Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أركون والأمازيغية من منظور الإسلاميّات المطبّقة (5/5)

أركون والأمازيغية من منظور الإسلاميّات المطبّقة (5/5)

الاحد 12 كانون الأول (ديسمبر) 2010

بقلم: إبراهيم أزروال

لم يحصر أركون استكشافاته وتأمّلاته في العقل النظري أو في الفعاليات المجردة للعقل البشري أو في معالجة القضايا الإبستمولوجية فقط، بل أصرّ على الجمع بين الفعالية البحثية النظرية والفعالية الاستكشافية الإمبريقية. ليست الإسلاميات المطبقة إذن، بحثا في المتون التراثية أو في الإشكاليات الكبرى للعقل العربي – الإسلامي فقط بل هي كذلك، تبصّر ونظر واستقصاء أنثروبولوجي وسوسيولوجي، لتفاعلات الواقعات الاجتماعية، واستجابتها المركبة دوما لتحديات التاريخ الحي وللتجليات المتناسلة والمتمخضة عن مواقع ارتقائية أحيانا أو ارتكاسية أحيانا أخرى.(أما الإسلاميات المطبقة فإنها تنطلق من واقع الحياة اليومية للأفراد والجماعات والإحاطة بالمشاكل الحية المطروحة في كل مجتمع، لاستنباط ما يتعلق بها من تعاليم دينية وإبداعات ثقافية وأغراض سياسية ومصالح اقتصادية وتصوّرات إيديولوجية ..إلى آخر ذلك من عوامل الحركة التاريخية الشاملة للمجتمعات.)

(- محمد أركون – نحو تقييم واستلهام جديدين للفكر الإسلامي – الفكر العربي المعاصر – العدد 29-1984-ص.39) .

لا تكتفي الإسلاميات المطبقة بالإنصات إلى نبض النصوص مثل الإبستمولوجيا الجابرية، بل تضيف إلى الانشغال النظري الاشتغال بالإشكاليات السوسيولوجية والأنثروبولوجية وبالجدليات المعقدة لواقع مغاربي، تقدمه الايدولوجيا الاعترابية كأنه فضاء منزوع “الألغام” الإثنولوجية والاثنوغرافية فيما ينطوي على مخزونات رمزية بديلة تتجاوز السعة الدلالية للعوربة ولعملها التقريبي أو التكييفي بما لا يقاس.

في إبراز معاني الأعراف الأمازيغية:

لا غرابة في أن تنفتح الكتابة الأركونية على الجدليات السوسيولوجية الحية، وعلى تفاعل المعياري مع العملي في فضاء الممارسة الاجتماعية، وأن لا تحصر تحليلها في المجردات النصية أو في الخطابية المعيارية للنسق الشرعي. ومن المحقق أن الثقافة الشعبية المغاربية تحفل بزخم دلالي، لا يمكن إلا أن يغني المسارات المعرفية للباحثين وأن يقرب المفكر – الباحث من آليات عمل العقل واشتغال المخيلة والمخيال المغاربيين.

(ينجم عن تحليل محتوى التقليد الشفوي المغربي استخراج الترسيمات الذهنية الأولية المعرفية، والقيم السوسيو-ثقافية والتمثلات السيكو- اجتماعية التي يمكنها أن تكون ذات فائدة أكيدة في تحليل سيرورة الهيمنة الرمزية)

) Ahmed Boukous – Dominance et différence – essai sur les enjeux symboliques au Maroc -p.17)

لم تفلح الأدبيات العربية الإسلامية قديما وحديثا، في النفاذ إلى البنية التصورية واللاشعور الثقافي للثقافات المأصولة للشعوب المدمجة، طوعا أو كرها، في سياق الحدث الإسلامي. فهي منشغلة بالذب عن إطارها المعياري وعن إظهار تميزه وفرادته المنهجية والإبستمولوجية، ومؤدياته الميتافيزيقية، وبالتشغيب على المنجزات الثقافية والحضارية للأغيار، بالنظر إلى صدورها عن فكريات غير توحيدية. لا يمكن أن تعامل تلك الأدبيات المتشبعة بمحوريتها، النظم القانونية الطرفية، معاملة علمية موضوعية، أو تتناولها بما يسمح باستكشاف عالمها الرؤيوي ومؤدياتها الفلسفية الضمنية أو الصريحة. ورغم عدم تمكن الأرثوذوكسيات المالكية أو الشافعية أو الحنبلية من تفكيك النظم القانونية الطرفية، فإنها لم تنصرف إلى دراستها والتعمق في بنيانها الدلالي وفي ارتباطها بالايكولوجيا الثقافية للشعوب المدعوة إلى التعريب والى تجفيف مواردها اللسانية ومدخراتها الرمزية وذخائرها التاريخية، على نحو جزئي أو كلي.

ولعل من مفارقات الخطاب النهضوي والخطاب الوطني المتياسر، المطالبة بالتغيير بدون معرفة تركيبة الواقع، والإغراق في الإنشائيات دون التفاعل مع التراكب الأنثروبو-تاريخي للبنيات الاجتماعية بشمال أفريقيا. والحقيقة أن المسلك الفكراني للباحث المتياسر، يصدر عن المتصور أو المتخيل الفقهي أكثر مما يصدر عن المتصور المعرفي للعلوم الإنسانية أو عن الروح المعرفية للحداثة الفكرية. علاوة على ما تقدم، لم تنصرف الأذهان في غمرة الإغراق في التفاؤل الاستبشاري بالوعود الاستقلالية، إلى آليات الانتقال من نظام قدامي إلى نظام شبه حداثي، والى المواضعات الشعورية أو اللاشعورية والكلفة النفسية – الاجتماعية لتغيير مجرى التاريخية المغاربية، والانتماء إلى الزمن الوطني التحديثي بعد أزيد من أربعة قرون من الزمان القبلي -الطرقي. والحقيقة أن رفع الإيقاع التاريخي في غياب نقلة عميقة في الأذهان والأعيان على السواء، وقتل النواة الصلبة للفكرية المهيمنة، بحثا واستشكالا، وابتداع مفاهيم ومتصورات ومؤسسات بديلة لما أبدعه العصر الإسلامي، لا يمكن أن يسفر إلا على خيبات وعلى نكسات. لا يتسارع التاريخ إلا بعد تهيئة الأذهان، لوضعيات إبستيمية وملابسات هرمينوطيقية، قادرة على حمل الإنسان على صناعة وابتداع الدلالة وعدم الاكتفاء بوضع الاستعباد، الطوعي أو الاضطراري، للمعنى الأنطولوجي المستعار من الخطاب الغيري المتعالي.

يحفل التاريخ بجدل الاستمرارية والانقطاع، بتمزقات الذوات بين فحوى المعنى الأنطولوجي وبين المعنى الأنثروبولوجي، بين التاريخ السائر نحو النجاة ونحو الاكتمال في الجنان وبين التواريخ المبعثرة الاتجاه والمغبرة القسمات والنابضة بهوى الصوغ وبالبناء بدون إقفال الدائرة التاريخية أو إغلاق منافذ القلب.

وبما أن الخطاب الاعترابي مولع بالأنطولوجيا التوحيدية وبضماناتها المتعالية، فإنه يجد صعوبة قياسية في استقراء قسمات الأنثروبولوجيا المغاربية. فالأنطولوجيا التوحيدية تحمله على ركوب مركب الإحكام والاكتمال فيما لا تقدم الأنثروبولوجيا المغاربية إلا شذرات معنوية وعلامات تائهة في بيداء الرموز التداولية وتداخلات ثقافية سلسة وموفقة أحيانا وموجعة-درامية في الغالب.

لا يخرج تعامل الأصوليين والفقهاء والمؤرخين المسلمين، مع المدونات القانونية-العرفية الطرفية، عن التمثل الإسلامي المعياري للتصورات العربية في المراحل السابقة لظهور الحدث الإسلامي. ورغم عدم تمكن الأرثوذوكسيات الأصولية من إنهاء الحضور الأنثروبولوجي والتاريخي للأعراف والتقاليد التشريعية الجماعية وصعوبة تطبيق الترسيمة الإسلامية المرجعية في بيئات ايكو-ثقافية مختلفة عن العربية، فإن الخطاب العالم لم يحاول تغيير المنظور الدعوي وتفعيل مقاربة بحثية مقارنة لفهم ماهية العرف وآليات اندغامه بالمخيال الجماعي وبالسيكولوجيا الجماعية وبالتواريخ المحلية.

(فالقانون البدوي، والقانون البربري، والقانون الكردي، …كلها مرتبطة بالمعارف المحلية. وقد قاومت إرادة الدولة الإسلامية لفترة طويلة من الزمن، رغم محاولة هذه الدولة إخضاع كل مناطق “العصيان” هذه (أي ما يدعى في المغرب الأقصى ببلاد السباع ( كذا-المقصود هو بلاد السيبة ) مثلا ).

(- محمد أركون – الفكر الإسلامي – نقد واجتهاد – ترجمة وتعليق : هشام صالح – دار الساقي – بيروت- لبنان – الطبعة الأولى – 1990-ص.170)

يشير أركون هنا إلى تجاهل”الكونية” الإسلامية، للأنساق الثقافية للثقافات المدرجة، طوعا أو كرها، في السيرورة التاريخية للأسلمة والتعريب. والملاحظ أن الكونية الإسلامية الناسخة لم تتمكن، لأسباب ثقافية وتقنية، من استئصال المنظومات التشريعية والتقعيدية القديمة. فقد اكتفت تلك الثقافات بعقد تسويات إناسية وتوافقات بي- ثقافية، مستوحية تجربتها التاريخية في الاجتياف أو الممانعة التاريخية.

( فمثلا إذا ما نظرنا إلى منطقة القبائل الكبرى المزدحمة بالسكان في شمال الجزائر وجدنا أنه لا القانون الإسلامي ولا اللغة العربية ولا الثقافة العربية استطاعت أن تفرض نفسها قبل حصول الاستقلال عام 1962. والإسلام الذي نشره المرابطون هناك في الماضي اضطر إلى هضم قانون العرض المحلي وترسيخه، بالإضافة إلى الرأسمال الرمزي الذي يتميز بالمقاومة الشديدة لكل التأثيرات الخارجية. والكلام نفسه ينطبق على البربر في المغرب الأقصى وليبيا والعديد من الجماعات الأفريقية، الخ …)

(- محمد أركون – الفكر الإسلامي – نقد واجتهاد – ترجمة وتعليق : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت- لبنان – الطبعة الأولى – 1990-ص.170)

لم تلتفت الإصلاحية الإسلامية إلى استمرارية النظيمة الرمزية المأصولة، وامتناعها عن الاستيعاب والتذويب، واختلافها الأنثروبولوجي عن النظم الإناسية للعربيا. ويقدم أركون منطقة القبائل باعتبارها مجالا لازدهار الرأسمال الرمزي الأمازيغي وإقامة تسويات ثقافية على قاعدة العرفان أو المقدس التعديدي المفتوح على التجارب العرفانية المماثلة له لا على قاعدة المقدس المركزي المغلق.

لقد صارعت الأرثوذوكسية الإسلامية العرف الأمازيغي طويلا، دون أن تتمكن من تفتيته وتفكيكه؛ وبسبب التمركز الإثنو-عقدي لتلك الأرثوذوكسية، فهي لم تقدم على التناول النسقي الكلي ، لذلك العرف، ولا لماهيته الاجتماعية وتعالقه بالحدث الأمازيغي Le fait amazigh وبالحدثية الامازيغية événementialité amazighe.

ومن حسنات الإسلاميات المطبقة في هذا السياق عدم انسياقها وراء الإدانة المبدئية والفكرانية للأنثروبولوجيا الأمازيغية باسم حداثة معادة الصياغة ومشبعة، في العمق، بأنثروبولوجيا إسلامية مرفوعة تاريخيا، إلى مصاف أنثروبولوجيا أنطولوجية منزهة عن القصور وعن التاريخية. ليس مقام تناول النظم العرفية الأمازيغية مقام مفاضلات، أو ارتكاسات هوياتية كما يعتقد الحشويون الجدد، أو الهيرمينوطيقيون المهووسون، بل هو مقام استشكال وحفر أركيولوجي في بنية النسق وكشف عن القوانين وآليات تولد وتوليد التفاعلات والتقاطعات. ومما لا شك فيه أن الأنثروبولوجيا الثقافية والسيكولوجيا التاريخية والأنثروبولوجيا التاريخية، يمكن أن تقدم اضاءات قيمة وثمينة عن النظم العرفية الأمازيغية وعن تاريخها الملتبس بالنظم القانونية الإسلامية وبفلسفتها وديناميتها الروحية والأخلاقية.

لا جدال إذن في استنكاف الأنتلجانسا المتسلفة أو المعتربة عن البحث المدقق في التاريخ الثقافي والاجتماعي للمغارب، وعن إنارة آليات التثاقف بين المأصول الأمازيغي والمنقولات العربية – الإسلامية والمتوسطية واليهودية والإفريقية، وعن سبر كيفية احتماء الجماعات الثقافة بموروثها ومخزونها ورؤيتها، خصوصا في أزمان “الاستئثار” اللساني أو الثقافي أو في لحظات الاستتباع السياسي-التاريخي. والغريب في أمر هذه النخبة هو أن أفضل انتقاداتها للاستشراق وللأنثروبولوجيا الكولونيالية والأنثروبولوجيا البنائية – الوظيفية، يمكن أن يصيبها في مقتل مادامت تصدر عن نفس الموقف الاستعلائي المتعالي من الثقافات الطرفية. ولنكتف في هذا السياق، بتصور المردود النقضي لمقاربة نقدية للاعتراب مستوحية للمفاهيم الإجرائية والمتصورات النظرية والتمثلات المركزية المضادة لنقاد الاستشراق أمثال ادوارد سعيد وأنور عبد الملك !

وهكذا، لا مناص من كتابة تاريخ نقدي للتثاقف بالمغارب، وللإيكولوجيا الثقافية المعتمدة من قبل الثقافات والثقافات التحتية المتنافسة من أجل توسيع واغناء حقولها الاجتماعية وتأثيل رساميلها الرمزية والاجتماعية. ولا مفر كذلك من كتابة تاريخ نقدي لنقل الأنثروبولوجيا العربية – الإسلامية من مجالها الايكو-ثقافي الخاص إلى مجالات ايكو- ثقافية مغايرة، ومن انجاز كشف استشكالي لعمليات التبيئة والتوطين والفرض القسري. والواقع أن كتابة تاريخية ناقدة للإبستمولوجيا والأنثروبولوجيا المنقولتين، جديرة بإبراز نسبيتهما التاريخية وخصوصيتهما المجالية وحدود منظورهما الرؤيوي وفلسفتهما الضمنية ؛ وهي مهمة تقع في صميم مشروع نقد العقل الإسلامي والإسلاميات المطبقة كما هو معلوم.

لقد وجدت الكونية المجردة للخطاب الإسلامي، مدافعة صريحة من قبل الجماعات الثقافية المتمسكة بأطرها الفكرية وبأجهزتها التصورية وأنساق تمثلاتها .ولذلك ، فلا مناص، من جهة نظر الخطاب الخصوصاني، من البحث عن تسويات، تصير بمقتضاها الكونية المدعاة مجرد فرض عقدي لا يصمد أمام امتحان تاريخ الثقافات. وتلك إشكالية لا يتسع لها أفق الاعتراب الثقافي، ولا واقع المركزيات الإثنية المقدمة في إهاب العروبة الجامعة .

( فطرأ على العقيدة الجديدة في نفوسهم ما طرأ من الانحرافات الطفيفة أو الخطيرة، وسجل التاريخ من ذلك ما سجله، في شأن البرغواطيين وغمارة خاصة. تلك الانحرافات من وجهة نظر المسلم تعتبر نوعا من الردة، لكنها من وجهة نظر السوسيولوجية التاريخية تعتبر ردود فعل ثقافية صادرة عن غريزة الحفاظ على الكيان الذاتي؛ ذلك هو مدلول إقامة الشعائر الدينية بالأمازيغية عند برغواطة وعند الغماريين)

( – محمد شفيق –لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين – دار الكلام للنشر والتوزيع –الرباط – المغرب – 1989ص .86-87)

والواقع أن بورغواطة وغمارة لم تكتفيا بتمزيغ العقيدة التداولية الجديدة، بل ذهبتا إلى حد اجتياف كثير من عناصرها لوضع معتقد قومي ملائم للقواعد الأخلاقية والمعيارية لاجتماعهما. ولا بد من التأكيد في هذا المقام، على الاختلاف الجذري الموجود بين المقاربة اللاهوتية المستوحية للمقالات الكلامية أو لكتب الفرق والملل والنحل أو لأحكام الارتداد الفقهية، وبين المقاربة التاريخية – النقدية، الراصدة للتثاقف العقدي، وللانتظام في سلك الأرثوذوكسية أو في سلك الهرطقة أو النحلة المستحدثة.

( وفي سنة 325ه ادّعى رجل النبوة بجبال غمارة، والديانة التي شرع لهم صلاتان بالنهار : الواحدة عند طلوع الشمس والثانية عند غروبها، ثلاث ركعات في كل صلاة، ويسجدون وبطون أيديهم تحت وجوههم، وصنع لهم قرآنا يقرؤونه بلسانهم بعد تهليل يهللون به، وهو “خلني من الذنوب يا من خلى البصر في الدنيا، أخرجني من الذنوب يا من أخرج موسى من البحر”، ثم يقول في ركوعه : “آمنت بحميم وبأبي يخلف صاحبه، وآمنت بتاليت عمة حم”، ثم يسجد …)

( – مجهول – تاريخ الأندلس- تحقيق : عبد القادر بوباية – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الاولى 2007-ص 209-)

لا تحرك المجموعات الثقافية في السياقات السياسية المضطربة حسها العملي فقط، بل تعمد إلى النهل من دينامياتها الكمونية ومن خبراتها التاريخية المتراكمة للخروج من دورات العنف القاتلة ولتكريس الحد الأدنى من الانتظام لضمان سريان الديناميات السياسية– الثقافية في الكل الاجتماعي. لا يعني ضعف المؤسسات السياسية- الاجتماعية، إلا تكريس العنف المفتوح، واشتعال نار المنافسة المحاكاتية، وتوليد سلوكات رهابية بل ذهانية ..

( وأما القائد محمد ابن الحاج الحسن، فقد تولى الباشوية على (أكادير)، وهو أول من تولاها بعد الاحتلال، وتولى على (كسيمة) و(مسكينة)، فظهر بمظهر جبروتي، ووسوسة صيرته غريب المظهر، فبينما هو يحتوش كل شيء =والجملة من باب الكلية الجميعي = ويفتك برجال ذوي مروءة بأنواع الفتك، حتى ببقر البطون، إذا به في نفسه لا يتمتع بشيء، لأنه لا يخالط أحدا، ولا يأمن على نفسه وعلى مطعمه إلا أمه من يده ليدها، وحاجبه إذا أتت رسالة يفتحها وراء نافذة فيها زجاج مصقول، فيقرأها من وراء الزجاج، وإذا ركب مع أصدقائه من (انزكان) إلى (اكادير)، انتشرت الخيل ميمنة وميسرة، ساقة وطليعة خوف كمين، فيفتفى ما وراء كل شجرة وما بين حفافي كل ثنية صغيرة أو أخدود :

ويؤتى إليه أن كل ثنية تيممها ترمي إليه بقاتل .)

(- المختار السوسي-الرؤساء السوسيون في العهود الأخيرة – هيأه للطبع ونشره : عبد الوافي المختار السوسي – مطبعة المعارف الجديدة – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 2010-ص. 144-145) .
ثمة سياقات أخرى تختار فيها المجموعات الثقافية بلورة الأوفاق الجماعية بطرق قدسانية موغلة في الغرابة، مثل طقس تفركانت أو تاضا لدى أيت عطا أو في الأطلس المتوسط .لدى المجموعة، آليات لإخماد تلك الرغبة المحاكاتية في تقليد عنف الآخرين وإيصال دورة العنف إلى الذروة .ينبثق العنف القدساني، المتحرر من العنف الشرعي، ليمكن المجموعة الثقافية من إنهاء حالات الانهمام بالعنف وبالتشبه المحاكاتي بالعنف الغيري.

(وعندما عقد أيت خباش ميثاق تافركانت مع بني امحمد، اختاروا لذلك طريقة مخالفة، فخلال اجتماع كبير جمع نساء أيت خباش حليب نساء بني امحمد في إناء، ثم شرب منه كل الأعيان الحاضرين، ودفن الإناء في نفس المكان الذي تم فيه هذا الميثاق بهذه الطريقة. ويطابق هذان الحفلان المفهوم البيولوجي الذي اعتاده أيت عطا عن القبيلة والعشيرة.)

(-جورج سبيلمان – أيت عطا الصحراء و”تهدئة” درعة العليا – ترجمة : امحمد احدى – جذور للنشر – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 2008-ص.71) .

تقدم تفركانت أو تاضا، عينة نموذجية عن التعاقد القدساني في زمن الاختلالات السياسية وغياب الناظم السياسي – الاجتماعي والمؤسسات الجماعية المتماسكة. يتأسس هذا الطقس التعاقدي على اجتياف طعام مقدس وقيم مقدسة، وعلى إقرار دائم للسلم والابتعاد عن كل ما ينطوي على العنف الرمزي أو على العنف المادي. تتحرك تاضا إذن بين تعاقد شبه عقلاني متفق عليه ضمانا للسلام في أزمنة اللاسلم واللاحرب، وتعاقد قدساني لاعقلاني كليا، يستحق بموجبه كل مخل بواجباته اللعنة الغيبية العاجلة.

وما يعني الباحث – المفكر في الأنثروبولوجيا المغاربية، هو التفكير في إقدام الجماعات الأمازيغية المنتجعة، على تنضيد هذا الطقس وصياغته صياغة تعديدية مفارقة لإقرارات الفقه ولالزامات المؤسسة الأرثوذوكسية وعلى تطوير قابلية اجتياف الخوف من المقدس لخدمة قضايا السلم واللاعنف لدى المتعاقدين ولدى أخلافهم. كما يمكن للمشتغل بالسوسيولوجيا السياسية أو بالأنثروبولوجيا السياسية أو التاريخية أو بسوسيولوجيا التعاقدات الرمزية أن يبحث عن طرق تفكيك هذا الطقس، وحيثيات إلغاء مستتبعاته في مجتمع يشهد تعاقدات ذات معقولية مختلفة الإطار المرجعي بعد الاستقلال.

تساعد الطقسنة في قبيلة بني مطير على إيقاف التشبه بالآخر وكسر حلقات العنف والعنف المضاد ؛ فبعد تغريب القاتل أي فصله عن إطاره السوسيو-ثقافي، يجتمع ممثلو المقدس والبنية السوسيو-تاريخية القبلية ويقدمون على طقسنة العنف وترويضه عبر توجيهه إلى الأضحية القربانية ومسرحة الصلح وتشغيل منطق الهبة وتفعيل آلية الإجماع الرمزي بين مكونات المشهد السوسيو-ثقافي.

لقد ابتكرت قبيلة بني مطير طرقا رمزيا لهيكلة الاجتماع وضمان استمرارية منطق التآلف والتساند والتضامن عبر تشريع السلم والرمزية الثقافية و”الطقسنة” والمسرحة والتعويض المادي لأولياء المقتول.

ما يعني الباحث في الأنثروبولوجيا الأمازيغية ليس تدبيج المدائح والتغني بأفضال الأعراف كما يعتقد المنافحون الاعترابيون عن الكونية غير المشروطة، أنثروبولوجيا وتاريخيا وسيكولوجيا، للشريعة وللثقافة العربية الإسلامية بصفة إجمالية ، بل امتلاك ناصية التفاعل والتصارع الثقافي في سياق اللاتوازن بين قوى الهيمنة وقوى التكيف.

( اليوم لم تعد تاضا تؤدي دور العامل المنظم للتنظيم القبلي. ويمكن تفسير انقراضها شبه الكلي على ما يبدو، بثلاث وقائع مسّت بدرجات متفاوتة، المجتمع المغربي خلال المراحل الكولونيالية وما بعدها. يتعلق الأمر بتحول الميدان السياسي – القضائي ( مركزة الجهاز الدولتي، تعيين وتشكيل المحاكم وتفكيك المجموعة الموجهة على المستوى المحلي :أي ” الجماعة”) وتحويل القطاع الاقتصادي (استبدال الفلاحة بتربية الماشية المنتجعة ) وتحول التمثلات الجماعية (تراجع وتقهقر المعتقدات القديمة للتواصل). ويمكن صياغة هذا الإثبات بطريقة نظرية أكثر إجمالية : ظهور سلطة مركزية، مهيكلة حول المراكز الحضرية تجاوز تدريجيا ثم ألغى القيمة الإجرائية للقواعد المحتضنة من قبل مجتمعات الرحل (أو أنصاف الرحل) التي كانت تدير قديما مناطق بأكملها.).

(Hammou Belghazi – Le rituel comme action sanctifiante des liens intergroupes : le cas de « tada » au Maroc – Hespéris – Tamuda – vol.XXXY-fascicule2-1997-p.130).

لم تخلخل حداثة المجاورة أو حداثة الاعتراب التنظيمات الاجتماعية العرفية فقط، بل انبرت لفرض أسلمة” متوهبنة” أو متسلفة، وتهيئ قطائع في سند الرمزية المحلية، بعد استعارة اعتراب متأسلم من النمط الكيتشي. وهكذا حل”التتريث” محل التحديث تدريجيا، وغاب الاستشكال المتشكك في صرامة المواقع الأنثروبولوجية، للخطابات المتسلفة، وأبان الحس العملي عن قدرة كبرى على تدبير المزق الهوياتية المتناثرة في غياب الهندسة الفكرية أو الاستراتيجية الحضارية الواعدة .

(وعندما اندلعت حروب التحرير الوطنية استغل رجال الدين الرسميون الفرصة وإعادة الكرة من جديد من أجل إدخال أهلها في الإسلام ..إنه صراع انتربولوجي قديم لم يفتر في يوم من الأيام بين الثقافة الرسمية واللغة الفصحى والدين الأرثوذوكسي من جهة / وبين الثقافة الشعبية واللغات المحلية أو اللهجات، ثم الطوائف البدعوية، أو المدعوة كذلك من جهة أخرى . )

(- محمد أركون الإسلام الأخلاق والسياسة – ترجمة : هاشم صالح – مركز الإنماء القومي – اليونسكو – باريس – الطبعة الأولى 1990-ص120)

لم تنحصر الواقعات المغاربية في التفاعلات التاريخية والأنثروبولوجية المعهودة في المجتمعات الزراعية أو الرعوية التقليدية، بل انضاف العامل الفكراني – السياسي إلى المشهد الثقافي ،وتقوت الأجهزة الإيديولوجية للدول المعتربة اعترابا صلبا (الجزائر وليبيا) أو اعترابا رخوا (المغرب وتونس). وتم اعتماد اعتراب مشدود إلى المركزية العقدية الإسلامية وإلى تجريبانية لسانية وثقافية هاوية، غب كل مغامرة تجريبية ( تجريب نتف من الاشتراكية بالجزائر وتشغيل أجهزة وآليات “ملبرلة” بالمغرب وتونس مثلا) ؛ كما تمت إضافة مؤسسات وتقوية متخيلات معضدة للقاع التاريخي للتقليدانية الفقهية –الأشعرية وللسلفية” المتحنبلة” أو “المتوهبنة “.أليس غريبا أن تقود الماركسية والشخصانية والغدية والمستقبليات والبنيوية والإبستمولوجيات والتداوليات والتفكيكيات في هذا الزمان المغاربي الغريب إلى موانئ الاعتراب كمحطة أولى على درب التقلديانة والتسلف كمرحلة نهائية؟ ألم يحن الأوان للبحث عن الضمنيات والمخفيات والمستتبعات القدامية للاعتراب، واستبعاد كل فصل إجرائي أو وظيفي بين الاعتراب والتسلف، أو بين الاعتراب والأنطولوجيا المفارقة التأحيدية بداهة؟ ألا ينطوي العمق النظري للاعتراب على مضادات الحداثة الفكرية والتحديث السياسي؟ ألا تفصح تجربة البعث السياسية بالعراق وسورية، والثقافية في سائر البلاد المعتربة رسميا أو بفعل قوى المجتمع الأهلي المسماة، من باب التسويف اللفظي، بالمدني، عن اغتراب الاعتراب الكلي والجوهري عن الحداثة بما هي بنية خطابية قائمة على تمرن ذهني ومؤسسي على القطيعة مع الإبستيمية القروسطية ومع الوصال والمنهاج الرحمانيين؟

( وإذن، يوجد تضامن فعال على مستوى التصور النظري وعلى مستوى الممارسة السياسية والتجسيد المؤسساتي بين التركيبات التيولوجية الناتجة عن الأديان التوحيدية، وبين مفهوم الدولة المركزية. وهذه مشكلة تخص الفلسفة السياسية في العمق. هناك نوع من التضاد والتمايز بين الثقافة السياسية التي تنظر إلى مشكلة المجتمع المدني من خلال منظور الفيدرالية، وبين الفكر السياسي الذي ينظر الى مشكلة المجتمع من خلال المفهوم الواحدي الاحتكاري المركزي الموجه نحو الحقيقة : أي حقيقة الدولة والحقيقة التيولوجية في آن معا)

(- محمد أركون – الفكر الإسلامي – نقد واجتهاد – ترجمة : هشام صالح – دار الساقي – بيروت- لبنان – الطبعة الأولى – 1990-ص.287)

تعتقد بعض كتابات حداثة المصانعة أن التفكير في الأعراف الأمازيغية قرينة دالة على تقليدانية طرقية أو قبلية متخلفة بجميع المقاييس التحديثية عن حداثة المجاورة الجامعة بين حسن الأصالة العقدية والمعاصرة التقانية. والحال أن المراد من التنصيص على الأعراف والفعالية التشريعية والتقعيدية والتنظيمية الأمازيغية، هو تذكير المغترين الإيديولوجيين أو الطرقيين الجدد، بتعقديات الواقع وبشهادات التاريخ غير القابلة للمحو بجرة قلم معتربة أو متسلفة. والواقع أن إنكار الخاصيات الأنثروبولوجية واللسانية للمغارب لا يستوفي قصود الإبستمولوجيا التاريخية كما لا يستجيب لإيطيقا المعرفة بأي حال من الأحوال. لا يمكن للإبستمولوجيا الاعترابية أن تلتزم بالمواضعات المنهجية في تعاملها مع إشكاليات العقل العربي، وأن تلغي تلك المواضعات وتركن إلى الاستعجال والتحليق السريع والانطباعية وهي تتناول الجسد التاريخي للمغارب ؛ وكأن الباحث يعلن انتفاء التكافؤ المنهجي أو الميثودولوجي بين الحقلين المعرفيين، وحتمية التخفف من الصرامة المنهجية في التعامل مع موروثات شعبية ضئيلة القيمة قياسا إلى منتجات العقل الشرعي أو العقل المسدد. ثمة تكريس للأفضلية المنهاجية للحقل العربي، يفصح عنه التغييب المتعمد للمعالجة الاستشكالية والركون إلى الإقرارات والتحكمات الانطباعية كما في تحليقات الجابري وتشغيبات بنسالم حميش ومدافعات عبد السلام ياسين .

لا يمكن بناء الحقيقة التاريخية بمعزل عن المجرى الأعمق للمغارب ؛ والحال أن الكتابات الاعترابية ترفض العمق التاريخي والثقافي لهذا الفضاء التاريخي لاعتبارات لاهوتية وفكرانية بارزة. ولقد تفتقت العبقرية العروبية في العقود الأخيرة، على أطروحة الاعتراب السلالي للأمازيغ. يصير الأمازيغ بموجب هذه المنة العروبية عربا من العرب العاربة، وتصير اللغة الأمازيغية لغة متفرعة عما سمّاه علي فهمي خشيم باللغة العروبية .

تكمن المعضلة هنا، لا في مناهج النظر بل في الرؤية الفكرية وموجهاتها السيكولوجية والسوسيولوجية المخفية في مقدمات نظرية أو منهجية مكثفة أو متأنقة .

إن مفكرا يلغي الواقع اللساني والقانوني والتاريخي المغاربي..الخ أو يتعالى على المغاربيات باسم الأفضلية المعيارية لمجاله التداولي(طه عبد الرحمن / عبد السلام ياسين…الخ )، لا يوسع نطاق اللامفكر فيه أو مدى المسكوت عنه فقط، بل يوقع كل تطلع أو استشراف في دوران محموم بين انغلاقية اللفظ وجمود القانون، بين” التنرجس” المقعد والهذاء العرفاني .

ما يعني الباحث هو المعاينة السوسيولوجية أو الأنثروبولوجية وتعليل المعاينات وتكييفها معرفيا وفق المكتسبات الراهنة للبحث العلمي. وهذا يفترض قدرته على استشكال موقعه المنهجي والتفطن الى ألاعيب “اللاشعور المعرفي” وإمكان تشرب بعض القبليات غير المسلمة أو بعض المسبقات غير المدللة أو بعض الإقرارات السوسيولوجية غير المسددة الى مقاربته” للشيء ” الأمازيغي. والحال أن الباحث الاعترابي لا يقرأ الواقع لاستقراء وقائعه وممكناته، بل لتكييفه مع قصد فكراني موضوع مسبقا. وهكذا تضيع “الفضيلة العلمية والخلقية” بضياع الصرامة المنهجية، ويتسع المجال لخلط الواقع بالطوبى، والممارسة البحثية بالعظة الفقهية، والمنهاج الإبستمولوجي بالفكرانية اللاهوتية.

فما يعني البحث المعرفي، ليس البحث عن مطابقة العرف للشرع، بل البحث عن العقل الثاوي وراء العقل العرفي وآلياته في الاستجابة والتكيف والاجتياف والإدماج. ثمة أسئلة وإشكاليات توحي بالجدة المعرفية، فيما ليست إلا قناعا للمبتغى الفقهي . وثمة واقع مركب تكتفي الكتابات المعتربة باختزاله وحصره في مسكوكات وفي تنميطات صادرة عن مقتضى الفكر الفقهي وعن قصد المؤسسة اللاهوتية.

ليس التفكير في الأعراف الأمازيغية استعادة للامعقول إلا في ذهنيات اعترابية أو متأسلمة أدمنت الامتياح من المعين الثر للأساطير التأسيسية الألفية للشرق الأوسط. فالاشتغال بالأعراف اشتغال بالتاريخ الاجتماعي وبالأنثروبولوجيا التاريخية، وبجدل البنيات الشعورية والبنيات اللاشعورية في سياقات ثقافية مترعة بالتلاقحات الثقافية. ثمة تراكمات تاريخية لا بد من معاينتها بكثير من الحذر والتروي المنهجيين ومن الإيغال في بنياتها وطرق إنتاجها للمعنى الثقافي. والحال أن الخطاب الاعترابي لا يأبه للأسئلة الإبستمولوجية في تعامله مع المدونة العرفية، ومع حيثيات التاريخ الاجتماعي لمغارب الزمان الطرقي. ليس العرف آلة تكييفية مجوفة، بل ممارسة لنمط تعقلي قمين بالاستجلاء والفحص والتمحيص. كما يدفع الاشتغال الأنثروبولوجي أو التاريخي أو القانوني بإشكالياته، إلى الوقوف على الاستمرارية أو القطائع الأنثروبولوجية المحدثة بعد همود الزمان القبلي – الطرقي. والحال أن المقاربة الاعترابية لا تحقق مقتضيات هذا النصاب، إذ تبقى محصورة في الإطار النفسي والذهني للنصانية الإسلامية وللتاريخ الفكري كما صاغته وحملته بأشواقها وينبغياتها الطوباوية. ليس الباحث –المفكر مطالبا، بالانخراط في الصراع الإيديولوجي –السياسي بين التصوف والتسلف، بل بالكشف عن آليات امتصاص الواقع الثقافي التعددي، تعريفا للمفاهيم والمتصورات، وإلباسها دلالات مستجدة أو محورة أو محرفة في سياقات التصارع الكياني بين المجموعات الثقافية حول المعاني المركزية وطرق صوغها محليا.

إن سؤال الأعراف هو سؤال تأريخ وتنهيج ؛ فالبتاريخ نبني مداميك المعرفة السوسيو-تاريخية، وبالتنهيج نضيء المادة الأنثروبو-تاريخية إضاءة بنائية وتاريخية. فالقصد الجوهري للباحث، هو استقصاء شروط إمكان العرف وآليات اشتغال العقلية العرفية، وطرائق اشتغال العقل البشري عموما. فباستثناء قلة من الأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين ( بول باسكون وعبد الكبير الخطيبي وعبد الله حمودي وحسن رشيق ورحمة بورقية وعبد الرحمان موساوي….الخ )المتمرسين بالملابسات الحقلية أو الميدانية، فإن جمهرة الفكرانيين المعتربين اكتفت بالمعالجات العامة العجلى لإشكاليات المقدس والعرف والأنثروبولوجيا المغاربية إجمالا .

ومن هنا، فلا يدل الاهتمام النقدي بالأعراف الأمازيغية وبالإثنوغرافيا المغاربية عن أي حنين أو وطان أو اهتيام بأخلاق القرية كما يعتقد المتلذذون بالمفارقات الصغرى المتوهمة، بل عن اهتمام فعلي بأسئلة الكينونة ووضعيات تاريخ هو دوما في مفترق طرق وفي وضعيات إنسانية كاووسية .

( المغرب البديع هذا آخذ في الزوال، تغطي اللامبالاة ذاكرته. إننا بمعنى ما، نتابع التهديم الذي بدأه الاستعمار وعلم الأجناس. وليكن قولنا مفهوما : نحن لا ندعو إلى الحنين الساذج للأصل القديم وإنما ندعو إلى مغرب جذري تخلص من القانون اللاهوتي ومن سلطة العلموية.

إن على المغرب كأفق للفكر وكينبوع للفن أن يكون في مستوى جذرية الوجود هذه. أي أن عليه أن يتجه نحو الزمن الجمع لمغرب لا ينسى. والذي لا يمكن أن يحاصره قانون البشر ولا السور الميتافزيقي.)

(-عبد الكبير الخطيبي – النقد المزدوج – منشورات عكاظ –الرباط – 2000-ص.40)

إلا أن إرادة المعرفة لا تلغي إرادة التشخصن ؛ فثمة ارتباط ضروري هنا بين إشكاليات المعرفة التاريخية وإشكاليات المسلك الايطيقي اللازم لتأسيس إنسية مغاربية – متوسطية مغتنية بالتثاقف وبالابتكارية الخلاقة للخلاقين !

في إبراز الغنى الأنثروبولوجي لمنطقة القبائل والفضاءات الأمازيغية:

لم تتمكن الحركات التسلفية بمغارب النصف الأول من القرن العشرين من استكشاف البنية التصورية للمقدس التعديدي، ولا الشبكات التركيبية للقوانين العرفية السارية بالمناطق الأمازيغية، للأسباب التالية :

– صدورها عن محورية إثنو-ثقافية ناكرة للنسقية وللقيمة المعرفية للثقافات المتمركزة والمتمحورة حول الرمزية الوضعية المحايثة،

– انحيازها المنهجي والتصوري إلى النسقية الأصولية –الفقهية في صراعها التكافؤ ضدي

ضد النسقيات العرفانية – الصوفية، ambivalent

– افتقارها إلى الآليات المنهجية والأطر الإبستمولوجية الضرورية لإضاءة النظم والمدونات والمنجز القانوني للثقافات الخارجة عن مدونات العروبة الثقافية .

لا يمكن التعامل مع الفضاءات الثقافية الأمازيغية من منظور السلفية –المعتربة أو” الملبرلة”، إلا من منظور التبديع والتشنيع، لا من منظور المقاربة العلمية الاستكشافية والتحليلية. فمن “مكر التاريخ ” المغاربي، توفير الاستعمار الفرنسي لشروط تقوية التسلف الاعترابي وامتلاكه للأدوات الفكرانية – المعرفية والوسائل التقانية لتفكيك سياج الامتناع الثقافي الأمازيغي، وتعبيد طرق التسلف الرخو طيلة النصف الأول من القرن العشرين والتسلف الصلب طيلة النصف الثاني من نفس القرن كما في الحالة الجزائرية مثلا. لقد امتطت القدامة الكلاسيكية صهوة الحداثة التقانية والعلمانية الرخوة، للتوغل في المنحدرات الحادة للمجال الأنثروبولوجي المغاربي، ولتقديم وعدها التاريخي القاضي بإحلال “الطقسنة” الشرعية محل”الطقسنة “المحلية، وبتكريس الممارسة الفقهية في نموذجها التسلفي –”المتوهبن” في المواقع التاريخية للأعراف الجماعية.

( فعلاقات الزواج والقرابة وحسن الضيافة وقانون الشرف والعرض، كل ذلك يشكل الرأسمال الرمزي للجماعة، وهي تحرص عليه أكثر مما تحرص على رأسمالها المادي. ولذا يمكن تحليل هذا الرأسمال الرمزي، كما يحلل ماركس الرأسمال المادي في المجتمعات الرأسمالية ويطبق عليه مصطلحات القيمة وفضل القيمة وعلاقات الإنتاج والتبادل، الخ …وهذا ما فعله بورديو بالنسبة للرأسمال الرمزي في منطقة القبائل الكبرى في الجزائر، وذلك في كتابه الكبير المذكور. ويتبين لنا عندئذ أن الإسلام ليس هو العامل الحاسم في المجتمع وإنما الطقوس والشعائر السابقة على الإسلام بكثير. وهذا الكلام ينطبق على كل المناطق ذات الثقافة الشفهية فقط سواء أكانت عربية أم بربرية لا فرق . )

(- محمد أركون الإسلام الأخلاق والسياسة – ترجمة : هاشم صالح – مركز الإنماء القومي – اليونسكو – باريس – الطبعة الأولى 1990-ص122)

يحيل أركون على الدراسات الإثنولوجية الفرنسية المخصصة لمنطقة القبائل، بالنظر لما تمتاز به-تلك الدراسات- من تماسك نظري ومن ابتداع مفهومي ومنهجي، ولما تتفرد به بالقياس إلى الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية. فالواقع أن هذه المنطقة شكلت بوتقة ثقافية وتاريخية لاجتراح وابتداع المفاهيم الإثنولوجية والسوسيولوجية، وتصليب الأجساد التصورية للنظريات العلمية، في قطاعات العلوم الإنسانية والاجتماعية عموما. فلا يمكن النفاذ إلى الدوركايمية والبورديوزية مثلا دون تمثل الإمكانيات التجريبية لمنطقة القبائل الجزائرية ولنسقها اللساني والأنثربوبولوجي. لا يحتاج الغنى الإناسي للمغارب إلى التقريع الفقهي أو إلى التبديع التسلفي بل إلى البرامج التحليلية العلمية المستندة الى نظريات ومناهج وآليات ناجعة وكاشفة. ثمة فارق نوعي بين المعترب الفكراني المتسقط للتماثلات والتشابهات، والباحث عن نمذجة مخيالية للإنسان وللعالم المغاربي مثل الجابري وجعيط وخشيم، وبين الباحث المفعم بالشجاعة الهرطوقية لمواجهات كل أشكال التكلس النظري أو المنهجي، وكل الاستعمالات الفكرانية للمجترحات المفهومية أو النظرية في حقول العلوم الإنسانية أو الاجتماعية.

لم يكن بإمكان المتشبع بالخطاب السلفي-النهضوي أو بالخطاب السلفي –المعترب، أن يعدل منظوريته الثقافية وأن يستكشف مصير المعتقدات في المعترك الكينوني، وفي المصهر التاريخي، وأن يستوعب متانة المخيال الجماعي والرأسمال الثقافي، وأن ينسب موقعه المعرفي والتاريخي والإبستمولوجي. فخلف التعالي الإبستيمي للذات المعتربة يكمن خواف مزمن من رفض كونية الخطاب المعياري، وإمكان انتساب ذلك الخطاب بالذات الى المقتضى الأنثروبو-تاريخي الخاضع بالضرورة لقوانين ونواميس الصيرورة، مهما أوغل في المتعاليات. يقابل كل اختزال أو قدح في ذاتية الآخر تضخيم وتوثين جديدان للذاتية الثقافية العربية. والحال أن الحداثة استشكال لمواقع الذات ولمواقع الآخر، وبحث عن تعالقات وتذاوتات جديدة، وصياغة مبتدعة للعلائق وللفعالية الرمزية للإنسان بما هو كينونة محايثة غير قابلة للتفويت الميتافيزيقي.

لم تلتفت الخطابات الاعترابية الجامعة بين وحدانية اللاهوت ووحدانية الدولة المركزية “اليعقوبية”، للسمات والإمكانيات المعرفية والسياسية والتنظيمية والتاريخية المخصوصة للفضاء الثقافي- التاريخي المغاربي. فقد حصرت هواها الإيديولوجي في بعض أفكار القومية – العروبية، وفي بعض توجهات التسلفية”المتوهبنة”، ووضعت الذخيرة التاريخية المغاربية بين قوسين حادين.

(وبدلا من أن يساعدوا على ازدهار الثقافات المحلية وتطبيق العلوم الاجتماعية من أجل الاستكشاف العلمي والاستقصائي الشامل لكل القطاعات المهملة أو المطموسة من الفضاء المغاربي بما فيها تشجيع الجماعات البربرية التي تقبل كلها بالانضمام إلى تشكيل الأمة دون استثناء، أقول بدلا من ذلك ماذا فعلوا؟ راحوا يفرضون في البرامج المدرسية والخطابات الرسمية أشكالا عتيقة وبالية ونائية ومجهولة من الثقافة العربية المنسية والإسلام الضيق المختزل إلى مجرد شعارات إيديولوجية – لا هوتية.)

( محمد أركون –الإسلام، أوروبا، الغرب – رهانات المعنى وإرادات الهيمنة – ترجمة وإسهام : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1995-ص.130-131)

حين تغيب القاعدة الإبستمولوجية الصلبة ويستفحل ما يسميه أركون بايدولوجيا الكفاح، وتتوسع المؤديات النظرية للخطاب الإسلامي المشترك، وتتغلب رهانات المعنى الفئوي على رهانات المعنى المتذاوت، يصير البحث عن منجزات وحدود الشرط البشري منعدما. والحقيقة أن لاهوتية الخطاب السلفي-النهضوي والخطاب القومي – العروبي تمنعهما من استجلاء الحقائق الأنثروبولوجية والتمييز بينها وبين الحقائق الفكرانية، والتعرف على المنعطفات الحدية للتواريخ الإقليمية. وبدلا من تعميق البحث في الأنثروبولوجيا الأمازيغية والبحث في علائقها المتوترة بالتاريخ، اختار المعتربون إلغاء الأمازيغية جملة من جدول أعمال دولة الاستقلال، واصطناع سمت هوياتي وثقافي وحضاري جديد للمغارب، وتحويل هذا الفضاء الجيو-تاريخي الى مجرد ملحق لساني وثقافي وتاريخي بالمشرق في ركاب العوربة الصامدة بله الظافرة !

( ولكي نتعرف على رؤيا العالم (أو بالأحرى رؤى العالم ) التي بلورتها عن طريق التفاعل مع التعاليم الإسلامية المبسطة جدا والمنشورة من قبل المرابطين فيما يخص المغرب الكبير فإنه يتحتم علينا أن نلجأ إلى المنهجية الاتنولوجية والإشكالية الانتربولوجية. فهذه المناطق تعيش على الثقافة الشفهية، وبالتالي فلا يمكن التعرف عليها عن طريق الآثار المكتوبة والأرشيف المصنف وإنما عن طريق التحريات السوسيولوجية والاتنولوجية الممارسة على أرض الواقع. وهذا ما فعله عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في دراسته الأكاديمية والتخصصية الدقيقة التي كرسها لمنطقة القبائل الكبرى في الجزائر)

(- محمد أركون الإسلام الأخلاق والسياسة – ترجمة : هاشم صالح – مركز الإنماء القومي – اليونسكو – باريس – 1990-ص.119)

لم تحاول الأنتلجانسيا الاعترابية التفكير المتجدد في المغارب في ضوء المستجدات والمتاح المنهجي والمعرفي الكوني، بل عملت على بث الصور النمطية للمتخيل الإسلامي، وتعبئة الكتل البشرية المنتزعة من سياقاتها النفسية- الاجتماعية بما يقوي ويعضد الجسد الرمزي للإيديولوجيا الاستبدالية الرائجة. فالاستبدال لا يحقق القصد، بل يطمر الإشكاليات ويعقد الوضع النفسي والمعرفي، ويوقع في منازل عويصة خصوصا بعد فوات الهبة وخمود الصحوة، واتضاح السمات الرمادية للتاريخ الواقعي.

لم تلتفت هذه الأنتلجانسيا في غمرة انكبابها على نزع الطابع الكولونيالي décolonisationعن البحث في المغاربيات، إلى إمكان استثمار المعلومات والإفادات العلمية الموجودة طي الكتابات التاريخية والإثنوغرافية والإثنولوجية والأنثروبولوجية واللسانية والأدبية الكولونيالية، وإعادة طرح الأسئلة المحورية للأنثروبولوجيا المغاربية. وعوض التركيز على المادة الوثائقية المستجمعة والمعاينات الميدانية المقمشة والأطر التحليلية المبلورة، تم التركيز على السياق السياسي- الثقافي المباشر لكتابتها وتأليفها. والغريب هنا أن مسارعة الباحث الوطني إلى الانتقال من الأنثربولوجيا إلى التاريخ لن تفضي إلى تحقيق التاريخية بله التاريخانية بعد نصف قرن بل إلى استعادة اللاهوت والفقه في بنائهما التسلفي الغض كما هو مشهود في الوقائع الجزائرية!

فالإشكاليات التاريخية لا تقبل الطي أو التسريع المصطنع للتاريخ، بل تستدعي المعالجة التناهجية، والتأمل الفلسفي والأخلاقي، والتدبر التذاوتي لمعنى المسارات المحللة والمتأملة .

لقد اعتقدت مبلورو ايديولوجيا الكفاح الاعترابية أن إدراك مقام التاريخية لن يتم إلا بمسح الأنثروبولوجيا من خريطة العلوم الاجتماعية، وإعادة بناء سوسيولوجيا خصوصانية مستوحاة من واقع افتراضي. وفي هذا السياق، سبق لأركون أن أشار إلى ما لاقاه مولود معمري جراء اعتنائه بالأدب والأنثروبولوجيا القبائليين، إبان احتداد “الحرم” الاعترابي على الأنثروبولوجيا.

وهكذا قاد ت الرغبة في بناء الهوية “التداولية” المستجلبة إلى تسييج الهوية التاريخية وطمس مكوناتها ومعالمها ومغازيها، والحيلولة دون استحالتها موضوعا مخصوصا لأنثروبولوجيا مبتدعة تمتص الكتلة الوثائقية للأدبيات الكولونيالية وتجتاف المستجدات المفهومية والتصورية للعلوم المعاصرة في ذات الآن. وبموازاة هذا الامتناع الفكراني عن معرفة تاريخية الذات، والتوغل في الإبستمولوجيا التاريخية والنقدية، اختار بعض منظري أنثروبولوجيا ما بعد الكولونيالية وما بعد البنائية الشتروسية، التوغل في مسارب بنية الفضاء الاجتماعي والإبدال الأنثروبولوجي القبائلي.

لا يمكن تناول المتن البورديوزي مثلا، دون استدعاء السياق الإثنو-ثقافي لمنطقة القبائل، ولغنى رمزياتها الاجتماعية ؛ لقد بلور بورديو نظرية في الممارسة أو ما سماه بالبراكسيولوجيا praxéologie، وحاول الجمع التركيبي بين المقاربة الموضوعية البنائية والمقاربة الفينومينولوجية أو الإثنوميثودولوجية استنادا إلى الممكنات الأنثروبولوجية والترسيمات الرمزية السارية بمنطقة أمازيغية طرفية . وهكذا مكن الغنى الأنثروبولوجي للعمارة وقانون الشرف والعرض والزمان ورؤية العالم وإدارة الأعمال الفلاحية في وسط قبائلي، الإثنولوجي – الأنثروبولوجي من إرهاف المفاهيم (الحقل والسمت والرأسمال الرمزي والعنف الرمزي …الخ )، وتدشين أنثروبولوجيا متجددة منهجيا ومتحررا من التطلعات السياسية والإيديولوجية للأنثروبولوجيا الكولونيالية. وتقدم دراسة لهواري عدي موسومة بـ(السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا لدى بورديو – الإبدال الأنثروبولوجي القبائلي ونتائجه النظرية -)، إضاءات ثرة عن علائق المفاهيم والنظريات والجهاز الإجرائي البورديوزي بالتربة الأنثروبولوجية القبائلية.

لم تقدم النخب الثقافية بالمغارب على استثمار المكتسبات النظرية للأنثروبولوجيا الكولونيالية وللأنثروبولوجيا البنائية- الشتراوسية وما بعد البنائية كما لم تعمل على اغناء النظريات الإناسية التأويلية أو الرمزية أو الوظيفية كما مارسها كليفورد غيرتز(السوق كنسق ثقافي بالمغرب)وديل اكلمان( عبد الرحمان المنصوري /والإسلام بالمغرب ) وكيفين دواير ( حوارات مغربية – بين المؤلف كيفين دواير والفقير محمد الشرادي ) وارنست كيلنر ( صلحاء الأطلس)ودايفيد هارت (آيت ورياغل،قبيلة من الريف المغربي) جون واترربوري ( أمير المؤمنين –الملكية والنخبة السياسية المغربية ) . بل انبرت بعد الاستقلال لنمذجة الإنسان المغاربي والتعلق بمتصورات تاريخية اختزالية وبعيدة عن تمثل العمق التاريخي للمغارب، وعن استيعاب سراديب أنثروبولوجيا شموس.

فالغالب على المقاربة الاستيعابية المطلة على الغير من مطل التعالي وحيازة الضمانات القصوى للكينونة البحث بكل السبل، عن إحلال الإبدال المنقول محل الإبدال المأصول، بدون أن تتساءل عن آليات سيرورة الماًصول مأصولا والمنقول مرشحا ليكون مأصولا مرتين، مرة في فضائه الأصلي ومرة أخرى في الفضاء المستلحق ثقافيا ولسانيا وفكرانيا. والحال أن غياب السؤال المعرفي ينم عن الرهاب الاعترابي من التشكك في حقيقة التجاوب الرحماني مع الأمة ومع المطلق ومن اكتشاف حيرة السؤال الكينوني في أقصى ذراه مما لا تستكشفه إلا الثقافات المؤنسنة المهمومة برفد الإنسان بالزاد المعرفي – الايطيقي لا بالمسكوكات أو المتواترات الشاغلة عن تحريك العقل وشحذ المخيلة وتمرين الجسد على النشوة والفرح والمتعة. وبما أن الثقافة العربية-الإسلامية لاهوتية في المقام الأول، فإنها بعيدة عن أية انشغالات أنثروبولوجية، أو إنسية. فلا غرو أن تنأى عن النظر الأنثروبولوجي المقارن أو عن الرؤية الأنثروبولوجية المتتبعة للدراما الإنسانية في المحطات التاريخية والثقافية المتقاربة أو المتباعدة، الملائمة أو المناوئة لتبلور الإنساني ولتعضي النسق النظري للأنسنة الشفيفة والواعدة .

وعليه، فلا يمكن التعويل على من يعتبر استمرارية الإبدال الأنثروبولوجي الأمازيغي عائقا يحول دون توحيد الدول القطرية ودون ذوبانها في البحر المتدفق، بالقيم الرحمانية أو بالقيم التأنيسية، لبلورة أدوات ومفاهيم أنثروبولوجية واجتماعية وتاريخية للمغارب. ففي غياب سوسيولوجيا المقدس التعديدي، والتدين الشعبي وأنثروبولوجيا الجسد المغاربي- المتوسطي وسوسيولوجيا التداخل اللغوي، يصعب تبين حقيقة النظم الرمزية المتغلغلة في الوجود المغاربي .

وهكذا بدلا من فهم الأغوار الثقافية، وتوسيع نطاق المفكر فيه وتقليص اللامفكر فيه، وتحويل المغارب الى محطة فكرية نقدية قادرة على اغناء الرصيد النظري والمنهجي للإنسانية وعلى أداء دور الموزع الاستراتيجي للمتصورات بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، اختارت النخب المعتربة تحويل الإنسية والتعددية المغاربيتين إلى طابو” تاريخي” والى محرم ثقافي، لا يقود كسر حلقاتهما إلا الى التخوين والتبديع والتفسيق كما هو ملاحظ في الحالة الليبية. كما صار التفكير في الحدث المغاربي وفي الرمزية المغاربية Le fait magrébin la symbolique magrébineممتنعا، وانفتح المجال لاستشراء هوية استعلائية ومغلقة وفصلية . Cumulative، وضاقت سبل صياغة هوية تعديدية، مفتوحة وتراكمية dissociative

( فالجزائر أكثر من جارتها تمارس برنامج تعريب جادّا جدا. وإمكانية تعريب نظام تعليمي كامل بسرعة، بما في ذلك الجامعة، قد يكون موضع شك. فمعظم الأساتذة في جامعة الجزائر، وإن كانت غالبيتهم من الجزائريين، إلا أنهم لا يستطيعون التدريس باللغة العربية : والمشاكل النفسية في الانتقال إلى اللغة العربية في الجزائر العاصمة يمكن توضيحها أفضل توضيح في حقيقة أن دروس التعريب السريعة تم التخطيط لها خارج البلاد، مثلا في سوريا . )

(-أرنست غيلنر – أبولو بسكرة المجهول : الأساس الاجتماعي للسلفية الجزائرية – ترجمة : أبو بكر باقادر – الاجتهاد – العدد – 47-48- صيف وخريف 2000- ص.221)

وبقدر ما ضمرت إرادة المعرفة تضخمت إرادة الاعتقاد، وإرادة البحث عن مأوى أنطولوجي في نظر تسلفي منقطع عن التقاليد الاستشكالية في فلسفات الأديان وفي التاريخ المقارن للعقائد .كما أن الخطاب الحداثي المعلن في المحافل القومية والدولية، ليس إلا خطابا لستر القدامة و”التتريث” الزاحفين على قدم وساق، كما لا حظ ارنست كيلنر في جزائر السبعينات .

(ويمكن اعتبار الباكستان والجزائر أكبر مثلين على ذلك، فقد بلغت أدلجة الإسلام فيهما حدا لا يمكن تصوره. والسبب عدم وجود دولة شرعية سابقة في تاريخهما، وعدم إمكانية تدشين نموذج بديل للمشروعية يكون قادرا على أن يحل محل السلطة العن حرب التحرير الوطنية . )

(- محمد أركون –الإسلام، أوروبا، الغرب – رهانات المعنى وإرادات الهيمنة – ترجمة و إسهام : هاشم صالح – دار الساقي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1995-ص.90)

ليس الاعتراب والتسلف هنا ،محض مناورة فكرانية أو طبقية أو مجرد الهاء سياسي أو بحث عن ريع ثقافي في سوق المبادلات الإقليمية أو الدولية كما قد يعتقد البعض ، بل هما قرينتان ثقافيتان معبرتان عن تعويض تاريخ تعددي ـ إشكالي ، تراكمي بتاريخ صيرته الأساطير المنتصرة سياسيا ، تاريخا واحديا ، شفافا ، ومفتوحا على وضعيات أنطولوجية متسامية وعلى اقتصاد النجاة .ولعل سيكولوجيا المثقف المعترب المغاربي ، أن تقدم إضاءة عن طرق هذه الاستعاضة ، وعن العصاب بله الذهان الكامن في ارتباط ، بعض المعتربين المتياسرين ، ذات زمان قومي ، بالرموز العروبية .

( وإذن ، فيوجد هناك تضامن فعال على مستوى التصور النظري وعلى مستوى الممارسة السياسية والتجسيد المؤسساتي بين التركيبات التيولوجية الناتجة عن الأديان التوحيدية ، وبين مفهوم الدولة المركزية . وهذه مشكلة تخص الفلسفة السياسية في العمق . هناك نوع من التضاد والتمايز بين الثقافة السياسية التي تنظر إلى مشكلة المجتمع المدني من خلال منظور الفيدرالية ، وبين الفكر السياسي الذي ينظر الى مشكلة المجتمع من خلال المفهوم الواحدي ، الاحتكاري ، المركزي الموجه نحو الحقيقة : أي حقيقة الدولة والحقيقة التيولوجية في آن معا . )

(- محمد أركون – الفكر الإسلامي – نقد واجتهاد – ترجمة : هشام صالح – دار الساقي – بيروت- لبنان – الطبعة الأولى – 1990-ص.287)

فالواقع أن الأركونية تقدم مفاتيح هامة لفهم واقع وتحولات الفضاء التاريخي المغاربي ، ولتفسير التداخلات الثقافية وما ينتج عنها من مبتدعات فكرية وثقافية ومؤسسات اجتماعية وسياسية .كما تقدم أدوات منهجية هامة ، لتفكيك إيديولوجيا الكفاح الاعترابية ، ونتائجها الفكرانية الحاجبة ، للزخم الأنثروبولوجي – التاريخي ، للإنسان المغاربي .ويمكن الاعتماد عليها ، كذلك ، في إعادة الاعتبار للحقوق الثقافية وفي إقرار ما يمكن أن نسميه بالعدالة الثقافية أو العدالة الرمزية وفي بناء التداخل الثقافي والتفاعل الإبداعي على ثوابت جديدة وفي تأسيس ما يسميه بالفضاء المشترك للتضامن الفكري والثقافي .

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/1)

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/2)

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/3)

أركون والأمازيغية، قراءة في مضمرات الخطاب (5/4)

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий