Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أنثروبولوجيا الجسد – هيفاء بيطار

أنثروبولوجيا الجسد – هيفاء بيطار

صدرأخيرا «العذرية والثقافة» للكاتبة مها محمد حسين، عن دار دال للنشر والتوزيع، في 350 صفحة من القطع الكبير، وهو دراسة في أنثروبولوجيا الجسد.
ظل موضوع الجسد محل تجاهل النظريات الفلسفية والسياسية والثقافية حتى عهد قريب ، وكان ديكارت أكثر من همّش الجسد حين افترض أنه يمكننا اكتساب المعرفة من خلال الاقتصار على تأمل العالم.
لكن جاء بعده هايدغر الذي نقض تصورات ديكارت وبيّن أنه لا يمكن الحصول على المعرفة الحقيقية إلا من خلال تعامل الجسد مع المحيط حوله، لذا فإن هايدغر أدخل الجسد ضمن نطاق الفكر الفلسفي. إذاً معظم النظريات الفلسفية ركزت على العقل الإنساني واعتبرته أهم بكثير من الجسد.
إلى أن أتى العالم الفرنسي الشهير ميشيل فوكو (1926- 1984) المؤسس الحقيقي لسوسيولوجيا الجسد الذي درس البشر بوصفهم أشخاصاً متجسدين في أجسام، وبيّن أن الفروق بين الرجال والنساء لا يمكن تفسيرها من خلال فروق فسيولوجية فقط، وأن الأفكار السائدة اجتماعياً وثقافياً حول الرجولة والأنوثة هي صور نمطية وليس لها علاقة دقيقة بالواقع.
الموضوع الحساس وفائق الأهمية الذي تتناوله الباحثة مها محمد حسين هو موضوع العذرية التي تحتل قيمة اجتماعية عالية في مجتمعنا العربي، لارتباطها بقيم أخرى داعمة لها مثل الشرف والفضيلة والعفة والحياء.. الخ. ورغم أن العذرية في معناها البيولوجي تعني الحفاظ على غشاء البكارة، إلا أن الباحثة ميّزت بين العذرية البيولوجية والعذرية السلوكية (العفة). وقبل أن نغوص في مفهوم العذرية، لابد من الانتباه إلى أن الجسد الإنساني يخضع لعمليات تنشئة اجتماعية من رقابة وضبط تجعل الإنسان يقوم بضبط جسده وحركاته وتعبيراته وفقاً لمعايير التنشئة التي يتلقاها، والتي غالباً ما تتفق مع ثقافة أسرته، أي أن الإنسان يستخدم جسده بطريقة يتطابق معها مع المعايير الاجتماعية والثقافية لمجتمعه، وهذا ما يسمى Bodily order أي أن الجسد يصبح – بشكل عام- ليس ملكاً للشخص نفسه، بل ملكاً لغيره، سواء أفراد من الأسرة أو المجتمع.. وببراعة تحلل مها حسين رواية أليس واكر: «امتلاك سر الفرح «، وهي رواية عن امرأة إفريقية تنضم إلى الثوار الذين يقاتلون من أجل الاستقلال، ورغم نضالها ووعيها فإنها تخضع نفسها لعملية الختان الفرعوني وهي في سن العشرين، رغم إدراكها أن هذه العملية قد شوهت والدتها مدى الحياة، وأدت إلى موت أختها بالنزيف، لكنها أقدمت على هذه العملية إذ تقول (أردتُ أن تنظر القبيلة إلي كامرأة حقيقية) وتشرح الباحثة الآثار النفسية المدمرة للختان الجسدي، وتبين أن الأكثر أذى وخطورة هو الختان النفسي والفكري.
وتجري دراسة إحصائية واسعة على عادة الختان، وهي عادة ليست إسلامية والدين منها براء، فأصل الختان يرجع إلى منطقة وسط إفريقيا وقبل ظهور الديانات السماوية بآلاف السنين، وكانت القبائل البدائية تمارس ختان الفتيات، ثم انتشرت هذه العادة في دول الجوار مثل الصومال والحبشة، وبالتالي في دول حوض النيل مثل السودان ومصر، وهناك دول إسلامية عديدة لا يجري فيها الختان مثل السعودية وإيران وغيرها، فأعلى نسبة ختان هي في مصر.
أما عن علاقة الختان بالعفة، فلا توجد علاقة على الإطلاق، لأن العفة الحقيقية لا تبدأ من الجسد، بل من العقل والإرادة والروح، وقد أثبتت التجربة أن ختان البنات لا يؤدي إلى الهدف الذي تم من أجله أي الحفاظ على شرف الفتاة وعذريتها، وهو لا يمنع المختونات من الانفلات وإقامة علاقات جنسية، وهو لا يقضي تماماً على الرغبة الجنسية، لأن الرغبة هي عقلية وعاطفية في الأساس، لكن الختان يجعل العملية الجنسية عند المرأة في غاية الصعوبة، إضافة للآثار النفسية المدمرة.
إن النص القرآني تعامل مع الجسد البشري باحترام وتقديس، وهناك العديد من الآيات التي تدل على قدسية جسد الإنسان «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»، «فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ».
إن الجرم النفسي الملازم لعملية الختان هو أشد أذى من الجرم الجسدي، فمعظم هؤلاء النساء مصابات بالبرود الجنسي، وبمشاكل صحية، واحتقان دائم في الحوض، وغالباً ما يؤدي ذلك لحصول الطلاق. لا مجال لذكر عشرات الأمثلة والحالات التي استفاضت الباحثة في تحليلها، وكلها تدل على تراجع قيمي لثقافة العذرية، وأن مفاهيم جسد المرأة والعذرية والختان مفاهيم تابعة للتنشئة الاجتماعية وعقلية المجتمع وقيمه المتوارثة جيلاً بعد جيل..

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий