Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات, أبحاث ودراسات > إثنولوجيا الإسلام في مداريات حزينة لكلود ليفي ستروس

إثنولوجيا الإسلام في مداريات حزينة لكلود ليفي ستروس

مداريات حزينة

مداخل

1- لا يعد الإسلام همّا مركزيا في كتابات كلود ليفي ستروس، كما لا يحتل مكانا مميزا في مختلف خرجاته الإعلامية1. ومع ذلك تلتف ثنايا كتابه الشهير مداريات حزينة2 حول خطاب مباشر عن الإسلام دينا و ثقافة3. ويرد حديث الإسلام في مداريات حزينة4 في نهاية الكتاب، وفي فقرات معدودة ومتقطعة5، ومن دون سياق يربطه من حيث المنهج والموضوع بسابقه ولاحقه، وكأنه حشر منفصلا ولذاته. ومع ذلك فالحديث مشحون الدلالات، وقوي المعاني، ولا تكاد قضاياه تفقد راهنيتها.

2- يسترجع حديث كلود ليفي ستروس عن الإسلام ويجدد قضايا مثيرة للجدل عن الإسلام والمسلمين، دينا وحضارة وثقافة. كما يرسخ الطابع الساخن لأماكن بعينها، مثل كابول وكشمير وبشاوار والبنجاب وراوبلندي ولاهور وبيرموند ودلهي وكالكوتا … مما يشعر القارئ بالعودة الأبدية للأسئلة التي يطرحها وما يترتب عليها من تأويل.

3- كتب كلود ليفي ستروس نص المداريات بلغة شاعرية جذابة ولكن مراوغة6، تجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي والبحث الأنثروبولوجي، مع الالتزام بالفكر العقلاني والابتعاد عن الذات. غير أن ما كتبه عن الإسلام تميز بالأسلوب المباشر والتقريري، مع التعبير الصريح عن موقف غير مستسيغ لمختلف تجلياته المعتقدية والطقوسية. وقد أحرج حديث كلود ليفي ستروس عن الإسلام مترجم المداريات وناشرها7، فتصرفا في النص الأصلي بالحذف، مرة بالتنبيه إلى ذلك8 ومرات من دون إشارة9، مما يذكرنا بترجمات الكوميديا الإلهية المبتورة لنفس المبررات10.

ووجد بعض من لا يثق في الغرب في حديث المداريات “الاستفزازي” عن الإسلام حجة على “عدوانية الآخر وسوء نواياه”. في حين وبالمقابل، استشهد اليمين الفرنسي في العقدين الأخيرين بنفس الحديث لإضفاء المصداقية العلمية على رفض مطالب الطائفة المسلمة في أوربا11، باعتبار أن هذا المفكر-المرجعية كان سباقا للتنبيه إلى “الإسلام- فوبيا”، أي إلى التأثير الخطير للإسلام الداخلي على هوية فرنسا ومستقبلها. كما رأى بعض الغرب في فكر وممارسة من يصنف ضمن “الجماعات الإسلامية المتطرفة والمتشددة”12، مصداقا لمقولات كلود ليفي ستروس وأحكامه.

4- غلبت الكتابة المشهدية13 على المداريات وحديث الإسلام داخلها، لاسيما أن صاحبها توسل بها في الأصل لكتابة نص روائي14 يدون فيه مشاهداته الرحلية وحواره الذاتي مع موضوعه ومعرفته15. وكما يفيد العنوان الفرعي للكتاب والذي وضعه الناشر16 ، اتبع مؤسس الأنثروبولوجيا البنيوية في المداريات منهجا إثنولوجيا، قائما على دراسة المظاهر الثقافية والجوانب الاجتماعية للجماعات البشرية، اعتمادا على المسح الإثنوغرافي. والنص بما فيه الحديث عن الإسلام قائم بالفعل، من حيث المنهج، على رباعية المشاهدة/الملاحظة والتفسير والمقارنة والنظرية17 . واستعاد كلود ليفي ستروس في جل صفحاتالمداريات ذاكرة رحلتين علميتين قديمتين، أنجزهما في البرازيل سنتي 1935 و8-1939. في حين سجل في الوريقات التي أحصيناها مشاهداته المتأخرة18، في باكستان19 وأفغانستان والهند، أي في فضاء “إسلام هامشي” غير عربي، زاره في مهمة رسمية مطلع الخمسينيات من القرن العشرين20، ولم يمكث به سوى بضعة أشهر(ص475). ويقدم كلود ليفي ستروس نفسه، في المشاهد التي سجلها داخل هذا الفضاء، على أنه “السائح”(ص476) و”الزائر”(ص474-477) “الغربي”(ص477) و”الأوربي”(ص474-487) بالتحديد، المتمتع بقوة الملاحظة(ص487) والمتجول بحكمة(ص476)، و”المتفكر” فيما كان يقف عليه من “خراب”(ص474).

5- سبق لكلود ليفي ستروس، قبل كتابته المداريات، أن أثار ملاحظات سريعة حول الإسلام في شبه الجزيرة الهندية، و ذلك في مناسبتين كان لهما الأثر الكبير في بلورة فهمه للعالم وإدراكه ثقافاته.

الأولى، في التقرير الذي رفعه إلى منظمة اليونسكو، مباشرة بعد عودته من المهمة التي كلفته بها في شبه الجزيرة الهندية. ويلتقط من التقرير21، الذي صدر في شكل مقال سنة 1951، توظيف كلود ليفي ستروس لمفهوم Foyer والأبعاد التي خصها به. ذلك أن التأمل انتهى به إلى استنتاج أن باكستان أسست لكي تكون بمثابة ملجإ مفتوح في وجه مجموع الطائفة التي تشترك في المعتقد الروحي وتعيش في ظل تعاليمه، أي المسلمين. واستنتج بالاستتباع أن باكستان تمثل وقتها الرابط بين الأمة/ nation وبين المعتقد في دلالته القصوى، باعتبارها تجمع في ظل نفس السيادة مجالات ترابية مسكونة لقرون من طرف نفس الشعب، الذي اعتنق غالبيته الساحقة المبادئ الأخلاقية والسياسية والدينية التي أسست عليها الدولة الجديدة. وتأسيسا على هذا الفهم، يستشف المعنى المزدوج للملجإ، أي الروحي الديني والواقعي الوطني. وتقعيدا عليه، امتلكت باكستان الكبرى خصوصياتها. وخلص كلود ليفي ستروس، وهو يلاحظ أن باكستان الكبرى بالرغم من هذه الخصوصية لم تستطع لم شمل مجموع مسلمي شبه الجزيرة الهندية22، إلا أن الرهان الأساس الذي على الدولة الناشئة كسبه يكمن في استثمار حدودها الممتدة وشكل جغرافيتها وسوسيولوجيتها، لترسخ هويتها كملجإ ووطن، ولتتخطى بالتالي فردانيتها، وتحقق الانتقال المبدع والمتجدد بعناية وتعهد لا ينقطعان إلى تشكيل صورة الوعد الكبير الذي تتطلع أن تكون عليه، أي أن لا تكون ملجئا لمواطنيها فقط، بل وأيضا لكل أولئك الذين سيطلبون يوما ما أن يعيشوا في ظلها مع احتفاظهم بمعتقداتهم الدينية المغايرة23.

الثانية، في التقرير الذي قدمه إلى اليونسكو سنة 1952، ونشرته المنظمة في مقالين، أحدهما مفصل والثاني مكثف. وتخطى كلود ليفي ستروس في هذه المناسبة عتبة الولوج إلى موضوع الإسلام، والذي طالما راوده في الغالب وتردد دون أن يقدم عليه. رسم كلود ليفي ستروس، في هذه الخطوة القصيرة والوحيدة، حدود المقاربة الإثنولوجية التي اعتمدها بعيد ذلك في المداريات. وتتمثل في:

– دراسة مشهدية مبنية على صور تفرضها الملاحظة وتدفع إليها المقارنة.

– اختيار الثقافة الدينية حقلا للتأمل والبحث والاستخلاص. وهو الفضاء الذي يتسع ليشمل العقيدة ويفصل في أشكال التدين وتلويناته الطقوسية، ويتضمن العمارة ويلامس أنماط العيش…الخ.

– التساؤل عن تلاؤم القيم وانسجامها/ compatibilité.

قدم كلود ليفي ستروس، في هذا التقرير- المقال، لحديثه عن الإسلام باستنتاج أن ديانات آسيا الجنوبية برهنت، منذ ظهور البوذية وإلى غاية انتشار الإسلام ومرورا بمختلف أطياف المعتقدات الهندوسية، على أنها الأفضل قدرة على التعايش. واستدل على صواب استنتاجه ببسط مشهد معبر: ذلك أنه لاحظ في الجزء الشرقي من باكستان24 تساكن مساجد إسلامية فارغة25 ومعابد هندوسية مأهولة بسلالات من التماثيل المجسدة للآلهة. كما لاحظ أن الديانتين الإسلامية والهندوسية في هذه البقعة من العالم تعايشتا ولم تتواجها، إلى درجة أن إدارة مسلمة كانت تشرف على السوق الذي لم يكن يعرض من اللحوم سوى لحم الخنزير. وختم ملاحظاته باستنتاج أن الإنجاز المعماري السياسي والجمالي الكبير والمعبر الذي شيده الإمبراطور أكبر26، وجمع بين أنماط فنون العمارة الفارسية والهندية بل والأوربية، يعكس مظاهر الأخوة بين المسلمين والهندوس، ويبرهن على إمكانية تعايش الديانات في تناغم، بالرغم من كون الإنجاز أصبح مجرد قصور خراب. هذا مع إقرار كلود ليفي ستروس بصعوبة صمود هذه “الصورة البريئة” أمام مشاهد الحرائق والمجازر التي طبعت أحداث الانفصال الكبير… انفصال باكستان عن الهند27.

II حديث الإسلام في المداريات

1- المشهد الإطار

استهل كلود ليفي ستروس، بقصدية مستبطنة، حديثه عن الإسلام بمشهد كاشف ومعبر، ومختزل لمجموع الترسانة الأدواتية والمنهجية التي وظفها في المشاهد الموالية. ذلك أنه ولج الفضاء الجغرافي والثقافي للإسلام باسترجاعه الحدث التالي: “على سفح جبال كشمير، بين روالبندي وبيشاور يرتفع موقع تاكشاسيلا… استعملت للوصول إليه خط السكة الحديدي، متسببا من غير قصد في مأساة صغيرة. ذلك أن مقصورة القطار الوحيدة من الدرجة الأولى التي صعدت إليها كانت من الطراز القديم…كان منظرها يشبه في نفس الآن مقطورة المواشي والصالون والسجن بالنظر إلى القضبان الواقية في النوافذ. استقلت المقصورة أسرة مسلمة مكونة من زوج وامرأة وطفلين. كانت السيدة منقبة/purdah. وعلى الرغم من محاولتها الانزواء- بحيث جلست مقرفصة على مرتبتها، ملحفة بالبرقع/burkah، مدبرة بعناد ظهرها إلي- فقد بدا الاختلاط شائنا و مخزيا scandaleux/. واقتضى الأمر انفصال الأسرة وتفرقها، حيث انتقلت المرأة والطفلان إلى العربة المخصصة للنساء فقط، بينما ظل الزوج يحتل بمفرده المقاعد المحجوزة، وهو يغتالني بنظراته. رضيت بما قسم لي في هذا الحادث، بسهولة أكبر في الحقيقة من رضاي بالمشهد الذي كان ينتظرني عند الوصول…”(ص472).

التقطت عين كلود ليفي ستروس الملاحظة عناصر أساس أثث بها المشهد بعناية فائقة. أشار في مستوى أول إلى القطعة الجغرافية الساخنة. ثم ربط في مستوى ثان بين النقاب والبرقع وما يترتب عليهما من تحريم الكشف عن جسد المرأة والاختلاط الجنسي، وبين النزوع إلى الانعزال عامة وهيمنة الفكر الذكوري التمييزي المحتكر لكل الأمكنة المادية والرمزية. واستنبط في مستوى ثالث من التنبيه إلى إدبار الظهر والنظرة المغتالة، الميل إلى الانغلاق ورفض الانفتاح على الآخر الغربي وثقافته. ويستنتج من المشهد بالاستتباع الأسباب التي دفعت كلود ليفي ستروس إلى تشبيه الخشبة التي وقع فوقها المشهد، أي مقصورة القطار، بعربة المواشي أو السجن ذي القضبان الحبيسة. كما يستنتج من سرد مكونات الحادث، وخصوصا ما تعلق بالمفردات والصيغ ذات الصلة بمشاعر كلود ليفي ستروس، أنه شعر لحظتها، وهو المنتمي للغرب، بعنف نفسي يمارس عليه. ولم يكن هذا المشهد الإطار سوى مطلع ما اسماه بــ”المأساة”، أو الوجه الظاهر لمآسي أكبر كانت في انتظاره28.

2- عقلية البداوة والتحريم

لم يتذوق كلود ليفي ستروس العمارة الإسلامية في شبه الجزيرة الهندية على ما تميزت به من ضخامة البناء وفخامته وجماليته. وهكذا لم يرقه قصر القلعة الحمراء في دلهي القديمة29، على الرغم من ضخامة بنائه وطبيعة المواد الثمينة التي شيد بها وثقل زينته. وعده لا يمت بصلة لهندسة القصور، بل وأقرب ما يمكن لمجمع خيام شيد بمواد صلبة في حديقة تشبه مخيما نموذجيا ومثاليا. ورأى كلود ليفي ستروس في قبة قاعة العرش الإمبراطوري مجرد نسخة من قبة خشبية قابلة للتفكيك، غير منسجمة مع قاعة الاستقبال. ولم يثر الضريح، على قدمه، مشاعر الإعجاب في كلود ليفي ستروس المتيم عادة بكل ما هو عتيق. بل حرك فيه إحساسا بالضيق لأن عنصرا هندسيا أساسيا في نظره غير موجود: كان المركب الإمبراطوري ذو كتلة جميلة ومكونات بديعة، غير أن من المستحيل إدراك صلة عضوية بين الكتلة ككل وبين المكونات كأجزاء(ص476-477).

نفس الانطباع والملاحظة خرج بهما كلود ليفي ستروس من زيارة بقية المعالم الأثرية الكبرى، وإن كانت في مستوى ضريح شاهنشاه تاج محل30. فهذا الأخير أيضا، وبالرغم من بنائه الفخم وجماليته الفائقة، لا تتآلف طبقاته بقدر ما تتكرر برتابة. تساءل كلود ليفي ستروس عن الأسباب الكامنة وراء هذا القصور، وعن دواعي رفض المسلمين للفنون التشكيلية الجمالية، الكفيلة في رأيه بتكسير رتابة العمارة الإسلامية وبإضفاء سمة الحضارة وميزة الحضر عليها. ووجد الإجابة بالضبط عند سيدة إنجليزية متزوجة من مسلم يدير معهد للفنون الجميلة: لم يكن يسمح إلا لعدد محدود ومن النساء بمتابعة دروس الفنون الجميلة، وكان النحت محرما، كما كانت الموسيقى تدرس في السرية، وحده الرسم كان يعلم، ولكن كفن ترفيهي لا غير…(ص478-479)

3- ذهنية السذاجة

التقط كلود ليفي ستروس، بدقة الملاحظ وفي مناسبات عدة، ممارسات ذهنية ساذجة وسط مسلمي شبه الجزيرة الهندية. المناسبة الأولى، حين تساءل عن وظيفة البنايات الضخمة التي سبق وانتقدها في مستواها المعماري. إذ اعتبر أن المسلمين لم يشيدوا في هذه البلاد من المآثر الكبرى سوى الحصون والمعابد والأضرحة. بحيث كانت قصورهم المأهولة من حيث الهندسة والتصور أشبه بالحصون العسكرية. في حين كانت مساجدهم وأضرحتهم الخالية والمهجورة أقرب ما يكون من القصور. وبناء على هذه المفارقة، اختبر كلود ليفي ستروس مصاعب الإسلام في تفكر الوحدة والعزلة. وفي رأيه، اعتبر هذا الدين أن الميت يستقر دائما وسط الجماعة /communauté، ولكن من دون رفقة ولا شركاء…(ص480)

المناسبة الثانية، لما عاين طقوسا غير مقبولة في نظره تمارس في المسجد الجامع بدلهي31. حيث أروه، مقابل أربعمائة فرنك، النسخ الأقدم للقرآن الكريم ونعال الرسول وشعرة من لحيته مثبتة بقرص من الشمع داخل علبة مزججة ومعطرة32. ويضيف كلود ليفي ستروس إلى هذا المشهد، وبلغة يغلب عليها التهكم، أن أحد المؤمنين اقترب للتبرك بالمعروضات المقدسة، غير أن القيم عليها أبعده بعنف. وتساءل عن السبب: هل لأن المؤمن لم يؤد الأربع مائة فرنك؟ أم لأن الآثار الشريفة كانت ذات شحنة قوية لا قبل للمؤمن على تحملها؟(ص477)

المناسبة الثالثة، لما صحب في كراتشي جماعة من المسلمين، حكماء وجامعيين ورجال دين. وانتبه إلى أنهم كانوا يفتخرون بسمو منظومتهم الفقهية. غير أنه صدم أكثر لما لاحظ كيف كانوا يستندون دائما وبإلحاح قوي إلى حجية واحدة، هي بساطة الدين الإسلامي. من قبيل القول إن الأحكام الإسلامية في مجال الإرث أفضل من مثيلتها الهندوسية، لأنها أبسط منها. ومن قبيل أنه إذا ما أردنا تغيير التحريم التقليدي للربا على القروض، يكفي أن نضع عقدا للشراكة بين الزبون والبنك، بحيث تتحول الفائدة إلى إسهام الطرف الأول في مشروع الطرف الثاني. ومن قبيل معالجة متطلبات الإصلاح الزراعي بتتريك الأراضي الزراعية وفق الأحكام الإسلامية إلى غاية توفير المساحات المطلوبة للتوزيع. ثم ينتهي العمل بهذه الأحكام لأنها ببساطة لا تعد من الأصول العقدية، وذلك لتجنب المبالغة في تفتيت الملكية الزراعية(81-4482).

المناسبة الرابعة أو الشاهد الأكثر تعبيرا على بساطة الفكر الإسلامي، حسب تعبير كلود ليفي ستروس، هو نزوع الحاملين لهذا الفكر والقلقون على عفة زوجاتهم وبناتهم إلى تحجيبهن وعزلهن، وذلك طوال فترات غيابهم عن أسرهم، مما أفضى مع مرور الزمن وتتابع اللجوء إلى هذا الحل إلى ظاهرة البرقع/Burkah. واللافت للانتباه، حسب ما تولد من حديث صريح بين كلود ليفي ستروس وبعض الشباب المسلم، أن هؤلاء متشددون في التمسك بعذرية المرأة، الدالة على وفاء قبلي في علاقة شرعية بعدية. كما أنهم متشددون في وجوب التمييز الجنسي، بفرض ارتداء البرقع على النساء، لكونه الوسيلة الكفيلة بالتصدي للدخلاء العشاق. وتكمن غاية هذه الذهنية ومعانيها، حسب كلود ليفي ستروس، في رغبة الذكور المسلمين منح النساء عالما نظيفا لا يعلم خفاياه سواهم. و هكذا أنتج هؤلاء الرجال، لصوص الحريم في شبابهم، مبررات ناجعة ليصبحوا حراسه بمجرد زواجهم.

استخلص كلود ليفي ستروس من هذه الشواهد وتبين، أن الإسلام في كليته وبالفعل سلوك /méthode ينمي في ذهنية المؤمنين صراعات لا تحتمل، ويقترح عليهم -أكثر من ذلك- حلولا بسيطة إلى درجة لا تتصور، بحيث يدفعهم بيد ويمسكهم بأخرى… على حافة الهاوية(ص482).

4- الإسلام المقارن: المعيار الهندوسي

كان من الطبيعي، اعتبارا لجغرافية المجال الدينية، أن ينتقل كلود ليفي ستروس بمشاهداته واستنتاجاته إلى مستوى مقارنة الإسلام كثقافة وممارسة في شبه الجزيرة الهندية بما كان يجاوره ويعايشه من ثقافات وممارسات دينية مغايرة.

المقارنة الأولى، تتمثل في الإعجاب المطلق بالمجسدات البشرية المنحوتة على الحجر الوردي في واجهات بعض المعابد الهندوسية33، والتي بلغت من دقة الإتقان وعمق المعاني، ما أهلها لتنفك من مواضعها وتختلط بالمجتمع. بعثت هذه المنحوتات البشرية في كلود ليفي ستروس شعورا عميقا بالسكينة والألفة. لأنه وجد نفسه أقرب إلى النمط الثقافي الذي ترمز إليه نماذج النسوة المنحوتة، المتبرجات بعفة والشهوانيات بأمومة و في توافق تام. ولأنه وجد نفسه أبعد ما يكون من النمط الإسلامي المقابل أو ثقافة الهند غير البوذية، حيث الأمهات عشيقات ولو في الحريم والفتيات حبيسات أنواع الحجب. شعر كلود ليفي ستروس، وهو يقارن بين النمطين، وكأن الأنثوية الوديعة التي يعبر عنها النمط الثقافي الهندوسي أعتقت من الصراع الأبدي بين الجنسين الذكوري والأنثوي. بل وذكره ذلك بكهنة المعابد الذين يتماهون برؤوسهم الحليقة مع الراهبات، في شبه جنس ثالث بين الطفيلي والهجين، خالص من دون مثبطات التمييز(ص488)

المقارنة الثانية، تتمثل في تفضيل كلود ليفي ستروس الفن الهندي الحي/vivant والغني والمتنوع، في علاقته بالتدين وانتقاء الألوان واختيار للملابس…الخ، خلافا لاستهجانه فرض المسلمين “ألوانا وحيدة رسمية”. و انتهت المقارنة بكلود ليفي ستروس إلى التساؤل عن الأسباب التي جعلت الفن الإسلامي ينهار بالتمام بمجرد ما يبلغ ذروته. وأجاب بصيغة اليقين: لأنه مر من دون تدرج انتقالي من التصور الهندسي للقصر إلى التصور الهندسي للبازار34، أي أنه ظل دائما يستند على قاعدة الذهب أو الثراء المادي لا الروحي، يزدهر بتوفره وينهار بفقدانه. ولأن الفنان المسلم، المحروم من أي اتصال جمالي بالواقع/le réel في ظل تكفير الصورة، ارتبط إلى الأبد بتعاقد35 أصابه بنزيف أفقده القدرة على التشبيب والخصوبة(ص479-480)

المقارنة الثالثة، عقدها كلود ليفي ستروس بين البوذية والإسلام، وذلك في المستويين التاليين: الأول، في رصد الفارق بين حكيم الهندوس بوذا ورسول الإسلام محمد (ص). وقد اعترف كلود ليفي ستروس في هذا الباب بالتناقض الصارخ والاختلاف البين بين الطرفين وعلى جميع الأصعدة، وبأن وجه التشابه الوحيد بينهما يقتصر على كونهما معا من البشر وليسا من الآلهة. والحكيم في تصنيف كلود ليفي ستروس متعفف وخنثوي ومسالم وقدوة. أما الرسول ففحل بزوجاته الكثر وملتح ومحب للحرب ومبشر. والثاني، في تبيان الفارق بين البوذية والإسلام، من خلال عرض مجموعة من الأمثلة المبنية على المشاهدة والملاحظة والاستنتاج، والدالة جميعها على ترجيح كلود ليفي ستروس نموذج الثقافة-الدينية الوضعية.

المثال الأول، يكمن في أن البوذية في نظره مثل الإسلام، سعت إلى السيطرة على تجاوزات الطقوس البدائية. غير أنها كانت حاملة لبدور الوحدة وواعدة بالعودة إلى حضن الأم- الأصلي والجامع من دون تمييز. لذلك مثلا أدمجت الإثارة الجنسية في طقوسها، بعد أن هذبتها من الرعب والهيجان. أما الإسلام، فقد تطور على النقيض من ذلك في اتجاه ذكوري، إذ أغلق الولوج إلى ذلك الحضن بحبس النساء و تحويل عالمهن إلى عالم مقفل(ص488).

المثال الثاني، ينصب على مكانة التماثيل في كل من الإسلام والبوذية. وقد لاحظ كلود ليفي ستروس أن الإسلام يبعد الأصنام ويكسرها، وأن مساجده عارية وفارغة، لا تكاد الحياة تزرع فيها إلا لحظات تجمع المصلين وهم ذكورا بالأساس لأداء الصلاة وهي معدودة. هذا في حين جمعت المعابد البوذية بين الصور والتماثيل، بل ولم تجد حرجا في مضاعفة أعدادها لأن لا أحد منها بمثابة إله حقيقي، وإنما يؤدي وظيفة استدعائه الرمزي. كذلك كانت المعابد على الدوام و باستمرار عامرة بمجسداتها ومكسوة بألواحها، تبعث الدفء الروحي في حجاجها الباحثين فيها عن زوايا للعبادة و… التأمل(ص491).

المقارنة الرابعة، استنتج من خلالها كلود ليفي ستروس الفارق بين الطابعين الإلزامي للدين الإسلامي والاختياري للبوذية. وضرب على ذلك مثلا من مشهد عايشه، لما زار معبدا بوذيا و قال له مرافقه وهو يسجد أربع مرات أمام المذبح أنه ليس ملزما بالقيام بنفس الأمر مثله. كان رفيقه يعلم انه لا يدين بدينه، كما كان هو نفسه يرفض مسبقا القيام بتلك الطقوس، ليس لعزة النفس وإنما خشية أن يفهم ذلك المرافق انه يعتقدها مجرد تقاليد تفرض الإتباع. ولكن، قول المرافق غير مسبقاته، ووجد نفسه عن اقتناع ومن دون شعور لا يجد حرجا في إنجاز نفس طقوس العبادة وأمام نفس المذبح(ص492-493).

يفسر كلود ليفي ستروس الاختلافات البينة بين باكستان المسلمة والهند البوذية36 في كل المشاهد المعبرة التي ساقها مثالا، بأنها تعبر عن ردود فعل رافضة أبداها النموذج المسلم اتجاه مقابله الهندوسي. ذلك أن انفصال الهند عن باكستان تم في رأيه وفق خطوط حدود دينية صرفة. ولهذا لا تعبر الصرامة و الطهرية37، الممارسة ثقافيا داخل النموذج الإسلامي أي باكستان، عن إخلاص للإسلام بقدر ما تضمر نزوعا إلى تطليق الهند. وبناء على هذا التفسير، لا يجدد تحطيم التماثيل التجربة الإبراهيمية، بقدر ما يحمل دلالة سياسية ووطنية لدولة حديثة العهد بالانفصال لا الاستقلال. وتأسيسا عليه أيضا، فان الإسلام الباكستاني، الدائس على الفن إلى أن أجبره على السرية/le maquis، لا يعبر عن تمسك بالدين بقدر ما يسعى إلى تكفير الهند(ص479).

5- الإسلام المقارن: المعيار الغربي

كان من الطبيعي أيضا لباحث قدم نفسه على أساس أنه “زائر من أوربا وقادم من الغرب”38، أن يستحضر في تقييمه للثقافة الإسلامية من خلال النماذج المشاهدة، معيار الثقافة الغربية التي ينتمي إليها. ركز كلود ليفي ستروس في هذا المستوى من المقارنة على مشهد معبر أفضل في رأيه عن الفارق بين عقلانية الفكر الغربي ولاعقلانية ثقافة الإسلام، وهو الكامن في تمثل الفضاء المخصص للأموات من العظماء. وقد لاحظ كلود ليفي ستروس أن هناك تعارض وتناقض صادم بين فخامة الأضرحة ومساحتها الشاسعة، وبين التصميم الضيق للقبور التي تأويها، والتي تبعث على الضيق والاختناق. وتساءل عن الفائدة من القاعات والأروقة الواسعة التي تحيط بالقبور والتي لا يتمتع بها سوى الأحياء العابرين من الزوار. هذا على خلاف القبر الأوربي الذي يصمم على قدر ساكنه، وفي تناقض مع التمثل الأوربي للفضاء الواجب تخصيصه للعظماء، والذي يتميز بندرة الأضرحة وبتبدي المهارات الفنية الجمالية على القبر نفسه حتى يصير مريحا وممتعا للراقد فيه لا لغيره(ص480).

استنتج كلود ليفي ستروس أن القبر في الثقافة الإسلامية ينقسم إلى فضاءين، الأول منهما صرح رائع لا يستفيد منه الميت، والثاني مرقد حقير يتوزع بدوره بين مقبرية بارزة للعيان ولحد مخفي، وفي كليهما يبدو الميت سجينا. وبذلك قدمت الثقافة الإسلامية حلا متناقضا لقضية الراحة الأبدية والأخروية: رغد شاذ وغير مؤثر من جهة، وضيق خانق وفعلي من جهة ثانية. ولكن هذه الحالة الثانية بالضبط هي التي تلقي بظلالها الثقيلة على نمط الممارسة الثقافية لدى الأحياء. ولذلك جمعت صورة الحضارة الإسلامية بين الترف النادر في الظاهر39 المتستر على بساطة التفكير في العمق، وبين التزمت والتعصب اللذين يطبعان التفكر الديني والأخلاقي(ص480-481).

III استشراق مستتر40

1- أصناف الديانات ومراتب الحضارات

أنجز البشر، في رأي كلود ليفي ستروس، ثلاث تجارب دينية، غايتها التحرر من اضطهاد الأموات وإساءة/عقاب الآخرة ورعب السحر…، وهي البوذية والمسيحية والإسلام. لكن ما يلفت النظر أن كل تجربة لم تسجل تقدما بالمقارنة مع سابقتها، وإنما تراجعا عن مكتسباتها. وهكذا لم تؤمن البوذية بالعالم الأخروي، إيمانا منها بأن النقد الذاتي والحكمة يحرران البشرية ويشكلان دينها. واستسلمت المسيحية للخوف، وأعادت الإيمان بالعالم الأخروي بآماله وتهديداته وأحكامه المطلقة. في حين كرس الإسلام هذا التراجع، حين جمع بين العالمين الروحي والدنيوي، وتزين نظامه الاجتماعي وتباهى بمنظومة سماوية خارقة، وحول ما هو سياسي إلى ديني. وبذلك أضاف الإسلام إلى ثقل الدنيا الساحق ثقل الآخرة المرعب(ص489). تتفوق في رأي كلود ليفي ستروس الحضارة الإغريقية الغربية على ما سواها، كما تتفوق الحضارة الهندوسية بفعل التأثر بها.

يقول في إحدى جولاته بين أطلال شبه الجزيرة الهندية ومآثرها: “استوقفني لمعان عند قدمي، كان لقطعة نقدية كشفت عنها الأمطار الأخيرة، قطعة فضية تحمل نقشا إغريقيا، يفيد اسم ملك إغريقي”(ص475). لم يكن الأمر صدفة كما يوحي بذلك ظاهر الكلام، وإنما اعترافا ضمنيا، من محرر تقرير المنظمة الأممية العرق والتاريخ، بتفاضل الثقافات وأساسا بأفضلية القطعة الجغرافية الثقافية التي تفاعلت إيجابا مع الثقافة الغربية.

اعتقد كلود ليفي ستروس بالفعل في التأثير الإغريقي في الثقافة الدينية البوذية(ص487) التي آثرها على مقابلتها الإسلامية. ونوه غير ما مرة ببصمات الطراز الفني الإغريقي الروماني وبمظاهر استلهام الهندسة الإغريقية في العمارة الدينية الهندوسية(ص474). وبلغ اقتناع كلود ليفي ستروس بهذا الطرح مستوى جعله كلما لاحظ الفن الإغريقي البوذي على الصروح الهندوسية الكبرى، كلما استحضر صور القصور الإسلامية في دلهي وأكرا ولاهور، والتي لم ترقه ولم تستهويه(ص475). لقد كان لوصول الإسكندر المقدوني، مرفقا ومتبوعا بالفنانين المبدعين الإغريق، أثره الكبير في إلهام البوذيين جرأة تصوير آلهتهم و تجسيدها(ص473-475). كما كان لغيره من الغربيين الذين زاروا الهند منذ القرن الأول الميلادي نفس الأثر الفعال. ومع ذلك، لم تفت كلود ليفي ستروس الأنثروبولوجي الفرصة لكي يبدي تحببه للحضارات/الثقافات قبل الغربية. ذلك أن النصب التي شيدت في عصر ومنطقة لم يبلغهما النفوذ والتأثير الإغريقيين أثارت في نفسه مشاعر الانبهار، لأنها تبدو للمشاهد الأوربي خارج الزمان والمكان، وكأنها نحتت بأدوات تلغي الوقت والجغرافيا(ص487).

2- تهمة القطيعة

انتهى إذن الاستنتاج بكلود ليفي ستروس إلى بلورة نظرية مفادها أن الثقافة الغربية أقرب إلى بوذا كناية عن الثقافة الهندوسية منها إلى محمد كناية عن الثقافة الإسلامية، وأن الثقافة البوذية ما هي سوى امتداد وإتمام لأصلها الغربي. وتأسيسا على نظرية التثاقف والتفاعل هذه، حمل كلود ليفي ستروس بالمقابل الإسلام مسؤولية إحداث شرخ وانكسار داخل المجال الممتد من أوربا إلى الشرق، والمتميز بنفس الحضارة المتطورة. عيب الإسلام في نظر كلود ليفي ستروس أنه يعيش حالة تفاوت زمني، لأن ما يعتبره راهنا هو في الأصل متجاوز. وبمعنى آخر، حقق الإسلام إنجازا ثوريا، لكن بما أن هذه الثورة انطبقت على فصيل متأخر من البشرية بلغ مستوى حضاريا متقدما، فإنه لم ينجز سوى زرع واقع أفضى إلى إصابة خصلة الافتراض/الابتكار البشرية بالعقم. كذلك لم تحقق تجربة الإسلام تقدما ما، بقدر ما عاكست المشروع البشري الممتد قبلها من الهند البوذية إلى أوربا الإغريقية – الرومانية. وعيب الغرب، في رأي كلود ليفي ستروس، أنه استسلم للإسلام، لما فرض نفسه بين البوذية والمسيحية، وانساق إلى مواجهته بدءا من الحروب الصليبية، فانتهى حاله إلى التشبه به. لو لم يوجد الإسلام، لاستمر التأثير المتبادل بين البوذية والغرب. ولكن، وجوده أفقد الغرب فرصته في أن يظل أنثى ولود غير عاقر(ص490).

تعايشت طيلة قرون في شبه الجزيرة الهندية ثلاث من أكبر التقاليد الروحية المنتمية إلى العالم القديم، هي الهيلينية والهندوسية والبوذية. وأبدع هذا التعايش، حسب كلود ليفي ستروس وبفضل استلهام النموذج الإغريقي بالأساس، منجزات رائعة وفريدة، إلى أن غزا الإسلام المنطقة لكي لا يغادرها أبدا(ص474). وتساءل كلود ليفي ستروس بالتالي “ترى ما كان سيكون عليه الغرب لو أن محاولات التوحيد بين العالمين المتوسطي والهندي نجحت وبصفة دائمة؟ هل كان بالإمكان وجود المسيحية والإسلام؟ إن ما يحيرني وجوده بالأساس هو الإسلام”(ص475).

والقطيعة التي تسبب فيها الإسلام لم تكتمل بعد، وبالتالي بالإمكان أن يتحقق مصير آخر غير ذلك الذي يخشاه كلود ليفي ستروس. غير أنه مصير يمنعه الإسلام بتشييده حاجزه الخاص بين شرق وغرب فقدا التمسك بمجال مشترك تغوص فيه جذورهما(ص487). وتتخذ القطيعة الثقافية والحضارية التي تسبب فيها الحدث الإسلامي، حسب كلود ليفي ستروس، فضلا عما سبق أشكالا عقلية بنيوية.

الشكل الأول، في علاقة الإسلام بالخراب المتجدد والتراكم والاستمرارية. والشاهد حسب كلود ليفي ستروس حال العاصمة الإسلامية دلهي، التي رأى فيها مجرد فلاة مفتوحة للرياح، تتبعثر فوقها المعالم الأثرية كما لو أنها رقعة نرد. وذلك لأن كل سلطان أراد أن يشيد مدينته الخاصة، كان يهجر ويهدم السابقة، ويعيد استعمال موادها. وهكذا لم توجد دلهي واحدة بل اثني عشر أو أكثر، مبعثرة وضائعة يفصلها عن بعضها البعض عشرة كيلومترات41. اعتبر كلود ليفي ستروس هذه الحالة موقفا للإسلام من التاريخ. وأضاف أن هذا الموقف أصابه بالحيرة، لكونه مضاد لموقف الغرب الذي ينتمي إليه، بل ولأنه حمال لتناقض جلي، إذ كيف يمكن التوفيق بين الرغبة في بناء تقليد جديد وبين النزوع في نفس الآن إلى هدم وتخريب كل تقاليد سابق، بين رغبة كل سلطان في الخلود وبين تأسيس هذه الرغبة على إلغاء الاستمرارية(ص476).

الشكل الثاني، في موقف الإسلام من الآخر. والشاهد المعبر حسب كلود ليفي ستروس، هو عادات الأكل عند المسلمين. ذلك أن هؤلاء مثل جماعات دينية متنوعة ومنها الهنود يأكلون بأيديهم. لكن الفارق أن المسلمين اتخذوا من هذه العادة نظاما/ système معبرا، من دون وعي ولكن بفطرة ممنهجة مقعدة على فرض ديني شاد، عن الرغبة في نفس الآن في الاختلاط والنزوع نحو التفرد والاختلاف. إذ الأكل عندهم باليمنى الطاهرة دون اليسرى النجسة، مقياس لتمييز الطاهر من المدنس وسط المجتمع الواحد. نفس الاختيار عكسته في رأي كلود ليفي ستروس مؤسسة/ institution البرقع، أي حضور النساء كجماعة طاهرة/شريفة، ولكن بتمييزهن عن الأخريات المدنسات/المتبرجات(ص482-483). ونفس الاختيار أيضا عكسته طهرانية الإسلام في المستوى الجمالي، والتي تأرجحت بين النزوع إلى “إلغاء المشاعر”، وبين الانتهاء إلى التخلي عن هذا الاختيار بالاكتفاء بتقليص الإحساس بالجمال إلى مستواه الأدنى. ونفس الغموض واللبس لاحظه كلود ليفي ستروس في المستوى الأخلاقي دائما وهو يناقش مسألة التسامح، إذ تبين له أن نزوع الإسلام إلى التبشير المطبوع بالعنف يخفي في الواقع رغبة ملحة في الاتصال بالغير(ص481). ولا تعكس الأمثلة حيرة المسلم بقدر ما تكشف عن خوف وقلق من الآخر(ص483). كما فيهما دلالة على فهم خاص وقاصر للنقاء.

يقدم كلود ليفي ستروس تفسيرا لحيرة المسلم بين الانغلاق والانفتاح وبين القطيعة والاستمرارية، يفيد أن ما يضمن البقاء والاستمرار لنمط عيش المسلمين هذا هو شعورهم بالتهديد من طرف أنماط عيش مغايرة، تتمتع بحرية أوسع وبمرونة اكبر، وبإمكانها إتلاف وإفساد نمط عيشهم بمجرد أول تماس واحتكاك(ص481). الإسلام في نظر كلود ليفي ستروس، بالرغم من كونه دينا عظيما، لا يتأسس على مسلمة رسالة سماوية، بقدر ما يتأسس على عجزه عن ربط علاقات خارجية. والشاهد على ذلك تبني انعدام التسامح الإسلامي شكلا مبسطا، مناقضا للبعد العاطفي الكوني عند البوذيين ورغبة الحوار لدى المسيحيين. صحيح أن المسلمين لم يسعوا دائما إلى إجبار الآخرين على اعتناق حقيقتهم/ديانتهم. لكنهم، وهذا اخطر، عاجزون عن تحمل وجود الآخر كآخر. والحل الوحيد لديهم، للاحتماء من الشك والذل، يكمن في إلغاء/ إعدام هذا الآخر الشاهد على دين مخالف وسلوك مغاير(ص484).

ومن هذا المنطلق، وعوض الحديث عن تسامح المسلمين، من الأفضل قي رأي كلود ليفي ستروس القول بأن هذا التسامح، في حال وجوده، يمثل انتصارا مؤكدا على المسلمين أنفسهم. ذلك أن رسول الإسلام وضع المسلمين في حالة أزمة مستمرة، متمثلة في التعارض بين الإيمان بالبعد الكوني لرسالته والقبول بتعدد العقائد الدينية. ولا يمكن للمسلمين، اعتمادا على عقيدتهم، التغلب على الصراع المتولد من حالة المفارقة هاته، حالة القلق من جهة والاطمئنان من جهة ثانية. والعجز عن التوفيق بين طرفي المعادلة هو ما عبر عنه أحد الفلاسفة الهنود لكلود ليفي ستروس بالقول: “المسلمون يفخرون بما يبشرون به من قيم كونية ذات قيمة أخلاقية سامية42، ويدعون في نفس الآن أنهم الوحيدون الذين يمارسونها”(ص481).

دفعت هذه العقلية المسلمين، في شبه الجزيرة الهندية زمن المداريات، إلى مأساة جماعية. وذلك لما اختار الملايين منهم، لحظة الانفصال الكبير عن الهند، التخلي من دون رجعة عن ملكياتهم وثرواتهم ومهنهم وعائلاتهم وأرض أجدادهم وقبورهم ومشاريعهم المستقبلية. كل ذلك حتى يعيشوا وسط مسلمين، ولأنهم لا يشعرون بالاطمئنان إلا وسط مسلمين(ص484). 3- الإسلام فوبيا

يقدم كلود ليفي ستروس نفسه في ثنايا الكتاب تفسيرات ضمنية لمواقفه من الإسلام دينا وثقافة. ذلك أنه اعترف في مناسبة أولى بأن وجود الإسلام دون غيره من الديانات الوضعية والسماوية يصيبه بالحيرة(ص475-476). وأقر في مناسبة ثانية بأن الإسلام يمثل الشكل الأكثر تطورا ونضجا للفكر الديني، ومع ذلك ليس هو الأفضل، بل إنه لهذا السبب يبعث على القلق أكثر من الديانات الأخرى(ص489). وقال في مناسبة ثالثة: “أعرف سبب مضايقتي من الإسلام، أي غرب الشرق. أرى فيه العالم الذي انتمي إليه. كان علي أن التقي بالإسلام لأدرك المخاطر التي تحدق حاليا بالفكر الفرنسي. أنا مضطر إلى ملاحظة أن فرنسا تتحول تدريجيا إلى النموذج الإسلامي. لقد أصبحنا مثل المسلمين ذوي قناعات متشددة وفكر طوباوي وبسيط: يكفينا للتخلص من مشاكلنا أن نحلها على الورق، نكون صورة عن المجتمع و العالم بعيدة عن العقلانية القانونية والمقعدة، نسقط موروثاتنا الفكرية43 على وقتنا الراهن ونعود حبيسيها، نحول نابليوننا44 إلى محمد، نكرس حقيقة أن كل ثورة مصيرها أن تتحول إلى محافظة، ندفع الثائرين إلى التوبة… أنا ارفض هذه الصورة التي ترغمني على الاعتراف بمدى تأثير الإسلام في التفكير والثقافة الفرنسيين”(ص485-486)، صورة أن الإسلام أسلمنا/ nous a islamisé”(ص490).

IV وجهة نظر

قد لا يتحمل القارئ نقد كلود ليفي ستروس”الاستفزازي” للإسلام و المسلمين، ويتبادر إلى ذهنه أن من الواجب الرد عليه فكرة فكرة، في حواشي لا تعد وتعليق لا ينتهي. وقد تفسد هذه الردود، وهي ميسرة، حجج حديث الإسلام كلها وتضعف قضية صاحبها. لكن من شأن كل قراءة، مبنية على مثل هذا المنهج، إبعاد النص عن قصديته المتمثلة في تقديم قراءة مركبة لحديث الإسلام في المداريات الحزينة، من دون الانتهاء إلى إنتاج وصياغة نص ذي حجج مغايرة وقضايا مخالفة. لذلك يقتصر كاتب هذه القراءة على إبداء ملاحظات يعتقدها كفيلة بوضع الحديث في سياقه وبتقريب فكر صاحبه من قرائه.

1- كتب كلود ليفي ستروس، في رسالة بعثها إلى المفكر الاجتماعي ريمون آرون : “ولدت لدي اتصالاتي المحدودة بالعالم العربي نفورا/antipathie راسخا منه”45. يبين هذا الاعتراف46، إضافة إلى المبررات التي سيقت في المداريات، أن مؤسس الأنثربولوجية البنيوية لم يكن ذا صلة، ثقافية على الأقل، بمهد الرسالة المحمدية وفضائها الأول، الشيء الذي انعكس على شكل البناء المعرفي لحديث الإسلام في الكتاب. وترتب على هذا الاختيار المقصود عدم تمييز صاحب المداريات، وهو يتحدث عن الإسلام بـI majuscule، ومن حيث المنهج على الأقل، بين ثقافة الأسطورة الشفهية وثقافة التاريخ النصية. ذلك أنه لم يغير أدواته المنهجية حينما ولج دائرة الإسلام وفضائه، المؤسس في الأصل على ثقافة كتابة وتاريخ. وظل، وهو ينتقل بمشاهداته وملاحظاته واستنتاجاته من مجتمع القبيلة البدائي إلى مجتمع الدين السماوي، مستأنسا بغموض الأسطورة بعيدا عن البحث في العقيدة والتاريخ…ظل مسكونا بـ المجتمعات الباردة، حيث ينتفي الزمن وينطق الصمت. في حين أنه تحول إلى مجتمع ساخن47، تهيمن فيه ثقافة النص والكتاب، ويطفح منه الحدث والخبر، ويحكمه استرسال التاريخ مدا وجزرا.

طرح كلود ليفي ستروس، قبل المداريات، سؤال العلاقة بين الأنثروبولوجيا والتاريخ، وأقر بوجود نوع من التكامل بينهما، لكون المؤرخ ينظر إلى الواضح الواعي، والأنثروبولوجي يلاحظ الغامض اللاواعي. كما دعا إلى التخلص من الارتقائية/l’Evolutionnisme ومن التعميمية/ Diffusionnisme، بتبني أنثروبولوجية تأخذ بعين الاعتبار تاريخانية الثقافات وخصوصياتها48. ثم أشار في المداريات إلى أنه شعر، وهو يصعد أودية شبه الجزيرة الهندية، وكأنه ينزل مع مجرى التاريخ(ص473). ورفض مقارنة البوذية والإسلام، اعتبارا لتفاوت الزمن بينهما(ص487). وبالرغم من هذه الإشارات49، اعترف كلود ليفي ستروس بضحالة معرفته وتواضع معارفه في تاريخ الشرق وآدابه ولغته، مما أجبره على التفكر في المعالم الإسلامية التي فرضت نفسها عليه بنفس المنهج والأدوات التي سخرها في دراسة مقابلتها البدائية(ص475).

2- دافع كلود ليفي ستروس، قبل المداريات، عن مقولات تساوي الأعراق والحضارات، ونسبية الفروق بين الثقافات وتنوعها، ووحدة العقل البشري. كما رفض الأطروحات المروجة لتفاضل الثقافات اعتمادا على منهج المقارنة وتأسيسا على مركزية الغرب50. ومع ذلك، وظف وهو يتحدث عن الإسلام في المداريات، منهجا مخالفا بل ومعاكسا، لما فاضل بين الثقافتين الإسلامية والهندوسية، وحينما وزن الأولى بناء على الفارق بينها وبين الثقافة الغربية51.

3- أعاد كلود ليفي ستروس، بعد ثلاث عقود من الزمن، مقولات مواطنه هنري بيرين52، حول مسؤولية الإسلام في إحداث قطيعة وشرخ داخل العالم القديم المتميز قبله بنفس الثقافة والمتمتع بحرية انتقال البضائع والأفكار و الفنون…وإذا كان مؤسس الأنثروبولوجية البنيوية، كما لاحظنا، قد اتهم الإسلام بإحداث هذه القطيعة بين الحضارتين الغربية والهندوسية، فإن المؤرخ البلجيكي سبق وألصق به نفس التهمة ولكن داخل العالم المتوسطي القديم. ذلك أن الإسلام، من وجهة نظره، حطم عند ظهوره وانتشاره وحدة هذا العالم، حيث فصل بين شرقه وغربه، وأنهى وضعه كفضاء للتبادل بين أوربا وإفريقيا والشرق، وحول البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إسلامية، وأجبر الغرب على أن يعيش حالة عزلة وانغلاق…53. تأثر كلود ليفي ستروس، مثل عدد كبير من مثقفي عصره، بأطروحة هنري برين وشبيهاتها الرائجة بقوة زمن المداريات. فوضع نفسه، كما صرح بذلك هو ذاته، ضمن “مجموع المثقفين الكبار الذين انكبوا على دراسة المجتمعات الإسلامية، وأصدروا في حقها تحفظات بل وانتقادات لاذعة”.

4- توضح خرجات كلود ليفي ستروس الإعلامية، ما بعد المداريات، وعلى نذرتها، موقفه من الإسلام دينا وثقافة ومجتمعا. ذلك أنه صرح سنة 1988، بأن الأشهر القليلة التي قضاها في باكستان الكبرى مطلع الخمسينيات لم تنته به إلى التعلق بالإسلام، وبأن ما جاء في المداريات يعد اعترافا بهذا الشعور54. كما بين سنة 2002، بأن ما صاغه في المداريات يعبر عن تفكره هذه الديانة، وبأن اللغة القاسية جدا التي استعملها غير بعيدة عن تلك التي استعملها ميشيل هويلبيك، في حق الإسلام وحوكم قضائيا بسببها55. واستنتج بالاستتباع بأن هذه المتابعة القضائية لم تكن مقبولة ولا حتى مطروحة زمن المداريات، أي في خمسينيات القرن الماضي. واستخلص من هذا التطور بان فرنسا/ الغرب مهددة بالإصابة بعدوى داء عدم التسامح الإسلامي لما تنازل56 في مواجهته عن منظومتها العلمانية الصرفة والصلبة. وأكد أن من حق المفكر نقد الدين وانتقاده، من منطلق مسلمة حق التعبير عن الفكر والرأي57. ورفع سنة 2003 التناقض والمفارقة اللذين قد يستشعرهما متتبع مواقفه. حيث ذكر أنه نصب نفسه شاهدا فيما مضى على العدوان الذي مارسته الثقافة الغربية على غيرها من الثقافات، وأنه ترافع للدفاع عن هذه الأخيرة. ثم أوضح أن الوضع انقلب لما أصبحت الثقافة التي ينتمي إليها في حالة دفاع أمام التهديدات الخارجية ومن بينها على الأرجح الانفجار الإسلامي. ومن هذا المنطلق وبناء على هذا الاقتناع شعر بأن عليه الدفاع بقوة وإثنولوجيا عن ثقافته الخاصة58.

5- زار كلود ليفي ستروس شبه الجزيرة الهندية لحظة الانفصال الكبير بين الهند وباكستان مطلع الخمسينيات، وشاهد ما ترتب عليه من مآسي اجتماعية وثقافية. ويتبين بوضوح كبير من حديث الإسلام في المداريات أن مؤسس الأنثروبولوجية البنيوية، مثل غالبية مثقفي الغرب آنذاك، تعاطف مع الدولة والثقافة الأصل، أي الهند والهندوسية، بل وتحمس لهما أحيانا تأسيسا على المشاعر والأحاسيس والأذواق، و بعيدا عن الحياد الأنثروبولوجي.

وحرر كلود ليفي ستروس المداريات في منتصف الخمسينيات الساخن في العالم العربي، لحظة انفجار الحركة التحررية، بدءا من نجاح الثورة الناصرية وإنجازاتها ومرورا باقتراب مستعمرات بلده فرنسا من نيل استقلالها و انتهاء باندلاع أولى شرارات الثورة الجزائرية. ولن يجانب القارئ الصواب إن استحضر هذا المناخ السياسي والثقافي وهو يعلل ما جاء من حديث عن الإسلام في المداريات. والشاهد، التوظيف المبكر والدال لهذا الحديث وفي هذه الظرفية. ذلك أن كلود ليفي ستروس دعا في المداريات بلده فرنسا إلى التحلي بالشجاعة وإدماج مسلمي الجزائر في المجتمع الفرنسي ومساواتهم في الحقوق مع مكوناته الأصلية، أسوة بما أقدمت عليه أمريكا لما أدمجت قبل قرن من الزمن فئات مهاجرة ذات مستوى اجتماعي وثقافي متواضع(ص486). وقد استنجد بيير مينديس وفرانسوا ميتيران، في سنة صدور المداريات، بهذه الدعوة “الجريئة”، وطلبا من صديق صاحبها، الإثنولوجي جاك سوستيل، الإشتغال على إيجاد وسائل تنفيذها في الجزائر الثائرة59.

قد يعد حديث الإسلام في المداريات من المناطق الخطرة الملتبسة بل ومن الزوايا المظلمة في فكر كلود ليفي ستروس60. خصوصا وأنه اعتبر، وإلى غاية وفاته، الكتاب محاولة لإدماج ذاته الملاحظة في الأشياء التي يلاحظها، ولإنتاج “حقيقة علمية” أكبر من مثيلتها في الكتب الموسومة بالموضوعية61. وقد يؤاخذ مؤسس الأنثروبولوجية البنيوية لإصداره أحكاما معممة ومطلقة، في حق دين معقد وبعيد عن التبسيط، وعلى حضارة متنوعة الأجناس والثقافات بل والتجارب والمحصلات التاريخية. ومع ذلك يدفع حديث الإسلام في المداريات القارئ إلى ملاحظة أن نفس القضايا والأسئلة التي جاءت فيه لازالت حاضرة وبحدة أقوى في زمننا الراهن62، بل وإلى استنتاج أن الإسلام الآسيوي هو من يصنع الحدث ومنذ زمن بعيد… ومن هذا المنطلق يستشعر نفس القارئ وكأن الكتاب بــ “هفواته” يقرؤه أكثر مما هو قارئه. و مهما كان الاختلاف مع كلود ليفي ستروس، فلا يسع قارئه أيضا إلا أن يقف طويلا عند الصفحات الأخيرة من الكتاب(ص493-497)، التي تكشف عن مروره مطلع الخمسينيات من أزمة وجدانية ومعرفية حادة، بصمت وقتها من دون شك ما فهمه وحبره عن الإسلام والمسلمين. لقد كانت الأزمة تمزقا بين يقينياته وقناعاته القديمة وبين نزوع مضطرد ومتنام إلى الانفصال عنها. وكانت مترتبة على شعور بالعجز أمام عالم بلغت قيمه من الكثرة مستوى لم يعد بالإمكان أن يتحكم الفكر فيها63. وتجدد هذا الشعور، إن لم يكن استرساله وترسخه واتساعه، يفرض أن تكون قراءة حديث الإسلام في المداريات، وهي أشبه باليوميات القلقة والمتسائلة، أبعد ما يكون عن الحكم المتسرع والمعمم على الكتاب وصاحبه… كما أن القيمة العلمية لإنتاج مؤسس الأنثروبولوجية البنيوية الغزير والمتنوع، بغض النظر عن حمولة الوريقات المعدودة التي ورد فيها الحديث عن الإسلام، تفرض أن يفرق القارئ ويميز داخل مطبخه64 بين النيئ و المطهي65… بين الرماد و العسل66.

الهوامش:

1- لهذا السبب غابت دراسات علمية ومفصلة عن هذا الجانب من إنتاج كلود ليفي ستروس.

2- Lévi- Strauss (Claude), Tristes tropiques, collection Terre humaine, Paris – Plon et Pocket, 2009, 504 pages.

3- اطلع كاتب هذه القراءة على حديث الإسلام في المداريات صدفة خلال رحلة عودة من الدراسة في فرنسا أواخر الثمانينيات من القرن السابق. ذلك أنه حمل معه في طريق العودة، وكانت طويلة آنذاك، كتاب كلود ليفي ستروس الذي أهداه إياه أحد المثقفين الفرنسيين، فاكتشف أن رؤوس الصفحات التي ورد فيها الحديث طويت بعناية، في إشارة ربما إلى ضرورة الاطلاع عليها قبل غيرها…

4- ورد عنوان الكتاب في النصوص العربية في صيغ متعددة. ومنها آفاق حزينة ومدارات حزينة ومداريات حزينة. ولم ينتبه أصحاب هذه النصوص إلى خلو القواعد اللغوية الفرنسية من صيغ المثنى. والصيغة الأصح ترجمة ومعنى هي مداران حزينان، في دالة كما يتبين من مضمون الكتاب على الفضاءين الجغرافيين والثقافيين أمريكا وآسيا. وقد احتفظنا بصيغة مداريات لكونها الأكثر تداولا والكفيلة بإثارة انتباه القارئ.

5- جاء الحديث عن الإسلام في الفصلين الأخيرين من الكتاب، أي 39و40 اللذين يحملان عنواني Taxila وVisite au Kyong. وهما جزءان من القسم التاسع والأخير الذي يحمل عنوان Le Retour. والكل فقرات معدودة من الصفحات 472-497 في النص الفرنسي.

6- الملاحظ على اللغة، التي صاغ بها كلود ليفي ستروس فقرات حديثه عن الإسلام، أنها قابلة لترجمة مجانبة للصواب وفهم معكوس. وكثير هم الباحثون الذين أخطأوا الاستشهاد بما جاء في المداريات عن هذا الحديث.

7- ليفي-ستروس (كلود)، مداريات حزينة، ترجمة محمد صبح، دمشق- دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية، 2003.

8- كتب الناشر مرة واحدة ” جرى حذف بعض الفقرات من هذا الفصل، ويمكن للقارئ العودة إليها في النص الفرنسي”. انظر: نفسه، ص.492.

9- وهي بكثير الأهم من حيث المضمون والأطول من حيث الحيز المكتوب. ونتيجة لهذا التشويه، لا يعتمد النص المترجم.

10- أسقط مترجم الكوميديا الإلهية، حسن عثمان، من الترجمة جزءا من نص الجحيم، حيث يصور دانتي مآل الرسول (ص) والإمام علي بن أبي طالب. انظر: دانتي (اللجيري)، الكوميديا الإلهية، ترجمة حسن عثمان، الجزء الأول: الجحيم، مصر- دار المعارف، 1955، ص.371 وما بعدها.

11- مثل مطالبة مسلمي أوربا والجاليات المسلمة في هذه القارة بحق ارتداء البرقع والحجاب وتشييد المآذن ورفع الآذان…

12- مثل تدمير طالبان التماثيل الهندوسية وفرضهم ارتداء البرقع، في دالة على الانغلاق ورفض الآخر…

13- الإنسانية، عين الشق-الدار البيضاء، في 22 يونيو 2009.

14- يعتبر الفصل السابع، الذي يحمل عنوان غروب الشمس، الشاهد على هذه النية، كما صرح بذلك كلود ليفي ستروس نفسه.

15- الكتاب أقرب إلى السيرة الذاتية المصاغة في قالب أنثربولوجي. وقد استدل بمنهجه واستشهد بنصوصه وحاكى قضاياه الأنثربولوجي عبد الله حمودي، في كتابه حكاية حج: موسم في مكة. انظر:

Hammoudi (Abdellah), Une saison à la Mecque: Récit de pèlerinage, collection La couleur des idées, Paris- Seuil, 2005.

16- Le grand livre de l’ethnologie contemporaine: Lévi-Strauss, Tristes, op.cit., couverture.

17- رتب كلود ليفي ستروس الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنثروبولوجية وفق منظومة منهجية مرحلية و متدرجة: تتمثل الإثنوغرافية في التحري الميداني، وتنجز الإثنولوجية مرحلة أولى من المقاربة الشمولية لمجتمع ما، وتحقق الإنثربولوجية تركيبا مقارنا لثقافات مختلفة. انظر :

Lévi- Strauss (Claude), Œuvres, collection bibliothèque de la Pléiade, Paris- Gallimard, 2008, Préface de Vincent Debaene, pp. X-XI, note 1.

18- حرر كلود ليفي ستروس مداريات حزينة، بين 12 أكتوبر 1954 و05 مارس 1955، أي بعد أربع سنوات من الرحلة إلى شبه الجزيرة الهندية، وذلك اعتمادا على كراسة ميدانية/ Un carnet de terrain .

19- يتعلق الأمر بجزأي باكستان الغربي والشرقي اللذين شكلا، بعد تحرر شبه الجزيرة الهندية، دولة واحدة سنة 1947. وقد دخلت هذه الدولة في نزاعات حدودية مع الهند. وحمل جزؤها الشرقي اسم بنغلاديش عند الانفصال سنة 1971.

20- كلفت اليونسكو كلود ليفي ستروس، سنة 1950، بمهمة في باكستان تتعلق بموضوع العلوم. ويذكر المؤلف أنه كان في المنطقة في شهر شتنبر 1950. انظر: Lévi- Strauss, Tristes, op.cit., p. 491

21- فضلا على الإكراهات الأخرى التي كانت تواجهها باكستان الكبرى، وذات الصلة بالمجال والمناخ والإنسان.

22- لاحظ المؤلف مفارقة أن باكستان الكبرى، التي كانت تتطلع إلى احتضان كل مسلمي شبه الجزيرة الهندية، لم تستطع إيواء سوى 40 مليون مسلم منهم، أي 40%.

23- Lévi-Strauss (Claude), « Le Pakistan: foyer spirituel, réalité nationale », Le Courrier de l’UNESCO, volume IV, n°5, mai 1951, p. 5.

24- أي في بنغلاديش الحالية، على الحدود مع برمانيا.

25- لنا عودة إلى دلالة فراغ المساجد مقارنة بعمارة المعابد، عند تحليل حديث الإسلام في المداريات.

26- جلال الدين أكبر، ثالث الأباطرة المغول في شبه الجزيرة الهندية وجد شاه جيهان. لقب بالإمبراطور العظيم، وحكم ما بين السنتين الميلاديتين 1556 و1605 ( القارئ).

27- Lévi-Strauss (Claude), « Les sciences sociales au Pakistan », Bulletin international des sciences sociales, volume III, n°4, n° spécial Asie du Sud-est, 1951, pp.885-892; Idem, « L’Asie possède sur l’Europe une créance matérielle et morale », Le Courrier de l’UNESCO, volume V, n°6, juin 1952, p. 10.

28- من هدا المنطلق وفي لغة كلود ليفي ستروس المراوغة، لا يحيل المنظر الذي كان ينتظره على “قاعة الانتظار” بقدر ما يحيل على تتمة مفصلة لهذا المشهد.

29- بنا القلعة الحمراء خامس الأباطرة المغول شاه جيهان، لتكون قصرا ومقرا للحكم وديوانيه، وذلك سنة 1639، بعد أن اختار دلهي عاصمة عوض أكرا. وقد وصفها شاعر فارسي بقطعة الجنة الفردوس ( القارئ).

30- يوجد تاج محل في أكرا. وقد أمر ببنائه الإمبراطور المغولي شاه جيهان سنة 1632م ، ودامت الأشغال فيه أزيد من اثنتين وعشرين سنة. وهو بالإضافة إلى كونه يخلد قصة حب فريدة، يعد من أروع الأعمال الهندسية الإنسانية ( القارئ).

31- يوجد المسجد الجامع أمام القلعة الحمراء في دلهي. وهو أضخم مساجد الهند التاريخية، ومزيج من الفنين المعماريين والجماليين الهندوسي والإسلامي. استغرق بناؤه بأمر من الإمبراطور المغولي شاه جيهان ما بين السنتين الميلاديتين 1644و1658 ( القارئ).

32- توجد في صحن المسجد الجامع بدلهي غرفة صغيرة بيضاء معبقة برائحة البخور، تضم في خزائن محكمة ما يعتقد بأنه شعرة من لحية الرسول (ص)، ونعله المصنوع من جلد الغزال مغطى بالورد، وصفحات من القرآن الكريم كتبت بالخط الكوفي على جلد الغزال بيد الإمامين علي بن أبي طالب وابنه الحسين. ويعتقد أن أباطرة الهند المغول نقلوا هذه الآثار المقدسة من خزائن العباسيين، وحافظوا عليها في قصورهم إلى أن نقلوها إلى المسجد الجامع بعد بنائه. وقد توارث أسرة من القيمين الشيوخ مهمة رعاية هذه المحفوظات الشريفة، التي يمنع تصويرها. ويوجد شبيه مماثل لهذه الآثار المنسوبة للرسول في مساجد مصر وتركيا الجوامع ومقاماتها (القارئ).

33- يتعلق الأمر بمنحوتات جدارية في معابد خاجوراي/Khajurâho الهندوسية بالهند. وهي المعروفة بتماثيل الحب والجنس، وتجسد رجالا ونساء يمارسون الجنس في أوضاع ومشاهد إباحية متعددة ومتنوعة (القارئ).

34- البازار/Bazar اسم عريق من أصل فارسي. ويدل على سوق متنوع البضائع، وأهمها حلي الذهب والأحجار النفيسة والتوابل…الخ (القارئ).

35- يقصد العلاقة الوطيدة والدائمة بين المسلم وعقيدته.

36- في دالة التصنيف الثقافية لا الجغرافية.

37- واسم باكستان بالمناسبة مشتق لغة من الطهارة والطهرية.

38- انظر مداخل هذه القراءة أعلاه

39- ممثلا في قصور من الأحجار الكريمة ونفورات ماء الورد وأطعمة مقدمة في أوراق من ذهب وتبغ ممزوج…

40- العنوان من وحي السؤال الذي طرحه الزميل ذ. أحمد بوحسن عند مناقشة النسخة الأولى من هذا العرض، في اليوم الدراسي الذي نظمه رباط الكتب ومختبر المغرب والعوالم الخارجية: التاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية، واحتضنته كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدار البيضاء- ابن مسيك، في 29 مايو 2010. ومعلوم أن الإستشراق ولد من رحم الأنثروبولوجية، كما أن الصروح المعمارية المغولية وسلوكيات المعمرين الإنجليز فيها ذكرت كلود ليفي ستروس بــ “عالم ألف ليلة و ليلة”، ودفعته إلى التندر والتهكم. انظر: Ibid., pp. 477-478

41- دهلي أو دلهي تعني التربة اللينة. وقد تعاقبت فوق دلهي القديمة أكثر من سبع مدن، مذ نشأتها سنة 918م (القارئ).

42- أي الحرية والمساواة والتسامح…

43- ظل الإسلام في رأيه حبيس عقيدة تعود إلى سبعة عقود.

44- في إشارة إلى ثقل إرث عصر نابليون القانوني والثقافي في المجتمع والدولة الفرنسيين زمن كتابة المداريات.

45- Lettre à Raymond Aron datée en 1967: in Aron (Raymond),Mémoires: 50 ans de réflexion politique, 2 volumes, Paris- Julliard, 1983.

46- جاء هذا الاعتراف في سياق تباين مواقف فرنسا، حكومة ومثقفين وإعلاميين، من الحرب الإسرائيلية- العربية سنة 1967. وتتضمن الرسالة اعتراض كلود ليفي ستروس، اليهودي الأصل، على حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، لكونها تشبه في شراستها وغاياتها حرب الإبادة ضد الهنود الحمر في أمريكا. وقد أقر مؤسس الأنثروبولوجية البنيوية، بعد عقدين من الزمن، بأنه تعمد صيغة المبالغة في هذا الاعتراف وترك لقلمه العنان، وذلك حتى لا يثير غضب زميله في الأصل والفكر ريمون آرون ولا يولد لديه إحساسا بأنه متعاطف مع العرب. انظر: Lévi-Strauss (Claude) et Eribon (Didier), De près et de loin, Paris- Odile Jacob, 1988. 47- فرق كلود ليفي ستروس في كتابه العرق والتاريخ، الصادر بطلب من اليونسكو سنة 1952، بين الثقافات الساكنة والثقافات التراكمية. وميز في الدرس الافتتاحي، الذي ألقاه سنة 1960 في كوليج فرنسا (Collège de France)، بين المجتمعات الساخنة والمجتمعات الباردة. انظر: Lévi-Strauss (Claude), Race et histoire, Paris- UNESCO, 1952; Idem, Leçon inaugurale au Collège de France le 5 janvier 1960, n°31, publication du Collège de France.

48- Lévi-Strauss (Claude), Histoire et ethnologie, in Revue de métaphysique et de morale, tome 54, n° 3-4, 1949, pp. 363-391; texte repris dans Anthropologie structurale, Paris – Plon, 1958, 3-33.

49- والتي يمكن أن نضيف إليها علاقة كلود ليفي ستروس الإدارية والعلمية بعدد من كبار المؤرخين زمن المداريات. ومن بينهم لوسيان فيفر (Lucien Febvre) وفيرناند بروديل (Fernand Braudel).

50- شارك كلود ليفي ستروس سنة 1949 في هيئة الخبرة العلمية التي عهدت إليها اليونسكو بمهمة صياغة بيان المنظمة الأممية حول العرق. ونص البيان، الذي نشر سنة 1950، على وحدة الجنس البشري وتساويه والطابع النسبي للتراتبية العرقية. كما رافع مدافعا عن قيم تساوي الثقافات في كاتبه العرق والتاريخ. انظر: Déclaration d’experts sur les questions de race, Paris- UNESCO, le 20 juillet 1950, 6 pages; Lévi- Strauss, Race, op.cit.

51- ذهبت بعض الدراسات إلى أن كلود ليفي ستروس ابتعد نسبيا عن الموقف والمنهج الأنثروبولوجيين، العلميين المحايدين، لما بدأ يتحدث عن حق التمييز القيمي بين الثقافات وعن تراتبيتها في نصيه العرق والثقافة والنظرة المبتعدة. انظر: Lévi-Strauss (Claude), Race et culture, Paris- UNESCO, 1971; Idem,Le regard éloigné, Paris -Plon, 1983.

52- ولدا معا في مدينة بروكسيل البلجيكية.

53- Pirenne (Henri), « Mahomet et Charlemagne », in Revue belge de philologie et d’histoire, 1922; Idem, Mahomet et Charlemagne, Bruxelles, 1937.

54- Lévi-Strauss et Eribon, De près, op.cit

55- يتعلق الأمر بالمواقف العدائية للإسلام التي عبر عنها هذا الكاتب في جريدةLe monde ومجلة Lire، في شهري غشت و شتنبر 2001، والتي جرت عليه نقمة ودعاوى مسلمي فرنسا.

56- في إشارة إلى رفضه اقتراح لجنة ريجيس دوبري(Régies Debray) إدراج تدريس مادة تاريخ الديانات في المدرسة الفرنسية.

57- Eribon (Didier), « Visite à Lévi-Strauss », in Le nouvel observateur, 10-16 octobre 2002, pp.134-136.

58- Grisoni ( Dominique – Antoine), « Un dictionnaire intime », inMagazine littéraire, hors série Lévi-Strauss: l’ethnologie ou la passion des autres, n°5, 2003.

59- وقد حالت القوى المحافظة داخل الجمهورية دون نجاح هذا المخطط

60- ومنها موقفه من “واجب” إدماج الشعوب البدائية/المتخلفة في منظومة الحداثة والتقدم، ما دامت مجتمعاتها عرفت كيف تحقق البقاء منذ قرون في توازن مع محيطها الطبيعي وبفضل معتقداتها الخاصة.

61- Doc. vidéo: Ina. Fr

62- ومن هنا قد يستشعر القارئ أهمية أسئلة/ملاحظات كلود ليفي ستروس، مقابل نسبية أجوبته/نظريته

63- انظر حول هذه الأزمة: بوشنتوف (لطفي)، تاريخانية التقليد وحداثية التغيير، ضمن ما بعد التاريخانية؟: قراءات في كتاب السنة والإصلاح لعبد الله العروي، إعداد مجلة رباط الكتب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة كراسات الكلية، رقم 1، الدار البيضاء، 2009، ص. 18-20.

64- Lévi-Strauss (Claude), « La cuisine: l’art de donner du goût », Le Courrier de l’UNESCO, volume X, n°4, avril 1957, pp. 12-13; Idem,Mythologiques, tome III: L’origine des manières de table, Paris- Plon, 1968.

65- Mythologiques, tome I: Le cru et le cuit, Paris- Plon, 1964.

66- Mythologiques, tome II: Du miel aux cendres, Paris- Plon, 1967

Tags: , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий