Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > أيت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي أسئلة الأنتروبولوجيا ومداخل الاثنوغرافيا

أيت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي أسئلة الأنتروبولوجيا ومداخل الاثنوغرافيا

دافيد هارت
أيت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي
أسئلة الأنتروبولوجيا ومداخل الاثنوغرافيا
محمد زاهد
تمهيد
تناسلت العديد من الأعمال والدراسات التي ظهرت إلى الوجود مع نهاية القرن (19) وبداية القران(20)، وقد اعتمدت هذه الدراسات العديد من المناهج العملية والحقول المعرفية مثل: اللسانيات، الانتروبولوجيا، الاثنوغرافيا، السوسيولوجيا، والاثنولوجيا…. والكثير من العلوم المساعدة الأخرى التي ترتبط بالدراسات الاجتماعية والإنسانية.

وإذا كانت هذه الانتاجات والأبحاث التي قام بها العديد من الدارسين والباحثين الأجانب، شكلت مجموع ما يصطلح عليه ب”الأسطوغرافيا الاستعمارية” أو”الدراسات الكولونيالية” التي ظلت موسومة بطابع استعماري وتم توظيفها كتمهيد أولي نحو غزو العديد من المناطق، ومنها منطقة شمال إفريقيا، فإنها في مقابل ذلك، تعد مرجعا وتراكما مفصلا ومدققا يحمل قيمة علمية واضحة بحكم ما ارتبط بها من معطيات وحقائق هامة حول مختلف الجوانب التي تهم المجتمعات التي خضعت للسيطرة الاستعمارية، كما إن هذه الدراسات لا تزال تحتل موقع الصدارة على مستوى القيمة الموضوعية والعلمية التي تنفرد بها، وكذا طبيعة المناهج التي وظفتها والنتائج و الخلاصات التي انتهت إليها.

وتعتبرالابحاث والدراسات الفرانكفونية صاحبة السبق على مستوى تناول مختلف مظاهر الحياة العامة لدى المجتمعات المغاربية بصفة عامة، والمجتمع المغربي بصفة خاصة، لكن رغم ذلك فالدراسات الانجلوسا كسونية والاسبانية كان لها وقعها الخاص على واقع هذه الابحاث والكتابات، لاسيما بعدما خاض هذا المضمار العديد من الداريسين والباحثين المرموقين الذين شكلو اتجاها جديدا داخل حقل الدراسات الكولونيالية، من ابرز هؤلاء ، نجد جاك بيرك، روبير مونطاي، ارنست كيلنر، جون واتروبوي، رايمون جاموس، مولييراس، بول با سكون، ايميليو بلانكوايثاكا ودايفيد هارت…
حفل تقديم الترجمة الهولنديةلكتاب ” آيث ورياغل” بلاهاي
للأنتروبولجيالراحل دافيد هارت

والواقع، فان الدراسة والأطروحة التي قدمها دايفيد هارت” أيت ورياغل، قبيلة من الريف المغربي” ، تعتبر من ابرز الدراسات حول مختلف بينات المجتمع المغربي خلال القرن (20)، خاصة وأنها تمثل أهم مرجع مفصل ومدقق حول الريف الأوسط على مختلف المستويات، وكما جاء في التقديم الذي وضعته جمعية صوت الديمقراطيين المغاربة في هولاندا بمناسبة ترجمة هذا المؤلف الى العربية، فان أهمية هذا العمل تتجلى في كونه “أول دراسة ميدانية معمقة حول قبيلة ايت ورياغر بالريف الأوسط شملت معظم الظواهر الاجتماعية للقبيلة، كالممارسات الإسلامية، والتراتب الاجتماعي، وبنية القبيلة ونظامها السياسي، والأخلاق القبلية،والبنية الاقتصادية…الخ” ، ويضيف نفس التقديم:” ما قام به هارت يعتبر دراسة قيمة جدا وهو عمل يعد من الطراز الأكاديمي الرفيع والضخم”.

وتجدر الإشارة الى أن الفريق العلمي الذي اشرف على ترجمة هذا العمل المهم، يتكون من الدكتور محمد أونيا، عبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس، كما ان هذا الفريق عمل على وضع تقديم وتعليق حول الجزء الأول من أطروحة دايفيد هارت التي قامت بنشرها جمعية صوت الديمقراطيين المغربة في هولندا.

وعودة إلى أهمية هذا العمل الأكاديمي الوزان، فإننا نجد أنه نال إعجاب واعتراف كبار الباحثين المرموقين، أمثال ارنست كلينر الذي اعتبر “هذا المؤلف بدون شك هو الوصف الأكثر شمولية ودقة المتوفر اليوم حول التنظيم الاجتماعي للريفيين وثقافتهم، ولا يستبعد أن يحافظ على مكانته هذه كمرجع أساسي في هذا المجال لأمد طويل جدا”. أما بول رابينو، فاعتبر مؤلف هارت “مساهمة هامة في مجال الاثنوغرافيا المغربية ودراسية غنية معززة بالوثائق والمعطيات الميدانية. انه بحق من الكتب النادرة في عهدنا هذا …”. وحول هذا النقطة تحديدا، فقد جاء في تقديم فريق المترجمين بان أطروحة هارت “تعد أول دراسة مفصلة ومدققة حول قبيلة من قبائل الريف المغربي، ومن هنا يستمد هذا العمل قيمته العلمية، كما يساهم في كشف حقائق ومعطيات فريدة حول البنية الاقتصادية والسوسيو ثقافية التي غالبا ما تغفلها الكتابات التاريخية الإخبارية”.
حفل تقديم ترجمة كتاب دايـﭭيد مونتكمري هارت
“أيث ورياغر الريف المغربي، دراسة إثنوغرافية و تاريخية”

واذا كان هارت قد عمل على معايشة أهل الريف والاطلاع عن حياتهم اليومية ونمط عيشهم واعتماد الملاحظة المباشرة والبحث الميداني الدقيق ومجالسة الأشخاص، وهو ما يسميه الدارسون الانتروبولوجيون ب “المدرسة التقليدية” التي تعمد “الوصف العام والشامل للمجتمع المدروس”، فان هذا المؤلف يندرج ضمن الدراسات التي أسست “للنظرية الانقسامية أو المنهج الانقسامي”، رغم إن هذه الأطروحة كانت في أحيان كثيرة تجانب واقع مجتمع الريف ولا تملك قدرة النفاذ إلى عمق البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية لكيان “القبيلة الديمقراطية” كما يسميها روبير مونطاي، الأمر الذي أدركه دايفيد هارت نفسه الذي أقر بعد مرور السنوات ان هذا المنهج غير شامل ودقيق في معاينه مختلف الظواهر المدروسة وهو ما جعل الباحث الاثنوغرافي هارت، يعدل عن بعض الأفكار ويعتبرها قابلة للتطور ومشروع مفتوح عن الحركية.

وفي مقدمة الطبعة العربية التي وضعها المؤلف دايفيدهارت، يقر هذا الأخير بخطأ تحليله السابق للبنية الاجتماعية للريف ، وهو نوع من النقد الذاتي الذي يرجع فيه الفضل الى الدارس مونسون (Henry Munson) الذي انتقد خلاصات هارت، خاصة ما يتعلق بالمنهج الانقسامي (أو النسق الانقسامي للسلالة)، لكون التحالفات بالريف تقوم على أساس مجالي وليس سلالي، وهوما يعبر عنه هارت بالقول انه انتقل من صاحب”أطروحة مؤيدة للبنية والنظرية الانقسامية للسلالة كما تقدمها الحالة الريفية، الى موقف معارض تماما، أي مضاد للانقسامية (Countrr Segmentary) الى درجة ان هارت اعتبر هذه النظرية بمثابة “سترة المجانين”، وهو ما يعبر عنه أيضا أستاذ دايفيد هارت، كارلتون س. كون، في تقديم هذا الكتاب، إذ يقول “إن نظام القرابة السائدة بالريف نظام لا يخضع بوضوح لأي نمط من الأنماط التصنيفية السائدة منذ “لويس هنري مورغان” حتى “جورج بيتر موردوك”.
ورغم ذلك، فلا يمكن بحال من الأحوال أن ننفي أهمية ومكانة هذا العمل العلمي ، الذي أكد هارت انه يندرج ضمن إطار الدراسات التي تنتمي إلى حقل “الأنتروبولوجيا الاجتماعية والسياسية والتاريخ الاجتماعي-السياسي الذي اتخد له كموضوع، أهم تجمع قبلي شمال المغرب ألا وهو: “ايت ورياغر” كما انه عمل يتناول نمط العيش والبنية الاجتماعية والمؤسسات السياسية والدينية لمجتمع قبلي مسلم ناطق بالامازيغية، وهو ايت ورياغر، موطن هذه القبيلة يقع في المنطقة المرتفعة من الريف الأوسط شمال المغرب” ص3.

خارطة الكتاب
يتضمن فهرس ومحتويات مؤلف “ايت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي” تقديم صوت الديمقراطيين المغاربة في هولندا وتقديم فريق المترجمين، إضافة إلى نبذة عن المؤلف، كما يتضمن الترجمة العربية والطبعة الجديدة للكتاب، وفصل خاص معنون ب: امجاظ: نموذج لكيفية تكون سلالة ريفية ونشوء حالة انتقام، فضلا عن إهداء وتقديم بقلم كارلتون س. كون وكلمة شكر ودلالات وأهداف الدراسة وكذا ملاحظات حول منهج الدراسة الميدانية وملاحظات حول كتابة الألفاظ الأمازيغية بالحروف اللاتينية، علاوة على (9) فصول تتناول مختلف المواضيع والظواهر والقضايا موضوع الدراسة، مثل القبيلة المغربية، الأرض والزراعة بايت ورياغر، الأسواق وهجرة اليد العاملة، الملكية وامتلاك الأرض والإرث ونظام الري ، والطقوس الدورية أو دورة الحياة، السحر والشعوذة والمعتقدات والخرافات والغناء والرقص والموسيقى، الاسلام في ايت ورياغر، نظام القرابة، نماذج الزواج السائدة ومفهوم الاسرة، زيادة على لائحة الجداول والرسوم التوضيحية والخرائط والصور الواردة في هذا المؤلف الذي يقع في 364 صفحة.

الفصل الأول : القبيلة المغربية
يتناول الفصل الأول من كتاب “ايت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي” لصاحبه الباحث الامريكي دايفيد هارت، التقسيم القبلي بمنطقة الريف والشمال المغربي عموما وبعض الخصائص التي تتميز بها هذه المنطقة من الناحية الطبيعية والبشرية الاقتصادية وكذا بعض مظاهر دينامية المجتمع الريفي.

علاوة على ذلك، يقف المؤلف عند ابرز مرحلة عاشها الريف في تلك الفترة التاريخية والتي تعرف بمرحلى”الريفوبليك” من حيث الظروف الاجتماعية والسياسية القائمة والتحديد الزمني لهذه المرحلة(1880-1921) .

من جانب اخر، وكمدخل منهجي اعتمده هارت، استهل الباحث هذا الفصل بوضع تعريف للقبيلة باعتبارها “مجموعة متماسكة و مستقلة سياسيا و اجتماعيا تعيش أو تطالب بمنطقة محددة خاصة بها”(ص6). كما يقف في نفس الوقت عند تعريف افانس ريتشارد الذي يرد مجموعة من المعايير التي تؤسس لمفهوم القبيلة لدى الانتروبرلوجيين الاجتماعيين.

ومن جملة القضايا التي عالجها هارت ضمن الفصل الاول، ما يتعلق بأسس علم الاجتماع السياسي المغربي،بجانب الدراسات التاريخية حول المغرب، كبلد “كان موحد ا نظريا” قبل مرحلة الحماية تحت قيادة السلطان، ومقسما في الواقع وفق ثلاثة محاور أساسية وهي. محور عربي – أمازيغي، محور حضري- قروي ومحورمخزني – سيبة أو حكومة- تمرد وانشقاق (ص10). بعد ذلك ينتقل هارت الى تقديم ملاحظات عامة حول البنيات القبلية المغربية من حيث الانقسام الذي يقول حوله هارت: “المبدأ الأول في الانقسام يفيد ان كل قبيلة سواء كانت تحمل اسما مزعوما لجد مشترك أو مكان مفترض لأصلها أو لأي نوع من الأسماء فهي تقسم أو تجزأ الى مجموعة من القسمات(sections) التي نادرا ما يتجاوز عددها خمس في المغرب مثلا. وتجزأ كل قسيمة الى قسمان صغرى(subsections) ثم تجزأ هذه الأخيرة الى سلالات كبرى ثم الى سلالات صغرى ثم أصغر منها الى أن نصل الى مستوى العائلة النووية المكونة من الأب والأم والأبناء غير المتزوجين، وأهم نقطة بالنسبة للانساق الانقسامية للقبيلة المغربية هي أنها تشمل على كل هذه الوحدات، كل واحدة منها متضمنة في الثانية في المستوى الذي يليها، وكلما كبرت الوحدة الا وتعذر تتبع شجرة النسب بها إلى أن تصل إلى المستوى الأعلى الذي يكون فيه عامل النسب غير قابل للتطبيق وغير ذي أهمية” (ص14/15).

واضح أن دايفيد هارت يحاول هنا التطرق الى مجموعة من مظاهر ومعايير الأطروحة أو النظرية الانقسامية التي اعتمدها كمنهج لتحليل بنية قبلية ايت ورياغر على مستوى تكون وانقسام السلالات، أما من حيث الأنظمة الاقتصادية والسياسية للقبيلة، فيذكر هارت مايلي: لكل قبيلة اسم ومجال خاص بها، ولكل قسمة ضمن القبيلة حصتها من هذا المجال، هكذا يصبح النظام العام للملكية القبلية للأرض في الواقع هو النسق الانقسامي ذاته الذي يتجلى من خلال تطور شجرة النسب زمنيا ويتضح على الأرض مكانيا، ولهذا المبدأ أهمية كبيرة لفهم تعقيدات البنية الاجتماعية والمجالية لايت ورياغر”(ص16).

ومن مميزات النظام الاقتصادي القائم لدى اغلب القبائل، كونها قبائل مستقرة تعتمد على الزراعة مقابل بعض القبائل الأخرى التي تعتمد على الانتاج(transhumance) او الترحال، اضافة الى خاصية اخرى يتميز بها النظام القبلي في جميع أنحاء المغرب وتتمثل في تواجد سوق أسبوعي، الذي يعد يوما للتبادل التجاري وفرصة للتواصل الاجتماعي ويوم سلم بامتياز.
أما من جانب مميزات النظام السياسي القائم داخل بنية القبيلة المغربية، فيذكر المؤلف الأمريكي تواجد شرفاء يعيشون ضمن القبائل ويتمثل دورهم في التحكيم لحل النزاعات داخل وخارج القبيلة، وكذا وجود نظام للمجالس التمثيلية بالنسبة لأكبر المستويات الانقسامية بالمناطق الأمازيغية او ما يسميه هارت ب “أنظمة منظمة دون زعامة” خصوصا في السياق السياسي بالريف الأوسط، إضافة الى توزيع السلطة السياسية والعمل على لا تمركزها بكل المناطق التي تتواجد بها القبائل المستقرة وفق نظام “التناوب والانتخاب المتبادل” كما يسميه كيلنر، مع وجود قانون عرفي يؤطر العلاقات الاجتماعية وتشريع خاص بالقتل والسرقة…
ويختم دايفيد هارت هدا الفصل بالحديث عن طبيعة المجتمع القبلي بالمغرب خلال مرحلة الحماية وكذا بعد الاستقلال، لا سيما التغيرات التي طرأت على المجتمع ونمط حياة وعيش السكان بفعل دخول المستعمر وإتباعه لسياسة استعمارية معنية، وايضا يشير هارت الى ما لحق بنية القبلية المغربية كنتيجة موضوعية للمخاضات التي عاشها المغرب ابان هذه الفترة والتي تميزت باندلاع انتفاضات وثورات بكل من الجنوب الشرقي(1957) ووسط الأطلس (1958) والريف 1958-1959).

ورغم ما سبق ، فان الباحث الامريكي يقر بكون “القبلية لازال لها تأثير على الحكومية المركزية حتى في وقتنا هذا، وهذا ما ينطق على القبيلة الأمازيغية”(ص 22)، كما يناقش هارت ضمن خاتمة هذا الفصل ما يتعلق بعلاقة القبيلة والدولة والاسلام، هذا الأخير الذي يعتبر في الدول الاسلامية “القاسم الثقافي المشترك الأدنى وفي نفس الوقت الأكثر أهمية” على حد قول صاحب اطروحة” ايت ورياغل، قبيلة من الريف المغربي”.

الفصل الثاني : الأرض والزراعة بأيث ورياغر

يستهل هارت هذا الفصل بالحديث عن معطيات و إحصائيات حول سكان الريف الأوسط التي ترسم فكرة واضحة عن المعطيات الديمغرافية لقبيلة ايت ورياغر، معززا ذلك بجداول وأرقام وإحصائيات تتعلق بالإحصاء الاسباني لسنة 1929و1938 والإحصاء الفرنسي لسنة 1939 والإحصاء المغربي لسنة 1960، وهي أرقام تعطي فكرة عن مستوى النمو الديمغرافي والكثافة السكانية الخاصة بقبائل ايث ورياغل وتمسمان وايت توزين وايت عمارت وابقوين، الأمر الذي جعل هارت يقول: “ان عدد سكان هذه القبيلة كبير جدا، إن لم نقل انها أكبر قبيلة في الشمال المغربي اذا اخذنا بعين الاعتبار كونها كتلة قبلية واحدة، غير ان نسبة الكثافة السكانية بها تبقى خارقة، وما يجعلها مذهلة حقا ليس كونها الأعلى حاليا في العالم القروي بالمغرب فحسب، بل باستثناء القبايل بالجزائر- هي الأقوى على صعيد بوادي شمال إفريقيا كلها” (ص31).

ومن جملة الأمور الأخرى التي يتحدث عنها هارت ضمن هذا الفصل الثاني، مجموع السمات الجغرافية والطبوغرافية التي تتمثل في وجود سلسلة جبال الريف على شكل وحدة متكاملة حديثة التكوين تميزها التعرية ومعدل سنوي أكبر من حيث التساقطات المطرية.

أما من ناحية التعريف الوارد في هذا الكتاب حول الريف، فهو اعتباره الجزء الجبلي الشرقي الذي يقع غرب المنطقة المنبسطة والمفتوحة نسبيا بين ميضار ومليلية، اذ تحدها تركيست غربا وميضار شرقا والحسيمة والبحر الأبيض المتوسط شمالا وأكنول جنوبا”(ص32).

ومن جهة أخرى، قام الباحث ضمن الفصل بوصف وجيز للجبال وجرد للمعطيات الهيديروغرافية وكلها خصائص تجعل الريف مرتبط جغرافيا بالبحر المتوسط ويعرف سيادة مناخ متوسطي، كما تناول هارت أيضا ما يتعلق بالثروة المعدنية خاصة الحديد الذي كان يشكل نسبة 63% من مجموع الموارد المعدنية في شمال المغرب خلال فترة الحماية الاسبانية، علاوة على الثروة النباتية الحيوانية والتي تتميز بالتنوع الكبير فيما يخص النباتات والغطاء الغابوي خاصة بالفسوح الشمالية في حين يتميز الوحش بالريف بسهولة الجرد والتصنيف.

بعد ذلك ينتقل هارت الى القاء نظرة عامة حول الزراعة بالريف بنوعيها المسقي والبوري، كأساس للمقومات الاقتصادية في الحياة الريفية الى جانب تربية المواشي.

اضافة الى ذلك، يتحدث هارت عن أنواع المنازل وطرق البناء من حيث أدوات الاستعمال واحجام المنازل ومكوناتها وبعض المرافق الخارجية وكذا الاثاث المنزلي والأواني وادوات فلاحية كلاسيكية أخرى، علاوة النظام الغذائي لدى ايت ورياغر الموزع بين ثلاث وجبات فقيرة وهزيلة، وهي الفطور والغذاء والعشاء، بجانب ذلك يتحدث هارت عن تقسيم العمل حسب الجنس، كواقع اجتماعي ذي أهمية قصوى في منطقة الريف،
أما أهم عمل بارز قام به دايفيد هارت لتعزيز معطيات متن كتابه، هو تقديمه لصورة نادرة وجد معبرة عن واقع وحياة مجتمع الريف الاوسط، وهي صور تهم مختلف أنماط و مظاهر العيش.
و من جملة ما تتطرق اليه الباحث أمريكي ضمن هذا الفصل، ما يتعلق بالأرض والزراعة بالريف والدورة الزراعية السنوية التي تخضع لتقسيم الفصول الأربعة وكذا العامل الرئيسي الذي يجدد طبيعة العمل وهو المطر( أنزار)، اضافة الى حديثه عن التقويم الزراعي السنوي وما يرتبط به من أنشطة مثل عملية الحرث وغرس الأشجار والحصاد وجني الخضروات واللوز والعنب…

كما يتوقف هارت عند العلاقات التعاقدية والتعاونية في مجال الزراعة وتربية الماشية، ومن نماذج هذه العلاقات التعاقدية نظام “أخماس” و”اذورن” و”ثاويزا” ونماذج أخرى من “المؤسسات الاقتصادية غير التعاقدية التي تؤكد على أهمية التعاون والتعاقد في الحياة اليومية لآيت ورياغر”(ص76). الى جانب أنشطة تكميلية ثانوية أخرى مثل القنص والصيد البري وبعض المهن والحروف التي كانت تتم مزاولتها مثل الصناعة التقليدية والخياطة والتجارة والبناء ، وهو ما يعززها هارت بجداول وأرقام تعكس هذه الوضعية.

إضافة إلى ما سبق، يعالج الأنتروبولوجي هارت ما يتعلق بالدخل السنوي للفرد ونظام الدين ويتبين من مجموعة الاحصائيات التي تضمنها الكتاب “ان الورياغليين بشكل عام ليسوا فقراء فحسب، بل يعيشون أيضا بشكل تفوق فيه التكاليف مداخيلهم، مما يضطرهم الى الاقتراض باستمرار”(ص87).

الفصل الثالث : الأسواق وهجرة اليد العاملة

يستهل هارت هذا الفصل بالحديث عن توفر كل القبائل المغربية تقريبا على أسواق أسبوعية تؤدي وظائف عديدة في الحياة القبلية باعتبارها مركزا لهذه القبائل على المستوى الاقتصادي والتواصلي والاجتماعي والسياسي.

بعد ذلك ينتقل الكاتب الى الحديث عن الأسواق المحلية والقبلية في ايت ورياغر التي تعتبر أكبر مجموعة قبلية في شمال المغرب تتوفر على أسواق تفوق في عددها مثيلاتها من القبائل، كما يقف هارت عند ما يرتبط بهذه الاسواق من اختلافات وكذا نوعيتها وحجم روحها. واضافة الى مشاهد اخرى تطبع حياة السوق القبلي بمختلف مناطق ايت ورياغر.

ومن القضايا التي يقف عندها صاحب اطروحة “ايت ورياغل، قبيلة من الريف المغربي”، ظاهرة الأسواق النسائية كظاهرة خاصة موجودة ومؤسسة ينفرد بها الريف منذ القدم، وهي ظاهرة يعتبرها دايفيد هارت ترتبط بالقانون العرفي الريفي كعامل أساسي أدى الى ظهور هذه الاسواق.

أما المحور الثاني من هذا الفصل فيخصصه هارت للهجرة العمالية الموسمية الى غرب الجزائر التي يحدد تاريخ بدايتها في سنة 1880، أي بعد دخول فرنسا الى الجزائر. وقد استمرت هذه الهجرة الى غاية توقفها الفجائي سنة 1962. كما يقف عند الدوافع الاقتصادية التي أدت الى هذه الهجرة ومنها أساسا” الاكتظاظ السكاني بالريف ومانتج عنه من انعدام للتوازن بين السكان من جهة ونسبة الأراضي الصالحة للزراعة من جهة أخرى. أما ثاني عامل فهو تقلب الاقتصاد الفلاحي الريفي. وثالث هذه العوامل هو انعدام التوازن بين مجموعة قوة العمل الموجودة بالريف من جهة وفرص الشغل المتوفرة في هذه المنطقة”(114).

كما يقف هارت عند بعض الخصائص التي تميز هذه الهجرة والمناطق التي يقصدها العمال المهاجرون من أبناء الريف وكذا نظام الأجور ومداخل ومصاريف السنة للمهاجرين بالجزائر( نموذج موسم 1952-1953)و(1954-1955).

واذا كانت هذه الهجرة قد تأثر مسارها مع نهاية الخمسينات بعدة ظروف سياسية وعسكرية، فانها اتخذت منحى اخر مع بداية الستينات، وبالضبط نحو أوربا الغربية كوجهة جديدة للهجرة العالمية الريفية خاصة دول ألمانيا وفرنسا وهولندا… أمام الأجور الجيدة التي بدا يحصل عليها العمال وقد وصل عدد المهاجرون من اقليم الحسيمة سنة 1966 الى 2100 من مجموع الساكنة المحلية ، في حين وصل نفس العدد من اقليم الناظور خلال نفس السنة الى 20300 فرد.

وعموما فهذا الفصل يحمل اضاءات هامة حول حركة ومسار الهجرة العالمية الريفية كظاهرة اجتماعية وسمت تاريخ المنطقة خلال هذه المرحلة.

الفصل الرابع : الملكية وامتلاك الأراضي والارث ونظام الري

يتناول هذا الفصل أنواع وأنظمة الملكية وبعض المفاهيم المرتبطة بها وبامتلاك الأراضي على وجه الخصوص. ويتحدث هارت عن ذلك قائلا. “يصنف امتلاك الأراضي أوالعقار في منطقة ايت ورياغر، كما هو الأمر في باقي مناطق المغرب والعالم الاسلامي، الى ثلاثة أنواع أساسية تقليدية. وهذه الأنواع هي: أولا “رمرك” أي الأملاك والأراضي الخاصة، وثانيا “رمشوع” أي الأراضي الجماعية المستعملة عادة كمراعي وهي في ملكية الجماعة، ثالثا “رحبوس” أي أراضي الأحباس الموقوفة للمساجد كعمل خيري من طرف المحسنين”(ص127).
علاوة على نوع رابع وهو”رحورم” وهو مجموع الأراضي المحيطة بالمساجد ومقابر الأولياء والصلحاء.

ثم بعد ذلك يتحدث الكاتب عن الارث وانتقال ملكية الأراضي أو مايسمى ب “روارث”. وسيتعرض هارت العديد من الأحكام المتعلقة بالتعامل مع الحالات العادية و الخاصة في الارث. و ينتقل بعد ذلك الى الحديث عن المبادئ الأساسية التي تتحكم في نظام السقي وعملية توزيع المياه في ايت ورياغر والتي حددها في أربعة مبادئ وهي : تقسيم المياه حسب تقسيم الأرض نفسها، تقسيم المياه حسب الأولويات، ملكية الأنهار جماعية، حق الأسبقية للساكنين بجوار المنابع الكبرى لمجاري المياه على القاطنين قرب الجهة السفلى لنفس المجاري. كما تطرق الكاتب الى مجموعة من القواعد المنطقة لملكية الأرض والمياه المرتبطة بها بين مجموعة من العائلات والسلالات، وكما يعزز ذلك برسوم توضيحية الرئيسية المتفرعة عن كل من واد عيس وواد النكور .

الفصل الخامس : الطقوس الدورية في ايت ورياغر أو دورة الحياة

يتناول هذا الفصل العديد من الطقوس الدورية في الريف الأوسط، مثل طقوس الولادة والعقيقة والختان والزواج والوفاة وكذا أنواع الألعاب السائدة بهذه المنطقة. وكذا التمييز بين الرجل والمراة وموقف الورياغليين من الجنس كأهم المواضيع الثقافية في منطقة الريف التي تثير العديد من التساؤلات. علاوة على الطقوس المصاحبة للزواج وتربية الأطفال وأمور الطلاق والترمل والزواج ثانية وعملية الدفن وكل ما يربط بدورة الحياة لدى مجتمع ايت ورياغر الذي تتميز داخله الحياة الاجتماعية بالقوة وشدة الارتباط، وتأخذ فيه كل هذه الطقوس المصاحبة لمختلف مظاهر دورة الحياة عدة دلالات ثقافية وحضارات، خصوصية وكونية.

الفصل السادس : السحر والشعوذة، المعتقدات والخرافات

يعرض هارت في هذا الفصل لبعض الأمثلة عن الممارسات السحرية وحالات استعمال التعاويذ والحجاب والاصابة بالجن والكائنات الروحية الأخرى، مثل (ذامز)-(ذاسارذ ون امطران)-(ادوجار).. وكذا لتفسير الأحلام في ايث ورياغر( ذيرجا) ثم الحديث عن الانتروبولوجيا الطبية التي تشمل مجموعة كبيرة من الأمراض وطرق علاجها.

ومن جملة ما يتناوله دايفيد هارت ضمن هذا الفصل، الخرافات والأساطير والحكايات الشعبية التي صنفها هارت الى ثلاثة أنواع، وهي: أولا تلك المرتبطة بشخصيات من العهد القديم، ثانيا الحكايات التي تروى على لسان الحيوانات، أما الثالثة فتتعلق بأشخاص افتراضيين متخيلين عموما.

ومن الأمور الأخرى التي يتضمنها هذا الفصل، ما يرتبط بالدور الثقافي ل “رالابويا” والشعر والموسيقى والرقص، وتعتبر”رالابويا” هذه اللازمة المشهورة والأبيات المقفاة المرافقة لها ( ازران)، احدى أكثر القيم الريفية استمرارية. انها أكثر من مجرد سمة ثقافية ، فهي تقليد اجتماعي يحمل طابعا مؤسسيا. ويمكن القول دون مغالاة ان أية قبيلة لا تغني بها “رالابويا” لا تعتبر ريفية حقا”(ص247).

الفصل السابع : الاسلام في منطقة ايت ورياغر

يستهل هارت هذا الفصل بالحديث عن أركان الاسلام الخمس والأعياد والاحتفالات الدينية وغير الدينية بآيت ورياغل، ( فوس أوسكاس) و( أرعنصات) ومايرافقها من طقوس. كما يتحدث في هذا الفصل عن المساجد والتعليم التقليدي ومختلف مراحل التعليم واكتساب العلوم الدينية والشرعية. كما يتطرق الانتروبولوجي هارت الى الشرفاء وظاهرة تبجيل الأولياء بايث ورياغر( امرابظن) وكذا وقدرات الصلحاء المحليين وأضرحة الأولياء الموجودين بقبيلة ايث ورياغل، اضافة الى الطرق الدينية حيث ركز عن الزاوية الطريقة الدرقاوية ويختم هارت هذا الفصل قائلا: “لقد انتشر الاسلام في الريف في مرحلة مبكرة جدا وسرعان ما انغرس في هذا المجتمع الأمازيغي وحظي بقبول كامل من طرف أعضائه الى درجة أصبح معها أي تلميح الى وثنية الأمازيغيين في هذه المنطقة، وربما أكثر من أي منطقة أخرى هو نسيج من وحي الخيال”(ص299).

الفصل الثامن : نظام القرابة في ايث ورياغر

يشتمل هذا الفصل على العديد من العناصر التي تؤسس لنظام القرابة في قبيلة ايث ورياغر وذلك وفق تحليل تاريخي وبنيوي وظيفي قام به هارت. كما قدم هذا الأخير لائحة مصطلحات القرابة المستعملة مثل ( بابا- يما- أياو- يدجي…). كما تناول الكاتب أنماط السلوك والتصرف تجاه الأقارب،” أي الحديث عن النموذج المثالي الذي يفترض أن يطبع علاقة هؤلاء وماهو موجود بالفعل في الواقع وهذا على مستوى الفئات الثلاث أي الأقارب من ناحية الأب ومن ناحية الأم وعبر الزواج أكان ذلك تجاه بعضهم البعض أو ازاء غير الأقارب”(ص 318). كما يعزز الباحث الأمريكي دايفيد هارت هذا التحليل بخططات حول نظام ومصطلحات القرابة المتداولة والمستعملة بهذه المنطقة.

الفصل التاسع : نماذج الزواج السائدة ومفهوم الأسرة

يعتبر موضوع نماذج الزواج السائدة بالريف ومفهوم الأسرة ، من المواضيع الأساسية التي كانت موضوع دراسة العلامة دايفيد هارت من خلال كتابه “ايث ورياغر، قبيلة من الريف المغربي”. ويستهل الكاتب هذا الفصل بتناول تنوع نماذج الزواج، حيث يؤكد هارت على أنه لا يوجد نموذج مثالي مفصل للزواج بأيث ورياغر، ومن ضمن القضايا التي يناقشها هارت ، وضعية المرأة المتزوجة خارج سلالتها واكتفاء الغالبية العظمى من الورياغليين بزوجة واحدة. كما يقدم هارت ضمن هذا الفصل ملاحظات حول نموذج الزواج الداخلي بين أعضاء السلالة الواحدة. ثم الزواج خارج السلالة الواحدة. ثم النموذج الثالث المتعلق بالزواج خارج السلالة وداخل القبيلة. ثم النوع الرابع أي الزواج خارج القبيلة كما يقدم هارت أرقاما وجداول في غاية الاهمية.

وينتقل بعد ذلك الكاتب الى الحديث عن النوبث والنسب التكميلي التي يعتبرها هارت تكتسي أهمية كبيرة من حيث دلالتها القاموسية عند ايث ورياغر وهي بمثابة الاسرة الأولية وأصغر وحدة اجتماعية لا تقبل الاختزال، كما يعالج الكتاب أنواع الأسر في ايث ورياغر والتي حددها في تسعة أنواع. ويختم هذا الفصل بخاتمة حول أصل ونسب الأفراد وأماكن اقامتهم والقواعد المنظمة لأماكن هذه الاقامة.

خاتمة :

اذا كانت اطروحة الباحث الأمريكي دايفيد هارت من أبرز الدراسات الاجتماعية والانسانية حول الريف ومختلف بنياته السياسية والاقتصادية والسوسيو ثقافية، فهل استطاعت اذن، هذه الدراسة بمداخلها الانتروبولوجية والاثنوغرافية أن تنفذ الى عمق مجتمع الريف؟ وهل استطاع دايفيدهارت ان يلامس مختلف جوانب الحياة العامة للريفيين؟ و كيف يمكن أن نعتبر الخلاصات التي انتهى اليها صاحب أطروحة “ايث ورياغر، قبيلة من الريف المغربي”؟.

مهما يكن فان هذا العمل يعد مرجعا أساسيا وانجازا علميا وأكاديما لا يقل وزنه عن وزن صاحبه، لكن في نفس الوقت يبقى مشروعا مفتوحا على ما ينبغي أن تقدمه دراسات أخرى وجديدة من خلاصات ومضامين. فهل هو دور الدراسات السوسيولوجية؟.

لقد سبق للعلامة بول باسكون صاحب “دار ابليغ” ومؤسس علم الاجتماع القروي وصاحب العديد من الأعمال الأخرى أن قال: “ينبغي اثبات كرامة السيوسيولوجيا” ، فهل هو قدر أن تقترن الدراسات والأطروحات الاجتماعية والانسانية بالأجانب؟ وهل من الضروري أن نظل دوما حبيسي النظرة الضيقة تجاه مايسمى بالدراسات الكولونيالية؟.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий