Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > آليات النهضة (في نجاح الأنثروبولوجيا وفشل السوسيولوجيا)

آليات النهضة (في نجاح الأنثروبولوجيا وفشل السوسيولوجيا)

أعلم أن عنواناً كهذا ، سيثير جدالاً بين الفريقين ، إلا أنني أتمنى أن تسود الموضوعية عندها ، إذ ليس الهمّ أن يرفع كل فريق لواءه ، ويدّعي الأفضلية ، بل في مراعاة أن هذين العلمين ، مجرد وسيلتين خادمتين لتقدم “الأمة” ، إننا ما زلنا بعيداً جداً عن علوم “الترف الثقافي” التي يبدأ بها الفرد بعد أن تكون “أمته” قد وصلت إلى مرحلة من التقدم مطلوبة ..
لذا ، فهمّ العلوم كافة ، والعاملين بها ، أن يكون لعلمهم فائدة في تحقيق الأفضل ، والوصول إلى نتائج ملموسة وعملية لـ”أمتهم” .. وكل في ميدانه وضمن تخصصه ، فكل بحث في النهاية هو مجرد لبنة في هرم الحضارة …
قد يستشف من كلامي ، أنني أقف ضد العلوم “الكمالية” أو ضد الآداب والفنون ، لظن البعض أنها أقل أو أخف من غيرها من “العلوم الصلبة” (1) ، إلا أن هذا ليس ظني ، بل أعتقد جازماً أن لكل علم مضمار ، إلا أن المأزم عندما يتوجه الجميع نحو تخصصات “خفيفة” (2) ، عندها يحدث فجوة في النظام التعليمي ، وبالتالي في مستقبل “الأمة” …
الفكرة إذن ، هي أن بعض العلوم تؤمن لـ”الأمة” أسساً أفضل للنهوض ، وما دمنا نعتقد أن هناك مشكلة حقاً في “أمتنا” ، لذا وجب علينا أن نختار العلاج الأنسب ، فالطبيب مثلاً لا يصف للزكام دواءً للإسهال ، بل لكل داء دواء ، وهذا لبّ المسألة التي بدأتها بهذا العنوان “القاسي” .
على ما بنيت تصوري ؟ (3)
لا وجود لمادة العلمين دون الحقل البحثي ، بمعزل في المكان كان ، أو في الزمان ، أي أنه لا بد أن تكون أدوات جمع المادة هي الأفضل تبعاً للحقل ، فهي التي تحمل المصداقية وتؤسس لحركة النهوض ، أما إن كانت سيئة ، أو فشل الباحث في اختيارها بدقة ، فبحثه بمجمله مجرد حبر على ورق ، لا يحمل أي عمق سليم مقارنة بالواقع .
إذن ، فأدوات جمع المادة هي أساس العلمين ، لذا لا بد من النظر بالأدوات الأساسية لهما . (4)
إن انطلاقة البحثين تكون عادة من الملاحظة ، وإن طورتها الأنثروبولوجيا لاحقاً متأثرة على الأغلب بعلم النفس ، واثقة أن فهم الآخر لا بد نابع من فهم الأنا أيضاً ، لذا ففهْم الملاحَظ (أي ما تتم ملاحظته) وكيفية ونوعية انفعالات الفاعلين ، استلزمت أن يقوم الباحث بالمشــاركة في الفعل الملاحَظ ، وهي التقنيـة/الأداة التي تدعى ’’الملاحظـة بالمشاركة‘‘ .
إذن طورت الأنثروبولوجيا بآداتها ، والسوسيولوجيا وقفت عندها ، وهذه نقطة أولى لصالح الأنثروبولوجيا .
بعد الملاحظة ، يقوم السوسيولوجي عادةً ، وبعد تأسيس توجه نظري عام ، ببناء إستمارة تؤمن له القدر الأوفى من المعطيات .
أما الأنثروبولوجي ، فهو ينطلق بعد ملاحظته ، لمقابلة الفاعلين (5) ، وتطول مقابلته معهم ، ليصل بعدها إلى بناء نظري عن الواقع الذي لاحظه ، أي أنه انطلق من الميدان إلى البناء النظري ، وليس العكس ، أي لم يقم بإسقاط نظرياته على الإستمارة ، لتستقي له ما يرغبه من معلومات .
نعم ، قد يثير البعض مسألة الثقافة التي يختزنها كل منهما ، وأنه لا وجود للتجرد ، فثقافته لا بد مؤثرة على الموضوع الملاحَظ ، وعلى ما الذي أثار انتباهه ليلاحظه ؟ ومن أيّ وجهة ؟ وكيف تَتبّعه ؟ ومن اختار ليقوم بالمقابلة معه ؟ وكيفية تدرجه بها ؟ إلى ما هنالك … لكن كل هذا يشير إلى حقيقة أن لكل باحث أسلوب ، فاثنين من الأنثروبولوجيين سيختلفان في كيفية مقاربتهما لنفس الموضوع ، كما سيختلف اثنين من السوسيولوجيين أيضاً ..
أنا لا أتكلم عن الأسلوب ، بل عن الأداة ، فالأداة بحد ذاتها تؤمن لكل فريق قدرة وقدْراً لا تؤمنه الأداة الأخرى .
أنا أتكلم عن كمية المعطيات التي تؤمنها المقابلة ، مقارنة بالمعطيات التي تؤمنها الإستمارة .
الإستمارة يقوم ببنائها الباحث (6) ، ويستند في ذلك على معلوماته ومعطياته عن الواقعة التي يدرسها ، ويختبرها ، ويعدّلها ، إلا أنها تبقى نتاج تصوراته عن الواقعة ، وليست الواقعة بحد ذاتها .
