Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أركون والأمازيغية (في نقد الاعتراب والاستشراق والمعرفة الكولونياليّة).(3 /5)

أركون والأمازيغية (في نقد الاعتراب والاستشراق والمعرفة الكولونياليّة).(3 /5)

السبت 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

بقلم: إبراهيم أزروال

ليست مجتمعات المغارب في المراحل السابقة للاستعمار، مجتمعات مصمتة ثقافيا كما تعتقد الأنتلجانسيا الاعترابية المتأدلجة و الأنثروبولوجيا التأويلية – الرمزية الأنكلوساكسونية، بل هي مجتمعات ممهورة بالهجانة الثقافية والمثاقفة المركبة حسب أركون. فالمغارب” الإسلامية” بوتقة، لصهر المنقول العقدي وإعادة صوغه بما يوافق روح التسوية الجامعة بين المأصول الأمازيغي والمنقول العربي – الإسلامي. وهنا فلا مجال لاعتماد أطروحة الجب والمسح الكلي للمقدس الأمازيغي كما في المقاربة الجابرية. يحاول أركون الإحاطة بتشعبات وتعالقات وتشابكات الفواعل الثقافية بالمغارب وطرائق تنافذها وتناضحها وتعاوضها.( وهذا النظام الخليط مركب من عدة عناصر مختلفة : أي من الأفكار أو العقائد الإسلامية المنتزعة من سياقها الثقافي الطبيعي، ومن العقائد العتيقة الخاصة بالأديان المحلية السابقة على الإسلام والتي لا تزال حية ومنتعشة في صفوف الشعب، ومن استراتجيات السلطة السياسية والاقتصادية. ومثل هذا العمل يتم إما عن طريق التحالف مع السلطة المركزية، و إما عن طريق معارضتها والالتحاق بالأقاليم ” العاصية ” والنائية التي تطالب باستقلاليتها الذاتية أو بزيادة هذه الاستقلالية.

وهو نفسه التضاد الكائن بين المناطق التابعة للمخزن ( أي للسلطة المركزية ) / والمناطق التابعة للسيبة ( أي الخارجة قليلا أو كثيرا عن نطاق السلطة المركزية ). وهنا يكمن الصراع الجدلي بين القوة المركزية / والقوى المهمشة أو الهامشية. )

(- محمد أركون – قضايا في نقد العقل الديني – كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ – ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية – 2000-ص.-101- 102).

في نقد الاعتراب الثقافي :

اعتمدت الحركات الوطنية المغاربية سياسة تأحيدية، ثقافيا، انتقائية، تاريخيا، تنميطية، اجتماعيا، تسلفية فكريا ؛ فقد نسجت للمغارب غلالة ميثية، افتقدت بمقتضاها عمقها التاريخي وذاكرتها العابقة بجراحات المثاقفات الصعبة والمساكنات اللغوية المشكلة. ولا يمكن أن نتوقع، والحال هذه، للجامع للغرابة الايكولوجية واللسانية والمذهبية، مصيرا أفضل من برودة الهوامش ومن صقيع المدونات التأريخية ومن المردود الحسابي للفلكرة في أحسن الأحوال. لا تعتنى التحكمات الميثو-تاريخية والميثو-إيديولوجية للكتابة الاعترابية، بتواريخ تشكل النسق المهيمن ومسوغات استمرارية نقائضه المذهبية؛ فالذات المعتربة، مسكونة بالامتلاء الأول، بما هو امتلاء، جواني أو رحماني أو وجودي أو عرفاني بخطاب التأسيس، وبامتلاء خطاب المواكبة بما هو تطويب ثيولوجي لمسار الخطاب الأول في التاريخ،وبامتلاء تاريخ القيامة بما هو تحقيق كلي ومطابق لوعود الخطاب الأول. وكل تذكير بالآخر القابع على الأطراف، يشيع في الذات المطمئنة إلى سؤددها، ريبية لا يحتملها جهازها النفسي، فترد على التذكير بخطاب التكريسات الأنطولوجية وباستعراض العناصر الميثو-إيديولوجية البانية للمشروعية. لا يسير التاريخ هنا إلا على إيقاع التتويج والتطويب، لا على إيقاع الاشتباك والارتياب واستجماع كل القطع المكونة للرقعة أو للمضمار التاريخي. تدمن الذات هنا، تاريخا لا يعرف الضيافة إلا لبرهة، ولا يعترف للآخرين بأحقيتهم، الوجودية، في الدفع بالصيرورة وتوجيهها بما يحقق نصابهم وسؤددهم الكياني.وبما أن الثقافة المهيمنة متمحورة حول اللاهوت لا حول” الناسوت”، حول الإنسان باعتباره عابدا لا بوصفه صانعا ومحولا للطبيعة والتاريخ، فإن التاريخ الاعتباري الجامع بين النسغ اللاهوتي وبين تثبيت الدولة – الأمة، سيميل إلى تبئير المؤتلفات والسكوت عن المختلفات، وكأن التاريخ المغاربي مصنوع من أثير أو من تيارات موجبة حصرا.والحال، أن الأمازيغية ككل ما يسكن التاريخ ويسكنه التاريخ، عالم انقطاعات وثلم وشقوق وسيرورة بناء وهدم، وسعي محموم نحو اكتمال مستحيل واستغراق في جماليات الصوت وجماليات تيفيناغ وضياع في فراغ النقوش وازدحام الحروف على الطروس!

لا تكفي عودة الوعي، لرفع الالتباس، أو لإعادة التموضع على الخريطة التاريخية، بل لا بد من نقد اللاهوت الثقافي النافي، جوهريا، للتاريخ المتحرك والمجبول على الارتقاء والاكتمال وتحسين الأداء التاريخي للإنسان رغم فداحة الخسائر والخيبات والارتداد القسري إلى المواقع الأولى!.

( وبصفة عامة لقد أدى هذا المد العام سواء خلال مرحلة الكفاح الوطني، أو ما بعد الاستقلال إلى معاكسة متواصلة للتعدد والاختلاف ؛ بحيث اعتبر التعدد والاختلاف طعنا في الوحدة والانسجام ؛ اعتبر كما لو كان مصدر تشويش وتبذير للطاقات الوطنية، ما أحوجنا إلى تعبئتها، و أن هذا ” التشويش” لا يساهم إلا بصفة جزئية وثانوية في البناء الوطني ؛ اعتبر هذا التعدد والاختلاف خروجا عن النسق السني ؛سيبة، فتنة، ضلال، غوغاء، بدعة، فسادا، انحرافا،مروقا، فوضى، شغب، جهالة وجاهلية، اعتبر التعدد امتدادا للسيبة، التي عرفها المجتمع المغربي خلال عدة قرون.)

(-محمد جسوس – أطروحات بصدد الأمازيغية والمسألة الثقافية بالمغرب – آفاق – العدد1-1992-ص.100).

يفصح السوسيولوجي المغربي عن تشبع الفكرية الوطنية بالمسبقات الاصطفائية والتوهمات التفضيلية للإطار الفكري السني، وعن افتقارها إلى الآليات الإبستمولوجية والمنهجية، لتجديد المنهاج والنظريات وبناء الوعي التاريخي على مرتكزات تاريخية قوية لا على الاستيهامات والهوامات والتحيزات المذهبية.

يقتضي بناء تاريخ إشكالي للاعتقاد بالمغارب، تجاوز السياج الدوغمائي والحصريات الفكرية للفكرية المهيمنة، وتتبع استجابات الاعتقادات الطرفية للتحديات التاريخية.

( ليس هناك أية دراسة هي من العمق بحيث تمكننا من بيان الكيفية التي اجتازت بها هذه الجماعة السنوات الستة والثلاثين التي استغرقتها الهيمنة السياسة القسرية التي مارستها عليها دولة جبهة التحرير الوطني : فنحن لا نعرف ما الذي تبقى من استقلالها الذاتي العريق ولا من مؤسساتها ولا من قانونها العرفي الذي كان يطبقه علماؤنا الإباضيون، ولا من عمرانها واقتصادها المرتبط بالواحات، ولا من ذاكرتها الجماعية وقيمتها كشاهد عيان، كالطوارق، على مغرب كبير مدفون تحت عديد من الطبقات التاريخية المتراكمة فوق بعضها والتي تتطلب عمى أركيولوجيا في جميع الميادين؟ )

( – محمد أركون – رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال – مقاربة تاريخية و أنثروبولوجية – ترجمة : عبد الكريم شوطا – مراجعة : محمد عابد الجابري – فكر ونقد- العدد 19-1999-ص.25-)

يجمع الإباضي بين الغرابات الأربع :

1- غرابة المحيط الإيكولوجي ( الجبل كما في حالة إباضيي نفوسة أو الصحراء كما في حالة إباضيي المزاب أو الجزيرة كما في حالة إباضيي جربة )،

2- غرابة المذهب الخارجي – الإباضي،

3- غرابة الكينونة واللسان الأمازيغيين،

4- غرابة التساكن بين الأمازيغي واليهودي.

( وفي شرق القصر، توجد قبور اليهود التي تقع إلى الجنوب منها على رأس حافة، بئر يسمى أوعيسى الذي يتزود منها سكان أت مان الإباضيون القاطنون القصر الصغير الذي يحمل نفس الاسم. هذا الأخير يوجد في وسط أطلال. نصفه لليهود ونصفه الآخر للأمازيغ. وهنا أقيم مسجد كبير يسمى مقور كان أمي عامر يدرس به محلقا بمريديه. )

(-إبراهيم أوسليمان أشماخي -– قصور ومسالك جبال نفوسة –ترجمه عن الأمازيغية : محمد حمام – المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية – مطبعة المعارف الجديدة – الرباط – 2004-ص. 139)

ولذلك فهو يمثل، في المنظور السلفي، الغيرية في حالتها الطرفية. فوجوده الاجتماعي، يذكر، دوما، بالمحتمل التاريخي المجهض، وبصعوبة تطويق الفعالية السياسية والاستجابة الأنثروبولوجية للوعي الإيماني، في وسط مختلف عن الوسط اللساني والأنثربولوجي الأصلي للمقدس الإسلامي. كما يذكر بتعثرات المثال الإيماني على بسائط وأعالي المغارب، ذات أزمنة إمبراطورية، موغلة في التمركز الإثني والعقدي، ومتخمة بالاستنزاف الديمغرافي والاقتصادي للأطراف لحساب” الميتروبول “الأموي والعباسي والعثماني. ليس التذكير بجراحات التاريخ، اصطفافا مبرمجا مع الترسيمة الكولونيالية أو تطلعا بعديا لاستشرافات تغريبية كما يعتقد مستمرئو المخيال الاعترابي بعد عقود من العمل الدعائي المكثف، بل هو تعيين للمحددات والركائز التاريخية واستقراء للسياقات السوسيو-تاريخية للواقعات وبحث في الممكن الحضاري الجدير بالتحقيق بناء على متحققات الكينونة المغاربية، هنا والآن، بعيدا عن الاعتراب التماثلي المتأسلم، والاغتراب الاحتذائي المستوطن لشقوق حداثة التخوم. والواقع أنه لا يكفي التعيين والتوطين الحدثي والوصف الأنثروبولوجي لعمليات المؤالفة والمخالفة بل لا بد من طرح سؤال الإمكان التاريخي وحدود هذا الإمكان من منظورإبستيمي ومن منظور التطلع الكوسموبوليتي الحداثي الراهن. فلا يمكن حصر النظر المتفحص للتاريخيات، في التوصيف أوفي فهم الدلالات القريبة أو المتداولة للحدث أو لتحولات البنية، بل لا بد من بلورة أنساق تسويغية وتعليلية خارجة عن معطيات التاريخ التداولي الصادر عن المعيارية الخطابية للمجال التداولي العربي – الإسلامي. فمن المحقق أن الاكتفاء بالأنماط التعليلية الرائجة، لا يحقق المطلوب المعرفي، لاعتبارات إبستمولوجية وأخرى سوسيو-تاريخية. أليست دراسة البنيات التاريخية والأنثروبولوجية للمخيال الأمازيغي مقدمة لدراسة استزراع الفكرية الإباضية والصفرية والتصوفية في الفضاءات الأمازيغية؟ ألم تكشف الإسطوغرافيا الكلاسيكية والتواريخ المناقبية عن حدودها التفسيرية، وعن قصورها عن/في إضاءة تاريخ الذهنيات المغاربية منذ العصر المرابطي ؟هل يكفي تفسير تأسيس دولة بني مدرار الصفرية بسجلماسة ودولة الرستميين بتاهرت ودولة بورغواطة بتامسنا بتشبث الولاة الأمويين بالاسترقاق وتخميس الساكنة المحلية وبمثالية الوعد العدلي للخوارج، أم لا مناص، من منظور التماسك المنهجي، من الالتفات إلى النسق التنظيمي الأمازيغي وإلى القواعد التدبيرية “الديمقراطية ” للتجمعات الأمازيغية؟

وكما يجب التحرر من المرافعات الوطنية ضد البحث الكولونيالي لإيغالها في التسويغات والتبريرات السياسية والإيديولوجية، فإنه يجب التحرر من التمركز الفقهي الأرثوذوكسي، والانكباك على دراسة مختلف التفاعلات التاريخية الأمازيغية مع المنتجات الأرثوذوكسية واللاارثوذوكسية للشرق الأوسط.

( إن من واجب العلوم الاجتماعية القيام بتعرية وتفكيك وجلاء حقب من الماضي مصنوعة، وفترات من الحاضر محرفة، وتصورات حول المستقبل وهمية، يراد منها جميعا سجن الفكر في استلابات تعيد نفسها باستمرار. )

( – محمد أركون – رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال – مقاربة تاريخية و أنثروبولوجية – فكر ونقد- العدد 19-1999-ص.24)

وعليه فلا عبرة هنا، بالفكرانيات ولا بالاهتيامات السياسية القاصرة من المنظور الاستراتيجي كما يعتقد البعض، بل بفك الارتباط بالاستخدامات التبجيلية للمنظورية والممارسة التراثيتين. يستلزم التفكير المتجدد في تاريخ المغارب إذن، إعادة النظر في المسوغات النظرية للفكر الإسلامي الكلاسيكي ولإبستمولوجياه ونظريته السياسية، واستشكال المقومات النظرية والتاريخية للفكر القومي – العروبي “المتعلمن “ولمضمراته الإسلامية. إن المراهنة على المبتغى الأركوني، إنما تتوخى تعضيد الممارسة المعرفية بما يحرر النظر من أثقال المتواتر الفاقد للمواءمة، ومن التخوفات الإيديولوجية النافلة من النوع المألوف في الكتابات المنافحة عن التعريب ضد التمزيغ.

يلقي أركون نظرة نقدية على الخيارات السوسيو- سياسية للحركات الوطنية بالمغارب ؛ ليس التاريخ المعاصر للمغارب إلا تاريخ أدلجة وتنميط ثقافيين لفضاء ثقافي تعددي بامتياز. فبدلا من تسطير سياسة تدبيرية للاختلاف الثقافي والتعددية العقدية، اختارت الأنتلجانسيا الثقافية” المتمشرقة”، إزالة كل النتوءات اللسانية والعقدية والفكرية من الجسد الاجتماعي – الثقافي، وتشذيب الحقل الديني بنما يوافق المنظورية السلفية –”المتوهبنة”، المنفتحة، على نحو براغماتي، على بعض الآليات التنظيمية للحداثة السياسية الكلاسيكية.

وبما أن هذه الأنتلجانسيا مرتهنة، عمقيا، إلى الإبدال السلفي، فإنها غير قادرة على إدراك المشهدية المغاربية في اختلافها وتعدديتها وسيرورتها التاريخية المتعرجة واللولبية ؛ فقد ارتبط التاريخ المعاصر للمغارب، بتعميق الفجوة بين المركز العربي – المالكي والهوامش الأمازيغية – الخارجية، وعلى امتصاص وتذويب الفرادة الأمازيغية، في سديم الانتماءات المستجدة. لقد أظهرت النخب الثقافية – السياسية المتأثرة بالتسلف –” المتوهبن” ثم بالقومية الاعترابية في غراراتها الناصرية أو البعثية، كفاءة كبرى، في التوحيد الثقافي، وفي اصطناع تواريخ مكيفة واعترابية لسياق ثقافي – اجتماعي، متراكب الطبقات ومتماوج القسمات الكيانية.

( أما المغرب الكبير فقد عرف [على العكس مما حصل في أوربا ] إفقارا اجتماعيا، فكريا وثقافيا، بعد الرحيل المكثف لليهود والأوربيين غداة الاستقلال. وحتى الإسلام المغاربي فهو اليوم أبعد ما يكون عن التعدد الذي عرفه في القرون الوسطى. ذلك أنه باستثناء الأقليات الإباضية بالجزائر وتونس وليبيا، فإن جميع المغاربيين هم سنيون ومالكيون. أما الطرف الأخرى، المتمثلة في الشيعة والمسيحيين الذين مازال لهم وجود في الشرق الأدنى، فقد اختفت منذ مدة طويلة في ” المغرب الكبير ” الذي يوصف بكل بساطة ب” العربي “، مع السكوت عن جماعات أقلية، تتكلم لهجات بربرية تتعرض للاندثار تحت وطأة سياسة للتعريب تعمل على إخضاع الواقع الحي لقرارات الإرادة. وهكذا لم يعد قائما أي شكل من أشكال التعدد في هذا الفضاء الجغرافي التاريخي الشاسع الذي عرف كثيرا من أشكال الحضور الثقافي والإثني واللساني تعاقبت منذ الفينيقيين والرومان حتى مجيء الأوربيين، مرورا بالأتراك الذين انشدوا هم أنفسهم، خلال العصر العثماني، إلى نزعة للمواطنة الكونية خاصة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.)

( – محمد أركون – رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال – مقاربة تاريخية و أنثربولوجية – ترجمة : عبد الكريم شوطا – مراجعة : محمد عابد الجابري – فكر ونقد- العدد 19-1999-ص.16-17)

لقد اختارت الأنتلجانسيا الثقافية المتأثرة بالفكر العروبي الكلاسيكي أو بالفكر العروبي المتياسر، تقديم نسخة منقحة للمغارب، وإسقاط المفاهيم والمركبات الرمزية للمخيال الشرقاني على جغرافية ثقافية ذات مكونات هوياتية تأسيسية مخالفة ومستقلة، تاريخيا، عن المقتضى الهوياتي العربي. وهكذا، عوض أن تتوج تلك الأنتلجانسيا فضاءها الثقافي باستيعاب التثاقف التاريخي المغاربي، والحفر في مركباته الجيولوجية، وتعزيز الرصيد المعرفي- الإيطيقي للإنسية المغاربية، فضلت الانخراط في مذبحة ثقافية أين منها مذبحة التراث الطرابيشية ؛ نذكر من سماتها ما يلي :

1- طي التاريخ القديم للمغارب طيا كليا باسم نظرية الجب العقدي/ التاريخي،

2- اصطناع محتد وجينالوجيا عروبيين للأمازيغ،

3- طي الإنسية المغاربية وأمارات حضورها في المنعطفات البونية و الإغريقية و الرومانية والوندالية والبيزنطية،

4- طي تاريخ المقدس المغاربي ونتائج تماسه باليهودية والمسيحية –الدوناتية المتمزغتين ،

5- طي اللسان الغربي وحصره في اللهجات المنذورة للأفول أو للاستعمال البرغماتي الدعوي كما في الحالة الموحدية،

6- طي ماجريات التاريخ الاجتماعي والثقافي واستعصاءات تعريب و أسلمة المغارب.

ليس تواريخ المغارب من هذا المنظور، إلا فواصل هامشية، برسم الاجتثاث والاستئصال المنسقين ؛ فلا تاريخ يعلى على التاريخ الفاتح/ المرجعي، ولا حدث يستحق الإشادة والتسجيل في سجلات التاريخ إلا الحدث الموصول بالحدث التأسيسي، والمنطبع بأماراته ودلائله ومياسمه.

ليس التعريب تعريبا للسان وفرضا للأوحدية اللسانية الافقارية فقط، بل هو تعريب للتاريخ والأنثربولوجيا بل وللجينيالوجيا، بشهادة التأكيد الاعترابي على سامية بل على عروبة الأمازيغ في كتابات المعتربين المتسلفين والمتعلمنين على السواء.

فالتعريب الثقافي، هو كتابة تاريخ اللاتاريخ، واصطناع صورة غير تاريخية وغير مطابقة للكائن المغاربي، يصير بموجبها، الآخر المستعاد، بعد الفاصل الاستعماري، إلى الأحضان الدافئة للهوية التداولية والمنتزع من الغيرية الأصلية / الأمازيغية والغيرية المكتسبة بفعل التغريب والفرنسة، معتربا، يلتمس أفقه الثقافي والحضاري في سماء العروبة الظافرة!

وبما أن التعريب الثقافي أحادي الاتجاه والمنظور، فإنه يعني القيام بعملية استبدال منسقة، تحتل فيها الأماكنية المعربة مكان الأماكنية المأصولة، ويصير المغرب المتعدد أو الكبير مغربا عربيا فقط. كما أن التهوس بالاعتراب، يقتضي استحضار العروبة، حتى في سياقات الاختلاف كما في ترجمة كتاب عبد la blessure du nom propre الكبير الخطيبي ب”الاسم العربي الجريح ” وترجمة

Maghreb pluriel بالمغرب العربي المتعدد في ( المغرب العربي وقضايا الحداثة ).

يعتني أركون باستكشاف المورفولوجيا الاجتماعية والجينيالوجيا الفكرية المغاربية، استنادا إلى ما سماه عبد الكبير الخطيبي بالنقد المزدوج أي بناءا على استشكال منزاح كليا، عن توجهات السردية العربية الإسلامية وعن السردية الكولونيالية. لا جدوى إذن من الانشغال بحروب السرديات البرانية، وأجهزتها الفكرانية الموضوعة لتسويغ استلحاق المغارب وتلوين تاريخها الاجتماعي والثقافي، بما يحقق للهيمنة الاعترابية أو الاغترابية شروط الاستحكام والنفوذية والسريان. لم تكن تواريخ المغارب موضوع إضاءة علمية، أو استقراء شامل للسمات والخصائص والمواصفات المائزة بقدر ما كانت دعائم بيداغوجية وفكرانية، لإرساء متصورات الذات” المتنرجسة” وتعميق انعزالية الإنسان المغاربي عن كيانه الحضاري المخصوص.

( إن التحديد الإيديولوجي المختزل ل” الشخصية ” أو ل” الهوية ” المغاربية مازال يحول دون الإسراع في تدشين بحث محايد يستكشف آفاق مجموع الفضاء المغاربي بواسطة أدوات تفكير متحررة، أخيرا، من أطر التأويل المكرس ومتحررة من قبل السرديات التاريخية العربية – الإسلامية التي يغلب عليها التوجه الكلامي – الديني، ومتحررة أيضا من الإشكاليات البالية المرتبطة بالظاهرة الاستعمارية ثم بالهيمنة الغربية. )

( – محمد أركون – رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال – مقاربة تاريخية و أنثربولوجية – ترجمة : عبد الكريم شوطا – مراجعة : محمد عابد الجابري – فكر ونقد- العدد 19-1999-ص29)

يقترح أركون إذن، مقاربة تقطع مع التقاليد البحثية الناهضة على التكليم أو على الاستتباع الكولونيالي، وترتبط بتاريخية ومورفولوجية الموصوف المغاربي. فلئن ارتبطت السردية الاعترابية، بترسيمتها الثيولوجية، فإن السردية المغاربية المقترحة، ستنأى بالتأكيد عن القبليات النظرية والمنهجية للفكرية الثيولوجية، وستنكب على تسقط حقائق المعطى المغاربي في تشكلاتها التاريخية المتباينة وفي منعرجاتها الثقافية والفكرية الملتبسة.

شهد تاريخ المغارب تنازعا بين مرجعيتين مختلفتين من حيث الاستلهامات الميثودولوجية والإبستمولوجية ومن حيث المقاصد السياسية والفكرانية. امتازت المرجعية التاريخية الكولونيالية في نماذجها المتأدلجة والمتسيسة، باستكشاف مناطق مسكوت عنها في الإسطوغرافيا العربية – الإسلامية وبالسعي إلى وصل الدينامية التاريخية المغاربية بالمركز التاريخي الغربي. أما المرجعية العربية – الإسلامية، فقد تفردت بتحكيم المتصورات الكلامية – الفقهية في التاريخ المغاربي، وفي صياغة تواريخ منتقاة بما يخدم المقصد الجوهري للخطاب الإسلامي المعياري. لا يعتني الخطابان بالاستقصاء أو ببناء المعرفة التاريخية المحكمة أو بتجديد الإشكاليات والمناهج والطرائق الاستكشافية، بل يكتفيان بالتقريب التداولي أو التكييف البعدي للحدثيات الطرفية أو بالتدليل على الإحكام النظري والتاريخي لأطرها المرجعية- المعيارية.

(… فالموقف الاستعماري قد أولع بتركيب استمرارية موهومة بين روما المسيحية وفرنسا ما بعد الثورة، قافزا على الفاصل الطويل الذي لم يستكشف بعد كاملا، والذي يشكله الحضور العربي الإسلامي. أما رد الفعل الوطني فقد أراد أن يمحي جميع شوائب الاستعمار الروماني – الفرنسي – المسيحي ليرسي الشخصية العربية الإسلامية على كمالها و طهرها و أصالتها. وهنا يذكر البربر من أجل إدانة الاستعمار الروماني، والتنديد أكثر و أكثر بالإستراتيجية الفرنسية التي أرادت أن تعارض العرب بالبربر. وفي إطار هذا التنديد حكم بالجب والاستئصال على ما تبقى من آثار اللهجات والعادات البربرية بوصفها بدعا أو مظاهر وثنية من الجاهلية التي ندد بها القرآن. )

( – محمد أركون – رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال – مقاربة تاريخية و أنثربولوجية – ترجمة : عبد الكريم شوطا – مراجعة : محمد عابد الجابري – فكر ونقد- العدد 19-1999-ص-34-)

يرصد أركون في هذا الشاهد، الأخطاء التصورية الجوهرية، لخطابين تاريخيين برانيين، يختلفان في المستندات الإبستمولوجية وفي التوجهات الاستراتيجية، إلا أنهما يتفقان في اعتبار التاريخ المغاربي رافدا لا مجرى، جغرافيا تاريخية للاستلحاق والاستيعاب لا سيرورة دلالات تثاقفية وتدامجية. تتفق المرجعيتان إذن في نزوعهما التثبيتي، إلى طمس الكينونة الأمازيغية، والى تنضيد الأحداث وتأوليها وفقا للمراد الفكراني السكوني. والحال أن الموقف العلمي، يتطلب الإحاطة بكل التنافذات التاريخية والكشف عن المجرى العميق للكينونة المغاربية فيما وراء تلاحق التطاحنات السياسية الظرفية بين الإمبرياليات الثقافية الشرقية والغربية. لا بد إذن، من الانزياح عن الاستيهام القطعي والاستلحاقي الاعترابي والاهتيام الوصلي التذويبي الكولونيالي، والنظر إلى التاريخية المغاربية برسم الفاعلية لا الاكتفاء بحصرها في حيز المفعولية الثقافية والحضارية. لا يسمح” التنرجس” الثقافي للمؤرخ المعترب، برسم المجاري الأصلية للتاريخية الأمازيغية ؛ فالتاريخ – المعيار، في اعتباره، هو التاريخ العربي – الإسلامي. وهكذا تتحول المغارب إلى فضاء فنطازي أو سوريالي، للإعارة، للقوى الإقليمية، ولثقافاتها المهيمنة أو إلى مستودع أنثروبولوجي للإغرابيات البشرية واللسانية والثقافية. ولئن انبرى الكثيرون إلى نقد المركزية الأوروبية، فإن نقد المركزية الشرق –أوسطية والمركزية العربية – الإسلامية، كثيرا ما شكل اللامفكر فيه المغاربي بامتياز.

والحاصل إذن، أن المفكر الاعترابي فضل استعارة الأنماط التفسيرية والتعليلية للفكريات الشرقانية، لقراءة مصائر فضاء ثقافي تحتاج تاريخيته إلى تأسيس جديد، بناء على معطيات الاستكشاف الأركيولوجي والتاريخي والأنثروبولوجي واللساني. وفي هذا السياق لا مفر، من الاستكشاف الأركيولوجي للوعي الإسلامي كما هو وارد في المتن الأركوني ، وقراءة المتون التاريخية والمناقبية قراءة مستقرئة لإرادات القوة ورهانات المعنى فيها ورسم أفق جديد لمعقولية مغاربية مسايرة لأفق المعقولية في تعضيها الكوني.

في نقد الاستشراق والمعرفة الكولونيالية:

لا ينصب النقد الأركوني، على نتاجات العقل الإسلامي المشترك فقط، بل يطال كذلك الخطاب الاستشراقي، الغارق في سكونية المنهاج الفيلولوجي – التاريخاني وفي الموجهات الأصلية للإنسية البورجوازية من جهة، والمستكين إلى نوام السردية الإسلامية في أكثر انتاجاتها أرثوذوكسية من جهة أخرى. يمتاح أركون من النتاج الإناسي واللساني والتاريخي للعلوم الاجتماعية، لزعزعة الاستشراق الكلاسيكي، المتشبث، رغم كل الانقلابات الإبستمولوجية والميثودولوجية، بالمواقع التقليدية للإبستمولوجيا الكلاسيكية. لا يحتكم مشروع نقد العقل الإسلامي والإسلاميات المطبقة، كما نظر لها أركون، إلى التماسك الاستدلالي – البرهاني للنصوص المرجعية ولا إلى الحذاقة الحجاجية أو التدليلية للنصوص الثواني، فقط، بل يعود كذلك، إلى معترك الواقع، لفحص كفاءة النصوص وقدرتها على النفاذ إلى نظم وأنساق اجتماعية، ذات ارتباطات أنثرو-تاريخية خاصة.

( ولكن العلم الاستشراقي كان يجهل المفاهيم التالية : بنية شبكة العلاقات بين الضمائر أو الأشخاص المتكلمة كما شرحها عالم الألسنيات إميل بنفينيست، ومفهوم ظرف الخطاب الذي تحدث عنه أو بلوره ب.زمبتور أثناء دراسته للأدب القروسطي تحت اسم الظاهرة الشفهية المقلدة حرفيا للظاهرة الكتابية، ومفهوم القوى المهيمنة والقوى المهمشة الذي يشتمل على التفاعل بين الحالة الشفهية / والحالة الكتابية، بين المعرفة ذات البنية الأسطورية / والمعرفة التاريخية النقدية، ثم العصبيات الشغالة والكائنة بين تشكيلة الدولة المركزية، ثم الكتابة، والثقافة الفصحى أو العالمة، ثم رجال الدين الذين ينتجونها ويسيرون أمورها، ثم الأرثوذوكسية الدينية – الرسمية. وهذه الأشياء الأخيرة تمثل القوى الأربع الاجتماعية – التاريخية الفاعلة والناشطة والمرتبطة جدليا بأربع قوى أخرى متواجدة في الحقل الاجتماعي العام، أو في مكة والمدينة زمن انبثاق الظاهرة القرآنية، أو في مجتمعات الدول القومية الحديثة السائدة اليوم.)

( – محمد أركون – الفكر الأصولي واستحالة التأصيل – نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي –ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1999-ص.31-)

ليست التوزع بين المجال الأرثوذوكسي والمجال اللاارثوذوكسي خاصا بالمجال التداولي الأمازيغي، بل هو ثابت أنثروبولوجي، متحكم في كثير من العوالم الثقافية في الفضاء السامي- الإغريقي. لا يكتفي أركون بتنزيل هذا النموذج التحليلي، على الفضاءات الثقافية الأمازيغية، بل يعمم تطبيقه على الوضعيات المتميزة بالتنافر البنيوي بين مجال الدولة والثقافة المهيكلة وبين مجال المجموعات الإثنو-ثقافية والثقافات الشعبية.

فلا يمكن المراهنة من منظور أركون على خطاب استشراقي وضعاني أو تاريخاني ـ” فيلولوجاني”، للتفكير الحاذق والثاقب في تمثلات المخيال الاجتماعي وفي آليات التوليد التاريخي والثقافي للكيانات التاريخية وفي التركيب النقدي للمعنى الكلي والمعاني الجزئية أو القطاعية.

فالخطاب الاستشراقي في اعتباره، غارق في منهاجية جوهرانية جامدة أو في وضعانية تاريخانية منقطعة عن كل التحولات الإبستيمية المنبثقة من رحم العلوم الانسانية والاجتماعية. فلا يمكن استنادا إلى هذا النقد التاريخاني أو الوضعاني، القبض على معنى الديناميات الفائرة لمجتمعات الصهر والتذويب الأنثروبولوجي مثل المغارب. فبما أن الخطاب المذكور، يوغل في الوصفانية أو في التجريبانية أو في البرانية أو في الشكلانية، فإنه لا يتمكن من بناء المعاني الساكنة بين شقوق الواقع الجاهز والخطابات المعلنة والممارسات الاجتماعية –الثقافية المقولبة.

( فالمستشرق، إذ يكتفي بالسرد الأمين للغات الشائعة والظاهرة، يرفض في الواقع أن يأخذ الحقيقة المقنعة أو المخفية بعين الاعتبار ويؤيد الوهم الخادع بأنه يقدم معرفة مطابقة وصحيحة من وجهة نظر المسلمين أنفسهم ومن وجهة نظر المؤرخ الحديث الذي يتحدث عنهم في آن معا. إن الشيء الخطير الناتج عن هذه العملية التمويهية هو أننا نحرم أنفسنا من القبض على الآليات الاجتماعية والنفسية والثقافية واللغوية العميقة التي أتاحت تقنيع الواقع وإخفاء وجهه الحقيقي.)

( – محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ترجمة : هاشم صالح – مركز الإنماء القومي- المركز الثقافي العربي – الطبعة الثالثة – 1998-ص.255)

يلتزم الاستشراق الوضعاني بالاستعراض اللانقدي للمقررات التداولية للحقول المعرفية الإسلامية، دون استشكال أو تفكيك، أو انخراط في محاجات أو نقود، كاشفة لمخفيات أو مسكوتات أو مضمرات الخطاب المنقود. وفي السياق عينه، يقدم أركون نقدا لفعالية استشراقية، منحصرة في لوغوسفير ديكارطية أو هيجيلية في ترسيمة وضعانية أو تارخانية، متأبية عن كل تعقل غير تعقلها.

( 3- دمج تحليل كل حالة خاصة أو فترة مدروسة في إطار واسع من المعرفة ذي أبعاد انتربولوجية. وهذه هي المنهجية الوحيدة التي تتيح لنا أن نتجنب أحكام القيمة السلبية التي يصدرها العقل المهيمن ( أي العقل الغربي الذي اخترع الحداثة وسير شؤونها ). أقصد بذلك تلك الأحكام السلبية التي يصدرها على الثقافات والشعوب المهمشة والمزدراة والمرمية في ساحة الدراسات الفولكلورية أو الاتنوغرافية، بمعنى القرن التاسع عشر. وهذا ما يفعلونه غالبا مع “الإسلام” المدروس والمصنف من قبل العقل المهيمن. )

(محمد أركون – من فيصل التفرقة إلى فصل المقال –أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ – ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1993-ص.110 -)

تتفق بعض الإثنوغرافيات الكولونيالية مع بعض التسلفيات الاعترابية، في التعامي عن حقيقة الفكر البري وعن كفاءة المعقولية التدبيرية وتفوقها الاستقرائي أحيانا عن الفكر الشرعي الكلاسيكي، بدلالة انفتاح التشريع القانوني الأمازيغي وصدوره عن سبر دقيق للمواضعات الايكولوجية والثقافية والملابسات التاريخية والسياسية. لا تعتني المعقولية الشرعانية إلا بتثبيت النص ضد التاريخ، أما الأعراف فتعتني بتثبيت الإنسان في مجرى التاريخ وتيار الحياة الصعب. ولئن تعاملت النظريات التسلفية مع الأعراف الأمازيغية تعاملا برانيا ومتعاليا، فإن بعض الإثنوغرافيات الكولونيالية، غلبت المنهاج على المادة الإثنوغرافية، وغلبت إرادة التسلط على إرادة التعرف في تفسيرها وتأويلها لكثير من التقاليد والعادات والسلوكيات الاجتماعية –والثقافية. وتقدم مؤلفات ادموند دوتيه(مراكش/1905 و السحر والدين في شمال إفريقيا/1908) ، حسب حسن رشيق، عينات دالة على تغليب الإشكاليات النظرية للإثنوغرافيا البريطانية على الخصائص المميزة للظواهر الإثنوغرافية المستقرأة مثل تقديس ومراكمة الحجارة أو امتناع الجزائريين عن الأكل في الفضاءات العمومية أو الخوف من الغريب…الخ. وهكذا، عوض أن يكون امتحان التقاء الغيريات، فرصة لتوسيع حدود الإمكان الإبستمولوجي البشري وحدود التعارف والإحياء الأنثروبولوجي، فإنه يستحيل إلى مجرد برهات لتدبير التكييف والمهابدة الثقافيين و إعمال النفور والكره. antipathie

فعوض أن يكون خطاب الإسلاميات الكلاسيكية، أداة للاستشكال والتنوير والفكر الايجابي المنخرط إبستيمولوجيا و أخلاقيا في سيرورة تحرير المجتمعات الإسلامية من استعصائها الثقافي والحضاري، اختار الاصطفاف إلى جانب الخطاب الامتثالي التراثي واستعراض المحتويات والحقائق السوسيولوجية والاستنكاف عن استكشاف المباني وآليات تركيب المعاني وأدلجتها وأسطرتها.

وحيث إن الخطاب الاستشراقي الكلاسيكي افتقر إلى المقاربات والمناهج الملائمة لخصوصية العقل المؤسطر والفكر البري والمجتمعات العرفية، فإنه لم يتمكن في اعتباره من الوقوف على سبل توليد المجتمع البري وخلق التعاقدات البي-جماعية وآليات تصيير الثقافة رأسمالا رمزيا في لحظات الجزر الحضاري وتراجع هيبة السلطة المركزية. لا يمكن للتعويل على الترسيمات الامتثالية للخطاب التسلفي، سوى أن يقود الخطاب الاستشراقي الى الانسياق النفعي مع بادئ الرأي والى المعلن الخطابي والى المتصور المسكوك ؛وهكذا تذوب الجدليات التحتية والديناميات المتضاربة والمنافسات المحاكاتية والسموت في سماكة الخطاب العالم، الموجه إلى دعم الهوية التداولية وغرس ديمومتها في ماجريات التاريخ وسيرورة الفعل السياسي. فالهوية التداولية ذات السمات اللاهوتية، تقدم في إهاب الحقيقة الجوهرانية ؛ والحال أنها لا تعدو أن تكون هوية مجردة افتراضية وبلا ارتباط بصراع الهويات الإثنو-ثقافية وبالسمات التاريخية المميزة للرساتيق الجبلية وللأوطية والبسائط المغاربية.

(وحتى لو أخذنا بعين الاعتبار منطقة متناغمة ومنسجمة عرقيا ولغويا كالمغرب الكبير ( أقصد بذلك خلفيته البربرية المشتركة التي اعتنقت صيغة محددة من العقل الأرثوذكسي : الإسلام المالكي)؛ أقول لو أخذنا هذه المنطقة بعين الاعتبار فإننا سنجد فيها أنواعا عديدة من الإسلام مطابقا لتعددية الممارسات والطقوس المحلية واختلافاتها. إن هذه الاختلافات ليست ناتجة فقط عن دوام واستمرارية هوية كل فئة أو جماعة، و إنما هي ناتجة أيضا عن تاريخ الروابط بين كل فئة على حدة مع الدولة الإسلامية المركزية. أقصد بالهوية هنا العقائد والعادات والفنون وطرز الاندماج البيئوي مع الطبيعة والذاكرة الجماعية ونظام القرابة وتقسيم العمل وكل المعطيات التي تشكل أرضية الوجود اليومي. )

( – محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ترجمة : هاشم صالح – مركز الإنماء القومي- المركز الثقافي العربي – بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة – 1998-ص.104)

تنصرف الإسلاميات التطبيقية إذن، إلى الهويات التاريخية وإلى تشكلها العيني في محيط أنثروبولوجي وايكولوجي مخصوص ؛من البديهي، أن ينفتح خطابها على الأتون الإثني –الثقافي، وعلى الفرادات التاريخية والصياغات الفردية والجماعية للمصير إبان العواصف السياسية أو الجوائح أو الأوبئة والطواعين[نحيل هنا الى دراسة (تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ) لمحمد الأمين البزاز ] والقحوط والحركات والمحلات والإدالات وعلى التمفصلات الواقعة بين الحس العملي الإسلامي والحس العملي الأمازيغي. وهكذا لا يكتفي بمؤديات العقل الأرثوذوكسي المؤسس والمؤسس مثل صنيع الخطاب الاستشراقي، ولا بنمطية التصورات اللاهوتية ومواقفها الصارمة الرافضة للكيانية الأنثروبولوجية الطرفية ولمنجزها السياسي-الثقافي.

وتأسيسا على هذا التصور، يرى أركون ضرورة الجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا، بين التاريخية والأنثروبية، بين التكوين والبنية في أي معالجة جدية واستكشافية لتخلق السيرورات الجماعية والتضامنات التاريخية والهويات الإثنو-ثقافية في سياقات مغارب ما قبل الاستعمار.

( في الواقع أن التاريخ الفكري والثقافي والروحي لكل المجتمعات المحررة من الهيمنة الاستعمارية في سنوات 1950-1960 لا يزال فقط بحاجة إلى كتابة سردية أو وصفية دقيقة موضحة للوقائع. و إنما هو بحاجة إلى أكثر من ذلك.إنه بحاجة إلى من يفكر فيه بشكل عميق وجذري ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ مع طرح الأسئلة الأكثر راديكالية من قبل العقل النقدي الذي هو أيضا في حالة أزمة.)

( – محمد أركون – الفكر الأصولي واستحالة التأصيل – نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي-ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1999-ص.84)

لا يمكن تحقيق البغية المنهجية، من منظور أركون إلا بتفعيل النقد الإبستيمي المزدوج، والابتعاد عن المقولات التاريخية للخطاب السلفي –الامتثالي وللخطاب الاستشراقي واستثمار مقاربات وميثودولوجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية في التأريخ للواقعات الذهنية والحدثية المغاربية واستقراء عالمها الدلالي والتدليلي.

( في الواقع أن التاريخ الفكري والثقافي والروحي لكل المجتمعات المحررة من الهيمنة الاستعمارية في سنوات 1950-1960 لا يزال فقط بحاجة إلى كتابة سردية أو وصفية دقيقة موضحة للوقائع. و إنما هو بحاجة إلى أكثر من ذلك. إنه بحاجة إلى من يفكر فيه بشكل عميق وجذري ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ مع طرح الأسئلة الأكثر راديكالية من قبل العقل النقدي الذي هو أيضا في حالة أزمة. )

( – محمد أركون – الفكر الأصولي واستحالة التأصيل – نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي –ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1999-ص.84-)

لا تكتفي الكتابة التاريخية الكاشفة من منظور أركون، بالتأريخ التقني وبحصر تخوم الحدثية وحيثياتها المباشرة وتأويلها في ضوء المساقات أو السياقات القريبة، بل تتجاوز النطاق الضيق للإسطوغرافيا أو للتاريخ الحدثي، لتربط الفعل التاريخي بالفعل الفلسفي النقدي، وبالتأمل الأنثروبولوجي العميق في كيفيات توليد الدلالات الخيالية وتحريك المتخيلات الجماعية وتحفيز المجموعات على الانصهار واعتناق هويات مذابة في نقيع الألم والمكابدة والمخاطرة. لا يتسع المفكر فيه الساري في نسغ الإسطوغرافيات اللاهوتية أو الإديو-لاهوتية، للتاريخ المستقرأ في ضوء التثاقفات الإشكالية والتجاذبات التراجيدية والتأملات الفلسفية الأكثر التصاقا بمعنى الإنسان وجدوى فعله التاريخي.

فمن مفارقات خطاب الحداثة “الملهوثة “، المطالبة بتفعيل النقد وعدم الارتهان إلى الاتباعية وبداوة الفكر، إلا أنه كثيرا ما يعتصم باليقين العربي – الإسلامي، ضد الآخر الأمازيغي، المطل على اليقين القومي وعلى البداهة التراثية من مواقع نقدية بله نقضية. فالعروبة الحضارية المستلهمة لأحد أوجه الإسلام التاريخي، هي مسلمة غير قابلة للنقاش المتروي في اعتقاد المفكرين العرب، فيما لا يبدأ الباحث الأمازيغي، نظره النقدي-النقضي إلا بإخضاع العروبة الحضارية للنقد التاريخي. فالذات الأمازيغية الحديثة، لا ترتهن إلى النماذج الثقافية / السياسية، لبعض الذوات التاريخية المعتربة، ولا تستلهم أفعالها التأسيسية وفق الآليات المعهودة في الفكر اللاتاريخي الباحث دوما عن تمثل واستعادة النماذج و الأنماط المثالية. فمن شروط نقد وتجاوز ما سماه بنسالم حميش ببداوة الفكر أو ما نسميه بلاهوت الفكر، تحرير الذات من استيهامات الفكر اللاتاريخي ومن مقتضياته الميثية والإيديولوجية ورفع الغطاء عن الهوامش والفراغات والمحجوبات والمطموسات. وهذا يقتضي تجاوز المعيارية المتعالية والمحورية الإثنية الشرقانية والموجهات المجالية للمجال التداولي العربي – الاسلامي.

( لهذا السبب نجد أنه من اللازم اليوم أن نعيد كتابة كل التاريخ المرتبط بالظاهرة الإسلامية وذلك عن طريق التساوق والربط بين المنهجية التاريخية المهتمة بدراسة التغيرات والتحول عبر الزمن وبين المنهجية الأنتروبولوجية المهتمة بدراسة البنى في لحظة ثابتة ومحددة. )

( محمد أركون – الفكر الإسلامي قراءة علمية – ترجمة : هاشم صالح – معهد الإنماء القومي – بيروت – لبنان – 1987-ص.73)

يلح أركون على التفكير التاريخي النقدي في الاستمرارية التاريخية للترسيمات والبنى السوسيو-ثقافية ؛ لا يمكن إضاءة التواريخ القريبة أو الأزمنة الحديثة، بدون الإحالة النقدية على أنساغ الجذامير التراثية وبدون التتبع الاستكشافي، للتعالقات والترابطات والتلاقحات، المخصبة للديناميات التاريخية وبدون الانخراط في الحراك التأويلي المتولد عن الحفريات المعرفية للأنثروبولوجيا الاجتماعية والتاريخية والثقافية والتاريخية. من البديهي إذن، أن يعاد بناء الذاكرة المشتركة المتوسطية و أن يفكر في الشأن المتوسطي بالارتكاز على إشكاليات بحثية متجددة وعلى أبنية نظرية مستحدثة.

( إن كل تاريخ الفكر في النطاق التاريخي لحوض البحر الأبيض المتوسط ينبغي أن تعاد كتابته على ضوء المراجعات الإبستمولوجية التي تحصل الآن بفضل مكتسبات علم الألسنيات الحديثة وطريقة دراستها للخطاب، وكذلك بفضل مكتسبات علم الأنتربولوجيا بصفتها نقدا للثقافات. )

( – محمد أركون – الفكر الأصولي واستحالة التأصيل – نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي –ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1999-ص.288-)

وبما أن الفضاء الثقافي الأمازيغي متوسطي –صحراوي، فهو معني، تاريخيا واستراتيجيا، ببناء تلك الذاكرة الناقدة والنقدية وبنقد الاستملاك العربي – الإسلامي واللاتيني-المسيحي- الغربي للخيرات والرساميل الرمزية لهذا الفضاء الجغرافي- التاريخي الاستراتيجي.

أركون والأمازيغية قراءة في مضمرات الخطاب (5/1)
أركون والأمازيغية : قراءة في مضمرات الخطاب(5/2)

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий