Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أزمـــــة التواصـــل فــي العـالم المعاصــــر

أزمـــــة التواصـــل فــي العـالم المعاصــــر

المحاضر الأستاذ الدكتور  كمال عبد اللطيف

أستاذ التعليم العالي بشعبة الفلسفة

كلية الآداب / جامعة محمد الخامس – الرباط – المغرب

إدارة المحاضرة : الأستاذ الدكتور عقيل حسين عقيل

مقدمة 

تنشأ المفاهيم وتركب في إطار التصورات لتحيل إلى دلالات محددة ومعينة  وينظر إليها في المجال المعرفي باعتبارها عتبة تفوق عتبة التسميات والاصطلاحات المعينة لمسمى بعينه ، سواء أكان عيانياً أم مجرداً ، وترتبط المفاهيم في سلم التركيب النظري بالمعارف والمنظومات الفكرية ، حيث تتعين دلالاتها العامة المشخصة لمعانيها العديدة ، وذلك في ارتباط بالمجال النظري والسياق النصي الموصولة به والمرسلة فيه .

        وإذا كانت هذه المسألة واضحة في مجال المعرفة النظرية ذات الطابع العلمي والرياضي ، فإنها لا تعتبر كذلك في مجال المعارف الإنسانية والاجتماعية ، وذلك أن درجة التركيب والاتساق والشمول في هذه المفاهيم تظل دائماً في عتبة ما قبل التشبع المعرفي والرمزي ، الذي يمنح الكلمات معانيها المتعددة والمتنوعة ، القارة والمتحولة ، إضافة إلى ذلك نلاحظ أن مفاهيم المعارف والخطابات الإنسانية لا ترتبط في صيرورتها النظرية بمعيار الخطأ والصواب الرياضيين ، وهو المعيار الذي يسمح باندثار واختفاء بعض المفاهيم وتولد أخرى ، كما يسمح بتنويع وتوسيع أو تضييق الدلالة والمعنى فيها .

        ونظراً لصعوبة الإقرار الجازم بالخطأ والصواب الحسابيين فيما ذكرنا ، فإن المفاهيم تتحول في فضاء السجالات السياسية والتاريخية إلى جزء من آلية الصراع القائمة في الواقع ، فتمارس بواسطة عمليات الإبراز والإخفاء ، وآليات الاستعمال والاستعمال المغالط ما يسمح بإصابة مرامٍ وغايات لا علاقة لها بالمعيار المذكور ، بل إن معايير أخرى تنتمي إلى مجال المصالح التاريخية المتصارعة مثل النجاعة والجدوى والدور التاريخي هي التي تساهم في تحويل المفاهيم المستعملة إلى أدوات مساعدة على تأجيج درجات الصراع ، والدفع بها أحياناً في دروب مدعمة لأشكال من الاختلاف والتنافر ، وذلك بشحنها بدلالات ومعان لا علاقة لها بسياقات استعمالها المتعددة ، وهو الأمر الذي تترتب عنه في بعض الأحيان نتائج مولدة لكثير من مظاهر العنف في التاريخ .

        إن ما يدفعنا لبسط هذه العناصر النظرية العامة في موضوع الكلمات والمصطلحات والمفاهيم هو مسعانا الرامي إلى إبراز الدور الذي تلعبه المفاهيم في الجدل السياسي والتاريخي.      وإذا كانت المفاهيم تنشأ في المجال المعرفي كما أسلفنا باعتبارها أدوات للتواصل والحوار والتعقل . فإننا نلاحظ أيضاً أنها يمكن أن تستعمل كوسائل مناهضة لما ذكرنا، وخاصة عند استعمالها بالطرق التي تشحنها بدلالات مختلفة عن الدلالات التي آلت إليها في سياق صيرورة تشكلها . فقد يحصل مثلاً أن يتم استدعاء المفهوم بدلالة تاريخية ترتبط بلحظة من لحظات تشكله ، أي ترتبط بلحظة تاريخية لا علاقة لها بالدلالات الراهنة التي يفترض أن المفهوم أصبح يحملها في سياقات انبنائه وإعادة انبنائه ، فنصبح أمام جدل غير متكافئ نظرياً ، جدل لا يشير إلى معطيات محددة واقعياً وتاريخياً ، وهذا الأمر تترتب عنه معارك وخصومات لا تقوم على تصورات واضحة ، بل إن الجدل المغالط في هذه الحالة يصبح مهيمناً على فضاء الحوار والتواصل ، فينتج عن ذلك عوائق كابحة لآليات الجدل المنتج ، ونصبح مرة أخرى أمام تقاطعات في الآراء والمواقف والتصورات لا تسمح بتطوير الحوار ، كما لا تسمح بالوصول إلى نتائج محددة ومتفق عليها . وهذا الأمر يفسر في جانب منه كثيراً من التخندقات السياسية والمذهبية الشائعة في المجال السياسي والمجال العقائدي ، في الفكر وفي الواقع المعاصر .

        لا ينبغي أن يفهم من سياق هذه المقدمة أننا بصدد بناء تصور في مجال النزعة الفلسفية الاسمية ، أو بناء رؤية في مجال حروب المفاهيم والإيديولوجيات المجردة ، بل إن هدفنا من كل ما سبق هو عدم نسيان الدور الذي تقوم به المصطلحات والمفاهيم والفرضيات في باب تطوير الجدل السياسي والإيديولوجي أو تأجيجه ، أو توليد ما يدفع به في اتجاه دون آخر ، وذلك مقابل بذل الجهد النظري القادر على جعل المفاهيم وسيلة من وسائل بلورة التصورات المساعدة على تطوير النظر وتطوير الفهم ، وتعزيز الآليات النظرية المساعدة على إيجاد التصورات وبناء المواقف المساعدة على التفاهم .

        صحيح ومؤكد أن المفاهيم أدوات ، وأن الدلالة في مباحث الإنسانيات وقضاياها عبارة عن مخزون من المعاني القابلة للاستثمار ، خدمة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك في التاريخ ، وبحسابات المصالح المتصارعة بين البشر الذين يبتكرون المفهوم ، ويتواضعون على الدلالة ، إلا أن تغييب معايير الدقة والاتساق والتوافق يربك المجال التداولي ، وينعكس الارتباك في المجال السياسي والتاريخي ، فلا ينتج عن ذلك مفارقات في الفكر فقط ، بل تنشأ معارك وأزمات في المجتمع والتاريخ ، معارك يمكن تجنبها أو التقليل من حدة انتشارها عن طريق التفاهم المسلم بأهمية ضبط وتعيين مقدمات التفكير وأدواته .

        لا نفسر هنا علاقة اللغة الاصطلاحية بالتاريخ وبمجال الصراع السياسي بالذات ، بل إننا نريد فقط إبراز الدور الذي تمارسه المفاهيم في محاصرة وإعاقة الحوار المنتج في التاريخ وفي الفكر ، ونستطيع أن نتبين في المكاسب المنطقية والإبستمولوجية المعاصرة كثيراً من الأفكار المفيدة في باب فحص علاقة التماسك النظري بالاتساق وبالإبداع الفكري كما حصل ويحصل في التاريخ .

        إننا نتجه في هذه المساهمة لبناء بعض الملاحظات المساعدة على توضيح أهمية التدقيق في المفاهيم في مجال التفكير في الإشكالات الكبرى التي تطرحها قضايا الجدل السياسي الدائر في السنوات الأخيرة في فضاء الصراعات الدولية الكبرى ، مع التركيز على المعطيات المستجدة في الخطابات المتداولة بعد حادث 11 سبتمبر 2001 .

المفاهيم ألغام أم أدوات للتواصل ؟

        لتوضيح المقدمات السابقة نتوقف أمام عينة محددة من المفاهيم التي يجري تداولها بكثير من التواتر والحماس في السنوات والأشهر القليلة الماضية ، باعتبار أنها مفاهيم مطابقة لمعطيات محددة ، يتعلق الأمر بمفهومي الحضارة والهوية ، وذلك أثناء الحديث عن(صراع الحضارات)و (حرب الهويات) وهما مفهومان غالباً ما يجري استدعاؤهما داخل المقال الواحد وفي السياق التحليلي الواحد ، إضافة إلى أنهما يتبادلان الإسناد النظري داخل التركيب الخطابي للمقالات التي تعتمدهما معاً في توضيح مواقفها من أشكال الصراع الجاري في العالم اليوم .

 

1- الحضارة المعاصرة .. مشروع تاريخي مستقبلي مشترك

        لنبدأ بمفهوم الحضارة وهو من أكثر المفاهيم الرائجة في الآونة الأخيرة التباساً واختلاطاً ، وغالباً ما يرادف بالثقافة ، ويوضع مقابل التأخر والتخلف والبدائية ، وكلها مفاهيم لا تكافئه نظرياً ، ولا يمكن مرادفته بها ، ولا وضعها كنقيض له ،إلا في السياقات المغالطة التي لا تعنى بضبط المفاهيم وحدود استعمالها في سياقات السجال السياسي والفكري السائد اليوم .

في مقالة هنتنجتون (1) الواقعة في قلب كثير من النقاشات الجارية في هذا الباب ، لا يتم فقط الخلط بين الحضارة والثقافة ، بل إن الوجه الأكثر خطورة في تصور صاحب المقالة لمفهوم الحضارة ، وموقفه مما أطلق عليه صراع الحضارات يندرج ضمن المقدمات الخاطئة التي تتصدر سياق بنائه لفرضيته الأساس .

        فمقالته تستند إلى مقدمات فاسدة ، ذلك أن الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية ، بين المشروع الاشتراكي والمذهب الاقتصادي والسياسي الليبرالي بمختلف تنويعاته ، كان يتم داخل دائرة حضارة واحدة هي الحضارة المعاصرة . وقد كان هذا الصراع في العمق صراعاً سياسياً صراع مصالح تاريخية محددة وواضحة ، في حين أن الانتقال من هذه المقدمة ، بعد سقوط وفشل التجربة الاشتراكية وانهيار المعسكر الشرقي إلى الحديث عن صراع الحضارة المعاصرة مع العدو الجديد الصاعد المتمثل في (( الحضارة الإسلامية )) يتضمن في نظرنا مغالطة جديدة ، أقل ما يمكن أن توصف به هو التساهل في التعبير ، وتلفيق المعطيات الخطابية بطريقة تتجه لخدمة أهداف مخالفة للغايات المعلنة ، أهداف لا علاقة لها بالإسلام كديانة تخص معتنقيها ، ولا بالحضارة الإسلامية بحكم أنها تشكل اليوم جزءاً من التاريخ ، حيث لا نجد في فضاء التاريخ العالمي المعاصر معالم لحضارة إسلامية فاعلة في الحاضر الكوني ، مثلما أنه لا يمكننا أن نتحدث اليوم أيضاً عن حضارة صينية أو حضارة فرعونية ، فالحضارات الأخيرة المذكورة على سبيل المثال اندثرت في التاريخ بعد أن لعبت أدواراً  هامة في أزمنة خلت ، أزمنة رسمت المعالم العامة لصعودها وقوتها .

        نحن نتجه هنا لوضع اليد على علامة المغالطة في الافتراض الهنتنجتوني ، الذي أصبح بعد حوادث 11 سبتمبر واقعة فعلية من وقائع الصراع والحرب القائمة ، بين من نفترض مطابقة بينه وبين طرفي المعادلة في عبارة “صراع الحضارات ” صراع الإسلام والغرب ، صراع الحضارة الأوربية المعاصرة مع الحضارة الإسلامية .

        إننا نعتقد أن التصورات التي ركبت بعد حوادث 11 سبتمبر ، والمطابقات التي أنجزت بين فرضية هنتنجتون القائمة على جملة من المغالطات ، هي التي أدت إلى بناء خطابات عمياء خطابات وتحليلات تعتقد أنها ترى الواقع ، وأنها تسمى الأشياء بمسمياتها في حين أنها ترى ما تريده بالذات ، وتسمى الأشياء بأسماء غير مطابقة ولا مكافئة لوقائع فعلية محددة .

        إن المغالطة الكبرى في توصيف الصراع القائم في العالم اليوم ، تتمثل في وضع الحضارة الأوربية المعاصرة أمام الحضارة الإسلامية ، أي وضع الصعود التاريخي والقوة التاريخية الداعمة للحضارة المعاصرة أمام حضارة بائدة ، حضارة ساهمت في توليد عناصر الحضارة القائمة ، بناء على جدلية التشكل الحضاري ، جدلية الاستيعاب والتجاوز كما حصلت وتحصل في التاريخ ، وهو الأمر الذي يعني وضع الحضارة المعاصرة أمام حالة من حالات التأخر التاريخي الحاصل في مناطق معينة من العالم . ونحن عندما نقبل هذا الأمر باعتباره واقعة تاريخية فإننا ننظر إليه كنتيجة مترتبة عن آليات الصراع التاريخي الناشئة في العالم خلال القرنين المنصرمين .

        ينبغي التوضيح هنا ، أننا عندما نقوم بتفكيك الدلالات المركبة في ثنائية الإسلام والحضارة الغربية المعاصرة ، فإن هدفنا الأول هو كشف مغالطات الخطاب ، وبالتالي وضع اليد على النتائج النظرية والتاريخية التي تولدها مقدمات الخطابات المغالطة في الفكر وفي التاريخ .

        وفي هذا السياق نقول إن الحضارة الغربية المعاصرة كما نتصور ليست ملكاً لجغرافية محددة ، ولا لإسهام تاريخي حضاري واحد ومحدد ، إنها فعل تاريخي معقد ومركب ، وهي محصلة جهود تاريخ الإبداع البشري والتطور البشري في التاريخ ..(2)

        وإذا كان من المؤكد أن أوروبا  تعد اليوم وربما منذ أربعة قرون خلت ، صاحبة المبادرة في أغلب منجزات الحضارة المعاصرة ، فإن هذا الأمر يجب أن يفهم في إطاره التاريخي ، أي ينبغي أن يفهم باعتباره سيرورة تاريخية مركبة ، أطرتها جملة من الشروط ومكنتها من بناء وتركيب ما نطلق عليه اليوم منجزات الحضارة الغربية ، وهي منجزات تشمل كافة مظاهر الحياة ، حيث تقف هذه الحضارة اليوم كما نعرف جميعاً وراء الكشوف والنماذج العلمية الكبرى في الطبيعة وفي المجتمع وفي النظر إلى الإنسان . كما تقف وراء مختلف صور التقدم في أبعادها ومستوياتها المختلفة ، بل وفي نتائجها السلبية كذلك .

        لكن هذه الحضارة في صعودها المتواصل تعكس في العمق جهداً إنسانياً مشتركاً ، فكل كشوفها ومنجزاتها لا تتخذ الطابع الكوني والشامل إلا بمشاركة ومساهمة الإنسانية المعاصرة ، وإذا كانت أصول هذه الحضارة ومقدمات انطلاقها وتشكلها تستند كما أبرزنا إلى مكاسب حضارات سابقة عليها ، فإن شرط كونيتها اليوم يقتضي مساهمة الآخرين من الذين ينتمون إلى ثقافات أخرى في عمليات بنائها المتواصلة (3)..

        إن عمليات التكييف والمواءمة والتبيئة والتأصيل التي تمارس على منتوج الحضارة الغربية خارج جغرافية المنشأ الأول بمختلف مكوناتها التاريخية والثقافية ، تساهم في تركيب وإعادة تركيب منجزاتها ، كما تساهم في تطويرها ، ذلك أن الحضارة المعاصرة كما نتصورها عبارة عن إرث مشترك ، ولا يحق لأوربا وللغرب الأوروبي أن يخلط بين إرادته السياسية والاقتصادية في الهيمنة وبين مكاسب البشر في التاريخ (4).

        إننا نعترف كما قلنا بالدور الريادي الذي لعبه التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر في مجال بناء أسس هذه الحضارة وفي مختلف الأصعدة والمجالات ، لكننا نقر في الوقت نفسه بأن مشروع هذه الحضارة بمختلف فتوحاته يخص الأوروبيين كما يخص غير الأوروبيين ، وأن مواصلة استثمار إيجابياتها والعمل على تجاوز سلبياتها أمر موكول لكل البشرية أيضاً . أما وضع الحضارة الإسلامية كعدو مناهض لمكاسب البشرية في التاريخ تحت ضغط واقعة بعينها ودون فحص لمختلف أبعاد الواقعة المذكورة ، فإنه موقف يتضمن كثيراً من التساهل في التسميات والتوصيفات ، إذا لم نقل إن فيه محاولة لإقامة وتركيب معطيات قادرة على تفجير الإسمنت المسلح ، أي قادرة على توليد حروب ومعارك أهدافها الفعلية مضمرة ومسكوت عنها.

        ينبغي إذن التفكير في الصراع الدولي القائم في العالم اليوم خارج دائرة التفكير في الثنائيات المجردة السائدة ، وعلى رأسها ثنائية الإسلام والغرب ، لأن الحدود القصوى للتفكير بواسطة هذه الأزواج المفهومية الملغومة ستؤدي في نهاية التحليل إلى سقف التفكير في النور والظلام ، والشر والخير ، وهي مفاهيم لا علاقة لها بروح المكاسب الفكرية التي بلورت الحضارة المعاصرة في باب الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر ، حيث لا وجود للخير المجرد أو الشر المجرد ، وحيث الأبيض والأسود أسماء لا تحيل إلى مسميات واحدة ثابتة ونهائية .(5).

        ولعل ما جرى يوم 11 سبتمبر بمختلف صوره يحتاج إلى آليات في التحليل والفهم والتعقل تتجاوز أنماط المقاربات التبسيطية السائدة ، التي تتجه مباشرة لرسم سيناريوهات للحرب ، حيث تصبح الثنائيات المفهومية التي تضع الميت مقابل الحي ، والشر مقابل الخير ، وسيلة ناجعة للتغطية عن المسميات الفعلية ، المسميات التي تكشف عند رفع الغطاء عنها طبيعة ما جرى ويجري في العالم .

        يفترض الذين يضعون الحضارة المعاصرة مقابل الحضارة الإسلامية أنهم وحدهم المعنيون بمكاسب ومنجزات التاريخ الحديث والمعاصر (6) ، وهم يتناسون الأدوار التي قامت بها المجتمعات غير الأوروبية في باب توسيع وتنويع وتطوير مكاسب هذه الحضارة ، وفي هذا الإطار نؤكد أن قوة هذه الحضارة تزداد عن طريق مزيد من انخراط المجتمعات والثقافات في اختبار ونقد مبادئها العامة ، فلم يكن بإمكان هذه الحضارة أن تتمتع بصفة الكونية والشمول ، ولا أن تتعدى محيطها الأوروبي الغربي إلا عن طريق انخراط الجميع في امتحان وتعقل أسسها وأصولها (7)، وذلك في ضوء الخصوصيات التاريخية لشعوب المعمورة، وفي هذه الحالة الحاصلة منذ قرنين على الأقل بالنسبة للعالم العربي الإسلامي ، لم يعد بإمكان المشروع الحضاري الغربي في أبعاده المختلفة أن يدعي امتلاكه للرأسمال المادي والرمزي الذي تبلور ومافتئ يتبلور في قلب المشروع الحضاري الإنساني المعاصر ، وذلك بحكم أن جهود المجتمعات والثقافات الأخرى كما قلنا منحت وتمنح كشوفه المعرفية وثوراته العلمية ومبتكراته التقنية والمادية فضاءات أخرى للتطوير والتكييف وإعادة الإنتاج ، وهو الأمر الذي تترتب عنه نتائج تشمل محتوى المنتوج ، كما تشمل آليات إنتاجه (8) مع لزوم الإشارة هنا إلى أن المنتوج المقصود لا يتعلق فقط بالسلع بمختلف أصنافها وأشكالها ومستويات تطورها ، بل إنه يتضمن أيضاً رؤية محددة للكون وللإنسان والتاريخ والمعرفة ، حيث تتبادل منتوجات الحضارة المعاصرة مواقع والتأثير في معادلات تاريخية مركبة ومعقدة ، وضمن مساحات جغرافية لم تعد لها حدود قارة ومرسومة بصورة نهائية .

        ونحن نعتقد أن قبول النتائج المتضمنة في سياق التحليل الاستدلالي السابق يتيح لنا إدراك الطابع المركب للمشروع  الحضاري المعاصر ، وهو المشروع الذي مافتئ يجرب أساليبه في الانخراط التاريخي والتكنولوجي الفاعل في مختلف تلافيف الواقع المعاصر ، ودون حدود ولا موانع ، وذلك بحكم ثورات المعلوميات الجديدة التي اكتسحت جغرافية العالم ، ويفترض أن تؤدي فيما يستقبل من الأيام إلى نتائج هامة في مستوى الذهنيات وفي مستوى العلاقات البشرية في أبعادها المختلفة .

        ليست الحضارة الغربية إذن وبناء على كل ما سبق حضارة تخص شعوباً دون أخرى ، فقد نشأت موصولة بمكاسب حضارات خلت ، وهي اليوم لا تتمتع ، كما قلنا ونكرر، بطابعها الشمولي والكوني إلا عندما تتمكن من تحقيق تواصلها المفترض مع ثقافات وفضاءات جغرافية تتجاوز المجال الجغرافي الأوروبي الذي نشأت في إطاره .

        لا يمكن إذن أن نتحدث عن صدام حضاري محتمل بين حضارة لم تعد قائمة إلا باعتبارها ذاكرة وتراثاً و أثراً من آثار البشر في التاريخ ، وحضارة تعد اليوم من مكاسب التاريخ الحضاري العام لبشرية تواجه مصيرها المشترك ، بتدبير تحكمه مصالح متناقضة ، مصالح البشر المتناقضة في التاريخ . وما وقع يوم 11 سبتمبر ، وما يقع اليوم في العالم ، تحكمه في نظرنا عناصر ومعطيات تاريخية تتجاوز التسميات والتوصيفات الشائعة ، ولعله يقتضي تحليلاً أعمق لنوعيات الصراع القائمة في العالم في مختلف مظاهرها وأوجهها ، من أجل اكتشاف أبعاده ودلالاته القريبة والبعيدة .

2- الهوية مطابقة أم انفلات ؟

        ومن أجل مزيد من توضيح ما نحن بصدده ، نقترب من مفهوم آخر متواتر الاستعمال أيضاً في الحرب الإيديولوجية السائدة في العالم اليوم ، ونقصد بذلك مفهوم الهوية وذلك داخل معادلة ما أصبح يعرف بحروب الهويات وتناحرها في العالم المعاصر .

        يحمل مفهوم الهوية في أغلب استعمالاته الشائعة دلالة السكون والوحدة ، وإذا كان مبدأ الهوية في أصوله المنطقية يروم تعيين الشئ في جنسه ونوعه ، فإن نقله من مستوى الإشارة المحددة للشئ في لحظة بعينها إلى مستوى الإحاطة بدلالات الشئ على وجه الإطلاق ، ساهم في تركيب تصورات لا علاقة لها بمعطيات الواقع الفعلية . وتتضح هذه المسألة بصورة قوية عندما نفكر بواسطة المفهوم في التاريخ والإنسان والمجتمع والثقافة ، حيث تتحول الموضوعات المذكورة بفعل الدلالة المباشرة للمفهوم إلى وحدات وأقانيم مغلقة لا تعبر عن معانيها ، قدر ما تشير وتعين لحظة من لحظات صيرورة الشئ أو الموضوع ، فلا نعود ندري عن أي بشر أو ثقافة أو حضارة نتحدث .

        نستطيع القول إذن ، إن مفهوم الهوية بالصورة المتداول بها في خطابات السجال السياسي في الفكر المعاصر يعتبر مفهوماً حربياً بامتياز ، إنه مفهوم ينجز توصيفات مغلقة ومطلقة ، ليمارس بواسطتها تفكيراً يتجه لرسم حدود التخندقات والتموقعات الحربية ، خدمة لأهداف سياسية تاريخية لا تعبر عنها تماماً التوصيفات والتسميات الموضوعة .

        تقدم معطيات التاريخ القديم والمعاصر أمثلة دالة في باب التنميط الهوياتي  المستخدم في لحظات الصراع  والأزمات في تاريخ المجتمعات البشرية وفي حاضرها . فالحديث بلغة الهوية المغلقة يعتبر في العمق آلية من آليات التجييش الحربي ، حيث تمثل كل هوية فضاء مغلقاً في مواجهة فضاءات أخرى مغلقة بدورها ، وهو الأمر الذي يعني انتفاء التواصل والحوار ، بل إن لغة الحرب تتجه أحياناً لإنجاز تنميطات تحصر فيها ثقافة معينة أو مجتمعاً معيناً في قالب محدد ، مغفلة ومتجنبة النظر إلى تحولاته الفعلية ، ومخاضاته القائمة ، وتوتراته المشيرة إلى تغيراته الحاصلة والمرتقبة الحصول (9) وهو الأمر الذي يترتب عنه أن الطرف المعني بالصورة النمطية يتجه بدوره لرسم صورة مناقضة للصورة النمطية التي أنشئت له ، فتبدأ حرب الصور المفترضة ، الصور النمطية المؤسسة لخطابات لا علاقة بينها وبين الوقائع في تعددها وتوترها ، الذي يتجاوز في نظرنا الصور النمطية الجاهزة والمغلقة .

        لا علاقة لمفهوم الهوية بموضوعه في مجال الحديث عن هويات الأفراد والجماعات والثقافات ، فالتسمية تشير إلى المعطى المكتمل ، في الوقت الذي نجد فيه أن الثقافات في التاريخ مفتوحة على أزمنة ومرجعيات لا حصر لها ، ومفتوحة أيضاً على فضاءات لا يمكن إغلاقها تماماً وكلية (10).

        فعندما نتحدث مثلاً عن الهوية الإسلامية للمشروع الثقافي العربي في عصورنا الوسطى ، فإننا نكون أمام مركب تختزله الكلمات دون أن تشير إليه في كليته وديناميته ، أو تحيط بمختلف أبعاده ومكوناته ، ففي هذا المركب عناصر كثيرة متداخلة ، وتقدم المنتوجات الفكرية المتبلورة في دائرة الفكر العربي الإسلامي الدليل القوي على عمليات في المثاقفة والتحول تشدها قواسم فكرية منهجية مشتركة ، وتستند إلى مقدمات عقائدية فكرية محددة ، لكنها تظل قبل وبعد ذلك تشير إلى عملية تاريخية أكثر مما تقدم صورة نمطية مغلقة (11).

        ولعل هذا المثال يصبح واضحاً أكثر عندما يتحدث المتحدثون اليوم في العالم العربي والعالم الإسلامي عن لزوم المحافظة عن الهوية الثقافية ، فهذا الموقف يفترض نقاء هوياتيا إن صح التعبير ، وهذا النقاء يكاد يكون مستحيلاً ، فقد استطاعت الثقافة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر أن تمارس عمليات مثاقفة مع المرجعيات الثقافية الغربية ، وقد أثمرت هذه العمليات كيفيات محددة في استيعاب عناصر فكرية جديدة مستمدة من مرجعيات المشروع الحضاري والثقافي الغربي المعاصر(12) . وقد نتج عن هذا الأمر جملة من المعطيات أضافت إلى مكونات الهوية الثقافية العربية مرجعيات جديدة . ولم يعد بإمكاننا أن ننظر إلى الغرب الأوروبي وثقافته باعتبارهما خارجاً مطلقاً بالنسبة للذات العربية . فقد أصبح الغرب الأوروبي يشكل منذ ما يقرب من مائتي سنة جزءا مكوناً لذاتنا المتحولة في الزمان ، وبهذا المعنى تتسع دوائر تشكل وإعادة تشكل الذوات والثقافات والمجتمعات في التاريخ ، حيث يصبح مفهوم الهوية وسيلة للحصر والإفقار .

        لا يمكننا إذن أن نتحدث في التاريخ بلغة الهوية الحافظة لذوات مغلقة على ذواتها المعزولة ، ومفهوم الهوية لا يعبر عن التطابق إلا بمقدار تعبيره عن الانفلات والتجاوز . وعندما نقبل أن تكون الهوية انفلاتاً ، فإنه يترتب عن ذلك أن الآخر العدو المفترض في المجال الثقافي والحضاري لا يصبح كذلك وبصورة مطلقة ، فنحن من جهة وبحكم التواصل القائم والمنجز بيننا وبينه ، نكون قد ساهمنا بطرقنا ووسائلنا الخاصة في تحويله إلى جزء من ذاتنا ، جزء من لحظات صيرورة ذاتنا في التاريخ .

        لا يترتب عن هذا التحليل بالضرورة تجاوز الصراع السياسي والتاريخي القائم بيننا وبين الآخرين في العالم ،لكن لا يجب القفز من موضوع الصراع التاريخي المحدد بدوائر المصالح المتناقضة إلى طمس ظواهر ومعطيات التاريخ الثقافي والحضاري الفعلية والواقعية أو عدم الانتباه إلى المخاضات والتوترات القائمة في الواقع وفي الفكر، ففي التاريخ العربي المعاصر لحظات شقاء في الوعي وتوتر في التاريخ ساهمت في تكسير كثير من الأوثان ، ولعلنا لا نزال نعيش التوترات التاريخية الحبلى بمعطيات ستساهم آجلاً أو عاجلاً في إغناء وتطوير وإعادة تركيب ذاتنا التاريخية وهوياتنا المفتوحة .

ولهذا نرفض كما بينا أن تكون الحضارة المعاصرة أوروبية وغربية ، إلا عندما تتجه التسمية لتوصيف وتحديد النشأة ، أما هوية المشروع الحضاري المعاصر في كليته وصيرورته المتواصلة ، فإنها في نظرنا مفتوحة على جغرافيات أوسع وتواريخ أرحب وأشمل كما أن هويتنا الثقافية التاريخية أصبحت تسع بفعل مقتضيات التاريخ مرجعيات فكرية وتاريخية عديدة  مرجعيات ساهمت ولا تزال تساهم في تعميق نوعية حضورنا التاريخي ، وتحولنا المتواصل في الزمان .

        نخلص من التحليل السابق إلى أن التسميات والتوصيفات والمفاهيم المتداولة في هذا المجال لا تعبر تماماً عن طبيعة ما جرى ويجري ، وهي في نظرنا لا تسمح ببلورة التصورات المساعدة على فهم وتجاوز الإشكالات التي يطرحها الصراع الدائر في عالمنا المعاصر ، وقد لا نجازف عندما نعلن أنها مفاهيم محكومة بمواقف وآراء مسبقة ، مفاهيم تخفي معطيات أخرى  ومعنى هذا أن المفاهيم المستعملة لا تتيح إدراكاً جيداً لشبكة العلاقات والتصورات المؤسسة لأنماط العلاقات القائمة في المجال الدولي .

 

في مبررات الأزمة وسبل مقاومتها ..

تغييب الروح النقدية والفكر التاريخي ..

حاولنا في التحليل السابق التأكيد على الطابع المبسط والمطاط للمفاهيم المستعملة في مجال التصورات السياسية والاستراتيجية الشائعة في الخطابات السياسية والفكرية ، المرتبطة بالقضايا الكبرى الراهنة في مجال الصراع الدولي . وقد تبينا أن المفاهيم المستعملة ، تكشف عن أزمة في التواصل معمقة لآليات التناقض والصراع القائمة ، ولعلها في بعض الأحيان تلعب دور المعزز المباشر لمنطق العنف المادي والرمزي السائدين في مجال العلاقات الدولية .

        وفي هذا السياق نستطيع القول بأن الصور التي تركب المفاهيم المغلوطة بين الأطراف المتصارعة ، تساهم بصورة قوية في تحويل كثير من المعطيات الجزئية أو الهامشية  إلى معطيات مركزية وعامة .

        إننا لانعتقد أن الأحاديث السائدة عن الإسلام والحضارة الإسلامية والعالم العربي تعكس بدقة طبيعة المخاضات والتوترات والأسئلة القائمة في المجالات المذكورة ، بل إن الطابع العام للأحكام السائدة يتجه في الأغلب الأعم لترسيخ صور نمطية اختزالية مناقضة لطبيعة ما يجري في كليته وشموليته ، ولا يتعلق الأمر في هذا المجال بنظرة الآخرين للإسلام وتاريخه ولمشروع النهوض العربي (13)، بل إن نظرة بعض نخبنا إلى العالم الأوروبي وإلى الحضارة المعاصرة تعد بدورها نظرة نمطية قاصرة ، وفي أحاديث الفكر العربي المعاصر عن “بهيمية وجاهلية القرن العشرين” (14) ما يكشف نوعية الصور التي تركب بعض تياراتنا الفكرية عن مكاسب ومنجزات التاريخ المعاصر .

        صحيح أن كثيراً من المواقف والأحكام تجد لها مبررات عينية محددة في التاريخ من قبيل نتائج المرحلة الاستعمارية التي شهدت الهيمنة الغربية على العالم العربي والعالم الإسلامي في كل من أفريقيا وآسيا .. إلا أن الصور التي تولدت عن معارك الاستعمار ومعارك التحرر والتحرير لا ينبغي أن تتحول إلى صور نمطية ساكنة ، بل يلزم أن نعمل معاً من أجل المساهمة في تعديلها بالفعل التاريخي القادر على توليد معطيات جديدة .. ولعل هذا الأمر حصل ويحصل في التاريخ ، وينبغي أيضاً أن يكون مناسبة لتطوير العلاقات وتعديلها في إطار من البحث عن توازن معين للمصالح البشرية في التاريخ .

        ولو اتجهنا للبحث في مبررات أزمة التواصل والحوار القائمة لاكتشفنا أن وراءها سلاسل من الأوهام المعادية للاعتراف المتبادل ، الاعتراف التاريخي والموضوعي الذي يشكل في نظرنا الخطوة الأساس في كل حوار نريده أن يشكل إطاراً لإنجاز التوافقات التاريخية والعقلانية المساعدة على حسن التصرف ، أي المساعدة على بناء الاختيارات المطابقة لواقع الحال في تعدده وتناقضه ، في توتره واختلافه ، من أجل إنتاج ما يساعد على تخطي العناصر التي تعوق بناء حاضر ومستقبل مشترك ، يستند إلى الطموحات المشتركة بين كل الأطراف التي يهمها مصير الإنسانية في التاريخ .

        تقف في نظرنا ثلاثة أوهام كبرى وراء المفاهيم المؤججة للحرب القائمة اليوم في العالم  أوهام عقائدية وأوهام نفسية وثالثة سياسية .

        تتمثل الأوهام العقائدية في التصورات والأفكار التي تحول المذاهب والعقائد إلى دوغمائيات صنمية ، حيث يتم استبعاد التاريخ وتحويل الأفكار إلى نماذج نظرية مغلقة ، نماذج نخاصم العالم بواسطتها وانطلاقاً منها ، وهذا الموقف يحول العقائد من أدوات مساعدة على الفهم والإدراك والتعقل ، ومعبرة عن تصور الإنسان للعالم وللتاريخ ، إلى أدوات مربكة لآليات الحوار والفهم والتواصل ، إننا إذن أمام مواقف تستبعد كما قلنا لغة التاريخ ،لمصلحة لغات أخرى تحتفي بالمطلقات و تعادي التاريخ .

        إن استبعاد لغة التاريخ والفكر التاريخي يعني استبعاد لغة النقد والنسبية وهما من أكبر مكاسب التاريخ الحديث والمعاصر . وهو الأمر الذي يعني العودة مجدداً إلى لغة الإطلاق واليقين ونسيان دروس الفكر النقدي المعاصر .(15)

        نتعلم من دروس الفكر المعاصر في الفلسفة والعلم أن الحضارة الغربية مشروع في التعدد والاختلاف ،مشروع في احتضان النقد والفكر النقدي وبصورة متواصلة ،كما نتعلم أن مكاسبها ومنجزاتها تعد محصلة لتاريخ مشترك ، وأن مستقبلها مرهون بانخراط الآخرين من كل القارات في إعادة تأسيسها بتجاوزها ، وفي هذا السياق يصبح كل حديث عن حضارة غربية تخص مجموعة بشرية بعينها مجرد حديث في الأعراق والأصول الأسطورية ،أي مجرد حديث لا علاقة له بالتاريخ الفعلي ،وهو تاريخ مفتوح ومتعدد .

        كما أن الحديث عن الإسلام والحضارة الإسلامية بلغة الدوغما المغلقة والنص المعياري المطلق يندرج ضمن الأفق نفسه ،أفق اليقينيات القطعية والنقية ، وهو الأمر الذي تكذبه شواهد التاريخ ،حيث لا يشكل الإسلام المعياري أكثر من طوبى موازية في التاريخ للإسلام التاريخي الإسلام كما نشأ وتطور ومافتئ يتطور في التاريخ (16).

        إن ثنائية الإسلام والغرب ،عندما تصاغ وتوضع كمرادف مكافئ لثنائية الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية ،تعبر عن توصيفات غريبة عن لغة التاريخ ،المسلمة بالتداخل والاختلاط والترابط ،وهي اللغة التي حصلت ومافتئت تحصل داخل التاريخ ،وكل استدعاء للمفاهيم المذكورة باللغة المحنطة والمطلقة يدخلنا في دوائر الحرب المشتعلة ،ولعله كما قلنا يساهم في تأجيج نيران الحرب ويدعم حرائقها وويلاتها .

        أما الأوهام النفسية فتتمثل في نظرنا في المحن والأزمات المرتبطة بوعي الفارق ،وعي الأقوياء بقوتهم ووعي المتأخرين بتأخرهم ،وهذا الأمر يولد في النفوس كثيراً من الضغائن والأحقاد المتبادلة ،إلا أننا نرى أن الإدراك الموضوعي والتاريخي لمظاهر القوة والتأخر ،يتيح لنا إمكانية التفكير في كيفيات تقليص درجات التوتر ،وبناء ما يسعف بترتيب علاقات تاريخية أكثر توازناً ،وفي هذه الحالة تكون الأطراف المعنية مطالبة باستحضار مطلب التفكير بالقيم والمفاهيم النسبية والتاريخية ،أي المفاهيم القادرة على بناء توافقات جديدة ،توافقات يكون بإمكانها بلورة اختيارات ومواثيق مساعدة على تقليل حدة التوترات ،وتقليص درجات الغليان المولد لأشكال من الانفجار بعضها حصل وبعضها الآخر ممكن الحصول ،وهو ما يعني المزيد من المساهمة في تكريس التنافر والتباعد القائمين .

        يترتب عن الأوهام النفسية مجموعة من الضغوط التي لا تسمح بالتواصل الإيجابي، ولن نتمكن من تفتيت الضغوط السائدة إلا بتركيب مفاهيم قادرة على إنجاز التواصل المساعد على بلورة ممكنات التوافق التاريخي ،الذي يجعل الجميع يشتركون في صناعة المستقبل .

        نحن إذن في حاجة إلى تعميق معركتنا الذاتية مع ذاتنا التاريخية ،لنتمكن من استيعاب أفضل لمكاسب التاريخ المعاصر (17)، والغرب في حاجة إلى الوعي بنسبية وتاريخية منجزاته ،وبدور الآخرين في تركيب جوانب منها بالأمس واليوم وغداً ، ولعل إسهام البشرية المشترك في تعزيز مبادئ الحضارة المعاصرة هو الذي يمنح هذه الأخيرة كما وضحنا إمكانية استمرارها وإمكانية مواصلتها لدورها التاريخي .

        أما الأوهام السياسية القائمة فيمكن تعيينها في الخلط بين مستويات الاختلاف والتناقض المنتشرة بين المجموعات الثقافية والسياسية في العالم المعاصر وهي المجموعات التي تندرج جميعها في فضاء الحضارة المعاصرة ،وهو اختلاف مشروع ومبرر،وبين إرادة في الهيمنة تروم تنميط العالم وفق تصور واحد ،وبدون مراعاة القيمة التاريخية للتنوع والتعدد الثقافي في التاريخ ،فإذا كان من المؤكد تاريخياً وواقعياً وجود صراعات ومعارك سياسية متعددة في العالم صراعات في أكثر من جبهة وجهة ،فإن هذه المعارك لا ينبغي أن تتحول إلى معارك متجاوزة لحدود معطياتها التاريخية المحددة لتصنع أعداء مفترضين لحضارة يملكها الجميع .

        نعم هناك خلافات سياسية عنيفة بيننا وبين الغرب الأوروبي ،وهي خلافات ترتبط بقضايا محددة في الجغرافية والتاريخ والاقتصاد وتدبير العلاقات والمصالح المشتركة ،إلا أنه لا ينبغي التفكير في هذه الخلافات خارج سقفها العياني والمحدد وهو السقف الذي تعين معاييره الضابطة آليات المنافع والمصالح التاريخية والمادية ،أما المساعي التي تتجه لابتكار أسماء ومفاهيم لا علاقة لها بمسارات الصراع القائمة ،فإنها تساهم كما قلنا في كثير من الأحيان في صناعة أعداء بمقاسات أخطر مما يتصور المساهمون في تركيب هذه الصور وبآليات الحيل السينمائية أحياناً ،فقد تنطلي الصور المركبة على مبتكريها وعلى المنسوبة إليهم ،فتتحول السيناريوهات المفترضة إلى وقائع ،حيث يصبح الاختلاط سيد المواقف والمواقع ،وقد يترتب عن هذا الأمر جملة من الأمور غير المتوقعة .لهذا السبب يكون من الضروري في خطابات فهم وتعقل الظواهر السياسية التاريخية ،التمييز في المعارك بين المعطيات في مستوياتها القريبة والبعيدة ،حتى لا تنفلت الوقائع واللغات وتتحول المفاهيم إلى أدوات حربية ،يصعب الحد من مفعولها في المدى الزمني القريب ، وهو الأمر الذي يقتضي مزيداً من الحذر عند محاولة فهم معطيات التاريخ في أبعادها المختلفة .

 

 

نبدأ الجلسة الثانية للمحاضرة ، يوجد عدد كبير من أوراق المداخلات ويوجد العديد من الأسئلة داخل الورقة الواحدة ، ونظراً للوقت ولأن اليوم هو يوم عاشوراء فسوف نحاول أن نختصر جملة من الورقات . يتفضل الآن د. دارم  البصام لطرح مداخلته .

د. دارم البصـــــام :

        بداية موضوع التواصل هو موضوع الساعة ، وهذا الموضوع لم يأخذ حظه من المعالجة بالفكر الاجتماعي ، حديث الأستاذ كمال حديث في عمق الإحاطة ولكنْ لدىّ انتقاد واحد منهجي هو أن الأستاذ كمال يتحدث عن مفهوم  التواصل ولم يستطع أن يمسك بعناصر الإمكان الموضوعي والمطلع التاريخي الحالي الذي يمكن أن يحقق له مفهوم الاستيعاب والتجاوز لفكر الآخر ، نحن نمر في مرحلة تبدل فيها العقل الاجتماعي ليحل محله الاتصال الاجتماعي ، إذا قلنا بالإنجليزية فهى ( Social Contract) تنحّى ويأتي بدلها (Social Contact) ما معنى هذا ؟ يعني تبدل بالمقاربات قبل علم الاجتماع كان يتصور أن المنتسبين لشريحة اجتماعية معينة لفرد لها علاقة بالبناء الاجتماعي في بلد معين .

الآن الإنسان يتجه للتواصل ، بدأ يتصرف بأنماط سلوكية لا علاقة لها ببنيته الاجتماعية ، وإنما لها بنية اجتماعية كونية ، وهذا كما قلت يجب أن نبدل الكثير من أدوات الاتصال الاجتماعي في عملية التنظير للسلوك الاجتماعي ، وهنا حينما نتحدث عن التواصل بين الثقافات ، وبين حضارات لدينا إمكانات جديدة للتواصل لم تكن موجودة من قبل فهذه الامكانات في التاريخ أعتقد أنه كان يجب أن تخرج للوجود ، فهناك حديث الآن عن كتاب صدر حديثاً اسمه (المجتمع الافتراضي) والذي يتحدث بما معناه أن هنالك إنتاجا جماعيا للمعاني عبر الثقافات إنتاجا جماعيا يحدث أول مرة في التاريخ ، وأنا في نظري أنه خلال خمسين سنة ستحدث أضرار كبيرة جداً في عملية التواصل وَستُفرز أنماط ثقافية متفاعلة ومتداخلة قد تؤثر على المركزية الأوروبية ذاتها وتكون هناك مركزيات أكثر من المركزية الأوروبية ،كما نعرف أن هناك الكثير من الكتاب عملوا على موضوع التواصل، أول واحد (هبرماس) لديه من بدعيه القوة التواصلية ، وأصدر مفهوم الفضاء العام ، وأنا أعتقد أن مفهوم الفضاء العام لو عملنا عليه هو طبعاً يتحدث عن مفهوم الفضاء العام داخل أوروبا ، ويعتقد أن الديمقراطية تساعد على إنعاش المناخ العام ويعتقد أن المناخ العام في بدايات الرأسمالية قبل أن تأتي التمثيلية والانتخابية كان أفضل بكثير لأن حرية التعبير كانت في المقاهي والمجالس وفي كل مكان ، ويقول: إن الانتخابية أو التمثيلية أضعفت من الفضاء العام لأن الرأسمالية بدأت تطور شبكات الصحافة ، وشبكات الإعلام للتأثير على موقف الفرد ، ومن ثم ربما أستعين بمفهوم آخر من الفكر الفرنسي ، قال هو بمعناه هبرماس إن المسكوت عنه زادت مساحته من قبل الساسة ومن قبل متخذي القرار فالفضاء العام تبدّل .

أنا أعتقد الآن لو نأخذ الفضاء العام بالمفهوم الكوني ، يعني هيرماس عالج مسألة التواصل، الفضاء العام بالمفهوم الكوني ، وأنا أعتقد أن أطروحتك تتحمل الكثير، أن تعالج في هذا الإطار  وأنا أعجبت كثيراً بها  ولكن المقطع التاريخي لم تستطع أن تقطعه وتدخل داخله ، وهذه مسألة مهمة ، وهنالك أدوات وآليات كثيرة تساعدك .

 

مدير المحاضرة : الآن نعطي مداخلة للأخ الدكتور محمد لطفي فرحات

د. محمد لطفي فرحات :

        أولاً – سأحاول أن يكون سؤالي مختصرا إلى حد كبير ، أشكر الأستاذ المحاضر على هذه المحاضرة القيمة والتي أثارت الكثير من الموضوعات المهمة والتي تطرح لأول مرة بهذه  الجرأة وهذا العمق وهذا شىء جميل ، يا ليت مثل هذه المحاضرة تكون دائماً موجودة داخل المركز وتقدم بهذا الأسلوب ، حرب المفاهيم الذي اختاره المحاضر كعنوان فرعي لموضوع المحاضرة في تصوري يدخل في إطار الفعل السياسي حسبما يبدو لي ، وهناك فرق بين الفعل السياسي والسياسة كعلم ، فالسياسة كعلم تتعامل بطبيعة الحال مع المفاهيم وتحديد المفاهيم ، والمفاهيم بطبيعة الحال تبقى مسألة جدل يصعب أحياناً أن نحدد المفهوم بدقة ، ويصعب أن نتفق على المفاهيم مهما كانت هذه المفاهيم ، ولكن السياسة باعتبارها فعلا وتصرفا تتعامل مع الآخرين بطبيعة الحال على أساس الأهداف ، كل سياسي يحدد أهدافا ، والأهداف تأخذ المصالح في الاعتبار ، وأنا أتفق مع الأخ المحاضر في أنه يمكن النظر إلى نفس المفهوم من جانبنا مثل المفهوم الذي طرح ازدواجية المعايير ، طبعاً نحن ننظر على أنه تصرف أو فعل سياسي فيه ازدواجية للمعايير ، والطرف الآخر ينظر إلى أن هذا شىء طبيعي وليس هناك ازدواجية لأنه ينظر من باب المصلحة ، وفعلاً في كثير من الجدل أثناء حديثي مع الآخرين يقولون إن الأمريكان ليس لديهم ازدواجية في المعايير عندهم مصالح ثابتة ووفق مصلحتهم يتصرفون ، ونحن ننظر على أنه فعلاً عندما يتصرف ويتعامل الأمريكان مع قضايانا بأشياء لا نرضى عنها ويتصرفون مع الآخرين بطريقة بطبيعة الحال يرضى عنها الآخرون نحن نقول عن هذا ازدواجية في المعايير، لكن حقيقة الأمر بالمفهوم السياسي ليس هناك من وجهة نظر الآخر.

 أنا أتفق مع المحاضر ليس هناك مسألة ازدواجية في المعايير، لأنه كما أنت تنظر من زاوية أنظر أنا من زاوية أخرى وبالتالي هناك دائماً مكان للخلاف في هذا وغيره .

وطبعاً الحضارة الآن .. ممكن أن نأخذ ما طرحه المحاضر يمكن أن يكون صحيحا أنها نتيجة أو نتاج لكل الجهود الإنسانية التاريخية ، صحيح أنه ليس هناك حضارة مستقلة عن حضارة أخرى أتفق معه في هذا ، ولكنّ هناك أمورا لابد أن نعيها عندما ننظر إلى المفهوم الحضاري من وجهة نظر فعل سياسي، أولاً ما زلنا نرى تشكلات حضارية، صحيح يمكن أن تكون للحضارة جوانب مشتركة تجمع بينها خصائص يعني في هذه التشكلات خصائص عامة مشتركة واحدة هذا صحيح مما يجعلنا نظن بأنه فعلاً هناك حضارة واحدة الآن بدأت تتبلور، ونحن من حقنا أن نكون فاعلين فيها كما من حق الآخرين الذين نسجت في ظل ظروف معينة بفعلهم هذه الحضارة ، وهذا صحيح ، ولكن عند فحص دقيق لمسألة الحضارة نجد أن هناك فوارق تميز الحضارة باعتبارها حضارة تتميز من منطقة إلى منطقة أخرى لها تشكلات مختلفة، وبالتالي يجعلنا هذا أمام حقيقة واقعية من الناحية السياسية ، نحن نختلف يعني الوطن العربي كرقعة ، وأوروبا كرقعة ،وحتى الولايات المتحدة كرقعة ، وآسيا كرقعة ، هناك اختلافات تجعلنا إذاً نحن نظرنا بمفهوم لأن المفهوم مشكلة في حد ذاته يمكن أن نجد أن هناك فوارق تميزنا عن الغرب ، كما أن هناك فوارق تميز الغرب عنا ، وبالتالي هناك – صحيح أشياء مشتركة بيننا كحضارة ، يعني الآن بدأت تسود ، ولكن هناك أشياء ، خصوصيات لهذه الحضارة لأن هذه الحضارة لها تشكلات تجعل هناك إمكانية للاختلاف ولو سياسياً .

 

ثانياً – لا يكفي أن نشير إلى وجود حضارة كونية ، صحيح هناك حضارة كونية لتجاوز الصراع بين مختلف تشكلات هذه الحضارة ، هناك صراع قائم بالفعل ، هذا الصراع قد يكون له أسباب أحياناً ، هذه الأسباب ليس بالضرورة نتيجة عدم وجود أشياء تجمع ما بيننا ، هناك بطبيعة الحال مصالح في الفعل السياسي ، هذه المصالح تجعل هناك إمكانية الصراع وبالتالي لا يمكن أن نتجاوز ذلك فنقول نغض النظر عن الصراع ونقول كأنه لا يمكن أن يكون ، يمكن أن يكون ، ويمكن أن ننظر على أن هذه قضية ومشكلة حقيقية يجب أن نفكر في أسبابها وعللها ، وأن نبحث عن كيفية لتجاوزها بطبيعة الحال .

ثالثاً – لا يمكن بالضرورة وبطبيعة الحال الاتفاق على مفهوم واحد بالنسبة للحضارة ، والأستاذ المحاضر لم يضعنا أمام مفهوم تكلم عنه وقال: إن الحضارة ليست الثقافة ولكن نحن نعرف على أن بين الكتاب من يقول بأن الحضارة هي الثقافة يعني أن هناك اختلافا ، أنا أتفق مع المحاضر على أن الحضارة ليست الثقافة ، ويمكن أن تختلف مع مفاهيم كثيرة لكن ليس بالضرورة أن نتفق على مفهوم واحد ، وهذا شىء جميل أننا لا نتفق على مفهوم واحد لأن هناك دائماً إمكانية للحوار ، وهناك إمكانية لأن تتضح الرؤية أكثر لأن البشر لا يمكن أن يتفقوا خاصة في مسألة المفاهيم حتى في المفاهيم العلمية التي تسمى بالعلوم الحقة ، هناك اختلاف كبير جداً ، لذلك نحن نلزم أي واحد عند البحث أن يحدد ماذا يعني عندما يتكلم ، يعني كما يرى هو ، وبالتالي نحاسبه على ذلك ، لكن في نفس الوقت ليس بالضرورة أننا نحن نلتزم بما يعنيه أي بما يعنيه الشخص الذي بحث أو كتب بل نعامله على أساس ما حدده من تعريفات ، ولكن ليس بالضرورة أننا نحن نتبنى ما حدده من تعريفات أو من مفاهيم ، وبالتالي لا يمكن مجرد الاستناد إلى أن هناك مفهوما سائدا للحضارة هو هذا من حقنا كما هو من حق الآخرين نقول إن هذا يكفي لمعالجة ما يمكن أن يترتب عن وجهات النظر المختلفة ، وهناك من أشار أنه قد تكون أحياناً سلبية ناتجة عن اختلاف هذه المفاهيم ونحن نختلف ممكن مهما انتقدنا .الانتقاد ، كيف ينظر إلينا الغرب ، نحن ينظر إلينا على أننا نحن ناس لنا دين ومسلمون نختلف عنهم ، وحقيقة نحن نختلف عنهم نحن لسنا مسيحيين نحن مسلمون ، وفيه خصوصيات لنا كمسلمين هي الموجودة في الغرب وهناك أشياء نتبناها نحن ، لا يتبنونها وحتى تصرفاتنا وفي ثقافتنا وحتى الغرب لا يرضى عنها ، ونحن لا نرضى عن تصرفات في المقابل في الغرب وتظل هناك إمكانية للخلاف من هذا الجانب .

يصعب في الحقيقة الاتفاق على وجود مفهوم محدد حتى بالنسبة إلى الحضارة بالرغم من أن هناك ظاهرة تتبلور الآن لم تصل إلى منتهاها ، أتفق معك على أن الحضارة نتاج لكل الحضارات السابقة بطبيعة الحال ، والحضارة هذه سوف تتبلور عنها حضارة جديدة ستكون نتاجا لهذه الحضارة هذا صحيح ، ولكن مازلنا أمام تشكلات مختلفة لهذه الحضارة لم يوجد حتى الآن تشكل واحد ، وأنا أتصور حتى في المستقبل ربما أشك في أن يكون هناك تشكل واحد لهذه الحضارة ، وبالتالي يمكن أننا نحن في إطار تبني لغة الحوار ، ووضع حد للدخول في مهاترات ربما ينتج عنها فعل سياسي غير مرغوب فيه ، وآثار سلبية لهذا الفعل السياسي يمكن أن نطرح هذا ، لكن تظل وكما أشرت أن هناك إمكانية لوجود النقد والنقد الدائم والذاتي أحياناً . وشكراً .

مدير المحاضرة : الآن يتفضل الدكتور مصطفى التير لتقديم مداخلته .

الدكتور مصطفى التير :

        بالنسبة للأخ الدكتور كمال صديق وعزيز جمعتنا علاقة طويلة ، وأشكره .

قضية المفاهيم بصفة عامة أنا من الناس الذين يدعون بأنه بالإمكان في مجال العلوم الاجتماعية أن نطور لغة شبه دقيقة ونتمنى لو تكون دقيقة ، والواقع أن المفاهيم هي الأساس ، هي التقنيات التي نتحدث بها معاً على المستوى إذا كان حديثنا يكون له معنى علمي في النهج العلمي، لذلك أنا من الناس الذين يدعون بأنه يجب أن يكون هناك اتفاق على المفاهيم لكن في نفس الوقت أنا أعترف أنه في العلوم الاجتماعية بالمظلة الواسعة بما فيها العلوم الإنسانية بصفة عامة أنه في كثير من الأحيان نحن نخضع لتعريفات صاغها آخرون ، وأنا مع الرأي القائل بأنه بالفعل المفاهيم لكي تكون كونية يجب أن يكون فيها مساهمة من أناس آخرين ، لكن الإشكالية التي تصادفني كثيراً هي دور المثقفين في قضية تحديد هذه المعاني للمفاهيم ، وأنا بالنسبة لهذا الموضوع الذي تحدثنا فيه ، والواقع في الحرب القائمة الآن واستخدامات بعض الساسة لبعض الكلمات يعني أحياناً ألاحظ هذه المقدرة الفائقة في الغرب من استخدام المثقفين استخداماً رائعاً في كثير من الأحيان ، احترمه .. كيف رائعاً ؟ يعني المثقفون كثيرون طبيعي في بلادهم وأحياناً حتى نحن نسير في تيار تحديد المفهوم بطريقة معينة ، ويفرض ذلك التحديد والآخرون يستخدمونه بسهولة ، عندما ننظر أحياناً إلى البلاد العربية بصفة خاصة في كثير من الأحيان عندما نرغب في تطوير مفاهيم خاصة بنا نضعها مباشرة ونربطها بالأيديولوجيا فتجعل الفرد يبتعد عنها كثيراً ، وأنا من خلال متابعتي لحديث بوش أرى شخصا مثل تومس فيدمن له دور كبير في هذه القضية ، ونلاحظ تعبيرات تومس فيدمن ، ونبحث عن بعض مصادر الاستياء التي تداولها في حديثه ، ونجد من ورائها الكثير من أساتذة علم الاجتماع وعلم النفس ، وعلم الاقتصاد ، وعلم السياسة عندما تقرأ بعض الكتب ستجدها ، خلال هذه الأيام لاحظت وجود كتاب مترجم للغة العربية عنوانه (الحرب الباردة والثقافية الثالثة ) مؤلفته كاتبة إنجليزية ، والذي أعجبني في الكتاب دور بعض الأجهزة الرسمية المخابراتية في الواقع لاستخدام مثقفين لصياغة هذه المفاهيم التي نحن بعد ذلك نجد أنفسنا في إطارها . وشكراً .

 

مدير المحاضرة / يتفضل الآن الدكتور عبد الله التطاوي المستشار الثقافي المصري ومدير المركز الثقافي المصري .

 

 

د.عبد الله التطاوي :

أقدم الشكر للأستاذ الدكتور كمال عبد اللطيف على المعالجة الموضوعية للقضية ، لكن هناك جوانب لابد أن تستكمل في أي طرح موضوعي للقضية ، وهي لها بعدان :

البعد الأول : في حوارنا التاريخي حول ثقافتنا العربية بدون تعصب ولا حماس ولا انفعال لابد أن نتوقف عند الجانب التطبيقي والجانب العلمي لمصطلحنا العصري التكنولوجي في هذه الثقافة ، وهذا يجب عدم تغييبه عن الساحة لا من قبيل المن على الغرب ، ولا من قبيل توهج الذات وإنما من قبيل الموضوعية أيضاً ، فلاحظت عند عرضك للقضية أنك شغلت بالعلوم الإنسانية التي ننتمي إلى ميدانها في حقل العمل الأكاديمي لكن يبقى الجانب العلمي (العلم الحقيقي) واردا في هذه الثقافة ، وكأننا صورناه للغرب ثم عجزنا عن استقباله بعد تطويره لظروف تاريخية كثيرة ترتبط بهجمات استعمارية شرسة وغيرها ظروف تاريخية نحن نعرفها جميعاً ، هذه زاوية ثانية في حديثنا عن الآخر لا أدرى لماذا نقصر ونتوقع في رؤية الآخر من المنظور الغربي ونطلق عليه الأوروبي ،وعندي لابد من هذه التقسيمة الحقيقية كما تحدث الدكتور منذ قليل ، لدى أكثر من رقعة ، لكل رقعة ماهية ومفهوم لابد أن يراعى هذا في الحديث عن الآخر، فعند الحديث عن الآخر الغربي الأوروبي هذه شريحة ، الأمريكاني شريحة ، والشرقي شريحة ، أين الشرقي الآن في حوارنا حول الآخر ؟ قضية الآخر الغربي تكاد تميتنا كمداً ونتجاهل تماماً هذا الشرقي الذي تقدم فكرياً وتكنولوجياً ويمكن أن يسيطر في يوم ما مع هذا الغربي ، ويمكن أن يبث فكره ويمكن أن نحترم فكره بنفس المقدار في زمن ما ليكون طويلاً ليكون بعيداً ولكن المهم أن هناك هذا الموقف ، لا أريد أن أقول الجمعي لكن هذه الرؤية الشاملة لجوانب هذه القضية من الزاويتين وشكراً للمحاضر على العرض المنهجي الرائع الذي عرضه .

 

 

 

مدير المحاضرة / يتفضل الأستاذ عمر الحامدي لطرح سؤاله .

أ. عمر الحامدي :

        أنا في الحقيقة لدى سؤال كتبته للأستاذ الدكتور كمال عبد اللطيف، كلنا يتذكر المرحوم الأستاذ الدكتور ياسين عريبي ألفّ كتابا بعنوان (تغريب العقل العلمي عند العرب ) ونشر هذا الكتاب في المجلس القومي للثقافة العربية وكتاب الدكتور حسن حنفي (الاستغراب) .

سؤالي: أين تقع محاضرته من هذين الحدين ؟ مع ملاحظة بسيطة ، الحقيقة من يستمع للدكتور كمال من حقه أن يطرح سؤال : ألا يقود مثل هذا الفكر لو سلمنا به إلى آحادية ونحن نعرف أن ناموس الحياة التعدد ، والأزمة الحضارية المعاصرة والتي نلخصها العولمة الآن ، وهذا الاستبداد الإمبراطوري الأمريكي ، موضوع الأحادية ، والعالم كله الآن يحاول فكرياً وسياسياً أن يدفع باتجاه التعددية الحضارية ؟  وشكراً .

 

مدير المحاضرة /

 شكراً لكل الإخوة الذين قدموا مداخلات ومن خلال اطلاعي ألاحظ أن مجموعة الأسئلة تدور كلها بإيجاز حول فك اللبس ما بين مفاهيم الحضارة والمدنية والثقافة مثلما تأثرت به مداخلات الإخوة ، وإلى أي مدى ستستمر عملية تطوير المفاهيم من أجل مواكبة حركة تطوير المفاهيم من أجل مواكبة حركة التغيير ، وخاصة أن كثيرا من المداخلات تتمسك بأن للحضارة الإسلامية طابعها المميز والخاص الذي يفصلها كثيراً عن الحضارة الغربية ، وبالتالي ترى بعض المداخلات أنك أنت وكأنك تتجاوز وتحاول ، ولا أعرف كيف فهم بعض الإخوة الذين قدموا مداخلات أن الحضارة العربية الإسلامية كأنها نبتة هكذا عابرة في حديثك .معظم الأسئلة كانت تدور حول هذا ونترك الرد للأخ الأستاذ الدكتور كمال .

 

 

 

الدكتور كمال عبد اللطيف :

أيها الأصدقاء أيها السيدات أيها السادة ، سعدت مرة ثانية بما استمعت إليه منكم من ملاحظات ومن انتقادات ومن إضافات من عمليات في إعادة تركيب الموضوع بصيغ مفيدة جداً اسمحوا لي أن يكون جوابي عاماً فالذين جربوا الكتابة والبحث يعرفون حدود أن يقدم الواحد منا عرضاً أمام زملائه ، وحدود أن يوضح مقاصده القريبة والبعيدة ، وأحياناً يقرأ بعضنا أبحاث بعضنا الآخر وتظل في أنفسنا الكثير من الأسئلة ، فبالأحرى عندما نستمع إليها رغم كل الجهد الذي بذلت من أجل أن أكون واضحاً وأنا أعدها وأنا أفكر فيها وأنا أنجز ما أنجزت وأعرف أوجه قصوري المتعددة فيما أنجزت ، سعدت كثيراً بما استمعت إليه من تدخلات إما وضعت على سياقات أغفلتها وقد تكون أقرب إلى الصواب في تحديد سياق المشكل أو تشير إلى مرجعيات لعل الاستفادة منها قد تعينني على بناء أكثر إجرائية و أكثر رجحاناً نظرياً مما بنيت كل هذه الأمور مفيدة ، وكباحث مشتغل بقضايا الفكر إذا لم تفدني في إعادة تحرير ما أنجزت فسأستفيد منها في أعمال لاحقة ذات صلة بهذا الموضوع . اسمحوا لي أن يكون جوابي عملية استبطان لهذا الذي قدمته أمامكم ، عملية استبطان تستعيد خطوات ما أنجزت عندما فكرت في تقديم هذه المحاضرة بعد الدعوة الكريمة من طرف المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر قلت: ينبغي أن أتحدث في موضوع له علاقة بما يجري وكمشتغل بتاريخ الأفكار والمفاهيم لا يمكن أن أكون مفيداً إلا في السياق فوضعت جملة من العناصر، وبدأت أبنيها واحدا تلو الآخر قد أكون أغفلت الإشارة ولم أرد الدخول في لعبة صياغة المفاهيم عندما أتحدث عن الحضارة المعاصرة اليوم كحضارة يمتلكها الجميع كمشروع مستقبلي، للجميع فيه نصيب. كنت أعي جيداً أن شروطاً قليلة هي المطلوبة فقط ذلك أن الحضارة المعاصرة هي رؤية للحياة رؤية للإنسان رؤية للتاريخ رؤية للطبيعة .

أنا كنت أتحدث ليس بالمعنى الأنتربيولوجي عن مفهوم الحضارة فتكون ثقافتنا في الغذاء وفي العلاقات وفي المسلكية ، أنا أتحدث عن دلالات الحضارة بالمعنى العالمي للكلمة ،المستوى المعرفي ومستوى التصورات المشتركة ، أما الخصوصيات الجميلة والدافئة في حياتنا فلكل منا في كل القارات والجغرافيات ما يحلو له ، ولكن نحن محتم علينا التواصل معرفياً وفيما بيننا من أجل تدبير مصالحنا . هنا اللغة العالمة لا يمكن أن أقول للآخرين اسمحوا لي لن أقبل هذا لأنني أجلس مطوياً عندما أريد تناول الغذاء (متربع)لا أقول لهم اجلسوا هكذا، اجلس كما تشاء ولكن عند تدبير شؤوننا المشتركة أو نتحاور في مستوى علمي يجب أن تكون هناك قواعد مشتركة جامعة بيننا ليكون الحوار منتجاً ، لنطور مكاسبنا لنغني ذاتنا التاريخية المشتركة في الزمان، إذن لم يرد في ذهني ولا مرة واحدة المستوى الأنتربيولوجي الذي يعمق الخصوصيات التي نؤمن بها ، فلنا من الخصوصيات فيما بيننا الكثير وربما في الزمن القادم تصبح فيه التقنيات الجديدة جزءاً ماكسا لعالمنا لربما عملت هذه التقنيات بحتمياتها المعروفة على مزيد من تقليص درجات الخصوصيات وتقريب كثير من التوافق والالتقاء فيما بيننا . ليس معنى هذا أننا نتحدث عن نمطية جديدة أو تنميط جديد ، كان قصدي أيضاً مرتبطاً بالمعارك الراهنة ولهذا كثير من ملاحظتي ، النقديات اتجهت صوب مواقف بعينها فأنا كنت أريد لمقالي ، لهذا التمرين الذي أنجزت أمامكم أن يكون مساهمة أولى في معرفة ما يجري ، وفي اتخاذ موقف مما يجري وهذه مهمة صعبة .

وشكراً  .     

الهوامش :

1-     صمويل- هنتنغتون، هل هو صدام بين الحضارات ؟في كتاب الغرب والإسلام ، تقديم وتحليل منى ياسين.دار جهاد للنشر والتوزيع،القاهرة . 1994  ص 169.

2-     Djait(Hichem),L,Europe et I,lsiam. Seuil. Paris  1978.                                      وكذلك مقالنا “الإسلام والغرب صعوبات الحوار “ضمن كتابنا الحداثة والتاريخ،أفريقيا الشرق بيروت1999ص13

3-     Laroui (Abdellah),La crise des untellectuels arabes, Maspero . Paris1974

4-     راجع مقالنا ,نقد المركزية الثقافية الغربية ,أفق لبناء كونية ثقافية مشتركة ,ضمن كتابنا العرب والحداثة السياسية .دار الطليعة،بيروت 1997 ص 20 .

5-     راجع : تصور آخر للإسلام والتاريخ والتحول في المنظور الإسلامي للتاريخ وللحاضر في أعمال هشام جعيط وخاصة في كتابه:

La personnalite et le devenir arabo- islamique, Ed ; Seuil. Paris 1974.           كما يمكن العودة إلى الاجتهادات الفكرية الهامة لمحمد أركون وخاصة في مؤلفه:

-pour une critique de la raison Islamique ,Paris; Ed, Maisonneuve et larose, 1984. 

6-     راجع مقالة العروي “أوروبا وغير أوروبا” في كتابه ثقافتنا في ضوء التاريخ.

المركز الثقافي العربي، بيروت 1983، ص 154 .

7-     راجع تعقيبنا على المحور الأول في ندوة :”نحو مشروع حضاري نهضوي عربي”

منشورات م.د.و.ع، بيروت 2001 ص 127 .

8-     راجع دراستنا :تأصيل العلوم الإنسانية في الفكر العربي المعاصر ،الشروط المعرفية والتاريخية .

ضمن كتابنا : ” الحداثة والتاريخ “ص 23 ( مرجع سبق ذكره ).

9-     راجع تحليلات ومواقف هشام جعيط في كتابه السابق الذكر :

La personnalite et le devenir arabo- islamique,                                              وكذلك أعمال المفكر الأيراني :

Daryush Shayegan, Le Regard Mutile , Albin Michel, Paris 1989.                 10-Daryush Shayegan, Les illusions de L,identite Editions du Felin ; Paris 1992      

11- راجع الفصل الثاني من الباب الأول في كتابنا في تشريح أصول الاستبداد ،قراءة في نظام الآداب  

     السلطانية ،دار الطليعة،بيروت1999 ص 52.

12- 1967. Laroui (Abdellah), L,ideologie arabe contemporaine, Ed, Maspero        

13- برنارد لويس وادوارد سعيد،الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية .. دار الجبل ،بيروت1994

14- غسان سلامة ” الغرب والسلام ” ضمن كتاب “الغرب والإسلام” تقديم وتحليل منى ياسين ص 57.

وانظر أيضاً مقالنا “الإسلام والغرب في صعوبات الحوار “

ضمن كتابنا: الحداثة والتاريخ ص 13 .

15- راجع كتابنا :” درس العروي في الدفاع عن الفكر التاريخي”، دار الفارابي بيروت 2000 .

16- ألبرت حوراني “الإسلام في الفكر الأوروبي ،الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت 1994 .

وكذلك عدد مجلة الاجتهاد المخصص لملف تاريخ الإسلام وتاريخ العالم،الوعي والتاريخ في حضارة عالمية . دار الاجتهاد العدد 26-27 سنة 1995 .

17- راجع كتابنا ” العرب والحداثة السياسية ” . دار الطليعة بيروت 1997 ص 20 .

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий