Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أركون والأمازيغية ( في طرق اشتغال جدل القوى والبقايا) (5/4)

أركون والأمازيغية ( في طرق اشتغال جدل القوى والبقايا) (5/4)

الثلثاء 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

بقلم: إبراهيم أزروال

يركّز أركون كثيرا على جدل القوى والبقايا في رسم التضاريس العامة للأنثروبولوجيا الاجتماعية وللتاريخ الاجتماعي للمغارب. فقد مثلت المغارب، قبل الأوان الاستعماري أو الحمائي، نماذج لسريان واشتغال تلك الجدلية، واندياح مفاعيلها السوسيو- ثقافية و السوسيو-سياسية.

لم يكن الاجتماع المغاربي، كيانا مصمتا ومنمطا تديره المقولات المعيارية للمؤسسة الأرثوذوكسية ومبادئ الحكامة الشرعية. لقد امتاز هذا الفضاء الثقافي – التاريخي باشتغاله وفق الجدليات الصغرى التالية :

1- جدلية الإعارة والاستعارة،

2- جدلية المؤالفة والمخالفة،

3- جدلية المطاوعة والممانعة.لا يخرج الاجتماع المغاربي التقليدي، عن مفاعيل تلك الجدليات المركبة وعن مردودها السوسيو-تاريخي. والحق أن هذا الاجتماع لا ينهض لا على الانسجام الثقافي الكلي كما تعتقد الأطروحة الاستيعابية الوطنية ولا على التذرّر الإثنو-ثقافي كما تعتقد الأطروحة التذريرية الكولونياليّة بل على تفاعلات مفتوحة ناهضة على الفصل والوصل، على المقاربة والمباعدة، على الموادعة والمحاربة.

( كل شيء يدلّ على أننا لا تستطيع معالجة مشكلة الدولة والفرد في المجتمع الإسلامي ما لم نتفحص ( أو ندرس) ديالكتيك قوى الأغلبية والأقليات في كلّ فضاء اجتماعي – سياسي. كنت قد تحدّثت بخصوص المغرب الكبير عن الديالكتيك المستمرّ والدائم بين نوعين من العصبيات الشغالة والمتضادة معا وهما :

1- العصبية الناتجة عن الترابط والتلاحم بين الأشياء التالية:

الدولة – الكتابة – الثقافة الحضرية العالمة – الدين الأرثوذكسي. تحاول هذه العصبية تقليص العصبية الناتجة عن التضامن بين المجتمعات المجزّأة.

2– الظاهرة الشفهية ( مجتمعات لا تعرف الكتابة ) – الثقافات المدعوة شعبية – الأرثوذوكسيات المحلية المنعوتة بالهرطقة أو بالطائفية من قبل الدين الرسمي المنتشر في المدن والمراكز الحضرية.

( – محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ترجمة : هاشم صالح – مركز الإنماء القومي- المركز الثقافي العربي – الطبعة الثالثة – 1998-ص.257)

لا يمكن كتابة تاريخ المجتمعات المغاربية في الزمان الإسلامي، من منظور الإسطوغرافيا التكليمية أو الفكرانية، مادامتا حريصتين على تسقط الحوادث وانتقائها وتوزيعها وتنضيدها وتعليلها وتأويلها، بما يؤكد المصادرات الدوغمائية لإطارها النظري ولجهازها الحجاجي. ومن المحقق أن هذه الإسطوغرافيا منشغلة لا بإقرار الحقيقة التاريخية أو باستقصاء منعرجات أو منعطفات أو تراكمات الفاعلية التساكنية أو التدافعية في سياقات التنافس حول بلورة وإعادة بلورة الاستهداف الكينوني الأكبر، بل برفد المسبقات اللاهوتية ومدها بالمعادلات الحدثية المعضدة لها. وهكذا، فإن الإسطوغرافيا العربية – الإسلامية، تقدم واقعات مغاربية راسمة للمسار التصاعدي للفكرية الإسلامية، أو لتجذر الأنثروبولوجيا العربية – الإسلامية في أحياز جغرافية –تاريخية ذات سيرورة إناسية مختلفة.

يحاول أركون تقديم صورة مركبة للأنثروبولوجيا التاريخية للمغارب. تمتاز هذه الأنثروبولوجيا بتوزعها بين ضفتين أو بين عالمين دلاليين متمايزين من حيث الإمكانيات الاستقرائية والاستدلالية ومن حيث بنية النسق الأنثروبولوجي – السياسي المعتمد. لا تبعد الترسيمة الثنائية لأركون كثيرا عن الترسيمة الأنثروبولوجية لارنست كيلنر؛ ورغم نجاعتها التحليلية، فهي تتناسى الطابع التضايفي والتعالقي للبنيات الفكرية والسياسية، في عالم موزع بين أكثر من مخيال ومن أمثولة طوباوية. ولا بد في هذا السياق من التشديد على المحدّدات التالية :

1- المحدّد الإيكولوجي،

2- المحدّد التقاني،

3- المحدّد الإثني – الثقافي،

4- المحدّد المخيالي / الطوباوي،

5- المحدّد الاقتصادي – المادّي.

ليست الحواضر المغاربية فضاءات لازدهار مكونات الترسيمة الأركونية إلا افتراضا أو على سبيل الأداء أو التقريب البيداغوجي؛ فالأرثوذوكسية المالكية – الأشعرية ليست بعيدة عن الانهمامات الصوفية – العرفانية، كما أن الزوايا والقيادات الصوفية لم تكن بعيدة عن السنّة وعن الفقه. كما أن السلطة السياسية، ليست بعيدة عن أداء الوظائف السياسية استنادا إلى الروح أو إلى النزعات الصوفية – العرفانية، خصوصا في بعض المحطات التاريخية، الفائضة بالغموض وتضارب المنافسات واشتعال حروب الرساميل الرمزية.

(…ولكن السلطان (يقصد الحسن الأول ) لم يظهر به مبالاة ( يقصد المرابط الحسين بن هاشم الإليغي )، و إن كان في قلبه عليه ما فيه، لأن السبب الذي قدم من أجله هو فيما وراء (سوس)، وهو تهدئة (الصحراء) وإظهار أنها من توابع ( المغرب )، ليرتد عنها من كانوا يتطاولون إليها من الأجانب، ولذلك سار في ( سوس ) سيرة شيخ من شيوخ الطريقة، ألقى عنه كل الأبهة، فيستدير به النساء والضعفة والعامة، زائرين ومتبركين بثيابه، ويأمر الأعوان أن لا يردوا أحدا، وقد زهد فيما عند الناس، وساق كل ما يحتاج إليه، فلم يرزأ أحدا قلامة ظفر، وهو يفيض بالخلع وصلات الأموال والخيل والبغال على كل من زاره، فنجح بتلك السياسة نجاحا عظيما، فلم يبق من القبائل من لم يمثل أمامه، فصار باللطف يعين القواد. ..)

(- المختار السوسي- الرؤساء السوسيون في العهود الأخيرة – هيأه للطبع ونشره : عبد الوافي المختار السوسي – مطبعة المعارف الجديدة – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 2010-ص. 39-40)

يقدم الشاهد حالة معاكسة للترسيمة الأركونية ؛ ولا يمكن فهم هذا المسلك السلطاني، إلا بانتهاض الجسد النظري للمغارب، إذاك، على المدماك العرفاني، وعلى الارتباط الوثيق للسياسية بالمسلكية والأخلاقية الصوفيتين. يتحرك الفاعل السياسي- التاريخي، بين المؤدى العرفاني والمقتضى الفقهي، ويغلب أحدهما على الآخر، وفقا لخاصية الموقف السياسي- الاجتماعي أو لطبيعة الانعطافة التاريخية.

وحيث إن المخزن يستند إلى مرجعية متراكبة ومنفتحة على أكثر من سجل ومن اطار مرجعي وتنظيمي، فإنه يتجاوز الحدود النظرية للنظرية الخلدونية. وفي هذا السياق، يجمل عبد الله العروي، خاصيات المخزن بعد إصلاحيات محمد الثالث العلوي فيما يلي :

( هذا المخزن يتولى القيادة القبلية وسياستها القمعية، كما يتولى الزوايا وسياستها التأليفية، كما يستمد شرعيته الأساسية من وظيفة الإمامة. يتجسد المخزن في فرد هو المولى / السلطان / الشريف / الإمام. )

(-عبد الله العروي – من ديوان السياسة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- المغرب – الطبعة الأولى -2009-ص.110).

ويقدم محمد عبد الكبير الكتاني غرارا، كاشفا عن انطواء التصوف الحضري على أبعاد فقهية وصوفية واحتسابية معقدة، ليست من اختصاص الطرقية القروية وحدها كما تقدم بعض المقاربات الأنثروبولوجية الأنكلوساكسونية.

