إنّ توافر المناخات الأساسية لحرية الفكر والجدل والمناقشة الموضوعية، تعدّ من الضروريات اللازمة للانطلاق بالدراسات الأنثروبولوجية العربية، وذلك لأنّ العرب يحتاجون إلى دراسة معمّقة لثقافتهم، كما أنّهم في الوقت ذاته، يحتاجون إلى دراسة ثقافات الشعوب الأخرى .
فمفهوم الثقافة – بحدّ ذاته – ربّما يعدّ من أهمّ المداخل والإسهامات التي قدّمتها الأنثروبولوجيا للفكر والعمل الإنسانيين. فمن خلال الثقافة – وعلى حدّ تعبير كلايد كلوكهون- تضع الأنثروبولوجيا أمام الإنسان، مرآة تمنحه صورة أوضح لنفسه وأقرانه، وتسهم في نشأة المجتمع وطبيعة وظائفه ومنظّماته . كما توضح دوافعنا وسلوكاتنا، فضلاً عن دوافع الآخرين وسلوكاتهم .. ويزداد تأثير الأنثروبولوجيا وضوحاً في ميادين الفلسفة والآداب والسياسة .
وفي إطار الاتّجاه الحالي، في كثير من البلدان العربية نحو التحديث والارتقاء، بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي، دون إحداث أضرار بالقيم والتعاليم الدينية، وأسس التراث الاجتماعي والتقاليد الأصيلة، فإنّ للأنثروبولوجيا دوراً كبيراً في إبراز هذا التراث، ودراسة تلك التقاليد وإحياء الحضارة العربية. ويتضح كذلك، الدور الفعّال الذي يمكن أن يؤدّيه الأنثربولوجيون العرب، في مجال مشروعات التنمية، وذلك من خلال تحليل مفهومات الأنثروبولوجيا الثقافية ودراستها دراسة (حقلية) ميدانية .
فإذا تفحصنا مفهوم القبيلة – مثلاً- نجده يحتلّ موقعاً مركزياً في الأنثروبولوجيا الإسلامية التي يطرحها / إرنست غيلنر /، ويستخدمه الكثيرون من كتّاب (الشرق الأوسط) للإشارة إلى كينونات اجتماعية ذات بنىً وأشكال عيش مختلفة.
وانطلاقاً من الرؤى لتصوّر أنثروبولوجيا عربية، فإنّ ثمّة أسئلة مطروحة أمام الأنثروبولوجيين العرب، لا بدّ من الإجابة عنها وتطويرها، من خلال تفهّم النقاط التالية المترابطة :
1- أن تعمل الروايات الأنثروبولوجية المتعلّقة بالمثقفين الفاعلين، على ترجمة الخطابات التاريخية لهؤلاء المثقّفين، وتمثيلها على أنّها استجابات لخطابات الآخرين، بدلاً من محاولة التخطيط والانتزاع التاريخي لأفعالهم .
2- ألاّ تركّز التحليلات الأنثروبولوجية للبنية الاجتماعية على الفاعلين النموذجيين، بل على النماذج المتغيّرة للعلاقات والظروف المجتمعيّة، ولا سيّما ما يدعى (بالاقتصاديات السياسية ).
3- إنّ تحليل الاقتصاديات السياسية (الشرق أوسطية) وتمثيل الواقع الإسلامي، هما نوعان من الممارسة المتعدّدة الأوجه، وهما مختلفان جوهرياً، ولا يمكن استبدال أحدهما بالآخر، على الرغم من إمكانية تجسيدهما بصورة معقولة في البحث نفسه، إذا ما أخذا – بدقّة – على أنّهما خطابان.
4- إنّه لمن الخطأ تمثيل نماذج الإسلام، على أنّها مترابطة مع نماذج البنية الاجتماعية، عبر قياس ضمني على البنية الفوقية (الأيديولوجية) والأساس الاجتماعي .
5- وأخيراً، يجب أن يدرس الإسلام في المجتمع العربي، باعتباره موضوعاً للمعرفة الأنثروبولوجية، وأنّه تراث متعدّد الأوجه، يرتبط بترسيخ الأخلاق في النفوس، وبتلاؤم الناس أو معارضتهم، وبإنتاج معارف مناسبة.
إنّ من بين مهام الأنثروبولوجيين العرب إذن، في الوقت الحاضر، ألاّ تقتصر جهودهم على إبراز النسق العربي على الغرب بصدد بعض المفاهيم النظرية فحسب، أو جمع المادة الأثنوجرافية، وإنّما لا بدّ أن تتضمّن دراساتهم أيضاً، الفحص الدقيق للأعمال التراثية بهدف الكشف عن الجوانب المنهجيّة المشتركة بين الكتّاب، والتي يكونون قد استمدّوا من معارفهم وتربيتهم الدينية أساساً لها. وذلك لأنّ الحياة العقلية عند الشرقيين – كما يقول توفيق الطويل – كانت أوثق اتصالاً بحياتهم الدينية منها بالتفكير الفلسفي الخالص . فقد امتزج هذا التفسير بالتفكير الديني في شتى العصور الإنسانية، حتى ليمكن القول بأنّ كل محاولة تهدف إلى الفصل بينها، تنتهي –لا محالة- إلى العجز عن فهم كليهما.
إنّ مجال الأنثروبولوجيا واسع سعة الحياة، ويشمل الكثير من مظاهر الحياة الفكرية باتّجاهاتها وتياراتها ومذاهبها العديدة، وهو الأمر الذي لم يفهمه الكثيرون من الأنثروبولوجيين في العالم العربي، ممّن ضاقت آفاق أفكارهم بحيث انحصرت في عدد من الموضوعات التقليدية، لا يكادون يخرجون عنها، دون أن يجدوا في أنفسهم الجرأة الكافية على ارتياد ميادين المعرفة المختلفة، المتنوّعة والمتباينة .. وقد يكون ذلك راجع إلى ضعف في الإعداد العلمي والتكوين الثقافي، وعدم إدراك مدى اتساع البحث .. ولكنّه يرجع – بلا شكوفي المقام الأوّل، إلى قصور في ملكة التخيّل وإلى الخوف من الانطلاق والمبادرة.
ومهما كان واقع الأنثروبولوجيا في العالم العربي، فقد اكتسبت أرضيّة جديدة منذ الستينات من القرن العشرين، حيث حظيت بتفهّم أفضل لإمكانيات استخدامها، لما يحقّق أهداف العالم العربي في التقدّم والازدهار. وقد تجلّى الاهتمام العربي بالأنثروبولوجيا، من خلال اعتمادها كتخصّصات ومقرّرات دراسية في الجامعات العربية (جامعة القاهرة، جامعة الاسكندرية، جامعة دمشق، الجامعة اللبنانية ،جامعة البحرين … وغيرها)
وتتجلىّ أيضاً في قيام الكثير من الباحثين الأنثروبولوجيين العرب، بتأليف الكتب حول الإنسان وأصوله وحضارته، مفاهيم الأنثروبولوجيا وتطبيقاتها في الدراسات الثقافية والاجتماعية، منها على سبيل المثال : كتاب (الأنثروبولوجيا) تأليف ابراهيم زرقانة، عام 1958. وكتاب (الإنسان – دراسة في النوع والحضارة) تأليف محمد رياض، عام 1974. وكتاب (الحضارة- دراسة في أصولها وقيامها، وعوامل تدهورها) تأليف حسين مؤنس عام 1978. وكتاب (البناء الاجتماعي – مدخل لدراسة المجتمع) تأليف أحمد أبو زيد، عام 1980. وكتاب (الأنثروبولوجيا الاجتماعية) تأليف صفوح الأخرس، عام 1984.
وثمّة بعض الدراسات الميدانية التي قام بها عدد من الباحثين العرب، في مناطق متعدّدة من الوطن العربي، ونشرت هذه الدراسات في الدوريات (المجلات) العلمية العربية، ومنها على سبيل المثال : (مجلّة عالم الفكر، التي تصدرها وزارة الإعلام الكويتية، ومجلّة المستقبل العربي، التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ومجلة الفكر العربي المعاصر، التي تصدر عن مركز الإنماء العربي في بيروت وباريس، إضافة إلى المجلاَت التي تصدر عن كليّات الآداب والعلوم الإنسانية، في الجامعات العربية. إلى الندوات والاجتماعات، على غرار الاجتماع التحضيري الذي عقده الاتحاد الدولي للعلوم الأنثروبولوجية في مصر،
إنّ هذه التوجّهات، تبشّر – دون شك – بأن للأنثروبولوجيا العربية مستقبلاً زاهراً، شريطة أن تعمّق هويتها العربية، سواء في منطلقاتها النظرية، أو في أهدافها التطبيقيّة، وأن تبتعد مادتها عن النقل من دون نقد أو تطوير. وإذا ما تمّ لها ذلك، يمكن أن تتعزّز أصالتها العربية وإسهاماتها العالمية، في هذا الميدان. وهذا ما أكّده / كارلتون كوون / منذ عام 1953، في مقالة لـه بعنوان ” أنثروبولوجيا العرب ” حيث قال :
من الأمور الحيوية، أن تقوم الشعوب التي تقطن البلاد العربية بالمشروعات الخاصة بها، وأن تجد الوسائل التي ترفع مستويات المعيشة لسكان جميعهم، لا لمصلحة هذه الشعوب فحسب، ولكن لصالح العالم كلّه … فعلى العرب أن يعنوا بالأنثروبولوجيا ويدرسوها أكثر ممّا درسوها، مدركين تلك الحقيقة التي تتلخّص في أنّ خير طريق يتبعه أي إنسان أو أي شعب، إذا أراد أن يصنع أي شيء من الأشياء، هو أن يحزم أمره ويصنعه بنفسه
لا شكّ إنّ في ذلك تحفيزاً على إيجاد أنثروبولوجيا عربية، تتّجه دراساتها نحو مشكلات المجتمع العربي، وتسهم في تقدّمه بما يتناسب مع معطيات العلوم الإنسانية المختلفة، لأنّ الجهل بهذه العلوم، ولا سيّما علم الأنثروبولوجيا، ما زال سائداً – إلى حدّ ما – ويعوّق الدراسات الجديّة والموضوعية لطبيعة الثقافات الأخرى وإسهاماته الإنسانية، التي تؤدّي بالتالي إلى فهم حقيقي لطبيعة المساهمة العربية في الثقافة الإنسانية، وحجم هذه المساهمة .
وفي ذلك دعوة إلى فتح النوافذ الثقافية العربية على الثقافات الأخرى، ولا سيّما تلك الثقافات التي يمكن الاستفادة منها في التعرّف إلى ثقافة العصر ودراستها والاقتداء بها، بما ينسجم مع جوهر الشخصيّة العربية المتمايزة، ومع مقوّمات الثقافة العربية، بما في ذلك التيارات الفكرية والاتجاهات والمذاهب الأدبية والفنية، والانتقاء منها والإغضاء عن أسطورة الغزو الثقافي. فالثقافات كلّها – ومنها الثقافة العربية – تنمو وتزدهر وتتقدّم، بالاتّصال والاحتكاك والتأثير المتبادل، والاستعارة والاستيعاب.
وهذا ما يجب أن تؤسّس لـه الدراسات الأنثروبولوجية العربية المعاصرة، بحيث تظهر بجلاء تلك العلاقة بين الحضارة العربية والحضارة الإنسانية، ومن جوانبها المختلفة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، والأخذ بالفكر الأنثروبولوجي النقدي والمقارن، وتطبيق ما يمكن تطبيقه من نظريات الأنثروبولوجيا، بما يتناسب مع طبيعة المجتمع العربي، وتركيبته التاريخية (الديمغرافية والثقافية ).