوم ضيف إلى جاراتها الميسورات ليعطيهن ما يمكن به أن تُكرم ضيف زوجها.

كما تتناول ورقة براهمي ما طرأ على الضيافة من تحديث أو مستجدات، لكنها لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن طبيعة القيم والعادات والتقاليد التي هي الأساس في تجذر واستمرار تلك القيمة النبيلة لدى مختلف الجهات في البلاد التونسية. من بين ما طرأ من تغييرات على طرق الطبخ – مثلاً – وتحديداً طبخ اللحم الذي يعد أساس الضيافة «فبعد أن كان اللحم المسلوق يحتل المرتبة الأولى في أصناف الطبخ من حيث اللذة والقيمة الغذائية، فقد تراجعت مكانته في الموائد الفاخرة وعوّض باللحم المصليّ أو المشوي اللذين أصبحا علامة على التطور والرقي وأكلات الضيافات الحديثة اليومية والاحتفالات بامتياز».

ويعرج براهمي إلى الأطباق المتعددة والمتنوعة التي تقدم إلى الضيوف، بخلاف الضيافة التقليدية ذات الأطباق المحددة وإن تعددت؛ سواء أكان المضيف من الفقراء أم من الميسورين. وتتكون الأطباق من المقبلات والأطباق الرئيسية والتحلية التي تعقب الطبق الرئيسي. وتختلف أنماط إعداد المائدة وتقديم الأطباق أثناء الأكل، ومنها: النمط الروسي، حيث تقدم الأطباق الواحد تلو الآخر، وتكون البداية بالمقبلات ثم الطبق الرئيسي ثم التحلية. «وهذا التتالي يجعل الكل يأكل من الطعام نفسه. والنمط الفرنسي، حيث تقدم كل الأطباق معاً بما فيها المقبلات والطبق الرئيسي والتحلية، وعلى الضيف أن يختار أياً منها ليأكله، وهذا النمط هو الأكثر انتشاراً في المجتمع التونسي لأنه الأقرب جغرافياً وثقافياً. وتشمل المقبلات الشوربة باللحم أو بالسمك، وأنواعاً من السلطات».

طقوس شرب الشاي

يبيّن براهمي في هذا الجزء من المبحث بأن الشاي يخضع إلى العديد من الطقوس لدى التونسيين منها، ترشّف الشاي في كؤوس صغيرة من البلور تسمى «كيسان طرابلسي»، وفي ذلك إشارة إلى دور الطرابلسية في إدخال الشاي ومستلزماته إلى البلاد التونسية، وكذلك تذوقه من قبل القيّم عليه قبل صبّه للضيوف. وصب الشاي في الكؤوس بمهارة فائقة ومتعة كبيرة بحيث يُسمع للصب صوت – ناتج عن حركة صعود الإبريق وهبوطه – شبيه بخرير الماء.

كما يشير براهمي إلى أن من الممارسات المتبعة في المجتمعات المغاربية عموماً تبجيل الضيوف عن بقية الحاضرين عند توزيع كؤوس الشاي، وتكون البداية بكبار السن منهم. وترشف ثلاثة كؤوس متتالية من الشاي، وبتأنٍ، وبجرعات قليلة. «ويشترك المجتمع التونسي مع المجتمعات المغاربية الأخرى في العديد من هذه الطقوس مع أغلب الشعوب البدوية بالصحراء الإفريقية».

الهيمنة البطريركية

العنوان لا يبتعد كثيراً عن الطقوس التي تخضع لها الضيافة التقليدية، بما يكتنف جانب منها من الفصل بين الجنسين، والذي يعتبر طقساً من تلك الطقوس، في الضيافة بشقيها اليومي والاحتفالي، وهي حاضرة في مختلف فترات الضيافة، بما فيها أثناء تقديم الطعام. ويورد براهمي إلى أن الدراسات الجندرية تُجمع على أن المجتمع هو الذي يشكل الاختلاف بين الذكورة والأنوثة أكثر من أي عامل آخر. ويُعد الفصل بين الجنسين جزءاً من نسق ثقافي ديني يعتبر جسد المرأة عورة، وعليه وجب فصله عن الذكور. «ومن منظور المعتقدات الدينية الشعبية السائدة في المجتمع التونسي والعربي عموماً، تعد المرأة مصدر الفتنة الشيطانية لأنها تُلهي عن ذكر الله، لذلك يعد الاختلاط بين الجنسين خطراً على النظام الاجتماعي (…)».

كما ينوه إلى أن الضيافة في الثقافة العربية تعد قيمة ذكورية بامتياز «لأن الكرم علامة على الانفتاح، وفعل موجّه نحو الآخر الذي في الغالب يكون غريباً». لذلك فهو فعل يتعارض مع القيم التي تنبني عليها الأنوثة في مختلف الثقافات، وخاصة في الثقافة العربية، وأهمها الحياء والستر والعفة. وهو ما حال دون اتصاف المرأة بالجود والسخاء والكرم، لأنه ليس بإمكانها الانخراط في علاقة مع الغريب، وعليه فقد أصبح البذل والعطاء والكرم من صفات الرجل، «والبخل والتقتير من الرموز المحمودة في المرأة، والملتصقة بها، لأن البخل رمز الانغلاق على الذات والعفة والحصانة»، ولهذه الاعتبارات القيمية أقصيت المرأة من عالم الكرم والضيافة.

خلاصة المبحث

يخلص عبدالكريم براهمي في ورقته إلى أنه إذا كان جوهر الضيافة في البلاد التونسية قائماً على احترام الضيف وتقديره وإكرامه ورعايته وحمايته، وتوفير الإقامة والمأكل له وفق مجموعة من الأعراف والتقاليد التي تشكلت عبر العصور، فإنه توجد بعض الاختلافات بين جهات البلاد وبين الفئات الاجتماعية وأنماط العيش الريفية والحضرية.

مشيراً إلى أن الضيافة في المجتمع التونسي عرفت العديد من التحولات التي شملت كلاً من الأغذية المقدمة إلى الضيوف والطقوس المرتبطة بها. وتتمثل التحولات التي عرفها الغذاء في الانتقال من أطباق تتكون من عدد قليل من الأطعمة وأهمها الكسكسي، إلى أطباق تتكون من أطعمة متعددة ومتنوعة. والانتقال من مشروبات يهيمن عليها الشاي إلى مشروبات متنوعة. إلى جانب التطور الحاصل في طرق طبخ الأغذية التي تتلخص في الانتقال من المسلوق الذي ساد لفترات زمنية طويلة إلى المصلي والمشوي والناضج بواسطة البخار.

ويوضح براهمي بأن التحولات التي عرفتها الطقوس المصاحبة للأغذية المقدمة إلى الضيوف، تتلخص في الانتقال من الأكل الجماعي بمعنى أكل يجمع الضيوف والمضيف في إناء واحد، على الأكل الفردي، ومن الفصل التام بين الجنسين، والخضوع إلى الهيمنة البطريركية في مجال إعداد الأطعمة والمؤاكلة، إلى التخلي عن الفصل بين الجنسين، وتزايد الاختلاط بين الذكور والإناث، وتقلص الهيمنة البطريركية.

ويشير براهمي إلى أن هذه التحولات تعكس حركية طقوس الغذاء في الضيافة بالمجتمع التونسي وعدم ثباتها، وارتباطها بالتطور التاريخي وبمختلف التغيرات التي تطرأ على المجتمع. وعلى رغم هذه التحولات مازالت طقوس الغذاء أثناء الضيافة أكثر احتراماً في المجتمعات الريفية لأن التقاليد تختفي تدريجياً في الأوساط الحضرية، وأكثر وضوحاً أثناء الضيافة الاحتفائية لأنها أكثر جدية وصرامة، ولأن سلطتها الرمزية أكثر فاعلية لأنها تهمّ عدداً أكبر من الناس. وهي في أغلبها ممارسات ثقافية تشترك فيها الثقافة العربية الإسلامية مع العديد من الثقافات الأخرى.

آنية طبخ الكسكسي على الطريقة التقليدية