إن الإسـتمارة هي إسـقاط (7) لما في ذهن الباحث ، على الميدان ، وليسـت نابعة منه ..
إن المقابلة ، على العكس من ذلك ، تجر الباحث بمعظم الأحيان إلى حقائق الواقعة كما يعيشها المبحوثون ، صحيح أن الأنثروبولوجي يعد أسئلته المفتوحة مسبقاً ، إلا أن معظم الباحثين الأنثروبولوجيين يغيرونها ويجددونها (8) ويتركون للمبحوث حريته الكاملة في إدراكها وفي التجاوب معها والتفاعل بها ، إن عمل الأنثروبولوجي يشبه إلى حد بعيد تفريعات النهر ، فهو يقدم للمبحوث أفكاراً مجتزأة وكلمات عادية ، لينطلق هو من تلقاء نفسه ، فيكمل الأفكار ، ويقدّم أبعاداً أخرى ، ويضيء على زوايا كانت خافية على الباحث (9) .
إن المقابلة إذن ، تنبع من الميدان ، لتضيء للباحث الجوانب النظرية ، فهي ليست إسقاطاً لما في ذهنه ، بل إعادة ترتيب وتعديل له ، وإضافة عليه .
وهذه نقطة ثانية لصالح الأنثروبولوجيا .
يبقى أن أشير إلى حقيقة أساسية ، وهي أن السوسيولوجيا علم غربي ، فهو نشأ في الغرب (10) ، وتمت هيكلته فيه (11) ، ونشأت الأدوات لتتوافق معه ، فالإستمارة هي أداة غربية ، تتوافق مع الثقافة هناك والواقع المعاش .
إن المبحوثون في “الغرب” (12) يتقبلون الإستمارة ، ويجيبون عليها ، إذ أنهم عمليون ، لا يحبذون تضييع الوقت ، فالوقت لديهم جوهري وله أهمية ، إضافة إلى انعدام حالة الخوف من الإستمارة والتعداد الذي يوجد في “المستعمرات” (13) باعتبار أنها أداة لزيادة الضرائب ، وترحيل الأبناء للسخرة والجيش .
أما الأنثروبولوجيا ، وإن كانت كعلم نشأ في الغرب أيضاً ، إلا أنه امتاز عن السوسيولوجيا بكون هيكليته تمت في البلاد المستعمَرة ، والعالم العربي جزء أساسي منها ، وأدواته كذلك توافقت مع هذه البلاد .
ألم يكن من الأسهل على الأنثروبولوجيين استخدام الإستمارة ، دون الحاجة إلى تطوير أداة جديدة ؟!
ولكن هذا ما لم يكن باستطاعتهم فعله .
إن الإستمارة أبدت عجزها عن التعرف على الملامح الحقيقية والواقعية للشعب . لذا أنشأ الأنثروبولوجيون أداةً متوافقةً مع من يدرسونهم ومع ثقافتهم ، وهي المقابلة ، حيث تحتاج إلى وقت طويل ، وهذا كان عادياً عند المبحوثين (14) ، فهم متعودون على السِّير ، وحكايا ألف ليلة وليلة حيث تدخل قصة ضمن أخرى في سلسلة متطاولة ، فالوقت لديهم بطيء ، ولا يحمل أهمية تذكر ، فالجلوس على المقاهي أو على “الدكك” في ساحات القرى يأخذ معظم النهار والليل …
لذا نجحت المقابلة ، حيث فشلت الإستمارة . ونجحت الأنثروبولوجيا ، وليدة الإسـتعمار ، لأن بناءها تم في المسـتعمرات ، ولذا يمكن اعتبارها العلم الأجدى في التحديث ، كونها العلم الذي يقدر على تأمين معطيات أعم وأشمل عن الواقع المعاش ، وبما يتوافق مع ثقافة المجتمع ، الذي تتم فيه الدراسة .
أليست هذه نقطة ثالثة لصالح الأنثروبولوجيا أيضاً ؟!
في النهاية ، ألَم يكفِ السوسيولوجيا نصف قرن من الزمن ليظهر فيها مقدار ما قدمه في نهضة “الأمة” ؟ وهل قَدر على تقديم شـيء ؟! وما هي إنجازاته ؟!! وأليس من الأفضل ، أن يقوم السوسيولوجيون بنقد منجزاتهم وأساليبهم ؟
وأخيراً ، أليس من الأوْلى أن يُسمَح للأنثروبولوجيا أن تدلوا بدلوها في نهضة “الأمة” وهي العلم الذي نشأ فيها ، وأدواته متوافقة مع ثقافتها ؟
إنه لمن السخرية أن نرى قلة من السوسيولوجيين تعلم ماهية الأنثروبولوجيا (15) ، ومن المحزن أن يقوم السوسيولوجيون بتدريس هذا العلم ، إذ يؤدي هذا بكل بساطة إلى إفراغها من محتواها وإلباسها لباساً سوسيولوجياً مصطنعاً باعتبارها مجرد فرع منه !!
لذا ، أليس من العدل أن نطالب بكلية/معهد منفصل للأنثروبولوجيا ، يقوم بالتدريس فيه أساتذة متخصصون في هذا العلم ؟
إن الأنثروبولوجيا لديها المقدرة ، وكل ما تحتاج إليه هو الفرصة . فهل يتنازل السوسيولوجيون عن بعض الكبرياء ، إذ أن المهم في النهاية ، كما ابتدأتْ ، هو تقدّم ونهضة “الأمة” ، وليس تحقيق المآرب الشخصية .

* الهوامش :
(1) Anthony C. Wallace, Culture and Personality, p.p 2

(2)

عندما يعمد الباحثون إلى الإشتغال بأبحاث لا تفيد قضايا “الأمة” العاجلة ، أي أن المريض يحتاج أولاً إلى ما يسكن آلامه ، ومن ثم يعمد الأطباء إلى تطبيبه ، إذ لا يمكن بحال من الأحوال ، ترك المريض يتألم ، ليتلهى الأطباء بجدال حول التشخيص الأنسب لحالته !!
(3) مؤمناً بأنه مجرد تصور ووجهة نظر ، لي كامل الحق في إبدائها ، وللآخرين كامل الحق في نقدها ، وإبداء تصورات مختلفة ، شرط الموضوعية .
(4) أقصد تحديداً الملاحظة ، الملاحظة بالمشاركة ، المقابلة ، والإستمارة . أما التصوير الفوتوغرافي أو السينمائي ، والتسجيل الصوتي فهي مجرد أدوات مساعدة ، لتثبيت اللحظة الملاحظة (بالصورة الفوتوغرافية) أو الفعل الملاحظ (بالتصوير السينمائي) أو الحفاظ على جميع كلمات المبحوث وحفظ لهجته ولكنته (بالتسجيل الصوتي) إضافة إلى الحفاظ على تعبيراته وانفعالاته (بالتصوير السينمائي أيضاً) مع إمكانية العودة إليها كلما دعت الحاجة ، لذا فهي ليست أدوات أساسية رئيسية . وهناك أخيراً ، الوثائق ، وهي ما يقوم العلمين باستخدامه باتقان يتناسب وموضوع البحث ، وهي ما لن أتطرق إليه ضمن الكلام هنا .
(5) المقصود الذين كانوا يقومون بالفعل الملاحَظ .
(6) أو مجموعة من الباحثين .
(7) إن استخدمنا تعابير علم النفس .
(8) وهذه حقيقة عملية ، أي أثناء “تجربته الحقلية” ، أما السوسيولوجي فهم ملتزم باستمارته .
(9) تشبه هذه المسألة إلى حد ما “اختبار تكملة الجمل” في علم النفس .
(10) وبغض النظر عن إنجازات ابن خلدون ، إذ لم تتمأسس تجربته كعلم ، بل بقيت منفردة حتى أكملها علماء “الغرب” .
(11) مثال على هذه المسألة : كتابة اسم المرجع ، إذ تكتب عائلة المؤلف ثم اسمه ، وهو أمر نابع من الثقافة الغربية ، إذ تتم المناداة عادة باسم العائلة الأخير ، وليس باسمه الخاص ، أما عندنا فنكتب اسم المؤلف ثم اسم عائلته (وإن كانت تصح الطريقيتن عندنا) وهي الأمر الطبيعي لدينا ، إذ نقوم بمناداة الأشخاص باسمهم الأول وليس باسم العائلة .
(12) بمعزل عن تعدده ، فأنا أتكلم بشكل عام عن أوروبا حيث نشأ علم الإجتماع مع أوغست كونت وإميل دوركهايم  وغيرهما .
(13) أستخدم هذا التعبير للإشارة إلى الحالة التي كان يرزح فيها معظم العالم غير الغربي ، أثناء نشأة العلمين .
(14) أقتصر في حديثي على العالم العربي فقط ، أو بعضه على الأقل .
(15) أنظر حول هذا الأمر : قيس النوري ، فرص الأنثروبولوجيا في حركة التطور العربي ، البحرين الثقافية ، البحرين ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، المجلد 8 ، العدد 27 ، يناير 2001 ، ص.ص 36 ، 37 .

كتبهـا : Ali Hashem – بتــاريخ : 6/19/2008 5:46:03 PM,

نقلا عن موقع: http://alihashem.elaphblog.com/posts.aspx?U=266&A=700

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий