Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أحمد أبوزيد وجورج طرابيشي

أحمد أبوزيد وجورج طرابيشي

* لا بديل عن التلاحم مع الثقافات الأخرى مع انتقاء ما ناخذه منها

* الرجوع إلى الذات حاليا يعكس المخاوف من “العولمة

* قبل “نوبل” نجيب محفوظ لم يكن لثقافتنا وجود حقيقي في العالم

* وجود 105 ملايين أمي عربي هو التحدي الأكبر للثقافة العربية

مستقبل النظام الثقافي العربي يظل مصدراً للتساؤل الدائم، ففي ظل التحديات والمتغيرات الكونية الهائلة، ثمة ضرورة لتشخيص الواقع الثقافي الحالي، بحثا عن كيفية ملائمة للخروج من المأزق، والانطلاق تجاه الحضور بشكل فاعل داخل العصر المقبل، والتأكيد من جديد على موقع الثقافة العربية في حضارة العالم.

في هذا الحوار الذي أعدته “العربي” بين اثنين من الأعمدة الفكرية والثقافية العربية يلتقي علم الاجتماع مع الفلسفة للإجابة على التساؤلات التي تطرحها هذه الإشكالية.

فعلى الطرف الأول الأستاذ الدكتور أحمد أبوزيد أحد رواد علم “الأنثروبولوجيا” العرب والخبير السابق في مكتب العمل الدولي بالأمم المتحدة، والأستاذ الزائر في عدد من الجامعات العربية والدولية، والمستشار السابق لمجلة “عالم الفكر” الكويتية، ومقرر لجنة الدراسات الاجتماعية في المجلس الأعلى للثقافة في مصر حاليا، وهو إلى جانب مهامه المتعددة صاحب جهد علمي وفير ساهم من خلاله في إثراء الثقافة والفكر والمعرفة الإنسانية. وعلى الجانب الآخر، المفكر والناقد جورج طرابيشي وهو واحد من أبرز المناظرين العرب وأكثرهم إثارة للسجال، استطاع عبور برزخ الأيديولوجيا إلى فضاء الفلسفة والمعرفة الحية، وقام بتأليف وبنقل العديد من الكتب في الرواية والفلسفة والتحليل النفسي إلى اللغة العربية، مما شكل رافداً مهما في اثراء الثقافة العربية.وهنا يلتقي علما “الأنثروبولوجي” و”الفلسفة” لرصد الحالة الراهنة

والبحث عن مخرج من مأزقها، في حوار قام بإعداده والتنسيق له الزميل زكريا عبدالجواد المحرر في “العربي” في الكويت.

* العربي: هل يمكن توصيف التحديات التي تواجه الثقافة العربية في الوقت الحالي ـ أين تكمن؟؟

ـ د. أحمد أبوزيد: فيما تتعلق بالواقع الثقافي لابد أن أذكر أن الأوضاع الثقافية في العالم العربي في الوقت الحالي تثير الأسى والأسف نتيجة لانحسار دور الثقافة ودور المثقفين في توجيه وتسيير الأمور وفقا لما كانت عليه الأوضاع مثلا في الربع الأول من هذا القرن حينما كان المثقفون العظام يوجهون ليس فقط مسيرة الثقافة، ولكن مسيرة السياسة العامة في بلدانهم أيضا، لقد انحسر هذا الدور إلى حد كبير، كما انحسر دور المثقفين كذلك في تكوين الرأي العام الخارجي.

ومن هذه الناحية فإن الوضع الثقافي كما قلت يثير الأسى، هذا فضلا عن الضغوط التي تفرض على المثقفين من قبل الدولة، وهي إما ضغوط واضحة في شكل قيود وشكل رقابة، وإما غير واضحة نتيجة للتخوف الداخلي عند المثقفين من ابداء آرائهم حتى لا يتعرضوا لبطش السلطان والأمثلة كثيرة جدا في العالم العربي ـ فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه المثقف العربي والثقافة العربية ـ فأنا اعتقد أن التحديات يمكن إيجازها في التالي:

التحدي الأول: هو اثبات الذات، أو اثبات هوية الثقافة العربية وذاتية الثقافة العربية، فنحن لا نعرف ما هي ذاتية الثقافة العربية، نتشكك فيما اذا كانت هناك ثقافة عربية أم لا تم اثبات الذات الثقافية للآخرين وتعريفهم بها ان نقتنع بثقافتنا العربية، ونؤمن بها ونحاول أن نضع بها الآخرين.. ان هذا تحد كبير.

التحدي الثاني هو مسايرة التغيرات العالمية، مسايرة التيارات الفكرية الكبرى التي يزخر بها العالم الخارجي، صحيح أننا نطلع على بعض هذه التيارات، إنما المسألة ليست مسألة اطلاع، المسألة، مسألة المعرفة والدراسة والهضم والنقد، نحن نأخذ القشور ونتكلم عن هذه القشور دون أن نديرها من الداخل وأهم من ذلك نطوعها لخدمة الثقافة العربية نفسها.

التحدي الثالث هو ضرورة عرض وجود الثقافة العربية على الساحة العالمية، وهذه مسألة يطول فيها الشرح، إنما هذا التحدي لابد أن نوجهه في الوقت الحالي توطئة لما سوف يحدث في السنوات أو العقود المقبلة.

ـ جورج طرابيشي: لعلي اقول هاهنا انطلاقاً من النقطة الأخيرة التي توقف عندها الدكتور أبو زيد، الذي نكن له وللدور الذي لعبه للثقافة العربية تقديرا كبيرا، أنه في الواقع أن أخذ أوجه الازمة في الثقافة العربية المعاصرة ـ هو أن العالم حاضر فينا ونحن لسنا حاضرين في العالم، وربما باستثناء الحدث العظيم الذي تمثل بمنح الأديب نجيب محفوظ جائزة نوبل فنحن قبل هذه الجائزة لم يكن لثقافتنا العربية وجود حقيقي في العالم ثم نلاحظ من ذلك أن المثقف العربي لا يزال إلى حد كبير محليا في انتاجه وفي اهتماماته ونادرا ما تقع أعيننا على مشاركة عربية مباشرة في تيارات الثقافة العالمية، مع أن حضور العالم أصبح قائما في كل ثقافة مما حتم على أي ثقافة اليوم أن تطمح إلى أن يكون لها هذا البعد العالمي خاصة في عصر الإنترنت والفضائيات الذي يتيح إمكانية هائلة للتواصل مع العالم.

وباستثناء هذه النقطة سوف أشير إلى عقبات وتحديات أساسية إضافة إلى تلك التي ذكرها أستاذنا أبوزيد وهي قضية أساسية، في العالم العربي، وأعني “الأمية”، فأنا عندما أتحدث عن الثقافة أفترض أنه ليس فقط منتج هذه الثقافة، ولكن أيضا متلقيها، الحال أن أرقام اليونسكو تشير إلى أن أعداد الأمية في العالم العربي في 1996 تبلغ 105 ملايين أمي عربي وتتوقع اليونسكو أن هذا العدد سوف يصبح في العام 2010 “من 115 إلى 120” مليون أمي عربي، وبالطبع فإن هذا الرقم مخيف، وهو بحد ذاته يشكل أمة من الأميين، وبرغم أن معدلات الأمية اليوم في العالم العربي ككل تصل إلى 83% ومن المقدر لها أن تهبط إلى 33% في العام 2010 وبرغم الهبوط المتوقع في نسبة الأميين، فإن أعدادهم المطلقة ستزيد نظرا للنمو الديموجرافي الخارق للمألوف في عالمنا العربي، وهذا بالطبع يطرح على الثقافة العربية تحديها الأكبر، وأوضح صورة لهذا التحدي المقارنة التالية التي وردت في إحصاء لليونسكو يعود إلى فترة متأخرة، إلى أواخر السبعينيات وورد فيها أن ما يقرأه الفرد الياباني يعادل 144 ضعف ما يقرأه العربي، طبعا هم يحسبون أعداد السكان وكمية وعدد المطبوع، العملية الحسابية تتم عن كمية ما يطبع من صحف ومن مجلات.. إلخ، وعندما أتحدث عن معجزة الياباني ـ فأنا لا أستغرب أن يقرأ الياباني 144 ضعفا ولعل هذه النسبة قد زادت اليوم، لأن العالم العربي في العشرين سنة الأخيرة أصيب بتدهور ملموس، في الواقع الثقافي على الأقل وبالتالي لعلنا قد وضعنا أيدينا على سر أساسي من أسرار التخلف العربي، حاجز الأمية، وتبقى إشارة أىضا للدكتور أبوزيد وهي ضغوط الدولة وأنا أفضل أن أقول ضغوط السلطة على المثقف، لأني أميز بين السلطة والدولة في معظم البلدان العربية.

إذن فأنا أعتقد أن هناك ضغوطا ليس فقط من السلطة، وإنما أيضا من مؤسسات المجتمع المدني، وهذا شيء مرعب فكل تاريخ التطور الثقافي كان الضغط يأتي من الأعلى، فإذا المجتمع المدني ومؤسساته، وجماهيره يتحول اليوم إلى سلطة قامعة، ولذلك أعتقد أننا سوف ننتظر أياما سوداء.

ـ د. أحمد أبوزيد: إنني أوافق الأستاذ جورج طرابيشي في نقطتين أساسيتين اثارهما، فقضية الأمية من القضايا القاتلة بالنسبة لانتشار الثقافة، لكن ما يمكنه الحد من هذا الأثر إلى درجة كبيرة هو أن لدينا قضية الأمية ـ أمية كتابية، أمية قرائية، أمية أدبية، فالأمية الكتابية، والأمية القرائية تتعلق بالتعليم، إنما هناك الأمية الثقافية ويخفف من خطر هذه الأمية في بلادنا عاملان:

الأول هو وسائل الإعلام التي يمكن أن تكون أداة طيبة “خصوصا الراديو والتلفزيون” حتى بين أوساط الأميين.

ان هناك دراسة لرؤى العالم، أدهشني فيها أن بعض الفلاحين في القرى والنجوع متابعون “ولو بشكل سطحي” لأحدث الاكتشافات العلمية عن طريق مشاهدتهم للتلفزيون وسماعهم الراديو، كذلك في القرى نجد أن الصحيفة الواحدة أو الكتاب الواحد ربما لا يقرأه الا شخص واحد، إنما المجتمع له عشرات وعشرات من الناس ـ فمجتمعاتنا العربية هي مجتمعات تقوم على أساس التكتلات الجماعية.

القارئ لا يقرأ لنفسه فقط ولكن للآخرين ونجد جلسات في القرى يقرأ فيها قارئ الصحيفة أمام عشرات من الناس ويتناقشون في بعض المسائل التي تنشرها الصحيفة، وهذا يمكن أن يخفف مبدأ الأمية الثقافية، أنا لا أقول إن هذه وسيلة فعالة ولكن أقول إنها تخفف إلى حد كبير ودون أن تلغي قضية الأمية الأزلية التي هي بالفعل قاتلة، والأرقام التي ذكرناها هي أرقام مخيفة بكل المستويات.

أما فيما يتعلق بضغوط الجماهير، فهي أيضا في الواقع تشكل خطورة، وخطورة شديدة جدا، نحن جميعا نشعر بعبئها حينما يغتال واحد مثل فرج فودة في القاهرة التي كانت آمنة، هذا بعض الأسباب وهناك الاختلاف في النظرة الدينية حينما يفسر نصر حامد أبو زيد ويحكم على نفسه بالنفي، بينما يعتدى على نجيب محفوظ وهناك دعاوى ترفع على الفنانين، إنما يمكن هنا أن نعترف بأن المد الإسلامي الخاطئ “أي المد الديني غير المستنير” ـ هناك مد ديني مستنير ونحن نرحب به ـ هو الذي يفرض نوعا من الارهاب على الفكر، الكاتب الآن عندما يكتب يضع أمامه كثيرا من النتائج التي تترتب على كتاباته.

يعني مثلا أنا أذكر أنني قمت بعمل دراسة عن الجسم، وعن أمراض الجسم في المجتمع المصري، بالضرورة أن الجسم له وظيفة جنسية، هناك محاذير على نشر هذا الموضوع على الرغم من أن هذه الدراسة كتبت على أعلى مستوى ممكن من الموضوعية.

حدود ثقافية

* العربي: إذن الضغوط الجماهيرية حقيقية ويمكن أن نبحث عن حل لها عن طريق التعليم والإعلام الذي يعتني بالثقافة وبالتربية.

ـ جورج طرابيشي: نعم.. ولاشك أن الدكتور أبو زيد ضليع في الانثروبولوجيا فالقراءة الجماعية للظاهرة الشعبية لم تكن تخطر على بالي، فأنا مثقف أهتم بالتجريبية وأعتقد أن إحدى مصائب الثقافة العربية هي كثرة المجردات وسماوات التحليق وقلة البناء والحفر في الأرض، هذه ناحية أساسية ولكن لو دخلنا كثيرا، ونحن مازلنا نتحدث عن الأرض فإنني أشير إلى تحد آخر أرجو ألا يغيب عنا، وهو ما أسميه “بالحدود الثقافية”.

ففي العالم العربي اليوم ـ هناك 24 رقابة سياسية وثقافية على الكتاب وعلى المجلة ـ فكم تكون على الصحيفة إذن؟. وما ينشر في بعض الدول نادرا ما يصل إلى باقي الأقطار العربية، الكتاب العربي يمنع لألف سبب وسبب من التداول في سائر الأقطار العربية، وهذه كارثة حقيقية لأنها تهدد وحدة الثقافة العربية، وتهدد بإغلاق دور النشر والتوزيع وتتحول الثقافة إلى ثقافة قطرية، إن هناك الكثير من الحواجز تعترض انتشار الكتاب ليس لأسباب ثقافية ولا حتى سياسية دائما، فبعض الحواجز تقام لأسباب مالية.

ـ د. أحمد أبو زيد: هذا رأي صائب في الواقع، إنما المشاكل هي في كيفية إقناع الحكومات بأهمية الثقافة وخصوصا تلك الحكومات التي جاءت بعد انقلابات عسكرية، لأننا لو نظرنا إلى الأوضاع الثقافية في العالم العربي لوجدناها أكثر تدهورا بعد مجيء الحكام العسكر، الذين لا يؤمنون بالثقافة عادة وهناك فجوة كبيرة جدا ما بين الفكر العسكري إن وجد في العالم العربي وبين الثقافة العامة والثقافة العالمية.

في الواقع هناك مجتمعات في عالمنا العربي يغلب عليها الفقر، ولو نظرنا لوجدنا أن المجتمعات الكثيرة العدد، الكثيرة السكان هي المجتمعات الأكثر فقرا، غير انها المجتمعات التي يمكن أن تنتج جمهرة كثيرة من القراء، في الوقت الذي اصبح فيه ثمن الكتاب مخيفا وباهظا جدا لا يتحمله الفرد العادي حينما تتاح الفرصة بكتاب أو مجلة رخيصة الثمن، ثق تماما أنهم سوف يقبلون، فمعدن القارئ العربي أصيل فيما يتعلق بالثقافة.

البحث عن مخرج

* العربي: إن هذا ينقلنا إلى سؤال مهم جدا، فنحن نشعر بأزمة، ما هو السبيل إذن للخروج من هذه الأزمة؟

ـ د. أحمد أبوزيد: باعتقادي أنه لابد أولا من أن نفتش عن ذاتنا نحن، لابد أن نعرف مقوماتنا نحن كأفراد عاديين وكمثقفين وصانعي ثقافة وأيضا كمستهلكي ثقافة، وحينما نتكلم عن الذات العربية ورغبتها في الإقدام على الثقافة، ننتقد ذاتنا بصراحة، ولا أعني بذلك أن نجلد أنفسنا أو نعذب ونثبط، لأنه يوجد فينا إيجابيات لابد أن نعترف بها ولابد من أن نقوم بإبرازها للخروج من هذه الأزمة، بالإضافة إلى ما قلناه: التمويل، وتيسير الاطلاع، والإعلام والتعليم، والأمية وما إلى ذلك، فهناك بعض السبل، لابد منها مثل القيام بدراسة ماضينا وتراثنا الثقافي. فالأمة التي ليس لها حاضر لن يكون لها مستقبل، من الخطأ أن نترك الماضي على أنه اندثر وراح، إنما ندرس التراث الثقافي القديم، دراسة نقدية إيجابية للإفادة منه وتطوير هذه الجوانب الإيجابية.

نحن أحيانا نقوم بنشر هذا التراث والتعليق عليه ولكننا لم نحاول أن نطوعه لدراسة الحاضر، لم نحاول أن نستغله في ايجاد نظريات جديدة وأنا أعطيك مثالين دائما استشهد بهما.

المثال الأول: المستشرق البريطاني الذي درس ابن خلدون وهو وليم روبرتسون سميث ـ وهو مستشرق شهير، عرف نظرية العصبية، وتكوين القبائل، جاء وقام بدراسة في منطقة الربع الخالي بالمملكة العربية السعودية، وطبق نظرية ابن خلدون على قبائل تلك المنطقة، سعيا لاختبار هذه النظرية.

جاء بعد ذلك بعض الأنثروبولوجيين أخذوا ما قاله ابن خلدون وما قاله روبرتسون سميث وطبقوه في بعض المجتمعات الأخرى. فجاء إيفن سبنسر وهو من اساتذة الأنثروبولوجيا وطبقها على المجتمعات في ليبيا أيام الحرب العالمية الثانية. لكي يتعرف على: هل نظرية ابن خلدون لاتزال صالحة حتى الآن أم لا؟

ثم قام بتطبيق ذلك على بعض المجتمعات في جنوب السودان وهي مجتمعات قبائل بدائية، لكي يختبر أيضا نظرية ابن خلدون.

تلك الأمور نحن فعلا نحتاج إليها لأن فيها نوعا من الإحياء للتراث القديم وتطويره والاستفادة من جوانبه الإيجابية بحيث يصبح التراث القديم معاصراً بدلا من أن يشدنا إلى الماضي.

المثال الثاني: كيف نفكر في التراث القديم؟ إن دراسة الأساطير في الفكر اليوناني شكلت جزءاً من تربية علماء مثل فرويد، فهو يأخذ أسطورة ما ثم ينقلها من المجال الأسطوري إلى المجال العلمي ويخلق علما كاملا “وهو التعليم النفسي”.

هذه هي الجوانب الإيجابية التي نحتاج نحن إليها، إذن التراث القديم يجب عدم إهماله ولكن المسألة هي كيف نعيد قراءة الذات القديم؟ كيف نطوعه للاستخدامات الحديثة؟

الفراغ الثقافي

ـ جورج طرابيشي: ثمة قانون نسميه قانون الغازات الثقافية بمعنى أن الفراغ يستدعي ما يملؤه، وعندما يكون هناك فراغ ثقافي فلا نعجب إذا ما وجدنا غيرنا جاء ليملأ هذا الفراغ انه قانون ملء الفراغ.

وبالفعل القضية هي أننا نحن الذين نتيح لهذا الآخر أن يملأ فراغ الذات بقدر ما في هذه الذات من فجوات وثغرات، وأعتقد أن هناك ضرورة لسد هذه الثغرات، كما ان هناك ضرورة لمعرفة أننا كأمة نملك أعرق وأضخم تراث بين أمم وشعوب العالم ـ حتى التراث اليوناني لايعد لا من قريب ولا من بعيد في حجم التراث العربي والإسلامي، والهند على مالها من تراث هائل لا يقارن حجم تراثها هذا بحجم التراث العربي، وبرغم هذا فنحن الأمة الوحيدة التي لا تملك معهدا عربيا مشتركا للدراسات التراثية وأعتقد أن الحاجة ماسة لإقامة مثل هذا المعهد، فهو في تقديري لا يقل أهمية عن الجامعة العربية من حيث فعاليته على المدى البعيد.

لابد أن نتصالح مع هذا التاريخ القديم، لأننا نحن أبناء هذه الاستمرارية التاريخية التي بدأت ما قبل الإسلام، كما أننا لا نستطيع أن نفهم الإسلام دون أن نرجع إلى الجاهلية وإلى ما قبل الجاهلية أيضاً لأن ثمة تراثا قد يساعدنا على تفهم أنفسنا.

ان العودة إلى الماضي تساعدنا على معرفة هويتنا. فنحن تطور لهذا الماضي الذي يمتد إلى آلاف السنين قبل الإسلام وبعد الإسلام، والشعوب التي ليس لها ماض، تخترع ماضيها، وسأضرب مثالا على ذلك، أوربا العربية التي تعرف اليوم مدى عظمة الحضارة التي انطلقت منها ابتداء من القرنين الخامس والسادس عشر انها برغم هذا لا تمتلك ماضيا فعليا ـ فماذا فعلت ـ أخذت تخترع أو تصادر لنفسها ماضيا هو الماضي اليوناني ـ أوربا الغربية اليوم التي نعرفها، لم تشارك بقطرة ماء واحدة في نهر الثقافة اليونانية، لأنها كانت تعيش آنذاك ولا تعرف القراءة ولا للكتابة ولا حتى الأشكال المتطورة من الديانات وتعيش في حالة همجية، ومع ذلك ترى الأوربي في الصباح والظهر والمساء يفتخر بماضيه اليوناني العريق ـ علما بأن الحضارة اليونانية هي بنت الشرق ـ الحوض الشرقي للبحر المتوسط ـ الممتد من اليونان إلى تركيا إلى سوريا وفلسطين ومصر حتى ليبيا، وأن كل من ساهم في الثقافة اليونانية هم أبناء هذه المنطقة وهنا أيضا سنلاحظ أننا في عملية بناء الماضي جرى حتى تجريدنا من ماضينا. وجرى تغريبنا نحو الغرب وفعلا أنا أعتقد أن قضية الماضي قضية أساسية، ولكنها مشروطة بقراءة حديثة، فنحن نريد الماضي، معاصرا لنا لا أن نتحول إلى معاصرين له ـ وهنا ألاحظ أن القراءة الحديثة التي تنطلق من معطيات الحداثة ومن مناهجها لتقيم هذه الاستمرارية مع الهوية التراثية تستطيع أن تضيف وأن تغني الذات، وسأضرب على ذلك مثالا بسيطا بابن خلدون الذي هو في نظري المرجع الموضوعي للحضارة العربية الإسلامية، هو الفعل الأكبر الذي أنتجته هذه الثقافة وجرى اكتشافه بفضل منهجية الحداثة بعد ان عاش مستبعدا من حقل التداول وكذلك ابن رشد.

ـ د.أحمد أبوزيد: الوطن العربي له تاريخ قديم مع الأسف الشديد تحاول الدعاوى أن تبطله، تلك الدعاوى التي كانت تنظر إلى هذه الفترات السحيقة السابقة على أنها فترات كفر وأن العودة إليها فيها إحياء لهذا الكفر، لذلك لابد أن نتغلب عليها، لأن الماضي يعيش فينا سواء أردنا أم لم نرد، فحينما ننظر إلى مصر القديمة نجد أنها مرت بأكثر من حضارة، وتركت كل حضارة بصماتها على تفكيرنا في الوقت الحالي، كالحضارة الفرعونية التي لا تزال تظهر في سلوكنا وفي ألفاظنا وألعابنا ثم مررنا بالثقافة القبطية، صحيح أننا مسلمون، ولكن المسألة مسألة عقيدة، فيما الأخرى مسألة ثقافة وأنا أنظر إلى الثقافة على أنها أسلوب للتفكير، أما الثقافة القبطية فإنها لاتزال موجودة في حياتنا الحالية، ثم الثقافة الإسلامية العربية، إذن هذه العودة هي عودة مهمة، أنا أعتقد أنها تحافظ على الهوية الثقافية أولا وتعمق الثقافة الحالية.

تقليد إسلامي

ـ جورج طرابيشي: إذا جاز لي أن أتدخل فإنني أود القول إن هذا بالضبط درس بشري، وتوضح نفس هذه الفكرة قول مأثور عن ابن عباس المفسر الأول للقرآن الكريم الذي لقب بترجمان القرآن، وهو الصحابي الجليل، قال: إنه إذا غمض شيء ما من معاني القرآن الكريم، فعودوا إلى الشعر الجاهلي. إذ انه لم ير تناقضا بل رأى الاستعانة به، اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا يمكن أن نفهمها ما لم نرجع إلى لغة الشعر الجاهلي، وما كانت لتكون معجزة اللغة التي أتى بها القرآن لولا أن هذه اللغة يعرفها العرب، ما كان القرآن ليتحدى العرب أن يأتوا بمثل لغتهم لولا أن العرب يتقنون هذه اللغة إلى أعلى درجات الإتقان، فأنت لا تتحدى الأعجمي ولا تتحدى الأخرس باللغة بل تتحدى الناطق المبين، وهذا تقليد إسلامي من الصدر الأول، نحن الذي يراد لنا العودة، فلنعد إلى هذا الدرس لنحيي ماضينا لأن حاضرنا هو تراكم لهذا الماضي بالدرجة الأولى، ولكن دوما دون الوقوف عنده، لأننا نعيش في عصر جديد وهذا العصر مفتوح على أمم وعلى ثقافات لا حد لها وأعتقد أنه جاء الأوان لكي نحضر كل العالم فينا ونحضر في كل العالم.

ـ د. أحمد أبوزيد: أنا أقصد ان إحياء ودراسة كل هذا التاريخ القديم العتيق دراسة واعية فيه إثراء للثقافة العربية الحالية، ولعل هذا ينقلنا إلى موضوع آخر مكمل وإن كنا في الغالب نتغافله وهو دراسة الثقافات الفرعية، أو ثقافات الأقليات، وقد أشرت إشارة عابرة للبربر في شمال إفريقيا، فالبربر لهم ثقافتهم العريقة التي تستحق أن تدرس ثم تستوعب أو يؤخذ منها بعض العناصر لإثراء الثقافة العربية، إحياء الثقافة البربرية لا يعني إطلاقا سوى الإفادة من ايجابياتها.

ـ جورج طرابيشي: الواقع أن القضية هي أيضا قضية إمكانات، وعلى سبيل المثال هناك تشجيع على دراسة التراث الشعبي في دول الخليج، وهو مالم تستطع بلدان عربية كثيرة تعاني من نقص في الميزانيات ومن نقص في الاختصاصيين ـ فقلة نادرة، هم الأنثروبولوجيون في العالم العربي فلنعترف بهذا الواقع، وربما ندعم فكرة معهد عربي للتراث والدرسات التراثية أيضا بفكرة معهد عربي للدراسات الأنثروبولوجية.

ـ أحمد أبوزيد: أنا أوافق على ضرورة إنشاء معهد عربي لدراسة التراث، بتعاون عربي مشترك، ان هناك معاهد كثيرة في الكويت، يوجد معهد لدراسة التراث وفي مصر أكثر من معـهد لدراسة التراث القديم أو التراث العربي أو التراث الشفاهي، وإنما ما نحتاج إليه بالفعل هو معهد عربي مشترك لكي يقوم بدراسات مشتركة، وهذا يمكن تعميمه في أكثرمن مجال من مجالات الثقافة الأخرى، ويمكن إحياء هذا التراث القديم والاهتمام بالتراث الشفاهي والثقافات الفرعية رغم انه يعتقد أن كل هذا يثير الشك لدى بعض الناس، وأنا لا أعتقد ذلك. أنا أرى أن كل هذه روافد تصب في الثقافة العربية وتساعد على بلورتها بحيث سيكون لها طابع خاص ومميز.

الهوية الثقافية العربية

* العربي: ولكن مسألة الهوية الثقافية العربية قد أصبحت مصدراً لتساؤلات كثيرة جدا حينما ظهر النظام العالمي الجديد وما يتردد عن العولمة، فهل يا ترى ستؤدي في آخر الأمر إلى اندثار هويات الثقافات المختلفة وخصوصا الثقافة العربية؟

د. أحمد أبوزيد: في الواقع أنا شخصيا أرى أن النظام العالمي الجديد هو نوع من الهيمنة أو السيطرة الغربية وبالذات السيطرة الأمريكية على مقدرات العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ـ والذي يهمنا هنا هو الجانب الثقافي من الهيمنة الأمريكية.أردنا أو لم نرد فهذه مسألة واقعية وحقيقة. فهي التي تملك أكبر قوة في الاعلام وأكبر قوة في نشر الإعلام والثقافة الامريكية على كل أنحاء العالم، وتخوفنا ليس مقصورا علينا نحن العرب، ففي مؤتمر عام 1982يونسكو قام وزير الثقافة الفرنسي وقتها وحذر من إمكان سيطرة وهيمنة الثقافة الأمريكية وغزوها لفرنسا، وعموما فإن حكاية الغزو الثقافي أنا ضدها تماما ـ أنا لا أؤمن بها ـ ولا أؤمن بالتلاحم الثقافي والاحتكاك الثقافي، والمسألة تتوقف على ماذا تأخذ من هذه الثقافات الأخرى الوافدة. في نفس الوقت يرتبط النظام العالمي الجديد بالدعوة التي أثارها صمويل هنتجنتون عن صراع الحضارات، وكان ينظر في الواقع إلى الحضارة الإسلامية على أنها هي المؤهلة لان تصارع أو تصطرع مع الحضارة الغربية، وفي شهر أكتوبر 1997 لمستشار السياسي لجون كنيدي مقالا يتناول تهميش الهويات وهو أمر لا نخشى منه نحن في العالم العربي فقط، وإنما حتى أمريكا نفسها، وهو يرى أن أمريكا ليست لها خصوصية فهي مكونة من شعوب وأعراق ولغات وأجناس كثيرة، إذن فلا توجد في الحقيقة هوية أمريكية، إذن من أين تأتي الهوية الأمريكية؟ إنها تأتي من تعرض أمريكا للمخاطر.

لكي تحافظ أمريكا على هويتها يجب أن تصطنع لنفسها أعداء حتى يتماسك المجتمع الأمريكي.

مسيرة هائلة

جورج طرابيشي: حقيقة كنت أخشى أن نختلف بسبب هذه النقطة، فإذا بي أفاجأ من جديد بأننا نتفق، لأني شخصيا من أعداء فكرة الغزو الثقافي فهذا مفهوم متناقض لفظاً ومعنى إذ إن الغزو مفهوم يشير إلى العسكر والحرب والجيش، والثقافة تكاد تكون في تطبيقاتها معادية للعسكرة. فالجمع بين نقيضين لكلمة الغزو الثقافي ذو مفهوم متناقض لاسيما ونحن العرب ننتمي إلى حضارة ماضية مارست بدورها تأثيرا ثقافيا هائلا في العالم، يوم أن كنا أقوياء ومتقدمين. مارسنا ما يمارسه العالم المتقدم اليوم وعلى رأسه أمريكا من نفوذ ثقافي لا تنس أن أوربا نفسها عن طريق الغزو الثقافي العربي الإسلامي تقدمت وانطلقت شرارة التقدم فيها ثم استأنفت مسيرتها مستقلة عنا.

عطيناها الشرارة فاندفعت إلى الأمام، أخذت الفلسفة وأخذت عن ابن رشد وابن سينا حتى الغزالي، اضافة إلى العلماء كابن الهيثم على الأخص، والكيمياء وعلم المناظر، وعرفت كيف تستفيد من هذه العلوم ثم تستقل وتتطور عن هذه المصادر التي نقلت منها ـ مارسنا هذا التأثير ببيزنطة، من يدرس تاريخ العلاقات البيزنطية ـ العربية وتاريخ العلاقات الصليبية ـ العربية، وتاريخ التفاعل السكاني في البرتغال، وفي جنوب فرنسا إلى اليوم يلاحظ ليس فقط أسماء شوارع وأسماء أحياء بل يلاحظ حتى وجود تقاليد، لقد كنت في زيارة إلى بلاد الباسك فقيل هناك لي إننا تعلمنا منكم صنع الجبن. نعم يفاجأ الإنسان حينما يجد مدى تأثير الحضارة العربية الإسلامية فنحن أيضا يوم كنا أقوياء، وهذا هو الفارق اليوم، يوم أن كنا أقوياء ما كنا نخاف من فكرة الغزو الثقافي فرنسا حينما تحدت وزير ثقافتها فهي في موقف ضعف وفي موقف خوف ومع التطور المذهل في وسائل الاتصال وما يستجد من تطور مذهل خلال السنوات العشر المقبلة أعتقد أننا لا نملك من خيار آخر. ان العالم حاضر فينا ولكن علينا نحن أن نحدد الطريقة والكيفية والوجهة التي يمكن أن يحضر فيها هذا لا يتحول هذا الحضور إلى غزو، إنه واقع وواقع نهائي لا مخرج، ثم إنه من الظلم أن نسمي هذا التفاعل وهذه العلاقة مع الحضارة الحديثة بأنها مجرد علاقة غزو، فعندما نعود على سبيل المثال إلى فكرنا العربي الحديث والمعاصر، عندما أرى تطور فنون الرواية، تطور فن المسرح، وحينما نرى الانتاج السمعي، والبصري في إذاعاتنا وتلفزيوناتنا، كل هذه فنون جاءت وانطلقت شرارتها نتيجة حضور العالم فينا ونتيجة احتكاكنا به، فهل منا من يحزن اليوم لأننا طورنا فن الرواية واستطعنا أن ننتج عبقريا مثل نجيب محفوظ، أقل من مائة سنة لم تكن الرواية العربية موجودة فإذا بها وجدت، فالرواية بمعناها الحديث وجدت في أواخر القرن الماضي، واستطعنا خلال قرن واحد ان نحقق قفزات نستطيع أن نعتز بها، وكذلك أقول عن المسرح والسينما ومظاهر كثيرة من حياتنا الثقافية اليوم، فالاحتكاك مع الآخر لم يكن غزوا برغم أننا كنا ضعافا مع هذا الاحتكاك، ومع ذلك استطعنا أن نحوله إلى الاتجاه الايجابي، اعتقد انه فيما ما يسمى الغزو الثقافي لابد أن نتجاوز هذا التعبير وما يحمله معه من أخطار الانغلاق والانكماش على ا لذات في عملية انتحار ثقافي.

أسطورة معاصرة

العربي: إذا كنا لا نخشى من العولمة فإن هذا يجعلنا نتساءل وهذا سؤال يتردد كثيرا عن مدى قدرة العقل العربي على استيعاب التقدم والتغير في هذا العالم المتغير.. فهل يا ترى يستطيع العربي أن يقابل هذا التغير ويستفيد منه ويتماشى معه؟

د. أحمد أبوزيد: أنا هنا سأتكلم كباحث أنثروبولوجي عشت في شرق وغرب إفريقيا وجنوب السودان وقمت بدراسات عديدة ميدانية من المغرب وحتى إيران، وكان اهتمامي يتركز على النتاج الفكري لهذه المجتمعات، فالذي لاحظته هو وجود نوع من التشابه في المبادىء الأساسية التي يقوم عليها الفكر الإنساني في كل هذه المجتمعات. فكلام الانثروبولوجيين في القرن الماضي عن الفكر البدائي والعقلية البدائية هو نفسه أسطورة نشأت نتيجة لأن عصر القرن التاسع عشر كان عصر التطور، وما يردده البعض الآن من ان عقلية الشعوب اللاغربية عقلية سابقة على المنطق، بينما العقلية الغربية عقلية منطقية أسطورة ايضا لا تتفق اطلاقا مع الواقع، وقد اراد الغرب ان يزرع فينا هذه الفكرة، حينما أعطي العقل العربي الفرصة في القرون الوسطى بدأ يسود في العالم ويفرض الثقافة العربية الإسلامية على العالم الأوربي نفسه، إذن المسألة هي فقط اتاحة الفرصة للعقل العربي لكي يكشف عن معدنه، ويساير التغيرات الحديثة.

– جورج طرابيشي: بصفتي باحثا في الدراسات التراثية أعود إلى التجربة التاريخية للعقل العربي الحالي نفسه، ما الذي نلاحظه في هذه التجربة التاريخية العربية الإسلامية؟ إن تحدي التغيير والاستجابة لم يواجه قط عقلا كما واجهت العقل العربي الإسلامي نفسه، لماذا؟ لأن هذه السرايا الأولى التي انطلقت خرجت من قلب الجزيرة، من الحجاز ومن نجد ودخلت فورا في منطقة حضارية متراكمة سوريا ومصر والعراق وفارس، ما الذي حدث؟ واجهت حضارات وثقافات عريقة متطورة في حين أن العرب المسلمين في اندفاعتهم الأولى ما كانوا على نفس هذه الهوية الثقافية. واجه العقل العربي الأول هذا التحدي الحضاري الكبير، فماذا حدث؟

في الحال استوعبه، هضم كل الموروث الحضاري للمنطقة وانطلق فيه وأبدع ثقافة وحضارة جديدة.

سأضرب مثالا واحدا على ذلك، من المعلوم أن عرب الجاهلية كانوا يخافون من البحر، حتى بعد الإسلام حينما أراد عمرو بن العاص أن يبني للجند العرب مدينة عندما فتح القاهرة قال له عمر بن الخطاب ابنها حيث شئت ولكن لا تجعل بيني وبينك البحر وهذا معناه أن ممارسة العربي آنذاك كانت تتخوف ولا تتعامل مع البحر ومع ذلك في مدى عشرين سنة لا أكثر، معاوية الذي اصبح واليا على دمشق بنى خلال ثماني سنوات من ولايته اسطولا، وبهذا الاسطول حاصر القسطنطينية نفسها، إذن قدرة هذا العقل عجيبة على استيعاب التراكم الحضاري ثم تجاوزه بعد ذلك، ولا يأتي القرن الأول للإسلام، حتى يخترع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض وعلم اللغة وذلك في منتصف القرن الثاني، ثم يضع الشافعي علوم الفقه، نحن العرب يجب أن نكون أقل الشعوب خوفا من قدرتنا على الاستيعاب لأن لنا تجربة تاريخية كبيرة في الاستيعاب، وتجاوز المستوعب نحو تطوير ثقافة أغنى وأعمق، أنا لست أخاف لا من المستقبل ولا من الاختفاء ورغم كل عوامل التشاؤم في الواقع العربي اليوم، فإنني أحافظ على قدر من التفاول، لأنني أعتقد بتوافر عوامل تدعو للتفاؤل رغم ان هناك مع الأسف عوامل تدعو للتشاؤم. وتبدو كفة الميزان وكأنها ترجح عوامل التشاؤم، ويلاحظ في هذه المفارقة البسيطة، أننا عشنا مع بداية هذا القرن مع الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين والكواكبي، ونحن نموت.. توقا الى الدخول في العصر وفي الحضارة، وأخشى أن نختم القرن وقد هيمنت الدعوات إلى الخروج من العصر وأعتقد ان هذه مفارقة كبيرة للثقافة العربية اليوم.

ـ أحمد أبوزيد: صحيح قد تكون الأمور تدعو للتشاؤم ـ ولكني شخصيا أكثر تفاؤلا وإن كنت لا أغفل إطلاقا القوى الداخلية، وهي التي تهمني أكثر من القوى الخارجية، القوى الداخلية تمثل الخطر الحقيقي، من الجماعات المتطرفة، القوى الداخلية وما نسميها بالسلطة، والسلطة بالفعل هي مسألة لابد أن يغطيها شيئا من الاهتمام، فالسلطة تتدخل في الثقافة خصوصا في السنوات الأخيرة، ترسم الثقافة والحدود التي يتحرك فيها المثقفون.

المثقف والسلطة

العربي: إن هذا يثير تساؤلا مهما حول علاقة (المثقف) بالسلطة، فهذه مسألة يجب أن تعطى ما تستحقه. وبخاصة حينما يكون الحديث عن المثقف فهل يمكن بدايةً وضع مواصفات له؟

ـ د. أحمد أبوزيد: المثقف بطبيعته أىضا متمرد على الأوضاع التي يعيش فيها فهذا النقد وهذا التمرد هو الذي يجعل هناك نوعا من الفجوة بين السلطة والمثقف، وفي رأيي ليس هناك عداء حقيقي بين المثقف والسلطة لأنه في آخر الأمر سواء كان المثقف ناقدا أو متمردا فهو عضو في المجتمع مع الاحتفاظ بحق نقد النظام وهو ما لا تتقبله السلطة، فالعداء إذن عداء ظاهري ناتج عدم فهم للدور الذي يقوم به المثقف، ويجب أن تدرك السلطة والدولة أن هذا هو دور المثقف، مسألة التمرد لا تعني أن يكون المثقف معارضا على طوال الخط، ليس ثمة ما يمنع اطلاقا إن كانت هناك أمور يتعاون فيها مع السلطة أن يتعاون، بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك فالدور الأساسي للمثقف هو التعاون مع الدولة باعتباره عضوا في المجتمع، وان هذا التعاون لا يعني إطلاقا التملق، أو التزلف، والنفاق. لا يعني اطلاقا محاولة تسويغ أو تبرير القرارات التي تتخذها الدولة. عليه ان يقف من الدولة موقف الناقد وعلى الدولة أن تفهم هذا الدور وأن ترحب به، وهذا يمكن من قيام نوع من التعاون ما بين الدولة والمثقفين، ولو فعلت الدولة هذا الدور لما حدثت المآسي التي قاسينا منها.

ـ جورج طرابيشي: أنا أيضا بالرغم من الأفكار السائدة حول علاقة المثقف أولا علاقته بالسلطة أنا شخصيا أيضا لا أحبذ كثيرا فكرة طهرانية المثقف أي انفصاله وعمله بعيدا عن السلطة، إن الثقافة بحد ذاتها سلطة فلا عمل لها إلا عن طريق السلطة أنا لا أؤمن بحواجز تقام بين الثقافة والسلطة، ولكن سألاحظ ببساطة أن ما ميز المراحل السابقة ولاسيما في التجارب الاستبدادية وعلى الأخص منها العسكرية أن المحاولات كانت تجري على قدم وساق لتسييس الثقافة أي لجعل المثقف عاملا في خدمة السياسة، وقد كان من نتيجة ذلك أيضا تسييس الثقافة حتى على مستوى المعارضة، فقد أصبح أيضا المثقف خادما في الاحزاب ولسياسات الأحزاب، ولم تعد له استقلاليته الثقافية، وأنا أطالب الآن وأتمنى أن ندخل في مرحلة جديدة بعد الانتكاسات الكثيرة التي منيت بها الممارسة الثقافية العربية في آن واحد، لعل في السنوات الجديدة القادمة مع مطلع القرن الحادي والعشرين تحدث متغيرات كبيرة.

أعتقد أنه جاء الوقت أيضا للانتقال إلى تثقيف السياسة نحن أكثر ما نحتاج إليه في هذه المرحلة الانتقال من تسييس الثقافة إلى تثقيف السياسة وعندها نسقط الحاجز بين السلطة والمثقف، لأن تثقيف السياسة لا يعني أكثر من إتاحة هامش ليس فقط للمثقف ولكن من خلال استقلاليته، لا من خلال استتباعه، لأن استتباع المثقف يلغي دوره ووظيفته، ونحن أعتقد بحاجة إلى المثقف حتى أكثر من حاجة الدول المتقدمة. وفي البلاد المتخلفة فإن المثقف هو حامل الوعي لضرورة هذا التقدم فإذا التقى والمثقف أي التقى الوعي بضرورة التقدم، إن المجتمع يتقدم بقدر الحاجة إلى التقدم، والحاجة إلى التقدم لا تكون إلا بمقدار الوعي بها وحامل هذا الوعي هو المثقف. وليس عجبا بالتالي أن نرى الاتساع الثقافي في الساحة العربية في السياق يقع على عاتق المثقف كما كانت تقع بالأمس على عاتق الأحزاب، ولعلنا بذلك نحمل المثقف مسئولية أكبر مما يستطيع ولكن لا خيار له بغير هذا القدر.

المصدر: مجلة العربي الإثنين 1 يونيو 1998 6/2/1419هـ / العدد 475

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий