Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أزمة النظام السياسي الفلسطيني (دراسة في الأنثروبولوجية السياسية)

أزمة النظام السياسي الفلسطيني (دراسة في الأنثروبولوجية السياسية)

بسطت حركة حماس سيطرتها العسكرية على قطاع غزة بعد اقتتال دامٍ لم تشهده الساحة السياسية الفلسطينية في ذروة أزماتها و انشقاقاتها. لم يكن هذا الحدث آنياً, أو وليد اللحظة, وإنما هو نتيجة عملية تاريخية تراكمية للأزمات التي عانى ويعاني منها النظام السياسي الفلسطيني . لقد شكل دخول حركة حماس العملية الإنتخابية, نقلة نوعية في بنية النظام السياسي الفلسطيني في مرحلته الراهنة. إلا أن قرار المشاركة هذا, و تعميق الانشقاق داخل التيار الإسلامي في فلسطين و المتمثل بحركتي حماس و الجهاد الإسلامي, و اضمحلال دور اليسار الفلسطيني, إضافة إلى تفشي الفساد في حركة فتح و خاصة على المستويين الإداري و المالي , و فشل الفصائل الفلسطينية داخل منظمة التحرير و خارجها في اختبار نهر البارد المتمظهر في عدم قدرتها على حل أزمة الاقتتال الدائر بين حركة فتح الإسلام و الجيش اللبناني ,أياً تكن مبررات هذا الفشل , كل ذلك يعطي مؤشرات شديدة الوضوح إلى ضعف فاعلية النظام السياسي الفلسطيني. فإذا كان النظام الاجتماعي على حد قول د. قباري محمد إسماعيل في كتابه أسس البناء الاجتماعي ” يتوظف و يسهم بوظيفته لضمان حماية الإنسان من ناحية, و حفظ و بقاء و تماسك البناء الاجتماعي من ناحية أخرى”(1) فإن النظام السياسي الفلسطيني على ما يبدو أصبح عاجزاً عن أداء هذه المهمة , فهو من جهة أولى لم يستطع حتى اليوم وبعد ما يقارب 43 عاما على نشأته أن يلبي طموحات الشعب الفلسطيني, و من جهة ثانية فإنه و بسبب الإهمال المتزايد لأزماته وتأجيل حلها أو تقديم حلول آنية تفتقد إلى الرؤية الإستراتيجية حيناً وإلى الصوابية حيناً آخر لم يستطع أن يحافظ على وحدته وتماسكه ناهيك عن الأزمة البنيوية التي يعاني منها منذ تشكيله ,فالنظام السياسي الفلسطيني اعتمد منذ تشكيله على صيغة توافقية بين مكوناته التي تعاني أصلاً من رؤىً متنافرة وتناقضات داخلية . – في مفهوم النظام السياسي : يظل مفهوم النظام السياسي مفهوما مراوغاً لسبب بسيط هو غموض مفهوم السياسة نفسها و عدم وضوح الحدود التي تفصله عن غيره من الأنشطة . والمفهوم المعاصر للنظام السياسي يرتكز على القوة , ممارساتها في السعي إليها والتأثير فيها فالقوة هي الفيصل الحاكم في إدارة النزاع العام الذي هو المفهوم الجديد للنظام السياسي . و يتميز النظام السياسي عن غيره بوجود عناصر ثلاثة تدخل ضمن مكوناته هي السلطات السياسية , ونظم الحكم , والجماعة السياسية ويتوقف استمرار النظام السياسي على وجود حد أدنى من الاستعداد أو القدرة لدى الأفراد للعمل معا بهدف حل المشكلات التي تعترض حياتهم فإن تحقق ذلك وجد الحد اللازم لتكوين مفهوم الجماعة , و إن غاب بعض الأفراد عن النظام السياسي , ورفضوا الانصياع لعملية التخصيص السلطوي للقيم والتي تشكل جوهر النظام السياسي . والنظام السياسي يضم أفراداً ينتمون إلى قيم ثقافية و تقاليد متنوعة , كما قد ينتمون إلى جماعات عرقية منفصلة بعضها عن الآخر , وإذا لم يتكون مفهوم الجماعة السياسية الذي يدمج الفرد داخل النظام السياسي اتسعت المسافة السيكولوجية والثقافية التي تفصل بين هؤلاء الأفراد , وهكذا تصبح وظيفة التنشئة السياسية في نفوس الأفراد بما يدعم الولاء للجماعة و الإيمان بأهدافها المشتركة . إذاً النظام السياسي هو مجموعة من القواعد والأجهزة المتناسقة المترابطة فيما بينها , تبين نظام الحكم و وسائل ممارسة السلطة و أهدافها وطبيعتها ومركز الفرد منها وضمانته قبلها كما يحدد عناصر القوة المختلفة التي تسيطر على الجماعة وكيفية تفاعلها مع بعضها والدور الذي تقوم به كل منها .(3) ويورد د. إبراهيم أبراش حول مفهوم النظام السياسي : “بأن التعريف التقليدي للنظام السياسي هو نظام الحكم بمعنى المؤسسات الحكومية الثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية , والتي تقوم بمهمة الدفاع عن الوطن ضد التهديدات الخارجية وضمان الترابط الداخلي , هذا التعريف للنظام يربط النظام السياسي بالدولة , وهو تعريف مستمد أساساً من التعريف التقليدي لعلم السياسة بأنه علم الدولة إلا أن تطور علم السياسة مع تطور وتعقد الحياة السياسية و تجاوزها لحدود الدولة , دفع بعلماء السياسة إلى تعريف علم السياسة كعلم السلطة وعليه أصبح النظام السياسي يعرف كمفهوم تحليلي أكثر مما هو نظام مؤسساتي مضبوط كما توحي كلمة نظام . إن القول بوجود الظاهرة و التركيبة السياسية التي يمكن تسميتها بالنظام السياسي يقوم على مجموعة من المؤشرات هي : 1- قيادة سياسية ذات سلطة إكراهية بدرجة ما . 2- مؤسسات سياسية شرعية . 3- هدف محل توافق وطني . 4- إستراتيجية عمل وطنية – ثوابت قومية …..”(4) سأعمد في هذه الدراسة إلى تقسيم تطور النظام السياسي الفلسطيني إلى طورين . الطور الأول منذ نشأة منظمة التحرير وحتى اتفاق أوسلو . الطور الثاني من اتفاق أوسلو وحتى دخول حركة حماس الانتخابات التشريعية وما تمخض عنها . أولاً – تطور النظام السياسي الفلسطيني الطور الأول نشأة منظمة التحرير الفلسطينية : دخل الشعب العربي الفلسطيني في خضم التغيرات الإقليمية التي ضربت أصقاع الوطن العربي إثر انهيار الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين . ومع بروز الخصوصيات المحلية والقطرية بعد الحرب العالمية الأولى وتباين الأخطار والتهديدات الناجمة عن اعتماد الاستعمار سياسة الانتداب بدأ التمايز الفلسطيني يتبلور في بحثه عن الكيانية الفلسطينية ولكن دون إحداث قطيعة مع المحيط العربي . ولم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك وحتى عام 1948 متبلورة بشكل واضح إذ امتازت بميزتين أساسيتين العائلية والإسلام التقليدي . وعلى سبيل المثال لا الحصر , عمل راغب النشاشيبي أحد وجهاء العائلات الإقطاعية في فلسطين على تأسيس حزب الدفاع الوطني عام 1934 وبعد ذلك بأربعة شهور ظهر الحزب العربي الفلسطيني برئاسة جمال الحسيني اليد اليمنى للحاج أمين الحسيني مفتي البلاد , والذي كان يتمظهر في شخصه الإسلام التقليدي . ومع أن الدافع وراء تأسيس هذه الأحزاب هو مواجهة الحركة الصهيونية إلا أن هذا لا يلغي حقيقة أن الحركة الوطنية الفلسطينية في ذلك العهد كانت تتسم بطابع الوجاهة والشخصانية المستمدتان من العائلية و الإسلام التقليدي . (5) وكنتيجة لتفاقم الخلافات الحزبية بين الأحزاب الفلسطينية عام 1945م عملت جامعة الدول العربية على إيجاد حل لهذه الخلافات , بتشكيل (( هيئة عربية عليا لفلسطين )) لتكون ممثلة للشعب العربي الفلسطيني وقضيته , وتم ذلك وعين الحاج أمين الحسيني رئيسا لها .(6) وبعد نكبة عام 1948 ظلت الهيئة إلى جانب التنظيمات الفدائية تشكل المظهر السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية . إلا أن النظام السياسي الفلسطيني تبلور على نحو آخر مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر القاهرة 13/1/1964م , بقيادة أحمد الشقيري . وكان الحامل الأساسي لهذا النظام هو الميثاق القومي الفلسطيني , والذي عدل عام 1968م ليصبح اسمه الميثاق الوطني الفلسطيني .(7) وفي عام 1969 , انتخب الراحل ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما تم إعلان تشكيل قيادة الكفاح المسلح, وسيطرت فصائل المقاومة على منظمة التحرير, ومن ثم تم إعادة هيكلة وصقل مجموعة المهام الموكلة إلى المنظمة , حيث جرت إعادة تشكيل مهام المؤسسات الوطنية السياسية والعسكرية والاجتماعية , عبرعملية تفاوض وتفاهم بين فصائل المقاومة . وفي عام 1974م, استطاعت المنظمة أن تنتزع اعترافاً عربياً ودولياً بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد.(8) وبقي النظام السياسي الفلسطيني, ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية, حتى اتفاقية أوسلو , أقول لا تغييرات جوهرية أو نوعية حدثت في النظام السياسي الفلسطيني رغم الأزمات والمنعطفات التي أصابت القضية الفلسطينية , وخاصة الخروج من بيروت 1983م, إذ أصبحت فكرة التحرير من خلف الحدود مستحيلة مع انتقال منظمة التحرير إلى تونس . وشهدت فترة الثمانينيات من القرن الماضي, بروز التيار الإسلامي في الشارع السياسي الفلسطيني ممثلاً بحركتي الجهاد الإسلامي وحماس , وكان لهذا الظهور أسبابه الذاتية و الموضوعية كما سيتبين معنا لاحقا . لقد قامت منظمة التحرير ومنذ البدء, على أساس صيغة توافقية بين مكوناتها , وكانت حركة فتح من أكبر الفصائل وأقواها وأغناها مالياً وهي كما ورد في نظامها الأساسي حركة علمانية . وإضافة لحركة فتح, كانت توجد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش والتي انبثقت عن حركة القوميين العرب. ثم ما لبثت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة أن انشقت عن الجبهة الشعبية , حاملة فكراً وطرحاً ماركسياً شبه مطلق , في حين حاولت الجبهة الشعبية أن تزاوج بين الفكر القومي و أطروحاته والنظرية الماركسية , كما انشقت عن الجبهة الشعبية, الجبهة الشعبية-القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل. (9) وكانت قيادة المنظمة بيد حركة فتح, والتي استطاعت تحويل المنظمة إلى مؤسسة فاعلة , وهو الأمر الذي مكنها من تعبئة ما يكفي من التأييد الدولي لمطالبها بوصفها حركة تحرر وطني . كما أسلفت, فإن الميثاق الوطني الفلسطيني, شكل الحامل الأساسي لمنظمة التحرير, وعلى أساسه تم التوافق بين فصائل المنظمة رغم التباين الكبير في بناها الأيديولوجية وبرامجها السياسية. لكن لقاء هذه الفصائل على الأهداف جعلها تتوافق على صيغة الميثاق حيث حدد الميثاق في مواده: 1- مفهوم الوطن الفلسطيني : وحدده بفلسطين التاريخية والتي هي جزء من الوطن العربي وحدود فلسطين هي التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني كما هو واضح في المادتين 1-2 من الميثاق. (10) 2- مفهوم الشعب الفلسطيني : بأنه يشمل من بقي في فلسطين ومن هُجّر منها بعد النكبة ومن يأتي من نسلهم أيا كان الانتماء الديني ويشمل التحديد اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني في المواد 3-4-5-6 . (11) 3- هدف المنظمة تحرير فلسطين كاملة وعودة اللاجئين وتحقيق الوحدة العربية في المواد 11-12-13-14-15. 4- أداة المنظمة لتحقيق التحرير والعودة هو الكفاح المسلح في المواد 9-10. كما تشمل باقي البنود المحددات الأساسية للسلوك السياسي للمنظمة انطلاقاً من علاقاتها العربية والدولية وضوابط هذه العلاقات وفق الرؤى المبينة في مواد الميثاق. (12) وقد جعلت مواد الميثاق بصيغتها تلك منظمة التحرير ذات صفة تمثيلية شمولية ليس للأحزاب فقط , بل للشعب الفلسطيني كله , فأصبح المجلس الوطني الفلسطيني هو الهيئة التمثيلية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها . إذن لعب الميثاق دور عامل توحيد جامع لكافة الفصائل في إطار نظام سياسي تمظهر بشكل حركة تحرر وطني وفقاً لمواد الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يعتبر الموجه الوحيد لسلوك المنظمة وفق أداة الكفاح المسلح نحو تحرير فلسطين كاملة “من البحر إلى النهر” وإقامة دولة فلسطين على كامل ترابها وعودة اللاجئين . الطور الثاني اتفاق أوسلو وما بعده : اتفاق أوسلو ( واشنطن) هو اتفاقية فلسطينية إسرائيلية جرى التفاوض عليها سراً ’ في العاصمة النرويجية أوسلو , على هامش مفاوضات متعددة حول السلام في”الشرق الأوسط” .بدأت المفاوضات سنة 1991 ووقعت علناً في واشنطن . هذه الاتفاقية المسبوقة بالاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل , تتألف من إعلان مبادئ حول الأشكال البديلة للحكم الذاتي في الأراضي المحتلة وهي تطبق على أجيال خلال حقبة خمس سنوات , في نهايتها يجب تطبيقها نهائيا بعد إكمال التفاوض حول الوضع النهائي لهذه الأراضي .(14) لقد سبق اتفاق أوسلو تحولات نوعية في بنية وشكل النظام الدولي المتمثلة بانهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي تشظي وانهيار المنظومة الاشتراكية , وتحول النظام العالمي الجديد من ثنائي القطب إلى نظام ذو قطب واحد بحسب تعبير فوكوياما . وتبع هذا الانهيار حرب الخليج , وبداية انهيار القطر العراقي كقوة إقليمية فاعلة في المنطقة , هذان التحولان النوعيان أرخيا بظلاليهما على المنطقة الشرقية من الوطن العربي وبدت الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة في العالم في وضع أكثر استقراراً من ذي قبل وبدأت مع هذا الاستقرار و الارتياح تطرح مشاريع التسوية في المنطقة بين إسرائيل من جهة والأطراف العربية الأخرى من جهة ثانية . ودون الدخول في تفاصيل وحدة المسار التفاوضي العربي , أنتقل إلى ما يهم دراستي هذه , ألا وهو المسار الفلسطيني – الإسرائيلي . دخلت منظمة التحرير الفلسطينية المفاوضات في مدريد, بوفد ضمن الوفد الأردني يضم صائب عريقات,حنان عشراوي,وحيدر عبد الشافي بينما كان هناك مسار آخر سري للمفاوضات يتم في أوسلو وكان أبرز وجوهه محمود عباس أبو مازن و أحمد قريع أبو العلاء . و تمخضت المفاوضات عن اتفاق إعلان مبادئ في إطار عملية أوسلو , حيث تم في وثائق إعلان المبادئ الفلسطيني “الإسرائيلي” الاعتراف المتبادل بين كل من إسرائيل و منظمة التحرير, و بموجبه أيضاً تم اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحق دولة إسرائيل في الوجود و العيش بأمن و سلام. كما هدف الاتفاق إلى إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية و قطاع غزة. (15) و في 4/5/1994 وقع اتفاق غزة – أريحا, و نجد من قراءة البنود الواردة أن هذه الاتفاقية كبلت السلطة الفلسطينية بقيود يستحيل معها بناء دولة مستقلة . فعلى سبيل المثال لا الحصر تجبر الفقرة الثالثة من المادة الثالثة السلطة على إخبار الإسرائيليين بكل تغيير في أعضاء السلطة من إقالة أو تعيين .(16) و بناء على الفقرة الثانية من المادة السادسة يحظر على السلطة إقامة ممثليات لها في الخارج أو في غزة و أريحا .(17) و أكتفي بهذين الاتفاقين في إطار عملية أوسلو لكفايتهما و سأنتقل الآن إلى تحليل التغيرات البنيوية و الوظيفية التي طرأت على النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة أوسلو. لقد نسف اتفاق أوسلو الميثاق الوطني الفلسطيني و ألغى بنوده, ففلسطين التاريخية لم يعد لها وجود وفق أوسلو, و حل مكانها مشروع إقامة سلطة فلسطينية في الضفة الغربية و قطاع غزة التهم منها جدار العزل الذي باشر شارون ببنائه في العام 2002 أكثر من 10% من مساحة الضفة الغربية حتى الآن. و إسرائيل لم تعد الكيان الصهيوني الغاصب المحتل, بل دولة لها الحق في الوجود. أما الشعب الفلسطيني قد أصبح جوهر هويته مؤجل التحديد إلى مفاوضات الحل النهائي. و مبدئيا فإن الشعب الفلسطيني بحسب أوسلو أصبح يعني مواطني سلطة الحكم الذاتي, أي أن الشعب العربي الفلسطيني كما حدد مفهومه في الميثاق الوطني الفلسطيني, تحول معناه بحسب أوسلو : أ‌- المواطنون الخاضعون لسلطة الحكم الذاتي . ب‌- المواطنون الخاضعون لسلطة إسرائيل ( عرب 1948 ). ج‌- اللاجئون في الشتات إضافة إلى ما سبق فإن اتفاقية أوسلو قد خلقت نظاماً سياسياً جديداً على أنقاض النظام القديم الذي انهار و لكنه لم ينته تماما . فقد بقيت منظمة التحرير الفلسطينية و لكن مؤسساتها أصبحت تعاني من الشلل التام و عدم الفاعلية في أداء دورها الوظيفي الذي وجدت و أنشئت لأجله, و تحولت المنظمة إلى وسيلة لتطبيق برنامج السلطة, بدلاً من أن تكون السلطة أداة لتطبيق برنامج المنظمة. حتى على مستوى البنية المفاهيمية حصلت تبدلات جذرية, فمن المفهوم الواضح المحدد لدولة فلسطين في الميثاق الوطني إلى مشروع دولة لا نعرف حدودها حتى اللحظة, و من الشعب الواحد الموحد تحت جناح المنظمة إلى شعب فاقد الهوية في مواجهة السلطة. و بحسب تعبير د. إبراهيم أبراش فإن الثوابت التي حافظ عليها النظام السياسي الفلسطيني هي أقل بكثير من المتغيرات التي طرأت عليه .(18) فمن الكفاح المسلح إلى المسار التفاوضي, و من مسيرة التحرير إلى مسلسل التنازلات, و من الوطن الذي لا يجزأ إلى الوطن المجزوء, و من سلطة تمخضت عن المنظمة إلى منظمة تحتكم لتكتيكات السلطة. واضح من المقارنة أن اتفاقية أوسلو لعبت دوراً أساسيا و فاعلاً في زعزعة استقرار النظام السياسي الفلسطيني لما أفرزته من تغيرات في بنية هذا النظام و أدواره الوظيفية و ما نتج عنها من علاقة غير واضحة بين المنظمة و سلطة الحكم الذاتي ما جعل النظام السياسي الفلسطيني نظاماً برأسين السلطة من جهة و المنظمة من جهة ثانية. ثانياً – التيار الإسلامي و أثره في النظام السياسي الفلسطيني: أ‌- نشأة التيار الإسلامي في فلسطين: عمل الإخوان المسلمون في إطار الكفاح المسلح منذ النكبة, و حتى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بوتائر مختلفة صعودا و هبوطا تبعا للظروف الموضوعية للحركة. و بعد إنشاء منظمة التحرير و تحديدا بعد نكسة 1967, خرج الإخوان المسلمون من العمل السياسي و العسكري على الساحة الفلسطينية, إذ رأت حركة الإخوان أن تجربتها الماضية في الساحة الفلسطينية تنضوي على أخطاء متعددة و أن ” البدء بالكفاح المسلح سيعيد إنتاج أخطاء الماضي” .(19) لذا آثرت الحركة العمل على إعادة “بعث الإسلام”, و فق منهج إعداد الفرد المسلم, على طريق بناء قاعدة جماهيرية, فاتخذت المساجد و إنشاء الجمعيات و المؤسسات الخدمية وسيلة لذلك. إلا أن ملاحقة إسرائيل لكوادر منظمة التحرير, و تغاضيها عن كوادر الإخوان طرح جملة من الشكوك حولها, و أخذ يحرج كوادرها التي بدأت تتسرب إلى تنظيمات أخرى, و في مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين .(20) و قد كان تنظيم الجهاد الإسلامي أول تنظيم ينشأ خارج إطار الوطنية الفلسطينية يضع مقاومة الاحتلال على رأس أهدافه .(21) و أداة مقاومة الاحتلال هي الجهاد المسلح الذي يشكل الرافعة الأهم لحركة إسلامية فلسطينية نهضت لتشكل إضافة جديدة و لتحل الإشكالية التي كانت قائمة بين وطنيين بلا إسلام و إسلاميين بلا فلسطين .(22) و يرى الكثيرون بمن فيهم قادة الجهاد الإسلامي, إن ظهور حركة الجهاد في الشارع الفلسطيني أثار مخاوف الإخوان المسلمين من أن يفقدوا قاعدتهم الجماهيرية لحساب حركة الجهاد و هذا شكل عاملا ضاغطا لتأسيس حركة حماس إبان الانتفاضة الأولى عام 1988. إضافة لهذه العوامل الذاتية لنشوء حركتي الجهاد الإسلامي و حماس فإن الظرف الموضوعي كما يذكر قادة الحركتين قد لعب دورا فاعلاً أساسياً في بروز التيار الإسلامي, و يتمثل هذا الظرف بـ : – فشل كافة البرامج اليسارية و العلمانية في تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني المحددة في الميثاق و المتمثلة بتحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر و عودة اللاجئين. – الميل نحو النهج التفاوضي لدى قيادة منظمة التحرير, الأمر الذي لزم قيام رد فعل رافض لهذا النهج, فتضافرت الظروف الذاتية للحركتين ( الجهاد و حماس ) مع هذا الظرف و أدى إلى إعلان قيام حركة الجهاد بداية و من ثم حركة حماس فيما بعد. – و يرى قادة حركة الجهاد الإسلامي أنه مما ساعد على تبلور فكرة إنشاء تنظيم إسلامي مجاهد في فلسطين, قيام الثورة الإيرانية 1979, و تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية, ما أظهر قدرة الحركات الإسلامية على القيام بالثورات و أدوار فاعلة شجعت نخبة من الإسلاميين الفلسطينيين على تأسيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. و بينما كان و منذ البداية موقف حركة الجهاد من المنظمة و فيما بعد السلطة ثابتاً و مبدئياً , بل و عقدياً إيديولوجياً إلى حد بعيد , كان موقف حركة حماس يتسم بعدم الوضوح و النوسان. ب‌- علاقة حركة حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية و السلطة الفلسطينية : كنتيجة للقاعدة الجماهيرية العريضة لحركة حماس, فإن علاقتها مع المنظمة كانت علاقة تنافس / تعاون أساسية. و كان موقف حماس يتراوح بين القبول المشروط بالانضواء تحت جناح المنظمة إلى الرفض المطلق لشرعية المنظمة التمثيلية و طرح حماس نفسها و بقوة كبديل عن المنظمة .(23) و في هذا يقول د. إبراهيم أبراش: ” لم يتبلور موقف واضح لحماس من المنظمة, حيث تفاوتت المواقف ما بين القبول المشروط بالمنظمة و الرفض, و بينهما مواقف غامضة كانت تحدد حسب العلاقات بين الطرفين. فميثاق حركة حماس أشار للمنظمة بصورة غامضة عندما قال بأن المنظمة من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية ففيها الأب و الأخ أو القريب أو الصديق, و هل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه؟. فوطننا واحد و مصابنا واحد و مصيرنا واحد و عدونا مشترك. و لكن هذا القول المطمئن يتلاشى عندما يرفض الميثاق الطابع العلماني للمنظمة بالقول لأننا لا نستطيع أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية و المستقبلية لنتبنى فكرة العلمانية . و في مذكرة وجهتها حركة حماس إلى المجلس الوطني الفلسطيني في نيسان 1990 , حددت حركة حماس الشروط التي على أساسها يمكن الدخول بالمجلس الوطني الفلسطيني و هي عشرة شروط , أهمها اعتبار فلسطين وحدة واحدة من البحر إلى النهر و التأكيد على شروط أخرى …, منها أن تمثل بالمجلس بنسبة تتراوح بين 40 و 50%” .(24) و في العام 1996 رفضت حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية و وصفتها بالديمقراطية المزيفة و شعارات الحرية و الديمقراطية الكاذبة .(25) إلا أن الحركة قررت خوض الانتخابات التشريعية للعام 2006 و يعود ذلك إلى: 1- تزايد قوة و شعبية حركة حماس في مقابل الفساد المالي و الإداري لحركة فتح و تزايد التهميش لمنظمة التحرير خلال السنوات التي رافقت عملية أوسلو. 2- انسداد أفق التسوية السياسية بين السلطة و إسرائيل. 3- تردي الوضع الاقتصادي الداخلي الناتج عن عملية الحصار الطويلة. 4- توافر مناخ إقليمي ملائم من حيث توافر الدعم الإيراني و السوري لحركة حماس و ضعف الدعم المصري و الأردني العملي للسلطة و عدم التزام إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية باتفاقاتها مع السلطة. بهذه المحددات رأت حركة حماس أن الظرف الموضوعي ملائم لدخولها الانتخابات, خاصة و أنها تمتلك الظرف الذاتي المتمثل بتدفق الأموال عليها, و قوة مؤسساتها و تماسك بنيتها الداخلية. لذا قررت الحركة خوض الانتخابات و دخول النظام السياسي الفلسطيني, لكنها غفلت عن أن النظام السياسي الفلسطيني مما بدا عليه من وهن , يمتلك تقاليد عريقة و يضم قوىً سياسية و مجتمعية متعددة و يقوم على أسس و قواعد و آليات من الصعب الانقلاب عليها أو تغييرها. و هي لم تتحل بالمرونة الكافية إزاء السلطة بل على العكس عملت حركتي فتح و حماس على تأزيم الخلافات و تعميقها لتبرز على أنها و بشكل جلي واضح تمايز تام بين مشروعين: مشروع إسلامي تتبناه حركة حماس غير محدد الأهداف و الأدوات و الوسائل, و مشروع أوسلو المسدود الأفق و الذي لم تستطع السلطة أن تتبنى بديلاً عنه. مما أدى إلى تعميق أزمة النظام السياسي الفلسطيني و الاستمرار في إحداث انقسامات داخله , لتتبلور جلياً في النهاية بانقلاب حركة حماس على السلطة في غزة و بعنف لم تشهد القضية الفلسطينية في ذروة أزماتها مثيلا له. على كل فإنه من غير المنطقي أن نخوض في مجال بحث كهذا دون معالجة فكرة دخول حماس الانتخابات التشريعية 2006 لما تنطوي عليها من جملة تناقضات نرى ضرورة لمناقشتها, و هي إذ تناقش في هذه الورقة فإن مجال بحثها يبقى مفتوحاً لأهميته. و بداية سأنطلق من جملة الوثائق التي نعتقد ظاهرياً بأن حركة حماس تبني عليها برامجها السياسية و الاجتماعية. و هذه الوثائق تتمثل بميثاق الحركة و مذكرتها, و دون الخوض في البنود نقول: عرفت حركة حماس و منذ نشأتها نفسها على أنها حركة مقاومة إسلامية, و المقاومة كمفهوم يعتمد الممارسة العملية يتضمن معاني الثورة و الرفض و هذا ما أعلنته حماس , بأنها تنتهج نهج الكفاح المسلح لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر. أما منطق السلطة فإنه يتناقض تماما مع منطق المقاومة , فمنطق السلطة – الدولة مبني على السيطرة و القهر. و من ناحية أخرى فإن حماس وضعت نفسها في مكان المعارض لاتفاقيات أوسلو منذ تأسست, وهي إذ دخلت الانتخابات التشريعية, دخلتها تحت سقف شرعية أوسلو, و هذه المشاركة و إن لم تتضمن اعترافاً علنياً بالاتفاقات الموقعة إلا أن الاعتراف متضمن و مضمر في المشاركة , و إلا فإن حركة حماس سلكت سلوكاً براغماتياً لتحقق مكسباً أيديولوجياً ( وفق بناها الفكرية ) , فوجدت نفسها مضطرة لأن تكون سلطة و مقاومة في آن معاً. و إذا كانت حماس قد شاركت في الانتخابات, و هي تضمر النوايا للانقلاب على السلطة , فإن هذا لا يبرر مشاركتها في الانتخابات , فهي بغنىً عن هذه الشرعية لتحدث انقلاباً, و بمعنى أوضح لم تكن مشاركة حركة حماس ضرورة ملحة لتحدث انقلاباً فهي كانت تستطيع أن تفعل ما تشاء و هي في خانة المقاومة المسلحة ثم هل من مبرر لانقلاب عسكري مسلح؟. كلا؟ و للأسباب الآتية : أ‌- باستطاعة حركة حماس أن تمارس معارضة سياسية بتمسكها بمبادئها ( على نحو ما فعلت حركة الجهاد الإسلامي )و أن تبقى ذات شرعية عربية و شعبية في نفس الوقت. ب‌- إن الشارع الفلسطيني بشقيه السياسي و الاجتماعي لا يتقبل فكرة الحرب الأهلية فهي ” خطوط حمراء “, تابو, لم يجرؤ أحد على تخطيها يوما. ج‌- أضاعت حماس بوصلة البندقية, فالبندقية الفلسطينية اتجاهها المنطقي و الشرعي هو صدور المحتلين لا صدور إخوة السلاح . ح‌- إن مصطلح ” التطهير ” الذي أقحمته حماس في عمليتها العسكرية لا مكان له في قاموس السياسة الفلسطينية, و إن وجد فهي ستطهر من – من ماذا؟ لقد كان أولى لحركة حماس أن تطهر غزة من الاقتحامات و الاجتياحات المتكررة للجيش الإسرائيلي و هو يغتال كوادرها و كوادر حركة الجهاد الإسلامي و كوادر شهداء الأقصى . شاركت حماس ( بكل بساطة ) و دون تفلسفت و تعقيدات تنظيرية شاركت ” إسرائيل ” في حربها على الفلسطينيين, و قدمت لمشروع شارون الذي ورثه أولمرت خدمة كبيرة . فشارون الذي سعى كثيراً لفصل الضفة الغربية عن غزة و جاء بعده أولمرت الذي يحمل حلم تحقيق هذا المشروع لم يستطع تحقيقه , فوفرت عليه حركة حماس جهد التنفيذ و نفذته هي . لقد وضعت حركة حماس نفسها في مأزق عندما دخلت الانتخابات, و عمقت مأزقها و مأزق السلطة عندما سيطرت عسكريا على غزة. في يوم من الأيام قال المناضل شفيق الحوت :” إن منظمة التحرير قد حولت اللاجئ إلى مناضل” أما اليوم للأسف فقد سقطت هذه المقولة عندما استبدلنا الصراع على السلطة بالصراع مع “إسرائيل” إذ حولت حماس نفسها من حركة إسلامية مقاومة, إلى حركة إسلاموية براغماتيه, فإذا كانت حماس تعتقد أن كونها حركة إسلامية يضفي عليها قداسة, فقد أخطأت عندما جعلت من الدين وسيلة لتبرير أفعالها فلا مبررات شرعية أو وطنية أو إنسانية فيما أقدمت عليه, فهي إذ فعلت ما فعلت فقد أفقدت القضية الفلسطينية جوهرها, و حولتها من قضية عادلة, إلى قضية وساطات بينها و بين حركة فتح. أما بالنسبة لحركة فتح و التي بدأ تآكلها لكثرة الفساد الإداري و المالي فهي لم تستطع أن تعيد تقييم ذاتها بعد رحيل ياسر عرفات. فياسر عرفات الذي استشهد محاصراً رفض التخلي عن ثوابت هي ركيزة القضية الفلسطينية و إن لم تكن هي كل القضية و أعني بالركيزة: 1- قضية اللاجئين. 2- قضية القدس. فبعد محادثات كامب ديفيد بين باراك و عرفات, عاد عرفات إلى رام الله و هو يدرك أن حلم الدولة بات مستحيلا مع مطالب لا يستطيع تنفيذها, و أدرك أن الأفق التسووي أغلق و أن الانتفاضة باتت قريبة لا محالة. و اندلعت الانتفاضة و عادت القضية الفلسطينية إلى أوج عنفوانها و ذروة مجدها عندما سطر مخيم جنين في نيسان 2002 أروع معارك المقاومة في سبيل عزة و كرامة و حرية شعب مضطهد مناضل مكافح. و في سلسلة المفاوضات التي كانت تجري بين ياسر عرفات المحاصر و زوراه من الأوربيين و الأمريكان, و في آخر زيارة لكولن باول إلى مقر عرفات قال باول:” اسمع أبو عمار قد أكون الصديق الوحيد و الأخير لك في البيت الأبيض” فرد أبو عمار :” اسمع: أنت جنرال و إنا جنرال لكنني الجنرال العربي الوحيد الذي لا يهزم”. عاد باول إلى واشنطن ليخرج بوش و يصرح إن القيادة الفلسطينية الحالية لا تريد السلام, و آن الأوان للبحث عن قيادة بديلة. رحل أبو عمار شهيدا و انتخب أبو مازن رئيساً للسلطة. إلا أن فتح لم تستطع أن تمتص الضربة الأولى للديمقراطية الفلسطينية عندما فازت حماس بالانتخابات لذا جاء رفض اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لنتائج الانتخابات بحجة التزوير . و بدأت سلسلة من المناوشات بين حركتي فتح و حماس, حول تشكيل الحكومة و نسب التمثيل و توزيع الحقائب. و هنا بدأ التحول الجذري في مسار القضية الفلسطينية, من قضية أرض محتلة و شعب مشرد إلى قضية حقائب وزارية, و سقط العملاقان حماس و فتح في فخ الانتخابات و نتائجها, و بدأ على حد تعبير إيبان احد المؤرخين الإسرائيليين ” سقوط القلعة من الداخل”. و بدأت النزاعات و الأزمات بين فتح و حماس تتراكم إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في الحرب الأهلية في غزة. و يسجل على الأزمة ما يلي: 1- أخذ الصراع الدائر بين فتح و حماس شكل التعصب الحزبي على حساب الشعور الوطني. 2- انتقل الصراع بين الفلسطينيين و إسرائيل, إلى صراع و تقاتل بين فتح و حماس و بالتالي فإن جوهر القضية الفلسطينية ( التحرير, و العودة ) فقد, و حل مكانه صراع على السلطة. 3- إن الصراع بين فتح و حماس هو تناحر فكري في الأصل, أدى إلى تعميق الأزمة بين الحركتين إلى الحد الذي وصل فيه التناحر مرحلة التعصب الحزبي الضيق الأمر الذي أفقد حماس هويتها الإسلامية ( في انقلابها العسكري الدموي ) و أفقد حركة فتح هويتها العلمانية ( بعدم تقبلها نتائج الانتخابات ) و بالتالي فقد تساوى الطرفان في فقدان الهوية. 4- أصبح النظام السياسي الفلسطيني ممزقاً و سهل اختراقه من أطراف إقليمية و عالمية متصارعة , و تباينت مواقف التيارات الفلسطينية وفقاً لتحالفاتها مع تلك الأطراف ثالثاً – الخلاصة: لقد تعاقبت على النظام السياسي الفلسطيني ثلاثة أشكال , وكانت بنية النظام تحدد شكله الذي يتمظهر بسلوك سياسي , بمعنى آخر إن التغيرات البنيوية في النظام السياسي تؤدي إلى تغير شكل النظام , وتتحدد هوية هذا النظام بالسلوك السياسي المنبثق عنه . و التغيرات البنيوية في النظام السياسي الفلسطيني , حدثت على مستويين : 1- على مستوى البنية المفاهيمية 2- على مستوى البرامج السياسية للمكونات ( المتمثلة بالفصائل الفلسطينية ) . إلا أن الفصل بين هذين المستويين هو فصل قسري , إذ أن الترابط عضوي بينهما , فكل منهما يسهم في إنتاج الآخر , و لكن هذا الإنتاج ليس على مبدأ الديالكتيك الماركسي , و إنما هو نتيجة موضوعية للتساند الوظيفي بينهما في سياق التعاقب التاريخي لزمن حركة النظام السياسي الفلسطيني . و هذه النتيجة بدت واضحة من خلال التعامل مع النظام السياسي الفلسطيني كنسق مغلق في لحظات إسناد زمني معينة . و أن استعادة الاستقرار في النظام السياسي الفلسطيني بحاجة إلى إعادة إنتاج مفهوم المصلحة الوطنية العليا على حساب المصالح الحزبية الضيقة و الأجندات الخارجية . و لايتأتى ذلك إلا من خلال الخروج من العقليات الانقلابية و الفكر الإلغائي و استيعاب خصوصية التعددية الحزبية في الحالة السياسية الفلسطينية . وقبل كل ذلك فإن المطلوب استعادة الإيمان الذاتي بعدالة القضية الفلسطينية على قاعدة أن الحق حق لا يؤول ولا يتبدل , وأن الاختلاف في الرؤى الفصائلية ما هو إلا اختلاف في أدوات تحقيق أهداف النضال الفلسطيني المبني على الثوابت الوطنية الفلسطينية. و في هذا السياق تمثل منظمة التحرير الفلسطينية مكسباً وطنياً و عربياً و دولياً , و أن إعادة بنائها أصبح ضرورة ملحة , على أن تستوعب التغيرات التي طرأت في الشارع السياسي الفلسطيني , و خاصة بروز التيار الإسلامي كتيار فاعل من شأنه التأثير في القرار السياسي الفلسطيني , و بالتالي إعادة الإتلاف الفلسطيني , و استعادة اللاجئين الفلسطينيين لدورهم الذي يزداد تهميشاً يوماً بعد يوم . فالنظام السياسي الفلسطيني النظام الأكثر أهمية في البناء الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني , و هذه الخصوصية تكتسب فرادتها من تشتت الشعب الفلسطيني بين : – مواطني سلطة الحكم الذاتي . – عرب 1948 . – اللاجئون في دول الشتات . و بسبب هذا التشتت يبدو النظام السياسي الأكثر قدرة على توحيد هذا الشعب في إطار وطني جامع واحد,و من هنا تبرز أهمية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية , و استعادة دورها كممثل شرعي و وحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد .

الهوامش :
1- محمد إسماعيل , قباري , أسس البناء الاجتماعي , الإسكندرية , مصر , منشأة المعارف , 1989 ص 15 . 2- مبيض , عامر رشيد , موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية , حمص , دار المعارف , 2000 , ص 1286 – 1287 . 3- إبراهيم أبراش , نسخة الكترونية . 4- كيالي , عبد الوهاب , موسوعة السياسة, بيروت , المؤسسة العربية للدراسات و النشر , 1991 ,ج2 , ص 266. 5- المرجع السابق , ج 7 , ص 207 . 6- المرجع السابق , ج 6 , ص 344 . 7- المرجع السابق , ج 7 , ص 383 . 8- المرجع السابق , ج 2 , ص 39 – 40 . 9- عبد الكريم , قيس , و آخرون , القبضة المثقوبة , بيروت , شركة التقدم العربي , 1999 , ص 177 . 10- المرجع السابق , ص 177 . 11- المرجع السابق , ص 177 – 181 . 12- إبراهيم أبراش , نسخة الكترونية . 13- كيالي , عبد الوهاب , موسوعة السياسة, بيروت , المؤسسة العربية للدراسات و النشر , ج1, ص 690 . 14- عبد الكريم , قيس , و آخرون , الطريق الوعر , بيروت , شركة التقدم العربي , 1997 , ص 214 . 15- عبد الكريم , قيس , و آخرون , سلام أوسلو , بيروت , شركة التقدم العربي , 1998 , ص 49 . 16- المرجع السابق , ص 52 . 17- إبراهيم أبراش , مرجع سبق ذكره . 18- دراج , فيصل, باروت , جمال , الأحزاب و الحركات و الجماعات الإسلامية, ط 4 , دمشق , المركز العربي للدراسات الإستراتيجية , 2006 ,ج1, ص 386 . 19- المرجع السابق , ص 389 . 20- المرجع السابق , ص 159 . 21- دراج , فيصل, باروت , جمال , الأحزاب و الحركات و الجماعات الإسلامية, ط 4 , دمشق , المركز العربي للدراسات الإستراتيجية , 2006 ,ج2, ص 171 – 172 . 22- دراج , فيصل, باروت , جمال , الأحزاب و الحركات و الجماعات الإسلامية, ط 4 , دمشق , المركز العربي للدراسات الإستراتيجية , 2006 ,ج1, ص 414. 23- إبراهيم أبراش , سبق ذكره . 24- دراج , فيصل, باروت , جمال , الأحزاب و الحركات و الجماعات الإسلامية, ط 4 , دمشق , المركز العربي للدراسات الإستراتيجية , 2006 ,ج1, ص 429.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий