Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أدب السجون في المغرب : من الشهادة إلى التخييل – سعيد بنكراد

أدب السجون في المغرب : من الشهادة إلى التخييل – سعيد بنكراد


أنفاسيذكر أحد المهتمين بالسرديات أن شجارا وقع  في سيسيليا في القرن الخامس قبل الميلاد بين شخصين في أرض خلاء، وتطور الأمر إلى معركة حقيقية، فكان أن عرضا في اليوم الموالي أمرهما على القاضي. ولم يكن القاضي يتوفر على أدلة أو قرائن تدين أحدهما، فالمعركة لم يشهدها أحد، ولم تترك آثارا على أحدهما، ولا ثقة في الحواس، فهي كثيرا ما تخدع الرائين أو تضللهم. ومع ذلك كان عليه، بحكم موقعه، أن يحكم لصالح أحدهما. فما السبيل إلى ذلك ؟ لم يبق أمام القاضي سوى وسيلة وحيدة لكي يتعرف على الجاني ويقيم ” الحقيقة ” : إنه الحكي. فالذي يمتلك ناصية السرد ويجيد بناء قصة، سيكون أقربهما إلى الحقيقة، ويكون بالتالي هو المظلوم (1).استنادا إلى هذا، لم يعد الأمر يتعلق بالحديث عن حقيقة موضوعية، بعيدة عن ” الشبهات” ومنفصلة عن ذوات الفعل؛ حقيقة يقبلها الجميع، وقابلة للمعاينة في الزمان وفي المكان وفي انفصال عنهما. لقد انقلبت الأمور، فالمطلوب الآن، كما كان عليه الأمر دائما، هو بناء ” عوالم تخييلية ” تبدو داخلها الحقيقة أمرا ممكنا، أو تكون، على الأقل، حالة محتملة ضمن حالات هي الأخرى ممكنة. وبعبارة دقيقة، يتعلق الأمر ببناء حقيقة يمكن أن تتعايش مع حقائق أخرى، رغم كل ما توحي به المظاهر الدالة على الفرادة والخصوصية. وهذا أمر بالغ الأهمية، فالحقائق ليست مفصولة عن السياقات التي تقود إلى بلورتها، ذلك أن كل حقيقة إنما هي بناء يتم وفق ما يقتضيه هذا السياق أو ذاك صراحة أو ضمنا.
فمن قلب هذه السياقات تولد ” الخصوصيات ” وتتنوع وتنتشر في كل الاتجاهات. فالخصوصية أمر ثابت في كل فعل فردي، فهي سمته وجوهره، إلا أن ” الذاكرة المجردة ” ( سابير)، تلك التي تحتوي على كل الذاكرات الفردية الممكنة، قادرة على توحيد كل التجارب ضمن وقائع إبلاغية تتفاعل داخلها النسخ وتقترب من بعضها البعض وتتميز وتتوحد. وبدون هذا التوحيد، سيستحيل الحديث عن تواصل إنساني.
ذلك أن الجمع بين هذه التجارب لا يمكن أن يتم إلا من خلال تخلي كل تجربة، بحكم مقتضيات التواصل الإنساني وإكراهاته، عما يخصصها ويفصلها عن التجارب الأخرى، لتتحول إلى صيغة لا يمكن فهمها إلا من خلال استحضار ما يوحد ويجمع، ويرد المتنافر إلى ضرب من الوحدة. حينها، وحينها فقط، نكون قد خرجنا نهائيا من دائرة التجربة المخصوصة ( المحدودة في الزمان وفي المكان )، لنلج عالم الإرث النفسي والاجتماعي المشترك الذي يبيح لنا الحديث عن الهوية والوجدان والطبيعة الخاصة بهذا الشعب أو ذاك.
والقصة قادرة على القيام بذلك، فالسرد، باعتباره أداة التشخيص الأولى يشكل قوة ضاربة في مجال التواصل والإقناع والسيطرة على كل المناطق الانفعالية داخل الذات الإنسانية، تستوي في ذلك انفعالات الكبار والصغار. فهو قادر على التسلل إلى وجدان المتلقي في غفلة من العقل وأدوات الرقابة داخله. فالسرد لا يقدم حقائق جاهزة، إنه يقوم ببنائها استنادا إلى تفاصيل الحياة وهوامشها.
وعلى الرغم من كون السرد سيرورة تتم داخل الزمن وتشتغل وفق إكراهاته، فإنه قادر أيضا على التحكم في هذا الزمن وإدارته لحسابه وفق غاياته الضمنية والصريحة، الواعية واللاواعية. فالاحتفاء بالزمن، وتلك مهمة من مهام الفعل السردي، يتحقق من خلال التخلص من كل ما يحيل على ” المفرد ” و” المعزول ” و” الخاص”، للاحتماء بالأشكال الحياتية العامة التي لا تثير شكوك أحد. والأمر يتعلق بوسيلة أخرى لقياس حجم الزمن وامتداداته اللامتناهية في كل ما يؤثث هذا الكون. فالسرد، من خلال كل أشكال تحققه، تشخيص لكَمٍّ زمني مجرد لا يمكن الإمساك به إلا من خلال مظاهر الكائنات والأشياء والمادة ذاتها: الآثار التي تتركها السنون في تفاصيل الجسد والأشياء، وخارج هذه الآثار ودلالاتها لا وجود لأي شيء، فالزمن مدى محسوس يفصل بين الأفعال.
وليس غريبا أن يصر بعض مؤلفي الكتابات التي يطلق عليها ” كتابات الاعتقال السياسي”، على تسجيل سيرورة ” حالات الحياة وتحولاتها ” من خلال سند بصري سهل الإدراك. فمجموعة كبيرة من الكتب التي تناولت تجربة السجن تزينها صورتان: صورة للمؤلف قبل ولوج السجن، وأخرى بعد الخروج منه، الأولى نضرة جميلة تفوح منها الصحة والزهو والعافية والاندفاع، وتجسد الانتشاء بالجسد الفوار، والثانية ترسم حدود جسد أنهكته السنون وحاصرته التجاعيد من كل الجهات. نحن في واقع الأمر أمام زمنين : زمن السيرورة ” الطبيعية” والنمو المطرد، وزمن طارئ يتطور خارج مداره المعتاد. الأول أصلي، ويتسلل إلى الجسد بطيئا هادئا لا يكاد يرى، والثاني قسري يقتحم الجسد عنوة ويفرض عليه إيقاعا سريعا لا تتحمله دورته الطبيعية.
وربما تكون سلطة السرد هاته المستمدة أساسا من الطابع ” العفوي” للفعالية القصصية هي التي دفعت أغلب الذين كتبوا عن ” التجربة السجنية” إلى الاستعانة بالأسلوب القصصي من أجل إبلاغ تجربة المعاناة والعسف التي تعرضوا لها في سجون النظام. فالسرد، على عكس الشعر، ينتمي إلى النشاط اليومي للإنسان، فهو في كل شيء (2)، إنه موجود في التذكر والحديث عن الأمس واليوم والذي مضى والذي سيأتي. وهو موجود  أيضا في الخرافات والأساطير والمرويات البسيطة، فالكل قادر على أن يُضَمِّن حديثه جزئية قصصية تروي حدثا ما. أما الشعر فصنعة معقدة لا يجيدها إلا الموهوبون، فهو يستدعي قدرات خاصة منها التجريد والتصوير الاستعاري من خلال ربط المحسوس بالمجرد، وربط المجرد بالمحسوس وابتكار علاقات لا يمكن أن تراها ” العين العادية ” أو الوجدان البسيط، وهو لهذا السبب، وأسباب أخرى، لا يتوقف عند التفاصيل التي تعد مادة السرد وأساس وجوده.
لذلك يتميز السرد بقدرته على امتلاك التجربة الإنسانية وتصريفها من خلال جزئيات الحياة المنتشرة في كل شيء، ومن خلال كل شيء، في المواقف والأوصاف وردود الفعل والأحكام البسيطة – والحديث هنا عن ” السرد العالم ” لا عن فعالية الحكي البسيط-. فهذه الجزئيات هي بؤرة المعنى وأسناده المفضلة. فالطاقات الانفعالية لا تستثار من خلال رصد موقف كلي، بل تنتشر في الوجود من خلال فعل تشخيصي يلتقط حرارة الزمن وهو ينهش دون رحمة الجسد والنفس والأشياء المحيطة به.
ومن هذه الجزئيات الصغيرة، ومن القدرة على ترتيبها وفق غايات دلالية مسبقة تبنى ضمن الحدث وعبره، يستمد السرد قدرته على بناء عوالم حياتية ممكنة تضم  داخلها كل النسخ المتحققة أو الممكنة، أو المتخيلة فقط، لتحولها، بعد التنقيح والتهذيب، إلى نموذج انفعالي عام يستوطن الوجدان ويوجهه. إنها تقوده، تبعا لذلك، إلى التقاط الإنساني فيما هو جزئي ومحلي ومخصوص. فبناء عالم تخييلي، كما يفعل ذلك السرد، استنادا إلى ” حقائق موضوعية”، أي إلى ما ينتمي إلى ” وقائع الحياة “، معناه الرقي بما يبدو في التجربة الإنسانية العادية عرضيا وزائلا، إلى مصاف القيم الثابتة التي يتكفل الوجدان الجمعي بتخليصها من سمات الخاص والمفرد والمؤقت، ويضعها للتداول باعتبارها قيمة إنسانية عامة تضاف إلى التراث الحضاري للأمة بكل أبعاده.
ومن هذا المنظور يمكن التعاطي مع الكتابات السردية التي ظهرت في العشرية الأخيرة من القرن الماضي. فقد شهد المغرب، أكثر من أي دولة عربية أخرى ( حالة مصر حالة خاصة، فقد طورت ” أدبا سجنيا ” مادته التخييل الفني لا التجربة الفردية الواقعية) ظهور عدد كبير من ” الشهادات” و” المحكيات” و” السير الذاتية” (3) التي حاولت، بكثير من الصدق والأمانة، وصف ما كان يجري في سجون النظام ومعتقلاته السرية وكهوفه التي أعدها لمعارضيه أو الحالمين فقط بمعارضته، في المرحلة التي سميت ” سنوات الرصاص”. وقد غطت هذه الكتابات مرحلة طويلة امتدت على ما يقارب الأربعين سنة، من السنوات الأولى الاستقلال إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي.
وتحدثت هذه الكتابات عن كل شيء، تحدثت عن الانقلابات والمظاهرات والعمل السري والملاحقات والمطاردات والاعتقال والتعذيب والنفي والتنكيل بالأهل والأصدقاء والأقارب، بل إن بعض جلادي الأمس أنفسهم أخذتهم الغيرة من ضحاياهم فخرجوا عن صمتهم وبدأوا يتحدثون عن القمع وعن أقبية سرية قالوا إنها كانت منتشرة في كل أرجاء الوطن، وتحدثوا عن جرائم واغتيالات وشراء للذمم، وهي حقائق كانت إلى الأمس القريب من الأسرار التي لا يمكن تداولها سرا أو علنا ( شهادات عميل المخابرات السابق أحمد البخاري)، وتحدث البعض الآخر عن حياة بعض رجالات النظام وصراعاتهم ودسائسهم، منها على سبيل المثال ” شهادات ” آل الجنرال أوفقير، وهي بالمناسبة شهادات تافهة لا تقدم أي شيء يذكر، عدا كشفها عن بعض الأوساخ التي لا يلتفت إليها الوجدان الحر.
ويمكن الإحالة في هذا المجال على مجموعة كبيرة من الشهادات التي كتبت في السنوات الأخيرة ( التسعينيات)، بعضها كُتب بالعربية وبعضها الآخر بالفرنسية وترجم إلى العربية. وهي شهادات تختلف عن بعضها البعض من حيث المرجعية السياسية والإيديولوجية، ومن حيث الصياغة وترتيب الأحداث، ومن حيث موقع الذات الساردة من مادة سردها. ويجب النظر إلى هذه العناصر بجدية كافية، فهي التي تمكننا من تحديد طبيعة هذه الكتابات وحصة ” المضاف ” الانفعالي إلى الوقائع الموصوفة. وهذا ما يتضح مثلا من شهادتي أحمد المرزوقي(4) ومحمد الرايس (5). و أهمية هاتين الشهادتين تكمن في أنهما ترصدان نفس الحدث ويرويان نفس الوقائع من خلال ” رؤية عسكرية” هاجسها الأساس تنفيذ القرارات والانصياع للأوامر. وقد كُتبتا بعيدا عن ” الأهواء ” السياسية والإيديولوجية، والانقسامات والصراعات الداخلية التي تقود عادة إلى ” التصرف ” في الواقعة، وسردها بصيغة ” توجه ” مجرى القصة وتؤولها وفق غايات أخرى غير ما تشير إليه الأحداث الفعلية من خلال تسلسلها  المباشر.
ومع ذلك، وفي هاتين الحالتين أيضا لا نعدم وجود فوارق واختلافات تميز الشهادتين عن بعضهما البعض. فعلى الرغم من أنهما يحكيان نفس الأحداث ( الانقلاب العسكري الأول) ويتحدثان عن نفس الشخصيات ( اعبابو ومن معه) ويصفان الحياة في المعتقل نفسه (تزمامارت)، فإنهما يختلفان في تصوير هذه الوقائع وتأويلها وتبريرها أيضا. وهو ما يبدو من خلال ” التعليقات ” المتعددة الواردة في نص الرايس، وهي تعليقات ” إيديولوجية” منحازة تذم وتسفه وتبرر وتكذب و” تكشف” عن حقائق  يجهلها الناس. الأمر الذي لا نعثر عليه، أو نادرا ما يكون كذلك في نص المرزوقي. وهذه قضية هامة يمكن أن تخصص لها دراسة كاملة قد نقوم بها استقبالا أو يقوم بها غيرنا. وهي في جميع الحالات دليل آخر، على أن ” العين الشاهدة ” لا تلتقط دائما ” الموضوعي” و” الحقيقي” بل تضيف إليها شيئا من هوى النظرة.
وعلى الرغم من محدودية هذه الكتابات من حيث الصنعة الفنية والنفس الجمالي ( وإن كانت لا تخلو في بعض النماذج من نفس أدبي رائع، منها على سبيل المثال لا الحصر نصا ” في ظلال لالة شافية” لمحمد بويسف الركاب، و” العريس” لصلاح الدين الوديع)، فإنها قدمت لتاريخ الأمة المغربية ولتراثها الوجداني والسياسي خبرة إنسانية عالية القيمة والأهمية. فقد اشتملت هذه الكتابات على معطيات وحقائق وخبرات ومواقف وحالات نفسية وردود أفعال بالغة الأهمية، بل اشتملت على أكثر من ذلك، فهي في واقع الأمر ” ذاكرات متنوعة” فيها الفضاء وفيها الزمان والأشياء، وفيها أيضا جزئية من تاريخ نضال الشعب المغربي ضد التسلط والقهر والتوق إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم. فالجرح الذي ظل ينزف دما لمدة طويلة، هو ذاته الذي يقود الشعب اليوم إلى معرفة كيف يحتمي من كل الجروح الآتية.
وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن أغلب هذه الكتابات اعتمدت الأسلوب السردي الذي يتخذ أحيانا شكل حكي عفوي يروي وقائع التجربة وفق تسلسل كرونولوجي عادي (كثيرا ما كان المؤلف يملي هذه التجربة على طرف ثالث هو الذي يقدم الصياغة النهائية)، وأحيانا أخرى، شكل شهادة حرة لا تتقيد بالتتابع الزمني للأحداث، فلم تكن تكتفي بالإحالة على وقائع الاعتقال بل تُضَمِن التجربة السجنية جزئيات من حياة سابقة على الاعتقال، أو تسقط الرغبات التي لم تجد سبيلا إلى تحققها في شكل حالات ممكنة في الحلم، أو فيما سيأتي من الأيام. واتخذت أحيانا أخرى شكل ” سيرة ذاتية ” تحاول أن تلتزم، بقليل أو كثير من النجاح، بإكراهات النوع ومقتضياته الفنية، لتصبح التجربة ضمنها حالة عامة لا تشكل حياة الاعتقال أو السجن داخلها سوى جزئية ضمن امتداد حياتي يشتمل على معطيات أخرى غير ما تقدمه التجربة السجنية بشكل مباشر.
وفي جميع الحالات، فقد ظلت هذه الكتابات، في أغلبها، أسيرة الوقائع التاريخية بكامل إكراهاتها ( إكراهات الفضاء والزمن والإحالات على شخصيات لها امتداد في الواقع… الخ ). فقد استمدت مضامينها الأساس من تجربة فعلية عاشها أفراد في السجون والمعتقلات السرية أو مخافر الشرطة. ذلك أن مقتضيات الحال، وهي التعبير الدقيق عن ” الجرم المشهود ” وهو الوجه الحدثي للواقعة، كانت تحتم الالتزام ب” الحقيقة”، حتى ولو كانت هذه الحقيقة جزئية وفردية نسجت خيوطها ذاكرة أنهكها التعذيب والتنكيل، ولم يصغها تاريخ موضوعي ترويه ذات توجد خارج الفعل وبعيدة عن تأثيراته، ذات بلا جراح ولا أهواء ولا أحكام مسبقة : إن الزمن النفسي غير الزمن الفيزيائي. وهو ما يعني، بعبارة أخرى، أن هذه الحقائق، وهي كذلك رغم طابعها الفردي، لم تتجاوز حدود عوالم الخبرة الفردية بكل هشاشتها ومحدوديتها. وهو ما يحد من سلطانها، بل يعرضها للتلف والنسيان.
وعند هذا الحد ينتهي كل شيء: هنا الغاية والهدف والمقصد. ولا شيء بعد ذلك سوى أرشيف التاريخ ومواقف المواساة والإدانة والتنديد بكل من ينتهك حرمات الوجود الإنساني. فالأهم من تسجيل الوقائع الفعلية هو ما ستأتي به عوالم التخييل، فللتخييل وجهة أخرى غير ما تقوله وقائع الحدث وتقلباته. ذلك أن قوانين الخطاب تختلف عن قوانين التجربة الفعلية. فالأولى تتحرك ضمن إكراهات دلالية هي من صلب البناء : فالكون السردي يشيده ” التأجيل ” و” التعجيل” و ” الصمت ” و” اللاتحديد” و” القصدية الضمنية”، أما التجربة الفعلية فتنتج دلالاتها استنادا إلى ما تقوله الوقائع بشكل مباشر، وضمن تراتبية هي تراتبية التتابع في الزمان والتحيز في الفضاء، لا وفق تشظي الانفعال الجمالي الذي يؤجل ويحذف ويضيف ويخلق حالات التوتر وهي العنصر الذي تُبنى ضمنه العقدة ووفقه يتبلور حسن الختام.
لذلك، فإن قوانين الخطاب السردي تقتضي الخروج من دائرة التسجيل الموضوعي للوقائع، وولوج عالم البناء الممكن، أي عوالم التمثيل التخييلي. وبعبارة أخرى، الخروج من دائرة السردية الطبيعية، وتبني قوانين السردية الاصطناعية(5). إنه خروج من عوالم ” الإكراه”( إكراهات الزمن والفضاء والوقائع والشخصيات ” الفعلية “)، وولوج عوالم ”  الاختيار الحر” وهو عالم فسيح منه تُستمد حالات اللذة الجمالية. وهو تقابل بين ما هو موجود ووقع فعلا والتقطته العين باعتباره حقائق موضوعية، وبين اختيار تمثله الحرية في التعاطي مع الوقائع وترتيبها وتنظيمها وفق رؤية سابقة، ووفق غاية دلالية لا تفرضها الوقائع، لكنها تبنى من خلالها. يجب تخليص الوقائع من بعدها النفعي المباشر من أجل تحويلها إلى بؤر تسكنها الإحالات الرمزية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتخلي عن حقيقة موضوعية وتبني حالة وهم مريح أو يوحي بذلك، إن كل الحقائق في هذا الوجود مصدرها الأبعاد المادية في الوجود الإنساني. بل يتعلق بطبيعة الميثاق الذي يربطنا جميعا بهذه الحقيقة. وهذا ما تكشف عنه التجربة العادية ذاتها، ” فإذا شرع أحد أمامنا في رواية مجموعة من الأحداث تجتاحنا، غريزيا، حالة من الحذر، لأننا نعتقد أن هذا الذي يتحدث أو يكتب يريد أن يقول الحقيقة، لذا نتهيأ للحكم على ما قاله هل بالصحة والخطأ. وبالمقابل نعتقد، في بعض الحالات المميزة فقط – عندما يكون هناك ما يحيل على التخييل – أننا يجب أن نترك الحذر جانبا لنستعد للدخول إلى عالم آخر ” (6). وتلك هي الفوارق الأولى بين السردية ” العفوية” وبين عوالم ” السرد العالم”.
وتشير هذه الحقيقة، إلى الاختلاف الجوهري بين العمل التخييلي، وبين سرد حقائق موضوعية معروفة أو يمكن التحقق من وجودها. وهو تقابل لا علاقة له بالصدق أو الكذب، فهاتان مقولتان لا موقع لهما في عوالم السرد. إن الأمر يتعلق بثنائية من طبيعة أخرى، ثنائية تحدد نمطين في التعاطي مع أشياء العالم وكائناته: إنه تقابل يجمع بين الإدراك والتمثل (7). وهو نمط يكمن في إدراك الشيء بشكل مباشر، وبآخر يستحضر الموضوع المدرك من خلال تنشيط للذاكرة وآلياتها في تمثل كل ما هو غائب عن الحواس. الأول يشكل ثقلا على الذات، فهو يحد من مداها وحريتها في تصور علاقات أخرى غير تلك التي تبدو من خلال ظاهر الأشياء، أما الثاني فيضع الذات في حل من أمر الأشياء ويمنحها القدرة على صياغة حدود عالم يتميز بالغنى والتعدد، فهو يتوفر على واجهات متنوعة ومتحركة ومتغيرة ولا تستمد قيمتها من البعد المادي للشيء، بل بإحالاته على أبعاد متجددة باستمرار.
استنادا إلى هذا التقابل ( والترابط أيضا، فالرمزي يستمد مادة وجوده مما يوفره الكون الواقعي ) بين عوالم التخييل وعوالم ” الحقيقة الموضوعية ” يتحدد وضع السرد التخييلي وعلاقاته الممكنة مع حقائق التاريخ، بل يتحدد ” مصير ” هذه التجربة الفردية أيضا. فخلاصها ( أي استمراريتها في الوجود على شكل قيم رمزية تغتني باستمرار ) لا يكمن في تأكيد صحة وقائعها من خلال الحجج والدلائل، بل يمر عبر انشطارها في عشرات، بل مئات القصص التي تحكي كلها، من زوايا مختلفة،  تجارب العسف والاعتقال والتعذيب.
إنها طريقة- ضمن طرق أخرى- تمكننا من التحايل على قوانين التجربة التاريخية ” الموضوعية”، وتخليصها من ” الآني” و” المرجعي” و” المحدود “، وذلك من أجل مدها بأبعاد جديدة تصنعها الانفعالات الإنسانية الراقية والرموز الأصيلة وصور الحلم والرغبات والأوهام أيضا. وهي كلها حالات لا تكترث كثيرا، كما يقتضي ذلك الخطاب التخييلي، للمرجعية التاريخية وإكراهات حقائقها.
ولقد أشرنا في مقال سابق إلى ما يميز وقائع التاريخ عن وقائع التخييل الأدبي (8). فللمؤرخ ” حقائق ” وللأديب ” حقائق ” أخرى. فمن حق المؤرخ أن يحذف ويعدل ويضيف، وله أن يثبت هذا ويؤكده بما شاء له من الشواهد والحجج، وله، إن ظهر ما يثبت العكس، أن يتراجع عن موقفه ليبني حقيقة قد تكون نقيضا للأولى؛ فهو لا يجزم في الحكم إلا من خلال ما تقوله الوثائق وتؤكده الشواهد. أما حقائق الأدب فهي من طبيعة أخرى، إنها لا تكترث للزمن والفضاء، كما لا تكترث للإحالات المرجعية المباشرة وإكراهاتها. فالعوالم التي يبنيها السرد لا يستطيع أحد التنكر لها أو التشكيك فيها، لأنها توجد خارج الزمن ” الواقعي” وخارج منطقه وقوانينه، إنها عوالم لا تكذب ولا تقول صدقا، فهي خارج صدق الوقائع، ولكنها تبنى استنادا إليها.
وهو الفرق الموجود بين بطل صنعه التخييل السردي، وبين شخص ” واقعي” يقدم شهادة عن تجربته الخاصة. فالأول ” حقيقة مطلقة ” عابرة للزمن، وستظل كذلك في وجدان كل الذين ناهضوا التعذيب والاعتقال وسيناهضونه في ما سيأتي من الأيام ضمن تجارب إنسانية أخرى، ( كما هو رجب بطل شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف وكما هو بطل الكرنك لنجيب محفوظ وغيرهما من الشخصيات التخييلية الرامزة دوما إلى الصمود أو السقوط، المقاومة أو الاستسلام)، أما شهادة شخص معتقل فيمكن نسيانها أو التشكيك فيها أو تنسيب أحكامها من خلال مقارنتها بشهادات أخرى. ذلك أن ما يُروى هو في جميع الحالات، محدود في الزمان والفضاء، ومحدود من حيث الإحالات الرمزية أيضا، ومحدود من حيث الكم الانفعالي الجمالي الذي يتضمنه.
إن ” الشهادة ” أو ” السيرة الذاتية ” وكل ما يتناقله الناس سرا أو علنا عن التعذيب والسجن والمعتقلات السرية هو مادة التخييل وأساسه في الوجود. إلا أنه لن يكون كذلك إلا إذا دخل عالم الممكنات، ذلك البناء الثقافي الذي يعيد صياغة جزئيات الحياة وفق إكراهات أخرى غير إكراهات الواقع، إكراهات تقود إلى بناء وجدان إنساني، محلي أو كوني باعتباره إرثا مشتركا. والسبيل إلى ذلك هو نسيان الوقائع الفعلية، والانصراف إلى استبطان آثارها في كل تفاصيل الحياة. فالرواية لا تصنعها الحوادث الكبرى  ( والحوادث الكبرى عادة ما تنتمي إلى التجربة المشتركة، إلى التاريخ)، إنها نتاج تفاصيل لا تثير عادة الاهتمام الواعي، وهي أيضا تصميم لا مرئي لمواقف لا تستعار من المعطى المباشر، بل تبنى استنادا إلى علاقات لا يراها سوى الفنان.
استنادا إلى هذه التجربة المحدودة يمكن أن ننوع الصياغات ونجدد ونحلم ونحب ونسامح، ونهفو إلى العدالة، إننا بكلمة واحدة، نلج عالم القيم  الإنسانية العامة: نحن في حاجة إلى من يحدثنا عن قصص أخرى، قصص هؤلاء المناضلين الذين تركوا أمهاتهم وحبيباتهم في مدنهم وقراهم، وماتوا دون كلمة وداع، وهي قصة كل شاب يندفع نحو الحياة يملؤه الحب والطموح والمغامرة وارتياد كل الصعاب. إننا في حاجة إلى الإنصات إلى قصص الحب، وقصص التعب المضني من أجل لقمة العيش والجري وراء مستقبل يهرب باستمرار، إننا في حاجة إلى الاستماع إلى قصة من لا قصة لهم ، هؤلاء البسطاء الذين يقنعون من الحياة بلقمة خبز واطمئنان إلى قدر لا يُرد. إن السرد التخييلي في كل تعبيراته قادر على القيام بذلك. إنه الانتصار الإنساني مجسدا في عوالم كانت أو يمكن أن تكون أو يمكن فقط تخيلها.
بل نحن في حاجة إلى قصص أخرى، قصص أولئك الذين يوجدون في الجانب الآخر، قصص الجلادين والسجانين  والمخبرين وعيون السلطة المنتشرة في كل مكان. قصة أولئك الذين يزورون في الظلام ويعذبون، وقصة الواشي الوضيع. نحن  في حاجة إل الاستماع إلى قصة الإنسان داخلهم ( يردد المناضلون بكل اعتزاز واحترام أسماء بعض السجانين الذين رفضوا أن يتخلصوا من الإنسان داخلهم ). يجب أن نتسلل إلى عوالمهم الداخلية أن نرسم حدود الوحش والإنسان داخلهم، يجب أن نعطيهم الكلمة ونلقي بهم في عراء الخطاب بلسانهم لا بما تنسبه إليهم ” الحقائق الموضوعية “.
وهذه أمور لا يمكن أن يقوم بها سوى السرد التخييلي. فمساحاته واسعة وممكنات التصوير داخله لا حدود لها، بل إن ميثاق التلقي يبيح قول ما لا يقع تحت طائلة التجريح والقذف والمتابعات القضائية، لأن الجلاد الذي نتحدث عنه لا يشبه أي جلاد، فهو الصورة المثلى أو الوجه الكوني لكل الجلادين.
والخلاصة أن بين الشهادة وبين إكراهات السيرة الذاتية وبين منطق السرد التخييلي فوارق جوهرية. فالنوعان الأول والثاني محدودان في الفضاء وفي الزمان لأنهما نتاج ذات ” معروفة” محاطة بمجموعة من الإكراهات لعل أهمها التقيد بالوقائع التي تمت فعلا. ولهذا فهي تتعامل مع التجربة من خلال إحالتها على عوالم يمكن التأكد من واقعيتها، كما يمكن إثبات صدقها أو كذبها. أما التخييل فهو من نظام المحتمل الذي يبني قوانينه استنادا إلى العوالم الممكنة لا إلى حدود التجربة الواقعية. ومع ذلك فإن التخييل أصدق من الوقائع التي تثبتها الشهادات أو تروي تفاصيلها السير الذاتية، إنه كذلك، لأنه قادر على توليد عشرات القصص، كل قصة يمكن أن تروي جانبا من جوانب حياة عاشت التعذيب والتنكيل.

الهوامش :
1- انظر  Todorov : poétique de la prose, éd Seuil , 1971, p92
2- لنتذكر القول المأثور لبارث الوارد في مقاله عن ” التحليل البنيوي للسرد”  انظر Introduction à l’analyse structurale du récit p7   Communications 8
3- انظر البيبليوغرفيا الشاملة التي أنجزها كل من عبد العلي اليزمي وجعفر عقيل وعلي كابوس : ظلال وأضواء، بيبليوغرافيا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، دجنبر 2004
4- أحمد المرزوقي : تزممارت، الزنزانة رقم 10، طارق للنشر، 2003
5- مذكرات محمد الرايس : من الصخيرات إلى تزممارت، تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم، إفريقيا الشرق، ط 1 2001
6- امبيرتو إيكو : ست نزهات في غابة السرد ، ترجمة سعيد بنﯕراد، المركز الثقافي العربي، ق2005 ، ص 191
7- نفسه، ص 191
8-  W. Iser : L’acte de lecture, éd  mardaga éditeur , 1976, p.248
9- انظر مقالنا : الذات والجلاد وتفاصيل الزنزانة، علامات عدد 23، 2005
المصدر: أنفاس نت

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий