Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > إسهام العلوم الاجتماعية في إضفاء طابع إنساني على الحضارة التقنية

إسهام العلوم الاجتماعية في إضفاء طابع إنساني على الحضارة التقنية

© كلود ليفي ستروس
ليفي ستروس مع باولو دوارت وزوجته خوانيتا، في نيويورك، خلال الحرب العالمية الثانية.
يعلن كلود ليفي ستروس في هذه الوثيقة المختارة من محفوظات الأرشيف، والمؤرخة في 8 آب/أغسطس 1956، أن تطبيق علم الرياضيات على العلوم الاجتماعية لا يعني إطلاقاً نزع الطابع الإنساني عنها. فالحضارة التقنية لا تشكل حضارة قائمة على حدة، وتعتمد أنسنتها على جميع البشر وجميع العلوم.

لا تقضي المسألة المطروحة هنا، إطلاقاً، بالاعتراف للعلوم الاجتماعية بمجال تتفرّد به، ولا بتحديدها من خلال خصائص معينة. هل أن العلوم الاجتماعية تستحق مكاناً متميزاً، إلى جانب الآداب من جهة، والعلوم الطبيعية من جهة أخرى؟ وهل أنها توفر فرادة حقيقية، عدا عن كونها – كما قيل بطرافة – لا تتفوق بجانبها الاجتماعي على سائر العلوم، وتبقى أقل علماً منها بكثير؟

لقد بدأنا نشهد بروز فئات علمية جديدة في الولايات المتحدة، حيث التقسيم الثلاثي ما بين علوم إنسانية، وعلوم اجتماعية، وعلوم طبيعية، كان يبدو متيناً على مدى نصف قرن. وتشمل العلوم السلوكية الفئات الثلاث على اعتبار أنها تعني الإنسان مباشرة. والحالة هذه، فإن أفضل ترجمة للعلوم السلوكية هي “علوم السلوك البشري”، وبذلك نعود إلى التمييز الثنائي المعتاد في أوروبا منذ عصر النهضة، مع العلوم الطبيعية، من جهة، التي تعالج العالم الموضوعي، والعلوم والدراسات الإنسانية من جهة ثانية، التي تركز على الإنسان والعالم نسبةً إليه.

© متحف كي برانلي
قوس شعاري من جماعة “بورورو” طوله 175 سم. جاء به ليفي ستروس من البرازيل
وتكتسي هذه المسائل المنهجية أهمية مباشرة في نقاشنا. وفي حال وجب اعتبار العلوم الاجتماعية بمثابة علوم قائمة بذاتها على حدة، فإن إسهامها في إضفاء طابع إنساني على الحضارة ليس جلياً بتاتاً ويتعين إثباته. أما إذا كانت العلوم الاجتماعية لا تختلف عن البحوث المعتمدة تقليدياً تحت اسم العلوم الإنسانية، وترتبط إذاً بالشؤون الإنسانية، فمن البديهي أن تأملاتها، كأي تأمل بشأن الإنسان “تسهم في الأنسنة” لمجرد كونها “إنسانية”. وبالتالي، سيبدو إسهامها في التطور مختلفاً تبعاً لارتباطها بالمفهوم الأول أو المفهوم الثاني. ففي الفرضية الأولى، يمكن مقارنة هذا الإسهام بنشاط المهندس الذي يقوم بدراسة مسألة معينة، ثم بتحديد الصعوبات الماثلة، قبل إعداد حل بواسطة التقنيات الملائمة. ويُنظر هنا إلى النظام الاجتماعي كمُعطى موضوعي يتعين تحسينه فحسب. أما في الحالة الثانية، فالتركيز قائم على إثارة الوعي، على اعتبار أن مجرد الحكم على نظام بوصفه سيئاً أو ناقصاً إنما يضفي عليه طابعاً إنسانياً، لأن النقد يشكل، بحد ذاته، تغييراً.

ما هو إذاً الطابع المشترك للبحوث التي يتم جمعها تحت تسمية العلوم الاجتماعية؟ إنها مرتبطة، دون استثناء، بالمجتمع وتحسين معرفته، وإنما لأسباب متعددة ومختلفة. وتتسم المسائل حيناً بخصائص محددة إلى درجة تستدعي عزلها تماماً عن سائر المسائل سعياً لحلّها على نحو أفضل. وتلك هي مثلاً حال الحقوق، وعلم السياسة، وعلم الاقتصاد. كما يجري أحياناً دراسة الظواهر المشتركة بين جميع أشكال الحياة الاجتماعية، وإنما بتعمق أكبر. هذا هو الطموح الذي يتقاسمه علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. وفي أحيان أخرى، يبرز سعي لإثراء المعرفة البشرية بأنشطة آتية من ماضٍ سحيق أو أمكنة بعيدة، وهذا هو موضوع البحوث المرتبطة بالتاريخ والإثنولوجيا (علم الأعراق البشرية). الخصوصية، العمق، والبعد: ثلاثة أشكال مختلفة لدراسة الأحداث الاجتماعية، ضمن مجالات اختصاص يسعى كل منها، بالتوازي، إلى تجاوز الصعوبات الماثلة أمامه بوسائله الخاصة.

لكن الأشكال الثلاثة ليست مبنيَّة بالطريقة نفسها… إذ أن قروناً عدة تفصلنا عن القرون الوسطى، وعدة آلاف من الكيلومترات قائمة بيننا وبين المجتمعات المالنيزية. وفي المقابل، من المتفق عليه بين البشر على أن الأنظمة السياسية والاقتصادية تتفرد عما عداها بخصائص تبرر إقامة مجالات مستقلة لها. وقد برزت مزاعم مشروعة مفادها أن هذا التقطيع التعسفي للظواهر الاجتماعية يؤدي إلى نزع الطابع الإنساني عنها.

العلوم الاجتماعية: تلاعب اعتباطي بالرموز؟

© كلود ليفي ستروس
رسم من دفتر سفر ليفي ستروس (البرازيل 1935 -1939).

في البداية، يمكننا التساؤل عما إذا كانت الظواهر الاجتماعية كلها قائمة في الواقع بالدرجة نفسها، وما إذا كان بعضها (وهي تحديداً الظواهر التي تهم موضوعنا) قائماً على فكرة وهمية، أو نوع من الرؤيا الجماعية. ويجب بعد ذلك تبيّن ما إذا كانت مستويات معينة قابلة للعزل، أم أنها مرتبطة بمستويات أخرى عبر علاقات جدلية. وأخيراً، لا يغيب عنا أن العلم يشمل، بين مسلَّماته الدائمة، الترابط المنطقي لموضوعه. وفي حال استناد العلوم الاجتماعية المطروحة للنقاش إلى “شبه موضوع” أو موضوع زائف، أفلا تتحول إلى نوع من اللعب، وإلى تلاعب اعتباطي بالرموز؟ ونصبح حينئذٍ في مجال الخداع الجماعي، وهو نقيض الأنسنة تماماً.

ومع ذلك، فإن الخداع فعل إنساني أيضاً. وأياً تكن درجة الواقع المعترف به للأنظمة القانونية والسياسية، أو الوظيفة الموضوعية التي تؤديها هذه الأنظمة في حياة المجتمعات، فهي تبقى نتاجاً فكرياً. ومن خلال دراسة بناها وآلياتها وطريقة عملها، وإجراء تصنيف لها، نتعلم شيئاً على الأقل، وهو أسلوب عمل العقل البشري لمنح شكل منطقي (وإن ظاهرياً) لما لا شكل له. ومن هذا المنطلق، تسهم المعارف التي يتم جمعها في إضفاء الطابع الإنساني شرط أن تكون العلوم المشار إليها علوماً حقاً (أي أنها تعمل بموضوعية تامة). وبذلك، تثير المعارف المنتَجة وعياً لدى البشر حول طريقة سير المجتمع.

ولا يمكن للإثنولوجيا، بحكم موقعها الدائم ما دون العلوم الاجتماعية وفيما يتجاوزها معاً، الانفصال عن العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وتكمن فرادتها في التوحيد بين أساليب هذه العلوم مجتمعة، في خدمة معرفة معممة ومطلقة للإنسان، أي الأنثروبولوجيا (علم الإنسان).

ويطرح العلم الاقتصادي مثلاً بليغاً، بعدما كثرت المآخذ عليه، بشكله الليبرالي الحر، بالتلاعب بالأفكار التجريدية. لكن التجريد في العلوم الاجتماعية وسواها من الاختصاصات قد يعني أمرين مختلفين. وغالباً ما جرى استخدامه كحجة لتقطيع الواقع الملموس بشكل تعسفي. ولا ريب أن العلم الاقتصادي قد وقع ضحية هذا الخطأ في الماضي. وفي المقابل، أدّت المحاولات الأخيرة لتطبيق الرياضيات الحديثة (التي تدعى “الرياضيات النوعية”) على النظرية الاقتصادية إلى نتيجة لافتة: إذ تبين أن النظرية كلما اكتست طابعاً حسابياً، وبالتالي مجرداً (ظاهرياً)، كلما استتبعت طرح مواضيع تاريخية وملموسة. وما من فكر اقتصادي بورجوازي أقرب إلى المفاهيم الماركسية من المعالجة الحسابية المتطورة التي قدمها في عام 1944 فون نيومان ومورغنسترن في “نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي”، معتبرَين أن النظرية تنطبق على مجتمع منقسم إلى زمر متنافسة ينشأ بينها تنافر أو تحالف. وخلافاً لما قد يعتقد البعض، فإن تطبيق علم الرياضيات على العلوم الاجتماعية لا يعني إطلاقاً نزع الطابع الإنساني عنها، لأن النظرية، ضمن كل اختصاص، تتجه شيئاً فشيئاً نحو الشمولية. وبلغة الرياضيات، تكتشف العلوم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وجود لغة مشتركة بينها. وندرك سريعاً أن هذه اللغة المشتركة ممكنة لأن المواضيع التي تركز عليها متطابقة في الحقيقة.

ويحدث التقارب نفسه في علم النفس وعلم الاجتماع. فمن خلال دراسة آليات العقل الباطن، يستخدم المحللون النفسيون أسلوباً رمزياً مطابقاً، في النهاية، للأسلوب الرمزي الذي يستخدمه علماء النفس الاجتماعي وعلماء اللغة، على اعتبار أن اللغة والأنماط الاجتماعية تقوم هي الأخرى على أنشطة ذهنية لا واعية.

ويستحق هذا التقارب بين العلوم الاجتماعية أن نتوقف عنده قليلاً. فلقد اختارت علومنا العزلة، في مرحلة أولى، في سبيل التعمق. لكنها نجحت في الالتقاء على عمق معين. وهذا ما يثبت، تدريجياً، وبشكل موضوعي، الفرضية الفلسفية القديمة بشأن وحدة عقل الإنسان، أو بعبارة أدق، الوجود الشمولي لطبيعة بشرية واحدة. ونستنتج أياً تكن الزاوية التي ننظر من خلالها إلى العقل البشري، على نحو فردي أم جماعي، في مظاهره الأقل ضبطاً أو من خلال المؤسسات التقليدية، أنه يطيع القوانين نفسها، على الدوام وفي كل مكان.

الظاهرة الثالثة

© كلود ليفي ستروس
ليفي ستروس في الأمازون، ومعه، بالقرب من قدميه، القرد الصغير “لوسيندا”، رفيقه في السفر (البرازيل 1935 – 1939).
كما أن الإثنولوجيا والتاريخ يضعاننا أمام تطور مماثل. فلقد ساد طويلاً الاعتقاد بأن التاريخ يرمي فقط إلى إعادة تشكيل الماضي بدقة. وفي الواقع أن التاريخ، على غرار الإثنولوجيا، يدرس مجتمعات غير المجتمع الذي نعيش فيه. كما يسعى الاختصاصان إلى توسيع نطاق تجربة محددة لكي تبلغ أبعاداً أكثر شمولية، وتصبح بذلك متاحة أمام البشر في بلدان وأزمنة أخرى.

وتندرج الإثنولوجيا إذاً، كالتاريخ، ضمن تقليد الأنسنة. لكن دورها يكمن في استحداث وتطوير ما يمكن تسميته أنسية ديمقراطية. فبعد الأنسية الأرستقراطية التي نمت في عصر النهضة، وكانت قائمة على مقارنة بالمجتمعين اليوناني والروماني وحدهما (إذ لم تعرَف مجتمعات أخرى آنذاك)، والأنسية الغريبة في القرن التاسع عشر، التي أضافت إلى ما سبق حضارات الشرق والشرق الأقصى (وإنما فقط عبر الوثائق الخطية والصروح المصورة)، تبدو الإثنولوجيا كظاهرة ثالثة – وأخيرة دون شك – لأنها تبقى، ضمن العلوم الاجتماعية، الأكثر تعريفاً بالعالم المحدود المتناهي الذي بات يمثله كوكبنا في القرن العشرين. وتستعين الإثنولوجيا بجميع المجتمعات البشرية لإنتاج معرفة شاملة بالإنسان. كما أن المميزات الخاصة لهذه المجتمعات حدت بها إلى استنباط أساليب جديدة لإنتاج المعرفة، ونكتشف يوماً بعد يوم أنه يمكن تطبيقها على نحو نافع في دراسة جميع الحضارات، بما فيها حضارتنا. ويظهر مفعولها على السطح وفي العمق في آن معاً.

الحضارة التقنية ليست حضارة بحد ذاتها

© متحف كي برانلي
عصابة للجبين من جماعة “بورورو”، جاء بها ليفي ستروس من البرازيل.

وفي غياب النصوص الخطية والصروح المصورة، تتسم أساليب المعرفة هذه بخصائص خارجية وداخلية تتخطى في أبعادها سائر العلوم الاجتماعية. فهي تدرس الظاهر (الأنثروبولوجيا المادية، وحقبة ما قبل التاريخ، والتكنولوجيا)، والداخل (تحديد الإثنولوجيا- المجموعات البشرية التي تعيش معاً). ولا يمكن للإثنولوجيا، بحكم موقعها الدائم ما دون العلوم الاجتماعية وفيما يتجاوزها معاً، الانفصال عن العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وتكمن فرادتها في التوحيد بين أساليب هذه العلوم مجتمعة، في خدمة معرفة معممة ومطلقة للإنسان، أي الأنثروبولوجيا (علم الإنسان).

وفي الختام، أرى حتى وإن كنت أعرّض عنوان هذا التقرير لشيء من التناقض، أن العلوم الإنسانية لن تستطيع إضفاء طابع إنساني على الحضارة طالما بقيت معزولة عن سائر الاختصاصات. ولذا فعليها، ببساطة، أن تعتمد النهج العلمي. فالحضارة التقنية ليست قائمة على حدة، ولا تستثني سائر الاختصاصات لإدراج تحسينات عليها. كما أن أنسنة الحياة الاجتماعية لا تعتمد على مجال محدد، وإنما على جميع البشر وجميع العلوم.

وتعني أنسنة الحضارة التقنية، أولاً، تحديد كافة أبعادها ضمن التاريخ الشامل للإنسانية، ومن ثم تحليل وفهم محركات بروزها وتطورها. أي بعبارة واحدة، السعي إلى المعرفة. وسوف يجري تقييم إسهام علومنا ليس من خلال النتائج المشبوهة والخاضعة للتقلبات الآنية، وإنما على ضوء الآفاق الجديدة التي ستفتحها أمام البشرية لفهم طبيعتها وتاريخها بشكل أفضل، والحكم عليهما أيضاً.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий