rss
twitter
  •  

نموذج من إسهامات محمود شكري الألوسي في مجال الدراسات الأنثروبولوجية مختار رحاب

| أضيف في أبحاث ودراسات |

0

مجلة سطيفملخص

في هذا المقال، أردت إبراز بعض الأعمال والدراسات الأنثربولوجية التي قام بها بعض العلماء والباحثين العرب المسلمين وقد اخترت من هؤلاء “محمود شكري الألوسي”كنموذج وكان محمود شكري الألوسي، قد قدم دراسة أنثربولوجية رائعة، معمقة حول العرب دونها في كتابه المسمى “بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب”.

وهو كتاب من ثلاثة أجزاء ومن أهم المحاور الأنثربولوجية التي تناولها في كتابه هذا الحياة الإجتماعية عند العرب وركز على مؤسسة الزواج، كما تناول بالتفصيل الكثير من العادات الاجتماعية، كما وصف الحياة الدينية للعرب قبل مجيء الإسلام، وأوضح الحياة الثقافية والعلمية، وأبرزت من أبرز من خلال المقال أهم قواعد المنهج الأنتربولوجي التي أعتمد عليها الباحث.

Summary:

In this article I want to present works and anthropological studies, made by Moslem scientists and Arab researchers, and I have chosen (Mahmoud Chokri Alaloussi)as an example, is his anthropological study according to Arabic, written in his book entitled (boloughe él Arab fi maàrifat áhwal él Arab).

This book is composed of three volumes, in this book álaoussi described social and the religious cultural and scientific lives of Arabs before Islam, n this article I represented the rules of the anthropological method which to use by (Mahmoud Chokri Alaoussi)

مقدمة:

لقد اهتمت الأمم والحضارات منذ عهد مبكر في تاريخ الفكر الإنساني، بالاحتكاك والاتصال سواء عن طريق الحرب والصراع، أو بطريقة سلمية يغلب عليها الطابع التجاري والتعاون، في غالب الأحيان، وفي كلتا الحالتين، تسعى كل أمة أو حضارة إلى معرفة الآخر، من خلال جلب المعلومات، والاطلاع على أحواله، السياسية، والاقتصادية، والثقافية والاجتماعية.

وفي مجال اكتشاف الآخر الأجنبي، برع الكثير من المفكرين والعلماء، في الحضارات الإنسانية المختلفة، وكانت لهم رحلات سجلها التاريخ، وسجلوا هم من خلالها أخبار الأمم التي زاروها واطلعوا على أحولها، ومن أبرز هؤلاء نذكر:هيرودوت في الحضارة الإغريقية.

أما في الحضارة العربية الإسلامية، فبرز الكثير ممن اشتهروا باكتشاف الحضارات الإنسانية ودونوا الكثير من المؤلفات، نذكر منهم:ابن بطوطة، وابن جبير، والمسعودي، والمقدسي، وابن خلدون… وغيرهم. وفي أواخر القرن الخامس عشر، وبداية القرن السادس عشر-عصر الكشوفات-برز الكثير من العلماء والمفكرين والرحالة الأوربيين الذين كانت لهم مجهودات في اكتشاف عوالم وشعوب وثقافات إنسانية جديدة، سيما اكتشاف القارة الأمريكية، وقبائل الهنود الحمر.

وكان للمجهودات المقدمة في الحقب الحضارية السابقة عن عصر الكشوفات، دور في اكتشاف الشعوب والثقافات المختلفة، وأدت المعلومات المدونة في هذا الشأن إلى بروز نظريات علمية، ومناهج بحث شكلت فرعا علميا، يسمى الأنثربولوجيا.

ونظرا لأهمية هذا العلم، في محاولة فهم الإنسان، وإيجاد حلول لمشكلاته في الأزمان المختلفة، وفي بيئات حياته المتباينة، سواء كانت ريفية أو حضرية، دار في ذهني يوما ما، أن ابرز جزاءّ من إسهامات علمائنا ومفكرينا ودورهم في بلورت هذا العلم، وتقعيداتهم لبعض الطرق البحثية التي كان لها دور بارز وهام-فيما بعد-في بناء قواعد وأسس البحث الأنتربولوجي.

وقد وقع اختياري على كتاب:”بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب”، للسيد محمود شكري الألوسي، وتتبعت من خلال هذا المؤلف أهم الجوانب التي لها ارتباط باهتمامات الدراسة الأنثربولوجية، فبينت من خلالها:جوانب من الحياة الاجتماعية للعرب في الزمن الماضي، وكذلك جوانب من الحياة الثقافية، وكذلك حياتهم العلمية، وطقوسهم وشعائرهم الدينية، وكذا عاداتهم في المآتم، والأفراح، وعاداتهم في الطعام والشراب.

أولا:لمحة تاريخية عن نشأة علم الأنثربولوجية:

قال بعض الباحثين الأنتربولوجيين أن الأنتربولوجيا علم جديد، إذا ما قارناه بالفلسفة والطب وبعض العلوم الأخرى، وبدأ التأريخ لنشأة هذا العلم حسب الكثير من الباحثين الأوربيين منذ عصر النهضة الأوربية، فخلال هذه الفترة تم إرساء الأصول النظرية الأساسية لعلم الأنتربولوجيا، ففي هذا الزمن حسب –قولهم –تم اكتشاف عوالم إنسانية وثقافات بشرية كثيرة لا يستهان بها خارج القارة الأوربية.

غير أن البحث في شؤون وأحوال المجتمعات الإنسانية قديم قدم الإنسان، منذ أن عرف ذاته، وبدأ تفاعلا ايجابيا مع البيئة الطبيعية والاجتماعية.

وكان العلماء والفلاسفة في ما مضى، وعلى مر العصور قد تمكنوا من الوصول إلى نظريات، ووضع قوانين متعلقة بنوع المجتمعات البشرية وطبيعتها، وما يدخل في نسيجها وأبنيتها من دين وسلالة عرقية، ومن ثم تم تقسيم كل مجتمع إلى طبقات حسب عاداتها ومشاعرها ومصالحها.

وكانت الاتصالات المختلفة سواء كانت تجارية أو استكشافية أو حتى حربية قد قامت بدور هام في حدوث الاتصال والتعارف بين المجتمعات البشرية والشعوب المختلفة، خاصة في مجال الألسنة والتقاليد والسمات الثقافية ومنظومة القيم.

وكان المؤرخ الأغريقي اليوناني(هيرودوتس)الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد أول من صور أحلام الشعوب وعاداتهم، وجاء بفكرة مفادها وجود فوارق واختلافات بين الثقافات، واللغات والأديان.

فكان قد جمع معلومات على شعوب كثيرة ومختلفة، ومن بين البلدان التي كان قد زارها ووصف حال أهلها مصر ومما قاله في أحوال المصريين القدماء: “انه في غير المصريين، يطلق الكهنة الآلهة شعورهم، أما في مصر فيحلقونها، ويقضي العرف السائد عند سائر الشعوب بأن يحلق أقارب المصاب رؤوسهم في أثناء الحداد، ولكن المصريين إذا نزلت بساحتهم محنة الموت، فإنهم يطلقون شعر الرأس واللحية”1.

وذهب الكثير من علماء الأنثربولوجيا الى أن الناظر والمتفحص في العمل الضخم الذي قام به والذي ضم وصف حوالي خمسين شعبا، يستطيع أن يكتشف بعض قواعد المنهج الاثنوغرافي المعاصر.

أما في العصر الروماني، فكان الرومان قد اقتفوا خطوات اليونانيين في هذا المجال، غير أن ما تميزوا به في هذه المرحلة خلافا لليونانيين الذين أخذوا بالنماذج المثالية المجردة، هو أن الرومان أسبغوا على دراساتهم الصبغة الواقعية الملموسة والمحسوسة.

وكانت أشعار “كاروس لوكرتيوس” قد احتوت عل بعض الأفكار الاجتماعية الهامة، فكان قد تناول موضوعات عدة عرضها في ستة أبواب رئيسية ضمنها أفكاره ونظرياته عن المادة وحركة الأجرام السماوية وشكلها وتكوين العالم وخصص الباب السادس لعرض فكرتي التطور والتقدم حيث تحدث عن الإنسان الأول والعقد الاجتماعي ونظامي الملكية والحكومة، ونشأة اللغة إضافة إلى مناقشة العادات والتقاليد والفنون والأزياء والموسيقى2.

وإذا استثنينا هذا العمل الذي قام به”كاروس لوكرتيوس”فانه يمكننا القول أنه من الأمانة التاريخية لا يمكننا أن ننسب نشأة علم الأنتربولوجيا إلى الحقبة الرومانية، كما هو الشأن في الحضارة الاغريقية.

وإذا ما عرجنا على الحضارة الصينية واستنادا إلى كلام بعض المؤرخين، على أنه بالرغم من اهتمام الصينيين القدماء بالحضارة الرومانية، وتقديرها لم يعثروا فيها على ما يحقق الغلبة على حضارتهم، ولم يعبأ الصينيون القدماء في القديم بالحضارات الإنسانية خارج الحضارة الصينية، وحتى وان وجدت لديهم بعض الكتابات الوصفية عن الجماعات البربرية، فلم تخرج عن طابع الاحتقار وأسلوب التهكم.

وإذا نظرنا إلى هذا الاتجاه نجده نابع من نظرتهم العنصرية، فكانوا يعتقدون أنهم أفضل الخلق، وأنه لا وجود لأية حضارة أو فضيلة خارج جنسهم، بل كانوا يرون أنهم لا يحتاجون إلى غيرهم في شئ ولكي يؤكد ملوكهم هذا الواقع أقاموا سور الصين العظيم حتى لا تدنس أرضهم بأقدام الآخرين3.

أما في الحضارة العربية الإسلامية، فمنذ أن بدأ الإسلام في الانتشار، بدأت معه بوادر الحضارة العربية الإسلامية والتي كانت في طور التكوين ثم الازدهار فيما بعد، وقد اقتضت الأوضاع الجديدة التي أحدثتها الفتوحات العربية الإسلامية الاهتمام بدراسة أحوال الناس سيما في البلدان المفتوحة، وذلك من أجل سياستها بحكمة، وهذا ما يقتضيه التنظيم والحكم.

ولهذا الغرض وغيره مما تتطلبه الحياة البشرية برز مجموعة من العلماء العرب والمسلمين الذين برعوا في مجال الرحلات وتصوير أحوال الأمم، فكانوا أن وضعوا معاجم جغرافية كما هو الأمر عند “ياقوت الحموي”صاحب “كتاب البلدان”، والمقدسي: “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، كما اشتهر البعض منهم بالرحلات “كابن جبير”، “ابن بطوطة”الذي برزت خصائص الكتابة الأنتربولوجية في مؤلفه، وذلك من خلال وصفه لحياة أهل السودان اليومية، وأنماط سلوكاتهم وتقاليدهم وقيمهم ومما قاله في أهل السودان: “فمن أفعالهم قلة الظلم فهم أبعد الناس عنه وسلطانهم لا يسامح أحد في شئ منه، ومنها شمول الأمن في بلادهم فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب، ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت في بلادهم من البيضان ولو كان القناطير المقنطرة وإنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه4، وهناك من تخصص في معرفة شؤون إقليم واحد كما فعل “البيروني” الذي اهتم بشؤون الهند وألف كتابه “تحرير ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”.

والى جانب تسجيل وتدوين الرحلات ساهم آخرون في وضع موسوعات كبيرة”كمسالك الأمصار” “لابن فضلان الله العمري”، “والنويري” الذي كتب “نهاية الأرب في فنون العرب”، وإذا تحدثنا عن ابن خلدون، فكان قد حاز شهرة كبيرة، بفضل مقدمته التي سجل فيها أشكال الحياة الاجتماعية لسكان شمال إفريقيا، إضافة إلى ابتكاراته العلمية الهادفة إلى تفسير وتحليل ما رصده من أنظمة اجتماعية، وكان التراث الذي تركه ابن خلدون قد نال اهتماما كبيرا في الدراسات المتعلقة بعلم الإنسان والى يومنا هذا. ومن المعاصرين الذين كانت لهم إسهامات معتبرة في مجال الدراسات الاثنوغرافية والأنثربولوجية، “السيد محمود شكري الألوسي”الذي ألف كتابه القيم”بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب”، وفي هذا المقال حاولت أن أبرز إسهاماته في مجال الدراسات الأنتربولوجية.

ثانيا:التعريف بالمؤلف والكتاب:

محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الآلوسي الحسيني “1273هـ/1342هـ/1857م/1924م”، أبو المعالي:مؤرخ، وعالم بالأدب والدين من الدعاة الى الإصلاح ولد في رصافة بغداد، وأخذ العلم عن أبيه وعمه وغيرهما وتصدر للتدريس في داره وفي بعض المساجد، ولما احتل البريطانيون بغداد سنة 1330هـ عرضوا عليه قضاءها فزهد فيه، ولم يل عملا بعد ذلك غير عضوية مجلس المعارف في بدء تأليف الحكومة العربية في بغداد وتوفي فيها، له 52 مصنفا بين كتاب ورسالة منها”بلوغ الأرب في أحوال العرب “ثلاثة أجزاء ألفه إجابة لاقتراح لجنة اللغات الشرقية في استوكهولم وفاز بجائزتها.5

ثالثا: الحياة الاجتماعية عند العرب:

1-مؤسسة الزواج على أيام الجاهلية:كان النكاح في الجاهلية على أنحاء:فنكاح منها:نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها أي يعين صداقها ويسمى مقداره ثم يعقد عليها، وكانوا يخطبون المرأة إلى أبيها أو أخيها أو عمها أو بعض بني عمها، وعرف العرب أنكحة مختلفة ومتباينة منها نكاح الخدن ونكاح المتعة ونكاح البدل ونكاح الشغار. وهذه في مجملها أنكحة فاسدة6.

وقد غير الإسلام ذلك فقد حرم كل هذه الأنواع من الزواج ووضع لهم القواعد والأسس التي يجب أن تتبع في عملية الزواج، وبهذا نجد أن المجتمع العربي قد خضع للتغير السوسيولوجي وبالتالي حصل التطور الديناميكي.

وقد كان العرب بوضعهم القبلي لا بد لهم من الارتباط ولا يكون الارتباط إلا عن طريق المصاهرة والزواج خاصة الزواج من خارج القبيلة مما يبرز مدى اطلاع الألوسي وإلمامه بشؤون المجتمع العربي.7

2-مقاصدهم من الزواج:لم تزل العرب تجتذب البعداء، وتتألف الأعداء، بالمصاهرة حتى يرجع المنافر مؤانسا، ويصير العدو مواليا، وقد يصير للصهر بين الاثنين ألفة بين القبيلتين، وموالاة بين العشيرتين، وإنما كانت سببا من أسباب الألفة، لأنها استحداث أصله وتمازج مناسبة صدرا عن رغبة واختيار، انعقدا على خير وإيثار، فاجتمع فيها أسباب الألفة ومواد المصاهرة8.

وكذلك من مقاصدهم التناسل والتوالد فقد كانت العرب ترغب في النكاح لطلب الولد وتقول من لا يلد لا ولد ولذلك كانوا يلتمسون الحداثة والبكارة لأنها أخص بالولادة9.

3- الطلاق:كان العرب في الجاهلية يطلقون ثلاثا على التفرقة، وأول من سن ذلك لهم إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام ثم فعلت العرب ذلك، فكان أحدهم يطلق زوجته واحدة وهو أحق الناس بها، حتى إذا استوفى الثلاث انقطع السبيل عنهاوكانوا يخلعون نساءهم أيضا، والخلع فراق الزوجة على مال مأخوذ من خلع الثوب، لأن المرأة لباس الرجل10.

وكانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها، وكانوا لا ينكحون الأمهات ولا البنات ولا الخالات ولا العمات، وقد تنزهت العرب ولا سيما قريش من هذه المناكح حفظا لحرمة الأرحام الدانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة فتضعف الحمية، وتقل الغيرة، وهم أخص الناس بالمناكح الطاهرة، وكان أقبح ما يصنع بعضهم أن يجمع بين الأختين11

ومما أبطله الشرع من عوائدهم في هذا الأمر أنهم كانوا يطلقون النساء حتى إذا قرب انقضاء عدتهن راجعوا هن لا عن حاجة ولا لمحبة ولكن لقصد تطويل العدة وتوسيع مدة الانتظار ضررا فأبطل الإسلام ذلك.

4-عادات العرب في الجاهلية:تكلم الألوسي عن بعض العادات التي انتشرت في بلاد العرب وقضى عليها الاسلام نذكر منها:

أ-الوأد:كانت مذاهب العرب مختلفة في الوأد وقتل الأولاد فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن وهم بنو تميم وكندة، وقبائل آخرون، وكيفية الوأد، هو أن الرجل منهم كان إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية وأن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها طييبيها وزينييها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها أنظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وروى ابن عباس –رضي الله عنه –أنه قال: كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة وإذا ولدت ولدا حبسته.

ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو سوداء أو برشاء أو عرجاء تشاؤما منهم بهذه الصفات.ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر وهم الفقراء من بعض قبائل العرب، وفيهم نزل قول الله تعالى: “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا”

ومنهم من كان ينذر إذا بلغ بنوه عشرة نحر واحدا منهم كما فغله عبد المطلب في قصته المشهورة واليها أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله”أنا ابن الذبيحين” يعني أباه عبد الله وجده إسماعيل عليه الصلاة السلام12.

ب-الميسر: الميسر اشتقاقه إما من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره، وكان الميسر من مفاخر العرب لأنهم كانوا يفعلونه في أيام الشدة وعدم اللين وأيام الشتاء، وأما مفاسده فكثيرة منها أن فيه أكل الأموال بالباطل وأنه يدعو كثيرا من المقامرين إلى السرقة وتلف النفس وإضاعة العيال وارتكاب الأمور القبيحة والرذائل الشنيعة والعداوة الكامنة والظاهرة، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من أعماه الله تعالى وأصمه13.

ج- الاستقسام بالأزلام:ومن مذاهبهم المشهورة الاستقسام بالأزلام، فكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل دية المقتول أو غير ذلك من الأمور العظيمة جاءوا إلى”هبل”وهو أعظم صنم لقريش بمكة وكان في الكعبة ومعهم مائة درهم فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها وهي مستوية في المقدار عليها أعلام وكتابة قد كتب على واحد منها –أمرني ربي-وعلى واحد منها –نهاني ربي-وعلى واحد-منكم-وعلى واحد –من غيركم-وعلى واحد –ملصق-وعلى واحد –العقل-وواحد غفل أي ليس عليه شئ فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له ومعرفة عاقبته أخير هو أم شر استقسم لهم أمين القداح14. وإضافة إلى الاستقسام بالأزلام كان من مذاهب العرب المشهورة النسئ.

غير أن العادات المذكورة آنفا لم تبق بعد الإسلام إذ حدث تغير اجتماعي، فجاء في محكم التنزيل قول الله عز وجل “ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهمواياكم ان قتلهم كان خطأ كبيرا”، وقال جل شأنه”ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون”.

وهذا يبرز مدى التغير الذي أحدثه الإسلام في ذهنية الإنسان العربي إذ قضى على هذه المعتقدات القبيحة التي كانت تتحكم بسلوكهم.

رابعا:الحياة الدينية:

من أهم مظاهر الحياة الدينية التي كانت سائدة عند العرب قبل الإسلام، هي تقديسهم للحيوان، وأول من جاء بهذه الفكرة الدينية للبلاد العربية هوعمر بن لحي الخزاعي، وكانت بدعة عند العرب ذلك أن هذه العبادة لم تكن معلومة عندهم في ديانة إبراهيم وإسماعيل، ولما جاء الإسلام حرم هذه العبادة، قال تعالى: “ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون”ومن طرق تقديسهم للحيوان نذكر:

1-البحيرة: وسميت بهذا لأن أهل الجاهلية كانوا إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها وشقوها وامتنعوا من نحرها وركوبها ولا تطرد من ماء ولا تمنع من مرعى وهي البحيرة.

2-السائبة:وهي التي تسيب للأصنام، ولا يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم، وقيل ما ترك ليحج عليه.

3-الوصيلةوهي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت أنثى كانت لهم، وان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها.

4-الحامي:وقد قيل هو الفحل إذا لقح ولد ولده فيقولون قد حمى ظهره فيهمل ولا يطرد عن ماء ولا مرعى، وتنسب هذه العادة الى عمرو بن لحي.

5-العتيرة:وهي ذبيحة رجب، وكانوا يذبحونها في شهر رجب ويتقربون بها إلى أصنامهم.

وكان النويري في كتابه “نهاية الأرب في فنون الأدب”قد عدد أوابد العرب فقال: “ان الأوابد معناها الدواهي وهي مما حمى الله تعالى هذه الملة الإسلامية منها وحذّر المؤمنين منها فقال تعالى “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسروالأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”. وقال جلّ شأنه”ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام” وقال تعالى: “إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما”، وكانت للعرب أوابد جعلوها بينهم أحكاما ونسكا وضلالة وعادة ومداواةودليلا وتفاؤلا وطيرة، ومنها البحيرة، والوصيلة، والسائبة والحامي.إضافة إلى عبادة الحيوان كان العرب قد عبدوا الأصنام والكثير من مظاهر الطبيعة.

خامسا: الحياة الثقافية:

1-الأفراح عند العرب:

العيد: قال الألوسي:اعلم أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك فالعيد يجمع أمورا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه وقد يكون مطلقا وكل من هذه الأمور قد تسمى عيدا، فالزمان كقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدا”.يعني يوم الجمعة.

ولا شك أن الأعياد تصنف ضمن الأمور الدينية ولواحق الأمور العبادية، ولكن رغم هذا لم يكن العرب كما يذكر الألوسي متفقي المذهب في هذا الشأن، ولا متحدي المسلك والمشرب، كما لم يكونوا متفقي الدين والاعتقاد.

وشرح الألوسي وبالتفصيل ما لكل فرقة من العرب من الأعياد والمواسم منها:

- أعياد المشركين من عبدة الأصنام.

- أعياد المجوس وهم الفرس وشرذمة من العرب وغيرهم.

ومما كان العرب يصنعونه في أعيادهم ومواسمهم التزين بأحسن الثياب والحلل، والبرود المعجبة والتسابق على الخيل، وصبيانهم يلعبون أنواعا من الملاعب.

2-عاداتهم في المأكل والمشرب:

قال الألوسي كانت عادات العرب في ذلك أوسط العادات، ولم يكونوا يتكلفون في المطاعم والمشارب تكلف العجم، وكانت لهم في هذا الباب عوائد مستحسنة ومألوفات يتلقاها ذوو العقول بالقبول، ومن ذلك أنهم كانوا يبكرون في الغذاء ويرون أن ذلك أقرب إلى راحة البدن وصحته.

وكانوا يؤخرون العشاء رغبة في ورود الأضياف واجتماع الأكلة بعد انقضاء حاجاتهم وعودهم من مسارحهم وغاراتهم ولأن بلادهم حارة الهواء فكلما ذهبت منه ببرد الليل كان الطعام أمرى، والشهية في الأكل أدعى، والأصل الأصيل في ذلك مراعاة الضيوف فقد كان لهم مزيد اعتناء بأمرهم.

وكان من عاداتهم في المأكل والمشرب أنهم يقولون أن البطنة تذهب الفطنة، أي الذي يملأ بطنه من الطعام تذهب فطنته، وكانوا يعيبون الرجل الأكول الجشع، وقيل للحارث بن كلدة طبيب العرب في الجاهلية ما أفضل الدواء، فقال الأزم، يريد قلة الطعام وقد أصاب في ذلك، فالداء كله من فضول الطعام فكيف لا ترغب في شئ يجمع لك صحة البدن وذكاء الذهن وصلاح الدين والدنيا والقرب من عيش الملائكة.

3-الولائم:

أما عن الولائم عند العرب فقد عددها الألوسي إلى ستة عشر نذكرها فيما يلي بايجاز:

-الخرس:وهي الطعام الذي يصنع للنفساء وقيل هو طعام الولادة.

-العقيقة: وهي ما يصنع للطفل بعد ولادته وتختص باليوم السابع.

-الأعذار: وهي ما يصنع للختان.

-ذوالحذاق: وهي ما يصنع لحافظ القرآن، وهذه حدثت بعد الاسلام.

-الملاك:وهي ما يصنع للخطبة.

-وليمة العرس: وهي ما يصنع للدخول بالزوجة.

-الوضيمة: وهي ما يصنع للميت أي لأهل المصيبة.

-الوكيرة: وهي ما يصنع للبناء يعني للسكن المتجدد.

-العقيرة: وهي ما يصنع لهلال رجب.

-التحفة:وهي ما يصنع للزائر.

-الشندخ: وهي ما يصنع عند وجود الضالة.

-النقيعة:وهي ما يصنع للقدوم من السفر.

-القرى: وهي ما يصنع للضيف.

-المأدبة:وهي ما ليس له سبب من ذلك.

-الجفلى:وهي التي تعم دعوتها.

-النقرى:وهي التي تخص دعوتها.

سادسا:الحياة العلمية عند العرب:

قال الألوسي أن العرب كانوا على أقسام مختلفة وأصناف متغايرة، وأن البائدة منهم كعاد وثمود وطسم وجديس إلى غير ذلك من الأمم قد انقرضوا وانقطعت عنا أخبارهم وتفاصيل أحوالهم وأن غير البائدة، فقد تفرعوا من عدنان وقحطان أما قحطان وهم عرب اليمن فقد كانوا على أحسن ما يكون من التمدن والغالب منهم سكن البلاد المعمورة، وبنوا القصور المشهورة، وشيدوا الحصون المذكورة، وكانت لهم مدن عظيمة، وكان لهم ملوك وأقيال دوخوا البلاد واستولوا على كثير من أقطار الأرض، كل ذلك يدل على كمال وقوفهم على العلوم التي لا بد منها في حفظ النظام وعليها مدار المعاش والانتعاش وسياسة المدن وتدبير المنزل والجيوش وتأسيس المدن وإجراء المياه وغير ذلك مما لا يمكن وجوده مع الجهلوعدم المعرفة15

ومن أهم علومهم:

1- علم الشعر والقريض:والشعر أكثر علم العرب، وأوفر حظوظ الأدب وأحرى أن تقبل شهادته وتمتثل إرادته.

2-الخطابة:وهي الغاية في الفصاحة، والمنتهى في البارعة والبلاغة، وفي كتب الأدب الدائرة في الأيدي شئ كثير من خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم مما تتحير منه ألوا الألباب، وقد اشتملت على الحكم والأسرار وما يستوجب خيري الدنيا والآخرة.

3-علم الأنساب:وهو علم يتعرف به أنساب الناس، والعرب في الجاهلية كان لهم مزيد اعتناء بضبطه ومعرفته فانه أحد أسباب الألفة والتناصر، وهم كانوا أحوج شئ إلى ذلك حيث كانوا قبائل متفرقين وأحزابا مختلفين، لم تزل نيران الحروب مستعرة بينهم، والغارات ثائرة فيهم، فإنهم امتنعوا عن سلطان يقهرهم، ويكف الأذى عنهم، فحفظوا أنسابهم ليكونوا متظافرين به على خصومهم، ومتناصرين على من شاقهم وعاداهم.

4- علم القيافة والعيافة:قال الألوسي: اعلم أن علم القيافةعلى قسمين قيافة الأثر ويقال لها العيافة، وقيافة البشر، أما العيافة، فهوعلم باحث عن تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر في المقابلة الأثر، ومن فوائد هذا العلم العثور على الفار من الناس، والضال من الحيوان، ومن دقتهم في هذا المجال أن بعضهم يفرق بين أثر قدم الشاب والشيخ، وقدم الرجل والمرأة، والبكر والثيب، وأما قيافة البشر فهي الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد بينهما في النسب والولادة في سائر أحوالهما وأخلاقهما، وبالقيافة يكون الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله على نسبته16.

5- علم الفراسة:وهو الاستدلال بهيئة الإنسان، وأشكاله، وألوانه، وأقواله، على أخلاقه وفضائله ورذائله، وربما يقال هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله.

6-معرفة أخبار الأمم الماضية:من تتبع شعر العرب واستقراه، ووقف على ما قالوه من مثل واستقصاه، تبين له ما كان للعرب الأولين من اليد الطولى والقدم الراسخة في معرفة أحوال الأمم الماضيين، وأخلاقهم وسيرهم، ودولهم وسياستهم لا سيما شعرهم فهو سجل أخلاقهم، وخزانة معارفهم، ومستودع علومهم، وحافظ آدابهم، ومعدن أخبارهم، ومرجعهم عند اختلافهموقد كان العرب على اطلاع بالتاريخ، كما كان لهم علم بالسماء، وكائنات الجو، والسماوات والأفلاك، ومنازل القمر.

إضافة إلى ما سبق هناك علوم متعددة زخرت بها لحياة العربية منها علم الكهانة والعرافة، علم الزجر والعيافة، كما كان لهم علم بمحاسن الخيل وما يستحب فيها، وبرعوا في علمهن بخلق الإنسان، كما كانوا على علم بفن الرمي، وعلم نزول الغيث، والرياح وأوصافها والسحب وأنواعها، والبرق والرعد، كما كان لهم علم بالملاحة، إضافة إلى العلوم فقد كانت لهم مجموعة من الصنائع، والتجارة، وصناعة البناء، وصناعة النجارة والحياكة والنسيج، والفلاحة…

الخاتمة:

من خلال تتبع أخبار وأحوال أمة العرب، في كتاب الألوسي، نجد أن هذا الأخير قد كانت له إسهامات فاعلة، في وصف ومعالجة الكثير من الظواهر المختلفة في حياة العرب الماضية، وتحليلها بطريقة علمية واضحة، كما استطاع أن يبرز الخصائص الثقافية والحضارية لهذه الأمة، خاصة لما يعتمد أسلوب أو منهج المقارنة مع سمات وخصائص الأمم الأخرى.

وكان الألوسي قد ركز على وصف أسلوب الحياة في بيئة محددة، وهي البيئة العربية في زمن معين، مفصلا وشارحا لعادات القوم وأسلوب حياتهم ومنظومة قيمهم، وبذلك احتوى كتابه مادة وصفية قيمة، نعدها من أهم المصادر الاثنوغرافية.

والى جانب مساهمة الألوسي نجد مساهمات متعددة، من مفكرين وفلاسفة عرب كانوا قد قدموا الكثير من الدراسات عن حال الأمم في مختلف جوانب حياتها سواء الجانب الاجتماعي، أو الثقافي، أو السلوكي أو الديني، وتصب هذه الدراسات في دائرة الاهتمامات الأنتربولوجية.

وخلاصة المقال، فإذا قلت في بدايته أن بعض الباحثين، قالوا أن الأنتربولوجيا علم جديد، تعود بدايات تأسيسه وتقعيده إلى عصر النهضة الأوربية، فالسبب في ذلك يعود إلى أن الأنثربولوجيا التي تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر، كعلم له موضوعه، ومنهجه، ونظرياته، لم تكن لها صلة إطلاقا بالمجهودات المقدمة في العصور السابقة في مختلف الحضارات.

الهوامش:

1-محمد صقر خفاجة: هيرودوت يتحدث عن مصر، دار العلم، القاهرة، 1966، ص120.

2-حسين فهيم: قصة الأنثربولوجيا، فصول في تاريخ الإنسان، سلسلة عالم المعرفة، عدد198، الكويت، 1986، ص47.

3-محمد مؤنس:الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتدهورها، عالم المعرفة، عدد كانون الثاني، الكويت، 1978، ص15

4-أبو عبد الله بن بطوطة:رحلة ابن بطوطة، دار التراث، بيروت، 1968، ص672.

5-خير الدين الزركلي: الأعلام، مج07، دار العلم للملايين، بيروت، 1986، ص172، ص173.

6-السيد محمود شكري الألوسي:بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، ج02، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان: ص03، ص05.

7-أحمد الخشاب:التفكير الاجتماعي، دار النهضةالعربية، (د.ت)، ص215.

8-السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدرالسابق، ج02، ص06.

9- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدرالسابق، ج02، ص09.

10- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدرالسابق، ج02، ص49.

11- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدرالسابق، ج02، ص52.

12- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدرالسابق، ج03، ص65.

13- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدرالسابق، ج03، ص66.

14-النويري:نهاية الأرب في فنون الأدب، المؤسسة المصرية للطباعة والنشر، (د.ت).ص

15- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدر السابق، ص116:ص117.

16- السيد محمود شكري الألوسي:نفس المصدر السابق، ج03، ص80.

أرسل تعليقاً