(ويحكي محمد الباقر ما وقع بين السلطان( يقصد المولى حفيظ ) والشيخ في أحد المجالس، حيث رد الشيخ بقوله : ” لا يجب أن ننكر الرقص وحده بل الواجب أن نقوم الآن فنبدأ بمجانات الذهب وظروف النشوى المذهبة ومجادل الحرير فنزيلها، وكان بيد السلطان حق نشوى من الذهب وعليه مجانة ذهبية وحمالة حرير، ثم نخرج فلا نمر بطريقنا على محل من محال البغي ولا مخمرة إلا سددناها، ثم لا نمر على صاحبنا دكان لا يعرف كيف يبيع ويشتري إلا أقمناه، فإذا وصلنا للزوايا بحثنا في بدعهم ومناكرهم كذلك. وأمّا إغضاء الطرف وإحداث التوجيهات لكل محرم ومكروه إلا التصوف والصوفية فتفرقة من غير مفرق وتخصيص بدون مخصص، فقام السلطان غاضبا ونزل الشيخ الإمام ساخطا”. )

(- علال الخديمي – الحركة الحفيظية – أو المغرب قبيل فرض الحماية الفرنسية – دار أب رقراق للطباعة والنشر – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 2009-ص.360)

فمحمد عبد الكبير الكتاني غرار تجميعي للفقه المضفور بالطرقية والنزاع إلى الممارسة السياسية في أشد تجلياتها أرثوذوكسية. فهو يمثل المثال المعاكس للفقيه المسوغ أو المعضد للشرعية لا غير ؛ كما أنه نموذج للطرقي الأكبري المؤسس لزاوية حضرية هي الزاوية الكتانية. يتميز الفاعل التاريخي هنا، بانفتاح سجلاته ومدوناته وبانتقاله، بسلاسة، من سجل الفقه المالكي إلى سجل العرفان الأكبري، من إطار النصيحة إلى إطار الاحتساب.

يمكن للعالم التقليدي أن ينخرط في أكثر من نظام معرفي، و أن ينتقل من ممارسة معرفية – اجتماعية إلى أخرى بدون ارتباك أو أي إحساس بالمفارقة. ويقدم ابن تومرت في هذا الإطار، نموذج المفكر – السياسي الجامع بين العلوم البيانية مثل الفقه والكلام وبين المعتقدات الباطنية مثل العصمة والمهدوية والعلوم الإخفائية.

( وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خط الرمل، مع أنه وقع بالمشرق على ملاحم من عمل المنجين وجفور من بعض خزائن خلفاء بني العباس ؛ أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن وما كان يحدث به نفسه. )

(- عبد الواحد المراكشي – المعجب في تلخيص أخبار المغرب – شرحه واعتنى به : صلاح الدين الهواري – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2006-ص.137)

كما أن الفقيه الحضري لم يكن منصرفا إلى تسويغ أنظمة الحكم القائمة وتزويدها بالشرعية الأرثوذوكسية عليه فقط، بل يمكن أن يتشبث بالأرثوذوكسية الفقهية وبتصورها للسياسة الشرعية إلى حد الموت كما في حالة عبد السلام جسوس مثلا .

( وقيل أن سبب حقد السلطان عليه من أجل حراطين فاس لأن محمد ابن قاسم عليلش لما فرغ من جمع حراطين المغرب ولم يبق له إلا حراطين فاس أراد أن يدخلهم في الديوان فأبى بعض العلماء والجل من أهل فاس. فقال لهم السلطان هذه منافسة منكم على حراطينكم و أمر بإحضار علي اليويسي و أبي عبد الله محمد المسناوي و أبي عبد الله محمد بن الشادلي وسيدي محمد بن عبد الرحمان ابن زكري وسيدي محمد بن محمد المشاط وسيدي محمد بن العافية الزواق وسيدي الحسن بن رحال وغيرهم. والجل من رؤساء أهل فاس وكانت بينه وبينهم محاورة. وفي أخر المجلس قام مولانا السلطان إسماعيل مغتاظا، فقيضه الفقيه السيد عبد السلام جسوس من طرف ثوبه وقال له : ” اجلس تسمع ما قال جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم “.

فنشر ثوبه وخرج. فقال له محمد بن قاسم عليلش : ” ما فعل بك ذلك إلا أنه حديث عهد بالإسلام وذلك منه كراهية فيك وفي جدك “. )

( الضعيف الرباطي – تاريخ الضعيف الرباطي – تاريخ الدولة العلوية السعيدة من نشأتها إلى أواخر عهد مولاي سليمان –دراسة وتحقيق : محمد البوزيدي الشيخي – دار الثقافة للنشر والتوزيع – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الثانية – 2007-ص.195)

لا فرق بين الفقيه الحضري والفقيه القروي أو البدوي، إلا في انفراد الثاني بالعصبية القبلية أو اللفية وإمكان تحريك العمق الديمغرافي للبادية من أجل الانفراد بالسلطة وفق الخطاطة النظرية الخلدونية المعروفة.

وكما لا ينفصل الفقه النظري، كليا، عن الاحتساب وعدم الانسياق أحيانا، مع الوظيفية التبريرية أو التسويغية للمؤسسة الفقهية، فإن الفقه لم ينفصل، في الغالب عن التصوف المتسنن، خصوصا بعد القرن السادس عشر.فمنذ أن أدمج التصوف في المنظومة المعرفية الإسلامية عبر استعمال الجهاز المصطلحي والآليات التأويلية الأصولية والفقهية، تمكن التصوف المتسنن، تخصيصا، من رسم الخطوط الرهيفة للاعتقاد الإسلامي.

( وقال لي : كن فقيها وفقيرا، ولا تكن أحدهما فقط، فيفوتك حميد أخلاق أحد الفرقين، والسلامة في الجمع بينهما، وبذلك أيضا تسلم من مذموم صفات الفقهاء التي منها حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة في أخواتها ومن مذموم صفات الفقراء التي منها الدعوى في أخواتها، والدعوى رأس كل ضلالة واستدراج، ثم عض بالنواجذ على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واعتزل الناس ما أمكنك، فإني سمعت شيخنا ولي الله الشيخ الرباني سيدي أحمد بن موسى رضي الله عنه ونفعنا به يقول : ” ما أهلك الناس إلا الناس، ولو سلم الناس من الناس لاستقاموا جميعا “)

( – أبو زيد التمنارتي – الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة – تحقيق : اليزيد الراضي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية : 2007-ص. 73)

تنهض التنشئة الاجتماعية في السياق الفكري التقليدي، إذن، على الجمع بين الفقه والتصوف والعرفان، في إطار التبيئة والتسنين المنجزين من قبل المحاسبي والجنيد والجويني والغزالي، للعرفان في الفضاء الثقافي الإسلامي. فلا اكتمال إيطيقيا وروحيا، إلا بالمزاوجة الرهيفة بين محاسن الفقه ومحاسن التصوف، كما جاء في وصايا والد أبي زيد التمنارتي لابنه.

وثمة تعميم آخر، لا تزكيه المستندات التاريخية ؛ فالأمازيغية ليست، لغة الجبال والصحاري والبداوة والندرة فقط، كما هو رائج في مصنفات المعتربين. والحقيقة أن لا مناص من وضع خريطة للألسن واللهجات بالمغارب، ورسم مجريات التداخل والتفاعل بين الألسن، لفهم الحيثيات التاريخية لدورتي التمزيغ والتعريب.

وفي هذا السياق، لا بد من مراعاة الأبعاد التاريخية للتدافعات اللسانية بالمغارب، والانزياح عن التعليل النمطي أو التسويغ اللاتاريخي لتحولات سوق الممتلكات اللسانية. فحصر اللّسان الغربي، في نطاق البداوة أو في بلاد السيبة، أمر لا يمت إلى التاريخ الاجتماعي أو الثقافي للمغارب بصلة ؛ فلم تكن العواصم والحواضر المغاربية في أي زمان مغاربي، بعيدة عن التمرس بالأمازيغية أو اجتياف كثير من معطياتها و قواعدها و مشمولاتها الفلسفية كما في الدوارج المغاربية مثلا.

( سكان مراكش مكتبرون، يتباهون بالشجاعة وبأنهم ألد أعداء المسيحيين. يتكلمون بلغة البربر، ويرتدون جبات من جوخ ملونة تصل إلى الأرجل، وقطعا صغيرة مفصلة على شكل القرن كأنصاف سترات من فوق من شملة رقيقة أو من خيوط الحرير والصوف، ولهم قمصان وسراويل من قماش أبيض، وقلنسوات قرمزية مع عمات صغيرة. )

(-مارمول كربخال- إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية : محمد حجي / محمد زنيبر / محمد الاخضر / احمد التوفيق / احمد بنجلون – دار نشر المعرفة للنشر والتوزيع – 1988- الجزء الثاني —1989-ص. 57)

وكما لا تخلو الحواضر من اللسان الغربي ومن تسرباته الصواتية والتركيبية والمعجمية والدلالية إلى الدوارج، فإن للغة العربية حضورا في الأقطار والأقاليم والمناطق الطرفية، خصوصا في المدارس العتيقة. ورغم أنها محصورة في حيز وظيفي، محدود السعة والمدى، بالنظر إلى غلبة اللسان المصمودي أو الصنهاجي أو الزناتي، فإن امتلاكها، يوفر للنخب الثقافية المستعربة، رأسمالا ثقافيا ووجاهة اجتماعية ؛ كما يمكن أن يفضي بها إلى الاغتراب عن وسطها الأنثروبولوجي والإقبال على قنوات غير مطابقة لقنوات التواصل المقررة في المجال الثقافي- السياسي المحلي، القروي في الغالب.

( والمسموع عنه أنه لا يبالي بغير أهل جنسه( يقصد القائد الحسني بلعيد بن علي المريبضي ) ولا يرفع بالدين و أهله رأسا، ولا يميل إليهم بوجهه، ولا يقول بهم، وقد كان الأستاذ أبو الحسن الإلغي قد التجأ إليه حين انقض الإيشتيون على أملاكه، فلم يلب طلبه، ولا أخذ بعضده، مع أنه كتب إليه رسائل تلين الأحجار، تقطر بلاغة وفصاحة، ولكن أنى لأمي لم يكن يجالس العلماء، أن تجد البلاغة إلى قلبه من سبيل، . …)

(- المختار السوسي-الرؤساء السوسيون في العهود الأخيرة – هيأه للطبع ونشره : عبد الوافي المختار السوسي – مطبعة المعارف الجديدة – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 2010-ص. 116)

فثمة حضور محدود للعربية الفصحى لدى النخب القروية المندمجة في المسارات التكوينية المعهودة في التعليم والعلم الإسلاميين.

لقد أكثرنا من إيراد هذه الشواهد للتأكيد على ضرورة شحذ النماذج النظرية المعتمدة وتمتيعها بالدقة أو بالسند الإمبريقي، اللازمين لفكر يحقق أقصى ما يمكن من درجات المطابقة والمواءمة.

وقد نبه أركون إلى ضرورة مراجعة موقف الإسطوغرافيا الإسلامية وموقف الإسطوغرافيا الاستشراقية

من التواريخ الطرفية للنطاقات المعرفية والتاريخية المتحررة من الخطابية المعيارية ومن الأطر الاجتماعية – التاريخية للحدثية المؤسسة على الفقهيات أو الكلاميات أو على غائيات وحتميات فلسفات التاريخ المغلقة.

فالتاريخ سيرورات منداحة، لا يرسم خيوطها اللولبية الماسكون ببهاء الحرف أو برهافة الاستدلال أو ببريق الدولة وحدهم كما اعتقد دوما، من يصبون أودية الفعل البشري المعقد في مصبات الحدث السياسي العابر!

( وهذا الوجه الآخر من المجتمع “الإسلامي ” مهجورا أو متروك لعلماء الإتنوغرافيا، أو الاتنولوجيا، أو الانتربولوجيا. فهو لا يستحق أن يهتم به المؤرخون الرسميون ( مؤرخو الدول الإسلامية المتعاقبة ) ولا المستشرقون الذين يمارسون مهمة علم التاريخ في الجامعات الأجنبية. وهكذا يحذف هؤلاء وأولئك قطاعات كاملة من المجتمع ويرفضون التأريخ لها أو تخصيص مكانة لها في كتب التاريخ بحجة أنه ليس لها تاريخ !)

( محمد أركون – قضايا في نقد العقل الديني – كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ – ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية 2000-ص.75)

ولا يكفي توسيع الوثيقة وتغيير مسار التاريخ لمعانقة الأنثروبولوجيا و السوسيولوجيا والآداب والفنون فقط، بل لا بد من إعادة النظر في الرؤى النمطية المعاكسة لمقتضى الاجتماع من جهة ولمقتضى التاريخ من جهة أخرى.

( حكى أبو عبيدة البكري الأندلسي ثم القرطبي في كتابه الموسوم ب”المسالك والممالك ” عن رجال، قال : أهديت إلى الإسكندر فرس ببعض بلاد الغرب لم تلد الخيل أسبق منها، لم يكن فيها عيب إلا أنها لم يسمع لها صهيل قط ؛ فلما حل الإسكندر في تطوافه بجبال درن، وهي بلاد المصامدة، وشربت تلك الفرس من مياههما، صهلت صهلة اصطكت منها الجبال ؛ فكتب الإسنكدر إلى الحكيم يخبره بذلك ؛ فكتب إليه : أنها بلاد شر وقسوة، فعجل الخروج منها !

فهذه حال بلاد القوم. و أما خفة سفك الدماء عليهم فقد شهدت أنا منه أيام كوني بسوس ما قضيت منه العجب. )

(- عبد الواحد المراكشي – المعجب في تلخيص أخبار المغرب – شرحه واعتنى به : صلاح الدين الهواري – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2006-ص.143-144)

تتم الاستعانة بآليات التخييل والأسطرة، لوسم “الغير ” بالعنف الوحشي المطلق، وإضفاء صفات الموادعة والملاطفة والمعاقلة، ضمنيا، على الذات. ومن الملاحظ أن الشاهد يحاول رفد الرواية الأسطورية بسند واقعي، للتـأييد والتعضيد، علما أن العنف المنهجي الممارس في إطار سياسات التمييز أو الاعتراف الموحدية هو استعارة منسقة للعنف الإبراهيمي في نسخته المكتملة ولا يمت إلى التقاليد الثقافية الأمازيغية بأي حال من الأحوال.

ومن طرافات زخم المتخيلات، الصورة المرسومة للمغارب، في الكتابات والمتصورات اليهودية ؛ فقد قادت إرادة التأويل، وإرادة البحث عن الموازيات أو المدلولات العينية أو التاريخية للملفوظات الكتابية، إلى صب النقم التوراتية والتلمودية على الأمازيغ، وتخصيصهم بأسوإ الأنصبة الرمزية في خريطة التدافعات التاريخية حول المعنى الكلي.

(إن أول صورة كونها المخيال اليهودي عن العنصر البشري لشمال إفريقيا على العموم وللمغرب الأقصى على الخصوص هي صورة ” اللا-شعب ” (ל א- ע ם) و ” الأمة الخرقاء ” (ג ױ נ נ ל)، الواردة في تثنية الاشتراع ( 32: 21 ) والي ألصقتها التفاسير التلموذية بسكان أقصى الأرض ومغرب الشمس، كما رأينا. )

(- محمد المدلاوي – صورة المغرب في بعض المكتوبات العبرانية واليهودية – ضمن – الدراسات الشرقية – واقع و آفاق – تنسيق : أحمد شحلان – إدريس اعبيزة – منشورات كلية الآداب بالرباط – مطبعة الأمنية – الرباط – الطبعة الأولى -2004-ص. 75)

وهكذا تحول إرادة التأويل والبحث عن مطابقة الملفوظ للأثر التاريخي و تأهيل الجغرافيا القدسية، دون أداء واجبات التثاقف والاعتراف بنصيب الغير من الحقيقة الأخلاقية ومن الحقيقة التاريخية ومن الجدارة الإنسية. ينكر اللاهوت التوحيدي، القيمة الثقافية والأخلاقية للسوى، ويرفض، كليا، أي تطبيع مع الغيرية و أي تقدير لأخلاق الضيافة الثقافية. يقود منطق التطابق الى توثين النص فيما تستلزم الأريحية التاريخية كما مارسها آخر اليهودي أي الأمازيغي ، الاندراج في منطق الاختلاف والتوليد وتعريض الملفوظات المسكوكة للأشعة النافذة للأنسنة المتعلمنة.

ولتقوية الترسيمة الأركونية المستقاة أو المستوحاة من النظرية الأنثروبولوجية البنائية – الوظيفية لكيلنر، نقدم ترسيمة أدق للنسق الأنثروبولوجي المغاربي فيما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر.

تتحدد الفضاءات المركزية أو الخاضعة لمواضعات النسق الشرعي باحتكامها إلى النظام الفكري السني المرتكز على ما يلي :

1-التنظيم السياسي السني،

2- المزاوجة بين الفقه المالكي ( المغرب ) أو الحنفي ( الجزائر وتونس وليبيا ) وبين الكلام الأشعري والتصوف الجنيدي/ الغزالي، ( ومنهم الفقيه المفتي المتصوف البركة أبو العباس أحمد الزقاق، كان رحمه الله من أهل العلم والفضل، وكان مفتيا بفاس، أخذت عنه بواسطة الشيخ سيدي أبي محمد الهبطي، وكان مائلا إلى طريق التصوف، يحضر السماع ويهذب الطباع. )

(-محمد بن عسكر الشفشاوني – دوحة الناشر – لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر – تحقيق : محمد حجي – منشورات مركز التراث الثقافي المغربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الثالثة – 2003-ص.51)

ليس الاختلاف بين المدن والبوادي، على الحقيقة، إلا اختلاف طرق تنزيل الحقائق وإدماجها في دورة الحياة التراجيدية، طالما أن الكل مأخوذ بالكليات الميتافيزيقية والإيطيقية للابستيمية القروسطية. وعليه، فلا مناص، من إضفاء كثير من النسبية على القولة الكيلنيرية، القاضية بالفصل العملي بين تدين دوركايمي قروي وتدين فيبيري حضري.

( وكان رجال القبائل الذين بقوا على قيد الحياة بحاجة لأولياء إذ لم يكن للأولياء منافسون أيديولوجيون، فالتصوف هو أفيون رجال القبائل، بينما النزعة الإصلاحية هي لسكان المدن. )

(-أرنست غيلنر – أبولو بسكرة المجهول : الأساس الاجتماعي للسلفية الجزائرية – ترجمة : أبو بكر باقادر – الاجتهاد – العدد – 47-48- صيف وخريف 2000- ص.205)

3-ازدهار أنتلجانسا معتربة أو مستعربة وتوافر أطر اجتماعية ممأسسة للعلم التقليدي، إلا أن انتشار المعارف النسقية، وأدوات البث الممأسسة، لا يعني، بأي حال من الأحوال انتفاء المعارف والممارسات والمعتقدات، الموصفة بالبدعة أو بالغرابة أو بمفارقة أفق النسق الشرعي، ونشير هنا إلى ما يلي :

1- الاعتقادات الباطنية والممارسات الإخفائية مما لا تخلو منه الأديان في الجملة، ( كنا قد ذكرنا كتاب ح-الطواتي الذي يتحدث فيه عن المتعلمين والأولياء الصالحين والسحرة المشعوذين الذين كانوا يملأون المغرب الكبير في القرن السابع عشر. في الواقع إن هؤلاء موجودون في جميع المجتمعات التي مسها الحدث الإسلامي أو تغلغل فيها. فهم عبارة عن الوكلاء الذين يتكفلون بإعادة إنتاج نظام معرفي خليط أو مركب، ثم يكررونه على مسامع الشعب البسيط وينشرونه ويطبقونه عمليا. وهذا النظام الخليط مركب من عدة عناصر مختلفة : أي من الأفكار أو العقائد الإسلامية المنتزعة من سياقها الثقافي الطبيعي، ومن العقائد العتيقة الخاصة بالأديان المحلية السابقة على الإسلام والتي لا تزال حية ومنتعشة في صفوف الشعب، ومنت استراتيجيات السلطة السياسية والاقتصادية. )

(- محمد أركون – قضايا في نقد العقل الديني – كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ – ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية – 2000-ص. -101-102).

2- غلبة الترميق الفكري ومحصولات الحسّ العملي، في النظريات وفي العمليات، باسم مراعاة المصالح الإستراتيجية للأمة أو مراعاة المستجدات الوقتية أو التأقلم مع مجاذبات الأغيار والمخالفين العقديين أو المذهبيين..

3- اتساع الاستعمال الوظيفي والتداولي للدوارج وانحصار الفعالية التداولية للفصحى..

4- اتساع الاستعمال التداولي للرمزيّات التماثلية والتخييل والأسطرة بالقياس إلى التدليل والقياس والبرهنة..

5-انشغال شبه كلي بالاخفائيات واللامرئي واللامعقول، بدلالة ترسب الترسيمة الكرامية المناقبية الصوفية إلى كتب التاريخ والتفسير مثلا.

أما الأطراف البعيدة أو الهوامش القصية، فتمتاز في الغالب بغلبة المرتكزات التالية :

1- الإيمان المتسنن أو الخارجي كما في جبل نفوسة بليبيا وفي تهارت والمزاب بالجزائر وجزيرة جربة بتونس..

2-غلبة المؤسسات السياسية والتنظيمية المحلية( القبائل أو الزوايا أو اللفوف )واستمرار التقاليد السياسية – التشريعية القديمة، ( التنصل من سيطرة مدينة حرة أو من سلطة مركزية والانضواء تحت راية مشيخة، دينية كانت أو دنيوية، كان يؤدي إلى العيش في إطار عائلي يتساوى فيه الأفراد ( الأخوان ) تحت نظر أب كريم، وتصبح فيه كذلك الثقافة عامية أي متاحة للجميع عوض أن تكون مجرد شارة للانتخاب والامتياز. من هذا المنطلق تبدو الدولة المركزية وكأنها مرتع الجور والتحيز والحيف الاجتماعي وتبدو السلطة المحلية وكأنها منبع العدل والحلم والشفقة، وهذا بصرف النظر عن أخلاق هذا السلطان أو هذا الشيخ بعينه. )

(- عبد الله العروي – مجمل تاريخ المغرب – الجزء الثالث-المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1999-ص. 62-63)

3- غلبة التقديس التعديدي المستوعب للطقوسية الإسلامية وللطقوسيات التعددية أو الكتابية..

4- غلبة اللسان الغربي أو اللسان الدارج وانحصار اللغة الفصحى والثقافة العالمة في نطاقات وممارسات تواصلية أو تفاوضية أو قضائية أو عدلية أو تناظرية محددة.

تعيش الهوامش والأطراف إذن، على الثالوث التالي :

1- مثال الفقه والسياسة الشرعية،

2- حقائق تصوف طرقي منقوع في بنيات تعديدية موروثة وتاريخية،

3- ممارسة طقوسية بالغة الكثافة هي مزيج من مثالات فقهية وتطلعات عرفانية واستعادات تعديدية محلية أو مستعارة من الإرث الطقوسي الإفريقي مثل الحضرة الكناوية أومن شعائر يهودية أو مسيحية،

4- ممارسة سياسية متحررة نسبيا، من إلزامات لا من مثالات السلطة المركزية، ( يوجد في شرق سهل الجزائر وجنوبه عدد لا يحصى من الجبال، تسكنها قبائل شديدة البأس، متحررة من كل إتاوة، وافرة الغنى، واسعة الكرم. يملكون أراضي جيدة للزراعة، وكمية عظيمة من الماشية والخيل. وكثيرا ما تحارب هذه القبائل بعضها بعضا، حتى لا يستطيع أحد، سواء كان من أبناء المنطقة أو غريبا عنها، أن يمر فيها بسلام ما لم يكن مصحوبا بأحد الأولياء ويقيم الجبليون فيما بينهم معارض وأسواقا لا يوجد فيها غير البهائم والحبوب والصوف، وقليل من الأقمشة المجلوبة من المدن والمجاورة. )

(- الحسن الوزان – وصف إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية : محمد حجي / محمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان – طبعة ثانية – 1983- الجزء الثاني – ص. 46)

5- ممارسة أنثروبولوجية غارقة في المحلية خصوصا في المناطق المحصنة ايكولوجيا. ( نلاحظ، فيما يخص المغرب الكبير، أنه إذا كانت الدولة الإسلامية قد حظيت بنوع من الاستمرارية في المغرب وتونس، فإن الأمر يختلف فيما يخص الجزائر. ويمكننا القوا بأنها قد بقيت هشة في كل مكان ومهددة باستمرار من قبل القوى الاجتماعية الرافضة للخضوع للسلطة الرسمية والتي شكلت حتى القرن التاسع عشر الجزء الأكبر من المجتمع الكلي. لم تتراجع الدولة أبدا عن مشروعها في دمج مجموع السكان وتمثلهم وذلك عن طريق القوى الثلاث التالية : الكتابة، تمييزا لها عن التراث الشفوي للمجتمعات القبلية المجزأة، والثقافة الحضرية التي أنتجها رجال الدين تمييزا لهم عن الثقافة الشعبية، والأرثوذكسية الدينية التي رسخها العلماء من أجل إدانة العقائد المهرطقة. ولكن حتى مجيء الاستقلال بقيت الروابط القبلية والثقافات والعادات المحلية والعقائد السابقة على الإسلام تقاوم القوى الرسمية التي تحاول ابتلاعها أو تمثلها ودمجها، بل إنها قد ساهمت في تشكيل ما نسميه عموما بالحضارة الإسلامية. )

( محمد أركون – الفكر الإسلامي قراءة علمية – ترجمة : هاشم صالح – معهد الإنماء القومي – بيروت – لبنان – 1987-ص.73-74)

ثمة دوائر متعاضدة تؤسس وعي المسلم في هذا المنعطف التاريخي، المتميز بانحصار فعالية الدول المركزية والتناضح الواضح بين الفقه والتصوف وتدشين الغرب لإبدال سياسي-فكري جديد ؛ لا جدال إذن، في اتساع دور التصوف، إذاك،وقدرته على تمثل واستدخال المثال الفقهي علاوة على قدرته على هضم مقتبسات عقدية أو طقوسية أو جمالية مستمدة من أنساق المقدس الكتابي أو من المقدس التعديدي، الأمازيغي والإفريقي.

لا بد إذن من وضع قانون للتثاقف في ضوء المثال المغاربي ؛ إلا أن بلورة ذلك القانون، تقتضي توسيع المدى الزمني للمقاربة، ورصد الرواسخ الآلية في المعهود الثقافي بله التثاقفي للمغارب. فمن الضروري، استجلاء المسالك المطروقة أثناء احتدام المجاذبات الأنثروبولوجية بين أكثر من مخزون إناسي والمسارب المقترحة لإنهاء حالة القحولة الفكرية المرهقة لكل الأطراف، والمنجز التوافقي الموضوع لإرضاء مثال وواقع الذات في ذات الآن.

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/1)

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/2)

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/3)

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий