Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أساطير الأولين

أساطير الأولين

صورة

بواسطة بدرية العامري

تُدركُ الأُسطورة دوما بصِفتِها أُسطورة ، وذلِك بالنّسبةِ إلى جميعِ قُرّاء العالمِ قاطِبةً* ليفي شتراوس

تتبدّى الأسطورة على هيئةِ ملفوظٍ تتوارثهُ المُجتمعات في شعائِرِها وطقوسِها وممارساتِها، ومكتوبٍ مدوّنٍ في الحكاياتِ والنُّصوصِ المقدّسةِ ، وكُتُبِ التأريخِ والأدبِ ، فهي حقيقةٌ اجتماعيّةٌ وثقافية وفكريّةٌ معقّدة، وقد تناولها الدّارسون في مُختلفِ الحقولِ بالتّحليلِ والدِّراسةِ كونها مكوِّنٌ أساسي في المخيالِ الجماعيِّ للشُّعوبِ ، فخرجت من قالبِ التّشنييعِ الّذي ضيِّقت بِهِ  في القرونِ الماضية ، حيثُ كانَت “الأساطير” سمة شنيعة يوسمُ بِها الآخرُ تسفيها لمَ أتى بِه .

وقد بينت الدراسات الأنثروبولولجية الحديثة أن الأُسطورة تتوغّلُ في نسيجِ الحضاراتِ القديمةِ منها والحديثة ؛ لتتبوأ مكانةً مرموقة في تأسيسِ ثقافاتِ الشُّعوب وما ينتجهُ الخيال البشريِّ الخلاق من نشاطٍ فِكريٍّ ، وإعمالٍ فعليٍّ لما ينتجهُ الفِكر،  مُساهمةً في بناءِ مِخيالِ أفرادِها الجماعيِّ ، متّصلةً بوعيِهم وبلاوعيِّهم على اختلافِ أشكالِهِ ( دين ، تأريخ ، فلسفة ، فن )..وبأفعالِهم وممارساتِهم ، ومُختلفِ أشكالِ تأثيرهم في الكونِ والمُجتمع .

فمنذُ بدء الخليقة ساهمت الأُسطورة في إضفاءِ تحليلاتٍ وتفاسيرَ وقدسيّة للكثيرِ من الظّواهِر ، ويرى البعض أنّها إنّما نبعت من جدلِ الإنسانِ والعالمِ المُحيطِ بِه ، فالأُسطورةُ لإنسانِ ما قبل التأريخِ _كما يقولُ طيب تيزيني_ملتبِسة بسائِرِ ضروبِ وعيِه بمحيطِهِ القريبِ الحسِّيِّ ، وبعلاقتِهِ مع غيرِهِ من أفراد الجماعةِ ، ومن أشياءِ وموجودات مُندرِجة ضِمن تمثُّل الواقِع والسّيطرةِ عليهِ عمليّا ، أمّا إنسانُ العصرِ الحجريِّ الجديدِ ،فارتبطت لديهِ الأُسطورة بالسِّحرِ والشّعائِرِ والطُّقوسِ مشكِّلةً أداةً من أدواتِ التأثيرِ في الواقِعِ الطبيعيِّ بالكلامِ ، بينما كان السِّحرُ مع ما يُرافقهُ من طُقوسِ يُشكِّلُ جانِب الفِعلِ والمُمارسةِ ، أي أنّ طُقوس السِّحر كانت أساطيرهم الّتي خرجت إلى حيِّزِ الفِعلِ كما يقولُ جوزيف شلهود ، وعلى ما يبدو أنّ لكلِّ عصرٍ أساطيرهُ ، فطبيعةُ الإنسان كائِنٌ قلِقٌ يُرهِقهُ الغُموض ولأنّهُ على الدّوامِ يبحثُ عمّا يُعيد لهُ التّوازُن والانسِجام لجأ لعصورٍ طويلة إلى الأُسطورةِ ، فالأُسطورةُ لإنسانِ العصورِ القديمةِ تأريخٌ ودينٌ ومعرفةٌ وأخلاق ، فهي تحكي قصص كائِناتٍ علويّةٍ هي محلُّ تقديسٍ واحترامٍ ؛ لأنّها أصلُ كلّ شئ ، وهي معرِفةٌ لأنّها تُخبِرُ بأصلِ الموجوداتِ ، وسلوكٌ يتمُّ إحياؤهُ وإخراجهُ إلى حيِّزِ الوجودِ من خِلالِ حِفظِها بالمناسِكِ والطُّقوسِ والأوراد.

وقد حظيت الأُسطورة باهتمامِ الشُّعوبِ ، ومفكِّريها على مرِّ العُصورِ _إذا ما استثنينا القرن الثّامِن عشر ، وبداية القرن التّاسِعِ عشر الّذي تميّز بالتّعصُّبِ للعلمِ والعقلِ ، وعدِّ الأُسطورةِ خيالاتٍ وأوهامٍ  تدلُّ على إسفافِ عقلِ معتنقيها ؛ لما  تنطوي عليه من خداعٍ ومُغالطةٍ اخترعها بعضُ الرُّهبانِ لتضليلِ الشُّعوب _ إذ تُعدُّ من القضايا القديمة الّتي طُرحت في ضروبٍ من الخِطابِ متعدِّدة ( فلسفي ، علمي، أُسطوري)..وقد أخذ اهتمام الدّارسينَ يتزايد بالأسطورة منذ منتصف القرنِ التّاسِعِ عشر لا سيما عند المُهتمِّين بالعلومِ الإنسانيّةِ عامّة ، ولدى عُلماء الاجتماعِ والإناسةِ ( الانثروبولوجيا) بوجهٍ خاصٍّ .

فعُلماء الإناسة ( الانثروبولوجيا) مرُّوا في دراستِهِم للأساطيرِ بمرحلتينِ في  أولاهُما استهانةٌ بالأُسطورةِ ، إذ اعتمدوا بدءً على التقاطِ الأخبارِ عن البُلدان الأُخرى من أفواهِ المُسافرين والرّحالةِ فقط، وبنوا أحكامهم على إثرِها ، فالأُسطورةُ في نظرِ الانثروبولوجيين الأوائِل لم تكُن سوى تعبيرٍ عن تفكيرٍ بدائيٍّ مشوّشٍ ولا عقلانيٍّ ، أمّا مرحلةُ استكشاف البُلدان وسبرِ أغوارِ أساطيرها ومعايشة أفرادِها  ، فكانت المرحلة النّاضِجة الّتي خرجوا منها باستنتاجاتٍ تكاد تكون مُختلِفة حدّ التّناقُض عمّا بنى عليهِ الانثروبولوجيين الأوائِل أحكامهم ، فـ “مالينفسكي” أبو الانثروبولوجيا الاجتماعيّة البريطانيّة يصوغُ نظريّة مفادها _كما ذكر ميرسيا إلياد في “مظاهِر الأُسطورة”_ : ” في المُجتمعاتِ البِدائيّةِ تضطلعُ الأُسطورةُ بوظيفةٍ ضورويّةٍ ، فهي تُعبِّرُ عن المُعتقدات ، وتسمو بها   وتقنِّنها ، وتحفظُ المبادئ الأخلاقيّةِ ، وتفرضها كما تضمن نجاعة الاحتفالاتِ الطُّقوسيّةِ ، وتوفِّرُ للإنسانِ قواعِد سلوكه العمليّة” ، وقد اعتبر عُلماءُ الإناسةِ الأساطيرَ مُفتاحُ المُجتمعاتِ القديمةِ ، والأُفق الضّرويِّ لجميعِ الظّواهِر الثّقافيّة ، وأشكالِ التّنظيمِ الاجتماعيِّ كما يقولُ مارسال موس .

وينطلقُ فرويد من نفسِ القاعِدة الّتي يبني عليها أحكامِه في عِلم النّفس في بحثِهِ عن دلالاتِ الرُّموزِ والأحلامِ والأساطيرِ في النّفسِ البشريّة، فكما يقول ” إنّما الحُلمُ أُسطورةُ الفردِ ، ولا يُمكنُ تفسيرهُ إلّا بشبقِهِ الفردي ، أمّا الأُسطورةُ فهي حُلمُ شعبٍ ، وتُفسّرُ بالشّبقِ الجماعيِّ على أنّ الرُّموزَ في كليهما هي هي”..، وعلى الرُّغم من أنّهُ لم يلتفت كثيرا إلى دورِ الأُسطورة إلّا أن تلامذتهُ ومن جاء بعده قد أولوا الأُسطورة بعض اهتمامِهم ، إذ أنّ للأسطورةِ في رأي علماء النّفس دورٌ في العمليّات اللاشعوريّة ( الوهم والتّخريف) ، شأنها شأن الأحلام وسائِر المبدعات الخياليّة الّتي تقومُ بدورِ الوسيطِ المُلائِم الموائِم بين الطّبيعةِ والثّقافة ، وخُلاصة القول أنّ المنهج النّفسي عندما تناول الأُسطورة مقرِّبا بينها وبين الحُلم إنّما عمد للرّبطِ من خِلالِ ما هو فرديٌّ وما هو جماعي ربطا جدليّا ، فكما أنّ للأحلامِ تأويلاتُها ، للأُسطورةِ تأويلاتُها.

ولم تستثنِ الفلسفة الأساطير بل تعمّقت فيها ، فأولى المُجادلات الفلسفيّة نبعت من الأساطيرِ ذات الصِّلة ببدء الخليقةِ ، ونشأةِ الكون ، وكِبارُ الفلاسفةِ عُنوا بالأساطيرِ ، وتدبّروا تلك الطّاقات الخياليّة الجبّارة الّتي ولّدت مثل تِلك التّصوُّرات، وعلى الرُّغم من إنكارِ بعضِ الفلاسفةِ أمثال ديكارت ، وأوغست كونت للأُسطورة وعدّها خيالاتٍ تعودُ إلى طورِ السّذاجةِ البشريّةِ في عصرِ العلومِ .. نرى أمثال بعضُ الفلاسفةِ المُعاصرين هيغل  وكانط وبرغسون وكاسيرر يتنبّهون إلى أهميّة الأُسطورةِ في إثراءِ المعارفِ النّظريّةِ والفنِّ والأخلاق ( أشكال التّعبير الفكريّة) ، يقول هيغل ” للأسطورةِ علاقةٌ داخليّةٌ ضروريّةٌ مع المهمّة الأُم الّتي تسعى إليها ظواهِرُ الفِكر” .

الأُسطورةُ حكاية تقليديّة تروي وقائِع حدثت في بدايةِ الزّمان ، وتهدِفُ إلى تأسيسِ أعمال البشر الطُّقوسيّة حاضِرا ، وبصفةٍ عامّة إلى تأسيسِ جميعِ أشكالِ الفعلِ والفِكرِ الّتي بواسطتِها يُحدِّدُ الإنسان موقِعهُ من العالمِ ، فالأُسطورةُ تُثبِّت الأعمال الطُّقوسيّة ذات الدّلالة ، وتُخبرنا عندما يتلاشى بُعدها التّفسيريِّ بما لها من مغزىً استكشافي ، وتتجلّى من خِلالِ وظيفتها الرّمزيّة .. أي في ما لها من قُدرةٍ على الكشفِ عن صِلة الإنسان بمقدّساتِه..تتخلّلُ نسيج كلّ ثقافة من الثّقافات ، وتتوغّل في عُمق الذّاكِرة الجماعيّة للشُّعوب ، فهي الجانبُ اللاشعوري من تاريخ المُجتمعات  ، لذا لا يُمكنُ أن تنتفي أو تتلاشى بسهولةٍ  ، فحتى في عصر العلم والتكنولوجيا الحديث للأُسطورةِ حضور ، فهي حاضِرةٌ على صورةِ بقايا أو رواسِبِ ضِمن الاستعمالات اللُّغويّةِ ، وفي مظاهِرِ السُّلوكِ الّتي تُؤصِّلها الكثير من الحقول كالإعلامِ ، والتاريخِ والأدبِ والسِّياسةِ.. إلّا أنّ كافّة الشُّعوب لا ترى في طقوسِها وشعائِرها ضربٌ من الأُسطوريّةِ ، فالأساطيرُ دائِما بالنّسبةِ لها هي  ”أساطيرُ الآخرين”..” أساطيرُ الأولين ”

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий