Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > «زهرةُ الصحراء» لـ: ويريس دايريه وكاثلين ميلر فضحُ جرائم ختان الإناث

«زهرةُ الصحراء» لـ: ويريس دايريه وكاثلين ميلر فضحُ جرائم ختان الإناث

الخميس 17 أيلول (سبتمبر) 2009

بقلم: هيثم حسين
تصدّت الصوماليّة ويريس دايريه؛ التي انتقلت من حياة البداوة بكلّ ما في الكلمة من معنى، لتصبح عارضة الأزياء الأشهر في العالم، ثمّ لتصبح سفيرة للأمم المتّحدة لمحاربة ختان الإناث، لتعرية كلّ السلوكيّات الكارثيّة والممارسات الشائنة الإجراميّة التي كانت ولا تزال تُرتَكَب بحقّ الفتيات والنساء في بلدها، وفي البلدان المتخلّفة كافّة، خصوصاً في إفريقيا التي تعاني من معدّلات مريعة في الإجرام المزمن المتواصل بحقّ المرأة..

تمكّنت ويريس دايريه في روايتها الشهيرة «زهرة الصحراء»، من التأثير في الرأي العالميّ العامّ، ونجحت في لفت أنظار العالم إلى تلك البقعة الصحراويّة المهمّشة التي تقع فريسة الجهل والتخلّف، والنزاعات والصراعات القبليّة، والحروب الأهليّة..

روت ويريس دايريه رواية «زهرة الصحراء»، على الكاتبة كاثلين ميلر التي صاغتها وعرضتها بطريقة روائيّة مميّزة، تروي فيها ويريس دايريه، قصّتها منذ هروبها من البيت، وحتّى اختيارها وتعيينها سفيرة للأمم المتّحدة..

هربت ويريس من البيت وهي في الثالثة عشرة من عمرها، بالتواطؤ مع أمّها، ذلك بعد أن أخبرها والدها بأنّه سيزوّجها، كان الزوج شيخاً هرِماً، لكنّه مستعدّ ليدفع مهرها خمس نوق، وللناقة في حياة الصحراء قيمتها العظمى، لأنّها تؤدّي الكثير من الأدوار، وتسدّ الحاجات.. «النوق أسطوريّة في الصومال. فالصومال بلد يفخر بأنّ لديه أكبر عدد من الجمال في العالم. فيه جمال أكثر ممّا فيه من البشر.ص ص32. «تقاس حياة الرجل بجماله، وفدية قتل الرجل هي مِائة ناقة. والمِائة ناقة يجب أن تدفع للقبيلة التي قتل منها الرجل كي تتابع أسرة الضحيّة العيش من بعده، وإلاّ فإنّ قبيلة الرجل المقتول سوف تهاجم القاتل للثأر والعقاب». ص33.

ظلّت ويريس تعاني في هربها أيّاماً وليالي، تعرّضت لمشقّات الطريق، تحرّش بها البعض، رفض آخرون مساعدتها، كادت أن تقع في فخّ الاستغلال، لأنّها كانت تتعامل ببراءتها الصحراويّة، مع المراوغة التي لم تكن تعلم عنها شيئاً، لكنّها كانت تتخلّص ممّا يعترضها بحدسها وعنادها وإرادتها القويّة، ورغبتها القويّة في الحياة.. توجّهت إلى بيت عمّها في «جاليكايو»، لكنّها لم تمكث هناك طويلاً لأنّ عمّها حاول أن يعيدها إلى البيت، فتركت بيته، وتوجّهت إلى مقديشو، إلى حيث تقيم أختها الكبرى «أمان» التي كانت قد هربت من البيت أيضاً، وللأسباب نفسها، وكانت أخبارها منقطعة.. وبعد لأيٍ تستدلّ ويريس إلى بيت أختها، تعيش معها فترة، تنتقل بعدها إلى بيت أهل أمّها، وهناك أيضاً مكثت فترة ثمّ انتقلت إلى بيت خالتها «سهرو» التي كان زوجها مسافراً للعمل في السعوديّة، لتعيش مع زوجته وأولاده، أثناء ذلك عملت في بعض الأعمال التي لم تتناسب مع طبيعة الفتاة الصغيرة، حيث عملت في البناء، ونقل الطوب، عساها تتمكّن من مساعدة أمّها البائسة، بأن ترسل إليها بعض النقود، وتلك النقود التي تحاول إرسالها تكتشف فيما بعد أنّها لم تصل، وأنّ مَن التزم بإيصالها، سطا عليها. وبينما كانت ويريس في بيت خالتها، زارهم زوج خالتها الذي كان قد عيّن سفيراً للصومال في لندن، وطلب من خالتها «سهرو» أن تؤمّن له شغّالة، عندما سمعت ويريس اسم لندن التي تكن تعرف أين تقع، ولا ما هي أصلاً، سارعت بتقديم خدماتها، التي قوبلت بداية بالرفض، ثمّ بعد عنادها وتوسّط خالتها، تمّ الأمر، وتقرّر سفرها إلى لندن، لتعمل خالتها، وتتحمّل وحدها أعباء بيتها الكبير طيلة أربع سنوات.. وبعد أن انتهت السنوات الأربع، رفضت العودة إلى الصومال، خبّأت جواز سفرها، وقرّرت البقاء، والبحث عن مستقبلها.. هناك أيضاً تعرّضت لكثير من المضايقات، ووقعت نهباً للحاجة والجوع، ما إن كانت أمورها تكاد أن تنفرج، حتّى تتعقّد ثانية، ظلّت تدور في دائرة مغلقة من عدم الحيلة، حتّى كان لها الخلاص، بالسفر والترحال، والبحث عن الذات، والعناد في العمل.. بعد اكتشافها من قبل المصوّر دونوفان، دخلت عالم الأزياء والشهرة رويداً رويداً.. ساعدها على كلّ ذلك مقدرتها على تحمّل المسؤوليّة والمشقّة، إذ أنّها عندما كانت في السادسة من عمرها كانت مسؤولة عن أخذ القطعان المؤلّفة من ستّين أو سبعين خروفاً إلى أراضي الصحراء لترعى.. حيث لا يمتلك أحد في الصومال المراعي، لذلك فإنّ الأمر يعود لها في أن تكون ماهرة وماكرة. تقول: «غريزتي لحبّ البقاء كانت تقودني للبحث عن علامات المطر، والتمحّص للبحث عن الغيوم في السماء. وتؤدّي أحاسيسي الأخرى دورها أيضاً، لأنّ هناك رائحة خاصّة أو إحساساً معيّناً ينبئ بالمطر». ص39. فكما كان لديها إحساس معيّن ينبئها بالمطر، فقد تطوّر ذاك الإحساس في ترحالها الدائم، فكان ينبئها وينذرها من الخطر الوشيك المحدق بها..

– جريمةُ «ختان الإناث» المستمرّة:

أثناء كلّ تلك المراحل، كانت ويريس ضحيّة دائمة لمصيبةٍ/ جريمةٍ، لم تكن تتجرّأ على الإفصاح عنها، ولا مجرّد التحدّث فيها، ألا وهي مسألة كونها «مختونة». أمّا كيف اقتِرف ختانها. فلها قصّة ولّدت غصصها التي لم تنتهِ.. فقد كانت وهي طفلة في الخامسة، مبتهجة لأنّها ستدخل عالم النساء الكبيرات، وأنّها ستكتشف أخيراً تلك العوالم التي ظلّت مجهولة بالنسبة لها، وأنّها كانت ترجو أمّها بأن تأتي لها بتلك المرأة الغجريّة التي كانت تقوم بالعمليات الغامضة. كانت ويريس تظنّ حينها أنّه إذا كان لا بدّ لها من فعل ذلك، فليتمّ ذلك الشيء الغامض وينتهي الأمر، لكنّها لم تكن مدركة لما يمكن أن يحلّ بها. وفي الليلة التي سبقت ختانها، أنبأتها أمّها بألاّ تشرب الكثير من الماء أو الحليب، لأنّ ذلك سيجعلها تتبوّل كثيراً، ورغم أنّها لم تفهم معنى ذلك، لكنّها أذعنت للأمر. تقول إنّها بقيت متيقّظة بشوق تلك الليلة، حتّى جاءتها أمّها قبيل الفجر وأخذتها. تقول: «أمسكت أمّي بقطعة من جذر شجرة عتيقة، ثمّ وضعتني فوق الصخرة، دلست خلفي وسحبتني برأسي إلى الخلف قرب صدرها، وطوّقت جسدي بساقيها. لففت ذراعي حول فخذي. وضعت أمّي جذر الشجرة بين أسناني قائلة: عضّي على هذا». ص88. وهي في تلك الحالة تذكّرت عمليّة ختان أختها أمان، التي راقبتها عن بعد، رأت كيف كان التعذيب قاسياً، وكيف أنّ أمان هربت والدم ينزف من بين ساقيها، وأعادتها أمّها بعد أن أغمي عليها، لتكمل الغجريّة عملها، وترقد أمان في كوخٍ ينصب للمختونة حديثاً لتبقى فيه بعيداً عن الآخرين.. تشرح ويريس حالتها السابقة للعملية، وكيف أنّ أمّها كانت تشجّعها وتطلب منها أن تكون شجاعة، وهي تستجمع قواها، نظرت إلى المرأة العجوز التي لم يكن أيّ أثر لأيّ ابتسامة على شفتيها، بل كانت تحضّر عدّتها للعملية، تفاجَأ ويريس بالعجوز الغجريّة وهي تخرج شفرة حلاقة مكسورة، رأت دماً جافّاً على نصل الشفرة، واشمأزّت وهي تراقب الغجريّة التي بصقت على الشفرة ومسحتها بثوبها، حينذاك ربطت أمّها وشاحاً حول عينيها، عصبتهما به. بعدها كان الإجرام التالي، الذي تصفه ويريس: «الشيء التالي الذي أحسست به كان لحمي، أعضائي التناسليّة كلّها تُقصّ وتنتزَع. سمعت صوت نصل الشفرة الغليظ كالمنشار يمرّ على جلدي إلى الأمام وإلى الخلف… … لم أتحرّك شبراً واحداً، فقد تذكّرت أمان وعرفت أنّه لا مهرب لي أبداً. أردت أن تكون ماما فخورة بي. جلست هناك وكأنّني جبلت من الحجر، وأنا أقول لنفسي: كلّما تحرّكت أكثر زاد العذاب وأخذ وقتاً أطول». 89. ولأنّ جسدها الغضّ لم يتحمّل كلّ ذلك التعذيب الذي تعرّض له، فقد أُغمِي عليها، وحين أفاقت ظنّ أنّ الأمر انتهى، لكنّها لم تكن تعلم بأنّ أسوأ ما في الأمر قد بدأ. حيث كانت «المرأة القاتلة» تكوّم بجانبها أشواك الأكاسيا، لأنّها تستعملها لفتح ثقوب في الجلد، ثمّ تجمع الجلد بخيط أبيض قويّ من خلال تلك الثقوب. ومع قرب انتهاء العملية كانت ويريس تشعر بأنّها تطفو فوق آلامها، وهي في حضن أمّها. لم تعد تخاف أو تقلق أو تبالي. لأنّها تكون قد تطهّرت من النجاسة، وصارت شريفة، صالحة للزواج، مطهّرة من الدنس. في عرف المحيطين بها.

لا تنتهي العملية الإجراميّة عند ذلك الحدّ، لأنّ المعاناة تبدأ بالتعاظم، حيث تُحمل، وساقاها مقيّدتان بشرائط من القماش، لتعدّ لها شجرتها بحسب التقليد، إذ يتمّ إعداد كوخ صغير تحت شجرة، حيث ترتاح فيه لأسابيع قليلة تالية حتّى تشفى وتعافى.. وقبل أن تحمَل التفتت إلى الصخرة، حيث يكون المشهد مؤلماً، وهي ترى قطعة من جسدها، قطعة رئيسة وهامّة من روحها، ملقاة، تقول: «كانت ملطّخة بدمي وكأنّ حيواناً قد ذُبح هناك. ورأيت قطعاً من لحمي، من جبسي، فوقها، لم تغيّره الشمس بعد», ص90. ثمّ تكون الحلقة الأولى من الألم عند اشتداد الحاجة إلى التبوّل، لأنّ ذلك يعني كارثة، تقول ويريس متألّمة وهي تستذكر المرّة الأولى التي تبوّلت فيها بعد عملية نزع الأنوثة عنها : «خرجت القطرة الأولى ووخزتني، كان جلدي قد تآكل بفعل مادّة أسيد. بعد أن خاطتني الغجريّة، كانت الفتحة الوحيدة المتروكة من أجل البول ودم الطمث عبارة عن ثقب صغير جدّاً بقطر رأس عود الكبريت… عندما تجمّع البول في جرحي النازف، ثمّ انساب ببطء من بين ساقي المربوطتين إلى الرمل، أخذت أشهق مع كلّ قطرة، وأنشج باكية». ص91. حيث يعدّ الختان أنّ المختونة «مختومة»، وهذه هي الاستراتيجيّة الدفاعيّة التي تؤكّد على أنّ المختونة لا تستطيع أن تقيم علاقة جنسيّة حتّى تتزوّج، ويضمن زوجها بذلك أنّه يحصل على فتاة عذراء مختومة بختم الغجريّة القاتلة والمجتمع المتواطئ معها..

كما تؤكّد ويريس أنّها محظوظة على الرغم من معاناتها الكبيرة نتيجة ختانها، حيث تجري الأمور بشكل أسوأ في كثير من الأحيان، كالنزف المستمرّ، أو الصدمة أو مضاعفات الالتهاب أو من مرض الكزاز.. وكلّها مؤدّية إلى الموت المحتوم..

ثمّ وبكثير من الألم والإيلام، تسف مشاعرها عندما نزع الرباط عن ساقيها واستطاعت رؤية نفسها للمرّة الأولى، لتكتشف وجود رقعة جلد ناعمة تماماً، عدا ندبة في الوسط السفليّ مثل الزمام المنزلق لسحّاب.. تقول: «بالتأكيد كان ذلك السحاب مغلقاً، كانت أعضائي التناسليّة مغلقة ومختومة مثل جدار من الطوب بحيث لا يمكن لرجل أن يخترقه إلاّ في ليلة زفافي، حينما يحاول زوجي إمّا أن يقصّه بسكّين أو الاختراق والولوج بعنف». ص94.

لازمت ندبة الختان ويريس في كلّ حلّها وترحالها، وقعت في مواقف مضحكة مبكية في آن، منها الموقف الذي وقعت فيه وهي تنتقل بالطائرة من مقديشو إلى لندن، حين دخلت مرحاض الطائرة، وتأخّرت في تبوّلها المتنقّط، ثمّ لم تستدلّ على الزرّ الذي تضغط عليه لتمحو آثار جريمتها، فارتأت أن تملأ الماء بكاسات ثمّ تفرغها في الحوض، لتخفي بها ما ارتكبته، وكان الحشد ينتظرها في الممرّ.. ولم تكن تلك المرّة الوحيدة التي آلمتها، بل أثناء طوال السنوات اللاحقة لعملية ختانها، وبعد أن بلغت السنّ التي حاضت فيها، كانت الدورة الشهريّة بالنسبة إليها كوابيس غير محتملة، تدوم عشرة أيّام من كلّ شهر تمضي وهي تقاسي المرارات، تجاهد، تجبر على نفسها، تكابر، تتحمّل الوجع الذي يجتاح جسمها كلّها، لأنّ الفتحة ضيّقة ودم الطمث يتأخّر لينزل نقطة نقطة، أو يسيل خيطاً رفيعاً جدّاً يكاد لا يرى، وبذلك تطول المدّة، ويتضاعف الألم.. ولأنّ المصيبة لازمتها، وباتت تشكّل عبئاً كبر يوماً بيوم، قرّرت أن تلجا إلى الطبيب لتستشيره في حالتها، لكنّها وقت أكثر من مرّة في شراك الحياء والرعب والتوقّف عند العادات والتقاليد، لكنّها بعد تجارب مريرة، وبتشجيع من صديقتها ميرلين، اتّصلت بطبيبها، وقرّرت إجراء العملية. تصف ويريس ذلك اليوم: «أعطاني الدكتور ماكريه مخدّراً ضدّ الألم، شيء تمنّيت لم أنّني حصلت عليه يوم قصّت «المرأة القاتلة» لحمي». ص282. وكون بذلك قد رجعت إلى طبيعتها تقريباً، «استطعت أن أجلس فوق التواليت وأتبوّل بارتياح». بحسب تعبيرها.

تكتشف ويريس بعد إجرائها العملية بأنّها ليست الوحيدة التي أجريت لها مثل هذه العملية، يقول لها الدكتور بأنّ هناك الكثير من النساء من السودان ومصر والصومال يأتين إليه، «بعضهنّ حوامل ومرعوبات من خطر الولادة لأنّهنّ مختونات، والخياطة ضيّقة جدّاً». حيث تكون هناك الكثير من التعقيدات منها إمكانية اختناق الوليد في محاولة الخروج، واحتمال النزف حتّى الموت بالنسبة للمرأة كون الفتحة ضيّقة وضاغطة.

تكون الأرقام التي تتعرّف عليها ويريس مريعة، تبلغ نسبة للنساء اللواتي يتعرّضن للختان أرقاماً مخجلة ومخيفة، فالإحصائيّات تقول إنّ سبعين مليون امرأة كنّ ضحايا للتقاليد القديمة، كما أنّ هناك مستويات مختلفة من القسوة تمارس في كثير من أنحاء العالم، حيث يقال إنّه من السنّة إزالة بظر الأنثى، يكون الاستئصال لإزالة شفرتي فرج الأنثى. حيث تعاني الفتيات الصوماليّات أقسى أشكال التشويه للعضو التناسليّ المسمَّى بالختان الفرعونيّ أو تطهير البكارة. يتمّ قطع البظر وشفرتي المهبل، وتتمّ خياطة الجرح بحيث يغلق ولا يترك إلاّ ثقب صغير لخروج الدم والبول..

تنتكب ويريس وهي تتحدّث عن واقع بلدها الصومال، وما آلت إليه الظروف هناك، حيث الحروب الأهليّة التي تعصف بموطنيها، وتفشّي ظاهرة القرصنة في الآونة الأخيرة، وتشبّه ويريس تلك الحروب بممارسة الختان، وتقترح بشيء من الفكاهة ممارسة الإخصاء مقابل الختان، إخصاء الرجال بالموازاة مع ختان الإناث، لأنّ الفحولة المرضيّة تكون وراء الكوارث التي تحلّ على بلادها، تقول: «تلك الحروب العشائريّة والقبليّة تشبه ممارسة الختان، فقد انتشرت بسبب غرور وأنانيّة وتسلّط الرجال. أكره قول ذلك، لكنّها الحقيقة. كلا التصرّفين يندرجان تحت الهوس بالأرض والممتلكات، وتقع النساء في تصنيف الممتلكات من الناحية التقليديّة والشرعيّة. ربّما لو نقطع الخصيتين للرجال تصير بلادي جنّة، فيهدؤون ويصبحون أكثر حساسيّة تجاه العالم، فبدون اندفاع التيستوتيرون المستمرّ، لن تكون هناك حرب، ولا قتل ولا نهب ولا لصوصيّة ولا اغتصاب». ص428.

لا تتبرّأ ويريس دايريه من تاريخها وتراثها وحضارتها، بل تفخر بها كلّها، وتسارع إلى توضيح موقفها كي لا يفهَم نقدها بشكل مغالط، أو توضع في خانة أعداء الوطن: «لأنّني أنتقد ممارسة ختان الإناث يظنّ بعض الناس أنّني لا أقدّر ولا أحترم ثقافتي وحضارتي. لكنّهم مخطئون جدّاً. إنّني أحمد الله يوميّاً على أنّني من إفريقيا. وكلّ يوم أصير فخورة لكوني صوماليّة… عدا عن قضيّة الختان، فإنّني لا أبادل مع أحد الطريقة التي تربّيت ونشأت عليها. لقد عشت في نيويورك، وعلى الرغم من أنّ الجميع يتكلّمون عن القيم الأسريّة، إلاّ أنّني رأيت القليل جدّاً منها عمليّاً». ص423.

تتزوّج ويريس، تنجب ابناً تسمّيه أليكي، تجرّب شعور الأمومة الرائع، تتلقّى نتيجة جرأتها العديد من الردود المساندة من شخصيّات عالميّة فاعلة ومؤثّرة، من تلك الشخصيّات الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. ثمّ تستكمل في عمليها التاليين: «فجر الصحراء»، «بنات الصحراء»، قصّتها بعد عملها كسفيرة خاصّة للأمم المتّحدة لمحاربة ختان الإناث، وتسرد تفاصيل عوتها إلى أهلها في الصومال، كما تروي كيفيّة قيامها مع أخريات بالبحث والتحقيق في ممارسات ختان الإناث في أوروبا.. تقول ويريس عم عملها كسفيرة خاصّة: «إنّ عملي كسفيرة لهيئة الأمم المتّحدة هو تحقيق حلم مروّع جدّاً بفضح تقاليد أهلي وهو ما لم أكن أجرؤ على مجرّد الحلم بتنفيذه سابقاً». ص418.

رواية «زهرة الصحراء»، غنيّة العوالم، مؤلمة، مؤلمة بقدر ما هي مؤمّلة ومبشّرة، تسرد معجزة فتاة بدويّة في أقاصي الصحراء تتحوّل إلى شغل شاغل للعالم المتمدّن.. تسوح بحكم عملها عارضة للأزياء بين مختلف المدن العالميّة، تتعرّف على الكثير الكثير الموجود فيها، لكنّ وطنها يبقي قابعاً في قرارة روحها ونفسها.. تؤنّب نفسها أحياناً أنّها باحت بأسرار قومها، لكنّها ترتضي كلّ الانتقادات لأنّها تحلم بتخليص مَن يمكنها تخليصهنّ.. ومن هنا فإنّ روايتها هي رواية العِبَر والتحدّيات التي لا تنتهي، رواية الأسى المتغلغل في أغوار الأنفس والأجساد..

في زهرة الصحراء، يتمكّن القارئ من الوقوف على بعض معاناة المختونة، بحسب بوح مختونة جريئة، كما يمكن التوسّع في جوانب عديدة تنطوي عليها الرواية، سواء أكان تاريخ الصومال أو ذهنيّات الشعوب هناك… أو إلخ ما هنالك من مفارقات وموضوعات شرقاً وغرباً، وفي مختلف القارات التي زارتها ويريس وعاشت فيها وعانت فيها ما عانته…

تشكّل الصحراء بعوالمها الغرائبيّة ومجاهيلها الكثيرة وأجوائها المغرية مناهل ثرّة للاستلهام، لكن أن يعيش المرء في بحرها، ويقاسي مرارة العطش، والجوع، ويعارك الطبيعة ليحظى بفرص ضئيلة للعيش، فهذا ما لا يُستحضَر أحياناً، ولاسيّما عند بعضٍ ممّن يحرصون على الحنين المواظب للصحراء، وهم ينهمون في فراديسهم بعيداً عنها.. أي يكون الحنين بالذاكرة فقط، ورفضاً قاطعاً للحياة فيها واقعاً.. بعيداً عن قسوة الأجواء والطيعة في الصحارى، فإنّ كثيراً من أناسها قد أخذوا منها القساوة في عاداتهم، التي أصبحت لهم طباعاً بحكم التوارث والممارسة، وكثيراً من تلك العادات ما يناقض العقل والعلم والدين، لكنّها تُدرج تحت ذرائع وخلفيّات دينيّة موهومة موضوعة، على الرغم ممّا تخلّفه من ضحايا، ومن تلك الممارسات الشائنة، آفة «ختان الإناث» التي لم تتوقّف بعد، وتحتاج إفريقيّا إلى آلاف مؤلّفة من أمثال ويريس، التي جسّدت الثورة في روحها وسلوكها، واستحقّت أن تكون زهرة الصحراء، وفجرها الآتي.. واستحقّت اسمها معنى وسلوكاً، حيث يعني اسمها ويريس باللغة الصوماليّة «زهرة الصحراء»، تظهر بعد حدوث معجزة في الطبيعة، بعد أن تمطر بعد احتباس، تتبرعم هذه الزهرة عادة في بيئة قاحلة، حيث يكافح القليل من الكائنات للبقاء على قيد الحياة.. هذه الزهرة تستخدم لزينة العرائس أيضاً. أي أنّها تكون بشارة خير، تأتي كالمعجزة بعد المطر المنتظر دوماً في الصحراء.. هكذا تجسّد ويريس اسمها، لتكون بشارة لبنات بلدها عساها تساهم بمهمّتها سفيرة للأمم المتّحدة بتخليصهنّ من التعذيب الذي ما يزال مطبّقاً ومُطبقاً عليهنّ..

الرواية من منشورات دار الحوار، ترجمة كنينة دياب. تقع في 430 صفحة من القطع الوسط. تقسّم إلى 18 فصلاً.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий