Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > إصلاح الإسلام : دراسته وتدريسه بعلوم الأديان (3/1) حديث مع العفيف الأخضر

إصلاح الإسلام : دراسته وتدريسه بعلوم الأديان (3/1) حديث مع العفيف الأخضر

الاربعاء 23 حزيران (يونيو) 2010

بقلم: ناصر بن رجب ووريغ لحسن

نشر “الأوان” مقالا للكاتب العفيف الأخضر “لماذا إصلاح الإسلام” وكان المأمول –كما أوحى به المقال- أن يكون مقدّمة سلسلة محورها “إصلاح الإسلام”… لكنّ الظروف الصحّية لم تيسّر إنجاز هذه السلسلة. فكان أن اتّصل به الأستاذ ناصر بن رجب وهو كاتب وصحفي تونسيّ والأستاذ وريغ لحسن، سكريتير تحرير الأحداث المغربية، وأجريا معه حوارا طويلا شاملا كان فرصة للتطرّق إلى نظرة العفيف الأخضر إلى مسألة الإصلاح بما يسهم في تحقيق الانتقال مما يسميه مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة العقلانية الدينية الإسلامية.
1– مبرّرات إصلاح الإسلام

الفكرة الشائعة أن الإسلام لا يقبل الإصلاح، فعلى ماذا تراهن؟

برهن الإسلام في تركيا منذ 1924 حتى الآن وفي تونس منذ 1956 حتى اليوم، على قدرته على إصلاح نفسه. فما الذي يمنعه من البرهنة على هذه القدرة في باقي البلدان؟ إصلاح الإسلام اليوم ضروريّ وممكن. ما ينقص هو الشجاعة السياسية. صحيح أنّ عتاقة النخب الدينية سواء في الإسلام التقليديّ أو في الإسلام السياسي لا تسهّل التكيّف الضروريّ مع العالم الذي نعيش فيه. لكنّ الشجاعة مطلوبة لمثل هذه الحالات. شجاعة النخب التي تملك رؤية واضحة للمستقبل الذي تقود إليه شعوبها بعزم. حسب ابن قتيبة، الإجماع، إجماع نخب الأمة وسلطاتها التشريعية بالمفهوم المعاصر، “أهمّ من الحديث في التشريع”. إذن إصلاح الإسلام لا يحتاج إلى نص، بل إلى إجماع صنّاع القرار على أنه ضرورة ومصلحة. وكما يقول الشاطبي : حيث المصلحة فثمّة شرع الله.

هناك من يقول إنّ إصلاح الإسلام ليس أولوّية في عالم عربيّ مليء بالمشاكل والتحدّيات. فما هو رأيك أنت الذي تعتبره أولوّية الأولويّات؟

إصلاح الإسلام هو أولويّة الأولويّات لأنّ الشروع في إصلاحه يتوقّف عليه نجاح الورشات الأخرى التي تبدو في الظاهر غير ذات علاقة به، كورشة الإصلاح الاقتصادي مثلا. ورشة إصلاح الإسلام لا تتنافى مع فتح الورشات الأخرى بل تتكامل معها وتقتضيها. ورشات الإصلاح جميعا يأخذ بعضها برقاب بعض كما يقول القدماء. فورشات الإصلاح السياسي والاجتماعي والتربوي… جزء لا يتجزّأ من ورشة إصلاح الإسلام. القاسم المشترك بينها أنّها جميعا تتطلّب كأولويّة مطلقة إصلاح صناعة القرار. سبب الأسباب لتخلّفنا -أو بما هو أدقّ لتخبّطنا الطويل في أزمة الحداثة التي نجتازها وعدم خروجنا منها سالمين حتّى الآن -هو سوء صناعة القرار الذي مازال في تسعة على عشرة على الأقل من البلدان العربية لا تصنعه المؤسَّسات صناعةً علمية يكون الكمبيوتر أوّل صانع له. بل تصنعه نزوات وهذيانات الحاكم الفرد. واحد من بين عشرات الأمثلة، صدّام حسين الذي افتخر بأنّ القرار الكارثي عليه وعلى العراق وربّما على الشرق الأوسط كلّه، أعني قرار ضمّ الكويت، اتّخذه بناء على حلم رآه في المنام مُضيفا، اعتمادا على حديث محمّدي، بأنّ الحلم الصادق جزء من أربعين جزء من النبوّة. لكن الملاك الذي أوحى إليه بالحلم نسي أن يوصيه بطرح السؤال المركزي الذي توجبه صناعة القرار “وماذا في صباح اليوم التالي؟”. وهو السؤال الذي لم يطرحه قبله جمال عبد الناصر عندما طرد القوات الدولية المرابطة على الحدود المصرية الإسرائيلية في مايو 1967 والذي كان سبب حرب الستة أيام، ولم يطرحه بعده السيد حسن نصر الله عندما خطف الجنود الإسرائيليين الثلاثة فتسبّب في حرب 2006، ولم تطرحه حماس عندما رفضت تجديد الهدنة مع إسرائيل فتذرّعت بها حكومتها لشنّ حرب غزّة سنة 2007. في الحقيقة طريق هزائم العرب والمسلمين منذ اصطدامهم بالاستعمار كان غالبا مفروشا بالقرارات الانفعالية التي يصنعها الفكر السحريّ الذي يطلب من أضغاث الأحلام أن تتحوّل إلى رؤى صادقة، ومن التخييلات أن تتحوّل إلى حقائق. جميع منجزات الحداثة منذ خمسة قرون إلى الآن صنعتها قرارات سياسيّة شجاعة وذكيّة مازالت بالنسبة للنخب العربية برسم الاكتشاف.

ماذا تعني بشجاعة وذكية؟

أعني واقعية، تستلهم واقع عصرها. عكس القرارات المتهوّرة والغبيّة التي تُرتجل تحت ضغط الأحداث والتي طالما اكتوينا بنارها لأنها تستلهم عادة مخاوف صانع القرار اللامعقولة أو ردود فعله الهاذية، خاصة والبارانويا هي أعدل الأشياء قسمة بين حكام أرض العروبة والإسلام. العالم الذي نعيش فيه معقّد وغير قابل للتّوقّع، ومقاربته بالقرارات المرتجلة واللامعقولة تساوي الانتحار بشقّ البطن. أن تكون شجاعا وذكيّا هو أن تعترف بأنّ الواقع والرغبة قلما يجتمعان. أي أنّ مبدأ اللذّة ومبدأ الواقع نقيضان. وهذا ما لم يدركه بعد الإسلاميون والقوميون الذين مازالوا يتفاوضون مع أنفسهم ويغالطونها في حقائق العصر الذي يعيشون فيه.

هلا وضّحت أكثر علاقة الإصلاح الديني بصناعة القرار؟

هي علاقة وثيقة. صناعة القرار العربية قلّما احترمت المبدأ الأوّل لهذه الصناعة الذي هو التعريف الدقيق، دقّة المعادلات الرياضية، للمصلحة القومية والحساب الدقيق للتكاليف والمكاسب، أي للخسارة والربح في كلّ قرار. وتجاهلت المجالات الإستراتيجية الأربعة : أعني إصلاح الإسلام، والبحث العلمي، والتجديد التكنولوجي، والتعليم الجيّد بالمعايير الدولية. صنع قرار الإصلاح الديني اليوم يفترض التفكير في مخاطر النهاية المأساوية لأيّ مشكلة تطرح نفسها علينا من أجل تغيير الاتجاه في الوقت المناسب. بقاء الإسلام من دون إصلاح، أي من دون فصل الدين عن الدولة، لتفادي مخاطر الحروب الطائفية والدينية خاصة الحرب السنيّة الشيعيّة التي قد تتحول في إحدى مراحلها إلى حرب ذرية؛ ومن دون فصل الشريعة عن القانون الوضعي ليغدو الوحيد المُطبَّق، سيُسقط العالم الإسلامي في همجيّة تطبيق العقوبات البدنية التي ينطبق عليها وصف فرويد للممارسات النازيّة بأنّها “همجية ما قبل التاريخ”barbarie préhistorique ؛ ومن دون فصل البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني عن الرقابة الدينية سيبقى “الاشتباك بين القرآن والعلم”- كما أسماه د. عبد الصبور شاهين دائما-؛ ومن دون الفصل بين المؤمن والمواطن سيبقى المسلمون ماثلين أكثر فأكثر في قفص اتهام المجتمع المدني العالمي لهم بالانتهاك المتكرر لحقوق الإنسان والمواطن، وبمعاملتهم المرأة كحشرة مُؤذية وأقلّياتهم كأهل ذمّة والعالم كدار حرب موعودة بالجهاد الذي أخذ منذ الآن اسم الإرهاب الإسلامي… والذي تنعكس صورته سلبا على الإسلام نفسه عند الرأي العام العالمي وعند قطاع من المسلمين أنفسهم.

يستمد الإصلاح الديني مشروعيّته من إمكانية قطعه للطريق على مخاطر هذه النهايات المأساوية. ومن تكييف الإسلام مع عصره الذي يتّجه في السيناريو المتفائل إلى حضارة بشرية واحدة تتعرّف على هويتها في القيم الإنسانية الكونية المشتركة وفي الضوابط الأساسية للعيش معًا في عالم مُعَولَم تشابكت فيه مصائر البشرية في السرّاء والضراء، إلى درجة أن سؤال الحكومة الإقليمية والحكومة العالمية أو “الكونفدرالية العالمية” كما يسمّيها الفيلسوف والأنتروبولوجي ادغار موران Edgar Morin أصبح سؤالا مشروعا لمواجهة تحديات يتوقف على رفعها بقاء الحضارة بل وربما بقاء النوع البشري نفسه.

ما هي نقاط الضعف في الحالة الإسلامية التي يمكن علاجها بالإصلاح الديني؟

ما زال الإسلام لم يرفع حتى الآن تحدّي عوائقه الثلاثة التي شخّصها رينان Renan في القرن التاسع عشر : احتقار العلم الوضعي Le dédain de la science ورفض البحث العلمي العقلاني la négation de la recherche rationnel في نصوصه بما هي كلام الله المُنزّه عن المساءلة العلمية، والخلط بين الروحي والزمن La confusion entre le spirituel et le temporel. وهي عوائق دينية وذهنية ونفسية تحالفت على كبت الإبداع الديني والسياسي والاقتصادي والعلمي والأدبي والفني؛ مثلا الرسم والنحت والموسيقى مازالت محرّمة في الإسلام. اليهودية التي أخذنا عنها هذه المحرّمات الهستيرية تناستها، لحسن حظّ اليهود. ونحن مازلنا متسمّرين فيها. تناست أيضا حدّ الرجم الدموي الذي أخذناه عنها. بالرغم من عدم وجوده في القرآن وتهافت الروايات عن رجم النبي لزناة… إيران والسعودية و”شباب الشريعة” في الصومال مازالوا يرجمون. الأمير خالد بن سلطان، وزير الدفاع السعودي، منعني سنة 2001 من الكتابة في “الحياة”، التي كانت مصدر عيشي الوحيد. لماذا؟ لأنني طالبت في “الجزيرة” بتدخّل دولي لمنع الرجم في إيران، محتجّا بأنّ السعودية هي أيضا ترجم فتكون إذن مشمولة بمطلب التدخل الدولي. رئيس “النهضة”، راشد الغنوشي، اعتبر في مقال وقّعه أنّ العقوبات البدنية الإسلامية كالجلد أرحم من السجون الأوروبية. فلماذا لا يعتبر الرجم أيضا أرحم من السجون الأوروبية؟

عالم الإسلام مازال يمشي على رأسه ونريد “بإصلاح الإسلام” أن نجعله يتعوّد المشي على قدميه.

لكن جمال الدين الأفغاني ردّ على رينان بأن جميع الأديان وليس الإسلام وحده هو المعادي للعلم؟

صحيح أنّ جميع الأديان التوحيدية على الأقل تنطبق عليها تهمة رينان، لكن اليهودية والمسيحية قبلتا أخيرا، طوعا أو كرها وبالأحرى كرها، رفع تحدّيات رينان الثلاثة. مثلا كشف علم الأركيولوجيا في إسرائيل أنّ ما كان يُظَنّ وقائع تاريخية في أسفار العهد القديم لم يكن إلاّ أساطير، مثل الخروج من مصر، وشقّ البحر الأحمر بعصا موسى، وهيكل سليمان الذي اتّضح أنّه شخصيّة أسطورية، والملك داوود الذي كان يُعتبر شخصية تاريخية اتّضح أنه شخصية نصف أسطورية. لا بأس في هذا الصدد من ترجمة كتاب La Bible dévoilée (الكتاب المقدس وقد تَعرّى) تأليف الاركيولوجيين الإسرائيليّين I. Finkelstein و N. A. Silberman. احتجّ المتعصّبون من رجال الدين اليهودي، لكنّ العلماء الإسرائيليين لم يُقدّموا للمحاكمة كما حوكم د. نصر حامد أبو زيد في مصر، ولا صدرت ضدّهم فتاوى بالقتل كما يفعل رجال الدين الإسلامي، ولا بالطبع اغتيل أيّ عالم منهم كما اغتيل فرج فودة وأيّد اغتياله بتهمة الردّة محمد الغزالي أحد نجوم الإسلام السياسي. مؤخرا طالب مجلس البحوث بالأزهر بمحاكمة سيد القمني وحسن حنفي من أجل أفكارهما. مازلنا نعيد صلب الحلاج وسلخ السهروردي، علمي الإسلام الصوفي.

لماذا عجز إسلام الفقهاء عن رفع هذه التحديات؟

بسبب افتقاده للقدرة على التكيف مع العالم الحديث. ديناميته الأولى الجهادية تحولت إلى عائق وعجز عن اكتساب دينامية جديدة تتطلبها الحقبة التاريخية. هي دينامية التكيف مع جديد التاريخ. عندما يفتقد الدين القدرة على التكيف والدينامية يسقط في الجمود الديني.

ما المقصود بالجمود الديني؟

هو تحريم السؤال وفرض الأجوبة الجاهزة الصالحة للجميع ولجميع الأزمنة وجميع الأمكنة، هو اليقين الجامد والتفكير الساذج وإيمان العجائز. إيمان العجائز يصلح للعجائز ولكنه لا يصلح للباحثين. هو العجز عن التطور وإنتاج الأفكار المجددة. وهو في الوقت نفسه محاربة القلة المجددة التي تظهر من حين لآخر مثل الشيخ نجم الدين الطوفي الحنبلي الذي سُجن وأُتلفت كتبه، وكبار المتصوفة الذين راموا إصلاح الإسلام في عصرهم وكلفهم ذلك أحيانا حياتهم مثل السهروردي والحلاج. ومحمد عبده الذي رفض الأزهر لنصف يوم صلاة الجنازة عليه، والطاهر الحداد الذي شيّع جنازته بضعة أصدقاء…

وأنت ماذا تتوقع بعد عمر طويل؟

تبرّعت بأعضائي وأنسجتي لمن يحتاجون إليها لزرعها. ووهبت جثّتي للعلم. لكلية الطبّ في أيّ بلد أموت فيه. عندما سلّمت وصيتي لرئيسة الممرّضات في أحد المشافي الباريسية قالت لي هذا إذا قبلتها كلية الطبّ التي كثيرا ما ترفض لكثرة المتبرّعين. قارن هذا مع تحريم فقهاء الجمود الديني تشريح الجثث. في 1973، كانت كليات الطبّ السورية تستورد من الصين الجثّة بألف دولار. هذا التسمّر في أحكام فقهية معادية للعلم التي هي أحد أعراض عبادة الأموات الفرعونية – كما يعلمنا ذلك تاريخ الأديان المقارن – جعلت فقهاء الإسلام يحتقرون الجسد حيّا ويقدّسونه ميتا. هذه الواقعة وحدها حافز على ضرورة التعجيل بإصلاح الإسلام كلّف ذلك ما كلّف.

قلتَ في مقال يتيم عن إصلاح الإسلام أنّ إصلاحه يمرّ بالانتقال من مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة المعقول الديني. فماذا تقصد بذلك؟

كلّ إصلاح حقيقي هو إعادة تأسيس، هو ابتكار لنموذج جديد من العقلانية الدينية التي لا تعترف من الدين -خاصة في المعاملات- إلا بما يقبله العقل. كلّ إصلاح ديني يمرّ بقتلٍ رمزيّ للأب. في موضوعنا يمرّ بالقطيعة مع لامعقول التراث، وبحلّ مشكلة تنفيذ الجديد بالأدوات القديمة. كلا العمليتين تتطلّبان إصلاح التعليم والإعلام والخطاب الديني جُملةً. لا، بل إنّ إصلاح الإسلام لن يتحقّق إلاّ بالانتقال من مدرسة اللامعقول الديني المُستمرّة منذ قرون إلى مدرسة المعقول الديني المنشودة الوحيدة المؤهّلة لعقلنة التعليم والخطاب الديني بما فيه الخطاب الديني الإعلامي. الانتقال من مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة المعقول الديني يعني الانتقال من القراءة الحَرفيّة للقرآن -خاصة المدني السائدة إلى اليوم تقريبا في كل مكان من أرض الإسلام- إلى القراءات الأخرى المنافسة لها والتي همّشتها أو كفّرتها؛ كالقراءة التأويليّة والمقاصديّة والرمزيّة والتاريخيّة التي مارسها القرآن نفسه بالناسخ والمنسوخ أي نسخ الآيات التي لم تعد متكيّفة مع مستجدّات التاريخ. واصل الخلفاء الراشدون وبعض الفقهاء هذه القراءة الناسخة للأحكام التي لم تعد تستجيب للواقع المعيش. هذه القراءة الأولى للنّص المُؤسِّس التي مارسها الراشدون ضرورية لنا جدّا اليوم. وعلى مدرسة المعقول الديني أن تستعيدها. وهذا ما دشّنه اليوم كلٌّ من جمال البنا وحسن الترابي ومحمد الطالبي وغالب بن الشيخ وأنا نفسي. للتاريخ، أوّل من طالب بالعودة إلى القراءة التاريخية لنسخ أحكام الآيات المتقادمة هو المأسوف على فقده محمد عابد الجابري سنة 1988. وعندما استخدمت مصطلحه سنة 2002 بعد توسيعه وتعميقه نوّهت بذلك.

قد يقول قائل هذه القراءات التي تحدّثت عنها تكفّلت بها علوم الدين الإسلامية، فلماذا اللجوء إلى علوم الأديان المعاصرة التي دُرست بها الأديان الأخرى، فلماذا لا نكتفي بإصلاح الإسلام من الداخل كما يقول الأستاذ الجابري رحمه الله؟

كان ينبغي أن تُضيف الأديان الأخرى بما فيها الإسلام وخاصّة الظاهرة القرآنية التي درسها كثير من المستشرقين وحتّى المسلمين أنفسهم مثل محمد أركون في كتابه “قراءة القرآن” ومحمد علي أمير معزي الذي أشرف على إصدار معجم القرآن بالفرنسية الصادر سنة 2007 وكتب له مقدّمة مهمّة عن القرآن، والذي تُرجم إلى عدد من اللغات إلاّ لغة القرآن. وكما قال شوقي (حرام على بلابله الدّوح/حلال للطّير من كل جنس). عندما قلت الانتقال من القراءة الحَرفيّة إلى القراءات الأخرى، أعني على ضوء علوم الأديان المعاصرة، لأنّ علوم الدين الإسلامية تجاوزها التطوّر العلمي ولم تعد قادرة على التجاوب مع المتطلبات الحديثة لدراسة النّصين الإسلاميين المُؤسِّسين، القرآن والحديث، ولا على دراسة مُجمل التراث الإسلامي الذي مازال بمنأى عن التحليل والنقد العلميّيْن اللذين طُبّقا على تراث الأديان الأخرى وخاصة اليهودية والمسيحية كما هو معروف.

“التحديث من الداخل” غير منتج Contre-productif وبصدد إصلاح الإسلام مثلا هو استحالة إيبستيمولوجية. علوم الأديان الحديثة تكوّنت في مناخ الثورات العلمية والفلسفية والصناعية الحديثة. وليس لها أشباه ونظائر في تاريخ العلوم لا عندنا ولا عند غيرنا من أمم الجنوب. وهذه العلوم ليست نبتة أو حيوانا يمكن تدجينه بتكييفه مع البيئة الجديدة. هي مفاهيم ونظريات وقوانين علمية دقيقة غالبا، تدجينها مرادف لإجهاضها. إذن هي غير قابلة للتدجين.

الخلفية الأيديولوجية لشعار التحديث أو التجديد من الداخل غير مقبولة علميا أيضا. فهي في الواقع تعبير عن “الخصوصية” العربية الإسلامية الشهيرة : نحن أمة استثنائية لا يصلح لها ما يصلح لغيرها من الأمم التي لم يكرّمها الله بالإسلام… الله كلّمنا لآخر مرّة في التاريخ فأعطانا الدين الحقّ ولغتنا هي لغة أهل الجنة. وهما لا يقبلان الإصلاح إلا إذا كان من الداخل، وفي قول آخر، هما لا يحتاجان لأيّ إصلاح أصلا.

نحن هنا أمام منطق عبادة الأسلاف النرجسي الإقصائي، السائد لدى الشعوب البدائية أو ذات الذهنية البدائية، والذي آن لنا أن نخرج منه إلى منطق الشعوب الحديثة أو ذات الذهنيات الحديثة التي لا ترى مانعا من استعارة العلوم الحديثة دونما تشويه لمنطقها الخاص وصرامتها العلمية برغبات عصابية. شعار التحديث من الداخل هو أحد أعراض عقاب الذات autopunition المتواصل منذ قرنين بتكرار التجارب الفاشلة. لا توجد أمة في العالم حدّثت نفسها من الداخل. اليابان، منذ حكومة الميجي في القرن التاسع عشر، دشنت دخولها للحداثة باستعارة الحداثة الأوروبية فتبنّت دستور بلجيكا وقوانينها الوضعية، وأدخل إمبراطورها المعبود الشوكة للأكل بدل العيدان اليابانية التقليدية، وأدخل الموسيقى الكلاسيكية بدل الموسيقى المحلية. لماذا فعلت اليابان ما عجزنا عنه؟ لأنها بلا تراث أسلاف يردعها – مثلنا – عن تقليد الآخر “الكافر” كما هي حالنا نحن. لكن فكر بعض نخبنا السحري يفترض أن التحديث من الداخل ممكن بالنسبة لنا بفضل معجزة ما، جاهلا أو متجاهلا أن الحداثة سوسيولوجيا هي كل لا يتجزأ. إما أن تأخذه أو تتركه. وقد تركناه لسوء حظّنا طويلا، فلماذا لا نحاول ولو لمرة واحدة أخذه عسى ولعل يساعدنا على الخروج من كابوس التأخر التاريخي الذي أسقطنا في الهذيان شعوبا ونخبا وجعل جرحنا النرجسي، أي شعورنا بالخصاء والإذلال والدونية بعرض وعمق النيل والسين معا.

هل نجح تدريس علوم الأديان في الديانات الأخرى في تخليصها من الجمود والعنف الدينيين اللذين تعتبرهما مرضين من أمراض الإسلام المعاصر؟

إلى حدّ كبير. كل دين تقريبا مسكون بالتعصب الذي هو الابن الشرعي للنرجسية الدينية التي يبثّها في شعارات هُذاء العظمة، مثل نحن شعب الله المختار، ونحن خير أمة أخرجت للناس، ونحن الفرقة الناجية. في التسعينات تعرّفت على فرقة مسيحية من 120 شخصا ينتشرون في ستة بلدان تسمي نفسها مملكة النور، وتسمّي باقي المعمورة مملكة الظلام التي ستلقى قريبا مصير صودوم، مدينة لوط، لأن نهاية العالم اقتربت. وبالمناسبة هذيان نهاية العالم عرض للفصام السريري. الديانات التي أعيد تعريفها بعلوم الأديان دَجّنت إلى حدّ كبير الميل إلى النرجسية الدينية والتعصب. إعادة تعريف الإسلام بهذه العلوم قد يعطينا نتائج مشابهة. يتنافس اليوم الإسلام السياسي والنُخب شبه الحديثة الحاكمة على حيازة مشروعية الذاكرة الجمعية الإسلامية. المنافسة في الواقع محسومة لصالح أقصى اليمين الإسلامي لأن الخطاب الديني، الذي تحشو به مدرسة اللامعقول الديني الذاكرة الجَمْعية السلفية التي شعارها لا تصدِّقوا “إلاّ قال الله وقال الرسول”، أي حاربوا العقل والعلم بكلّ ما أوتيتم من قوة، يحمل الحَبّ إلى طاحونة الإسلام السياسي الذي هو اليوم أقصى يمين الإسلام.

بدلا من خوض هذه المنافسة البائسة على امتلاك ذاكرة جمعية متقادمة، كان على النخب الحاكمة أن تتبنّى مشروع إعادة تأسيس هذه الذاكرة الجمعية بتدريسها بعلوم الأديان في مدرسة المعقول الديني. استطاعت الجمهورية الفرنسية الثالثة أن تتجاوز الصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت بتدريس تاريخ ما قبل المسيحية القادر على خلق هويّة جماعية يتعرّف فيها جميع الفرنسيين على أنفسهم تكون أقوى من الهوية الدينية لكل من الكاثوليك والبروتستانت. بإمكان الدول العربية والإسلامية أن تستفيد من هذه التجربة، لتكوين هوية جماعية مشتركة أقوى من الهويات الطائفية. وذلك بتدريس جميع لحظات تاريخها بدلا من أن تقتصر على آخر لحظاته التي هي اللحظة الإسلامية جاعلة منها أَلِف التاريخ وياءه. بإمكان مصر مثلا أن تدرّس الفترة الفرعونية والفترة القبطية… إلخ، إلى أن تصل إلى الفترة الإسلامية. في تونس يبدأ التاريخ من اللحظة القرطاجنيّة المُؤسِّسة مرورا بالفترة الرومانية التي أثّرت في الإسلام التونسي ثم المغاربي، فقد أخذ فقهاء المالكية بعض أحكام القانون الروماني الذي أصبح عند السكان عرفا وعادة. وأخيرا اللحظة الإسلامية التي كانت أكثر اللحظات الثلاث تأثيرا واستمرارية. وتونس جديرة بالاستلهام، ويليق بالنخب الإصلاحية في أرض الإسلام أن تستلهم تجربتها الإصلاحية الطويلة والثرية.

ما هي علوم الأديان القادرة على إصلاح الإسلام؟

علوم الأديان المطلوب تدريسها هي تاريخ الأديان المقارن والسوسيولوجيا الدينية والأنثروبولوجيا الدينية وعلم نفس الأديان واللسانيات والفيلولوجيا (علم اللغة) والهرمينوطيقا (علم التأويل)… وأُضيفُ إليها علما آخر لم يكن في الأصل من علوم الأديان ولكنّه غدا اليوم منها أعني به علوم الأعصاب Les neurosciences)). كما أضيف الفلسفة التي ليست علما إلا أنها ينبوع الفكر النقدي الضروري للمقاربة التاريخية – النقدية للظاهرة الدينية ولتحصين عقول الأجيال الجديدة ضدّ فيروس الهذيان الديني.

الإسلام ليس دينا فقط بل هو أيضا مشروع سياسي – عسكري قوامه الجهاد إلى قيام الساعة من أجل هدفين، إدخال البشرية فيه وقتل آخر يهودي كما يقول حديث لا شك أنّه موضوع رواه البخاري وضمنته حماس في المادة 7 من ميثاقها الذي أعلنت أنها ستغيّره قريبا. – وأتمنّى أن تقرن القول بالفعل فميثاقها أُحفوري وفضلا عن ذلك مضرّ بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة – إصلاحه يتطلّب تدريسه ودراسته بعلوم الأديان لنزع القداسة عن السياسي والعسكري فيه تسهيلا لفصلهما عن الدين المقدس الوحيد وإلا كان الإصلاح مجرد لمسات تجميلية.

بماذا تردّ على من يقول أن تدريس الدين بعلوم الأديان ينزع القداسة من الدين نفسه عندما يجعل نصوصه موضوعا للبحث مثل أي نص أدبي أو أسطوري؟ وهذا من شأنه تكوين مسلمين لامبالين بالدين كما في أوروبا وبقية البلدان التي يُدرَس فيها الدين بعلوم الأديان؟

عدم تدريس الإسلام بعلوم الأديان كما تُدرس به الأديان الأخرى في العالم يعني أن نَدَعَ الناس في جهلهم يعمهون حتى يبقوا متديّنين. فالأفضل إذن التجهيلية l’obscurantisme أي أن يكون عندنا شعب من الجهلة المتديّنين بدلا من شعب من المتعلّمين والعلماء والمواطنين اللامبالين بالطقوس الدينية. قال ميخائيل نعيمة سنة 1951 : “الدّين الذي يخشى من الشيوعية، الشيوعية خير منه”. وبدوري أقول الدّين الذي يخشى العلم فالعلم خير منه. بعيدا عن السجال لننظر للواقع. دراسة الدين بعلوم الأديان وتدريسها في المدارس والجامعات بدأت في أوروبا منذ قرون. فماذا كانت النتيجة؟ أغلبية من المؤمنين الوَديعين والمتسامحين مع الآخر والدين الآخر، 25 في المائة من اللامبالين منهم 6 في المائة فقط من الملحدين المُقتَنعين. أما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث كلّ شيء دين في المسجد والمدرسة والجامعة والإعلام والشارع والبيت منذ الثورة، فماذا كانت النتيجة؟ 30 عاما من الهذيان الديني أنتجت 30 في المائة من الملحدين. لماذا؟ لأنّ الإكثار من الدين يقتل الدين. أو كما يقول المثل الحكيم، كلّ ما تجاوز الحدّ انقلب إلى الضدّ.

من دون هذه المقاربة العلمية لن ننتقل من المقاربة التقريظية إلى المقاربة النقدية ولا من التكفير إلى التفكير وإعادة التفكير فيما يطرحه علينا الدين والحياة من إشكالات. الخوف من ضياع الإيمان هو في حد ذاته عَرَض لشكّ الخائفين المكبوت في صدق إيمانهم. القرار التربوي الشجاع والذكي لا يبنى على المخاوف اللامعقولة بل على المصلحة العامة المعرّفة تعريفا دقيقا والتي تجعل من الإصلاح الديني فريضة عقلانية.

لكن بماذا تجيب القائلين بعدم إمكانية تطبيق علوم نشأت في بيئة غربيّة يهودية-مسيحية على النصوص الإسلامية، ألا يكون ذلك تعسّفا بحق هذه العلوم وبحق الإسلام نفسه؟

ذلك ممكن تماما. هذه العلوم كجميع العلوم أنتجها العقل البشري الكوني أي الذي يُسلِّم بنتائجه جميع أصحاب العقول السليمة. كما أن علوم الطبيعة صالحة لكلّ مكان، فكذلك علوم الأديان التي يَدْرس بها الآن الهندوس الهندوسيّة والبوذيون البوذية. فكيف لا يُدرس ولا يُدرَّس بها الإسلام وهو منحدر من تلاقح ثقافي عميق مع الديانتين اليهودية والمسيحية. القرآن نفسه يقول لنا ذلك : “إنّ هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى”. معظم قصص الأنبياء في القرآن مأخوذة من العهد القديم. سورة يوسف مثلا تلخيص مركّز لقصة يوسف في العهد القديم، وبالمثل في القرآن الكريم – تحت اسم الزبر والزابور – نجد آيات مقتبسة من نشيد الأنشاد الذي بعض آياته مترجمة حرفيّا من آيات “النشيد الأعظم” للفرعون أخناتون الذي يؤكّد النقد التاريخيّ بدلائل مُقْنعة، خاصة كتاب “أسرار سفر الخروج” (Les secrets de l’Exode) الصادر سنة 2000 بالفرنسية وتُرجم في أكثر من 40 بلدا إلاّ مصر المعنيّة به أوّلا، أنّه إبراهيم التوراتي. يثرب أسّسها الفراعنة في الألف الثانية قبل الميلاد لحراسة طريق استيراد الأحجار الكريمة من ظُفار، فلماذا لا يكون إبراهيم المصري هو الذي وضع أسُس الكعبة أيضا؟ هذا ليس فرضية تاريخية هو مجرّد تساؤل ودعوى إلى البحث… يفترض مؤلِّفا الكتاب أيضا أنّ يوسف هو رئيس الكهنة الأب “آي” الذي سيصبح فيما بعد فرعون وأنّ موسى هو رمسيس الثالث. وعموما للأساطير خلفية تاريخية. ترجمة هذا الكتاب ووضعه على الأنترنت قد يثير نقاشا علميا خصبا نحن في أشدّ الحاجة إليه للخروج من النقاشات الزائفة وسجن المسكوت عنه الديني الذي هو بمساحة خارطة أرض الإسلام. فهل من متطوّع؟

أُلحّ إلحاحا خاصّا على ضرورة تدريس تاريخ الأديان المقارن ابتداء من الإعدادي إلى العالي طبعًا في مناهج يُعدّها الأخصّائيون فيه تكون ملائمة لكلّ مرحلة من مراحل التعليم. تاريخ الأديان المقارن قائم عل مسلّمة جوهريّة قائلة لا يمكن فهم عقائدَ الأديان الحيّة مثل اليهودية والمسيحية والإسلام وشعائرها ورموزها وأساطيرها إلاّ بمقارنتها بعقائد الأديان الميّتة التي تطوّرت منها -وخاصة الديانتين البابليّة والمصرية- وشعائرها ورموزها وأساطيرها. تاريخ الأديان المقارن بتنزيله الظاهرة الدينية في التاريخ يجعلها قابلة للفهم تاريخيّا وعلميّا، أي بلا أسرار ولا ألغاز يقف أمامها العقل البشري عاجزا عن السؤال والفهم. لا شيء كتاريخ الأديان المقارن وعلوم الأديان لتحرير المؤمنين من الرقّ النفسي لتراث الأسلاف الذي جعل من كثير من فقهائنا مومياءات تراثية متحركة.

هل بإمكان العقل أن يفهم كل الألغاز الدينية بعلوم الأديان؟

ربّما لا. ولماذا لا؟ وفي الحالين يجب إعطاؤه الحقّ في السؤال، والسؤال محرّم في الإسلام التقليدي. استطاعت علوم الأديان حتى الآن تفكيك معظم رموز وأساطير العهد القديم. ومازالت الاكتشافات الأركيولوجية تقدّم لها باستمرار المزيد، كما فعلت الأركيولوجيا في إسرائيل وفلسطين وسيناء خلال الأربعين عاما الماضية.

تمكين العقل البشري من فهم الظاهرة الدينية عقلانيّا يجعلها نسبيّة. لأن كل ما هو تاريخي نسبي يتطوّر ويتكيّف مع متطلّبات الحياة في كل حقبة وكل بلد. اكتشاف أمريكا كان المنطلق الحقيقي للإصلاح الديني في أوروبا. ذلك أنّ وجود عقائد وشعائر دينية عند سكّانها الأصليين الذين لم تبلغهم الدعوة لا اليهودية ولا المسيحية شكّل صدمة صِحيّة للوعي المسيحي، فاكتشف ما تسمّيه الفينومينولوجيا وحدة الظاهرة الدينية التي تتجلّى في الاعتقاد في وجود عالم الغيب، عالم متعالٍ ومقدّس ومسكون بالأرواح والآلهة بالرغم من اختلاف المظاهر التاريخية التي تجلّت فيها هذه الوحدة الجوهريّة للظاهرة الدينية…

عندما يتعلم التلميذ أو الطالب أن الرموز الدينية واحدة في الأديان الوثنية والتوحيدية وأنّها انتقلت من الديانتين الوثنيّتين البابلية والمصرية إلى اليهودية، فإنه يتعلم التسامح الديني وضرورة حوار الأديان وينزرع فيه الفضول المعرفي وحبّ البحث. الأساطير البابلية انتقلت عن طريق إقامة اليهود في بابل خلال السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، وترجمتهم للأساطير البابلية في سفر التكوين عن أصل الكون الذي خلقه سبعة آلهة، في سبعة أيّام ومن هنا أسطورة قداسة الرقم 7 في الديانة البابلية مثلا سبعة آلهة وسبع سماوات وسبع أرَضين؛ كما أنّ أسطورة “الزوجين الأوّلين، آدم وحوّاء” ترجمها النبي حزيقال في سفر التكوين من الأساطير السوميريّة التي كانت تُسمّي آدم “أَدَبَا” أي الرجل المخلوق من صلصال، وآدم العبرية تعني “أديم الأرض” كما في العربية أيضا… علما بأنّ حزيقال تُخبرنا التوراة أنّه كان يأكل برازه، وهذا عَرَض من أعراض الفصام. أيضا أسطورة طوفان نوح اقتبسها سفر التكوين من ملحمة جلجامش التي تقول مثلا : “يا أتو بشتيم (الذي تُرجم إلى نوح) ابنِ سفينة واحمِل فيها اثنين من كل ذي حياة” لمواصلة تناسل الأحياء بعد الطوفان؛ وكذلك مدينة لوط هي في الأصل أسطورة بابلية. بالمثل تبنّت اليهودية كثيرا من أساطير الديانة المصرية ومنها انتقلت إلى المسيحية والإسلام.

وهكذا يعلم تاريخ الأديان المقارن أجيالنا الطالعة بأن الظاهرة الدينية تطوّرت بتطور المعارف البشرية من الإحيائية animisme إلى الأسطورة فإلى الدين. كما يعلمهم أن الدين لبّى عموما حاجات بشرية أساسية منها الرغبة في الخلود باختراع حياة أخرى بعد الموت. منذ بدأ الإنسان يدفن موتاه منذ 100- 350 ألف عام تحضيرا لهم للعيش في عالم آخر لبّى رغبته في الخلود. وبدأ يلبّي رغبته في معرفة الظواهر منذ بدأ يعطي تفسيرا خياليا لكل ظاهرة. بإمكان مدرسة المعقول الديني المنشودة أن تنوّر هذه الأجيال بحقيقة أن هذه الرغبة يلبّيها اليوم تدريجيا العلم بجعل العلاقة بين الإنسان وظواهر الطبيعة والمجتمع والنفس البشرية أكثر فأكثر شفّافة. أما الرغبة في الخلود فيمكن تلبيتها عقلانيا بالتقدم الطبي بالقضاء شيئا فشيئا على الألم والمرض وتأخير الشيخوخة. الإنسان مبرمج جينيّا ليعيش 120 عاما. لكنه نادرا ما يصل إلى هذه السنّ بسبب عقابه لذاته بنمط حياته السيّئ. بإمكان الطبّ اليوم أن يجعل مَن ولدوا في هذا القرن يعمّرون مائة عام وبصحّة جيّدة. كما أنّ إشباع غرائز الحياة بالقضاء على الحرمان الذي فرضته تقاليد ميّتة ومميتة يُلطّف الرغبة الهاذية في الخلود. بإمكان التحليل النفسي اليوم أن يساعد الإنسان الذي يتوهّم نفسه خالدا على قبول فكرة موته بضمير مطمئنّ. وهكذا يمكن التخلص التدريجي من قلق الموت محرّك الرغبة في الخلود. ويمكن إذن تقليص مساحة الهذيان الديني. بالوصول إلى مؤمن لا يرى في موته اغتيالا، كما كان يقول Levinas، بل نهاية ضرورية لترك المكان لمن ولدوا بعده لتواصل ملحمة الحياة مسارها. شخصيا فكرة خلودي لا تفرحني بل تثير قشعريرتي. في وضع بائس أو في أرذل العمر عندما تفقد الحياة معناها يكون الموت أو الانتحار خلاصا.

حقائق تاريخ الأديان هذه تساعد التلاميذ والطلبة على فهم تكوّن الظاهرة الدينية تاريخيّا وبذلك تقطع الطريق على اليقين الديني الأعمى الذي هو الأمّ الشرعية للتّزمّت والتطرّف والعنف الديني. وهذا هو الطريق الملكي للتّديّن المعتدل والإيمان المستنير الذي يفتح الطريق لحوار الأديان والثقافات الذي هو اليوم بديل حروب الأديان والثقافات. قلّما لا يعترف من درس تاريخ الأديان المقارن بجميع الأديان على قدم المساواة لأنّ بُنيتها واحدة وأصلها واحد. فقد تطورت عن بعضها بعضا عن طريق التلاقح الثقافي. وباختصار فكل علم من علوم الأديان يُلقي أضواء كاشفة على ظاهرة أو أكثر من الظواهر الدينية. مثلا السوسيولوجيا الدينية تعلّم الأجيال الجديدة أن الدين ظاهرة اجتماعية، وككل ظاهرة اجتماعية هو إذن موضوع للبحث والتحليل العلميين. وأن التطور الاجتماعي هو الذي يفرض على الدين التكيّف معه وليس العكس. أي أن المستجدّات التاريخية تعدّل أو تنسخ أحكام النصوص الدينية. وعندما يرفض الفاعلون الاجتماعيون تكييفه مع المستجدّات التاريخية فإنهم بذلك يُحوّلون الدين إلى جمود ديني أي إلى عقبة تعيق التطور التاريخي للجماعة المؤمنة. وهذا ما حدث للإسلام منذ قرون. كما تُعلّم المؤمن أن يلعب دوْرين، دور المؤمن ودور الباحث. من حقه كمؤمن عندما يصلّي أن يذوب في النص أي يتماهى معه، وعليه كباحث أن لا يتماهى مع النص بل أن يقف منه موقف الحياد حتى يجعل البحث الموضوعي فيه ممكنا. وهو ما نجده مثلا عند الفيلسوف الفرنسي المؤمن Paul Ricœur. سألت بيولوجيست فرنسي مرّة كيف وفَّقتَ بين علمك وإيمانك؟ أجاب : عندما أدخل الكنيسة أترك علمي في غرفة الملابس، وعندما أدخل المختبر أترك إيماني في غرفة الملابس. وهذا هو نموذج المسلم المؤمن الذي يمكن أن تنتجه دراسة الإسلام بعلوم الأديان. في اليهودية والمسيحية يوجد تمييز بين دين الإيمان كمجال خاص لممارسة الشعائر وبين دين التاريخ كمجال عام للسؤال والبحث العلمي. يمكن بالإصلاح الديني أن نصل إلى هذا التمييز في الإسلام أيضا. وهي محطة ضرورية لعقلنة الإسلام وتبعا لذلك لإشاعة العقلانية في المجتمعات الإسلامية الغارقة في الهذيان. حتى بات بإمكاننا التأكيد بأننا أمة تهذي.

ما سبب هذا الهذيان؟

ربما كان السبب الأول هو صدمة الحداثة التي عجزت الشخصية النفسية الجمعية على امتصاصها والصدمة العنيفة، حسب الطب النفسي، تجعل المصدوم ينقلب من العُصاب إلى الذُّهان. المحلل النفساني فتحي بن سلامة يردّ هذا الهذيان الجماعي إلى ما اسماه د.عبد الصبور شاهين “التناقض بين القرآن والعلم”. هذا الهذيان مرشّح للتفاقم. في هذا الشهر استطاع باحث أمريكي صنع الحياة مخبريا. أي صنع بكتيريا حيّة حاملة لآلاف الجينات تتوالد وحدها انطلاقا من مواد كيميائية. صانعها الوحيد هو الكمبيوتر. وهكذا غدا صنع كائنات حية نباتية وحيوانية مطروحا على جدول الأعمال… إذا كان الاستنساخ قد أدخل فقهاءنا وجمهورهم في الهذيان، في البارانويا الجماعية فكيف سيفعل بهم صنع الحياة مخبريا ؟

ما العمل؟

تحليل نفسي جماعي يتكفل به إصلاح دينيّ شجاع يفصل بين القرآن والعلم. وهذا ما حققه الشيخ متولي الشعراوي في كتابه “معجزة القرآن” قائلا :”إنّ الذين يقولون إنّ القرآن لم يأت ككتاب علم صادقون. ذلك أنّه كتاب أتى ليعلّمني الأحكام ولم يأت ليعلّمني الجغرافيا أو الكيمياء أو الطبيعة”. هذه الكلمات جديرة بأن تكتب بماء الذهب ويدرسها أبناؤنا من الابتدائي لشفاء أمثال عبد المجيد الزنداني في “جامعة الإيمان” من الهذيان السريري الذي أوصله إلى ادّعاء اكتشاف دواء للأيدز… إلا أنّ أطباء اليمن رفضوا الاعتراف به.

السوسيولوجيا الدينية تعلّم الشباب كيف يحلّلون التعاليم والنصوص الدينية في علاقتها بسلوك المتديّنين ومدا تأثيرها فيهم إيجابا أو سلبا وما هي الحاجات الفعلية أو التخييلية التي تلبيها لهم، وكيفية توظّيف الفاعلين الاجتماعيين للدين ولأيّة أهداف وفي أيّ مكان وزمان. مثل هذا الفهم يساعد على تطوير السلوك الديني وتوجيهه للمجال الخاص أي العائلة والجمعية والمسجد، ليبقى المجال العام مفتوحا لممارسة القيم المشتركة بين المواطنين جميعا على اختلاف طوائفهم وأديانهم. وهذه القيم المشتركة هي قيم حقوق الإنسان الكونية التي أنتجها العقل البشري للعقل البشري.

وتعلمنا السوسيولوجيا الدينية أنّ النص الديني لا ينطق بنفسه بل ينطق به الفاعلون الاجتماعيون مدفوعين بمصالحهم المادّية والسياسية أو بهذياناتهم. لذلك نجد الآية الواحدة أو الحديث الواحد فسّرته كل فرقة بما يتناسب مع معتقداتها السياسية أو الدينية. كما تعلّمهم أن الدين محافظ يرفض التجديد، لذلك هو في صراع دائم مع التجديد الديني والفكري والعلمي والأدبي والفنّي، حسبنا تَذكُّر حديث “كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار”. كما تعلمهم أنّ العلمانية هي المخرج الوحيد الممكن من هذا المأزق ليكون الدين لله والوطن للجميع كما قال سعد زغلول.

الأنثروبولوجيا الدينية تعلّم تلامذتنا وطلبتنا أنّ النصوص الدينية هي بنت المناخ الثقافي الذي ظهرت فيه. إذن هي نسبية وتتغيّر بتغيرات حساسيات الناس وأسلوب حياتهم وعقلياتهم فتغدو متقادمة أي يتجاوزها الزمن. وهكذا تصبح النصوص خاصة المتعلقة بالمعاملات والقِصاص ذات أهمية تاريخية ورمزية. وهذا ينطبق على الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية الشرعية والعقوبات البدنية التي أصبح تطبيقها فضيحة بل وجريمة في عصر ثقافة حقوق الإنسان التي صانت كرامته وفرضت حُرمة جسده واعترفت له بقائمة من الحقوق غير المسبوقة في تاريخ البشرية كحرية الاعتقاد أي تغيير الدين وحرية الضمير أي عدم الأخذ بأي دين وحرية التفكير والتعبير بعيدا عن كل رقابة دينية. مثلا كيف تُطبّق إيران أو السعودية عقوبة الرجم والحال أن البلدان المتحضّرة نسخت حتى عقوبة السجن في الزنا بما فيها حكومة تركيا الإسلامية التي نسخت عقوبة الإعدام وعقوبة الزنا واعترفت للمسلم بحقه في تغيير دينه أو عدم الأخذ بأي دين؟

أليست فضيحة أن ترفض المحكمة الشرعية العليا في السعودية سنة 2008 فسخ زواج كهل (58 عاما) مع طفلة في الثامنة بحجّة أن النبيّ تزوّج عائشة في التاسعة، وأمّ الفضائح هي بقاء السعودية وباقي الدول العربية باستثناء تونس والمغرب حتى الآن من دون قانون أحوال شخصيّة حديث يمنع زواج – اغتصاب الأطفال وتعدّد الزوجات والطلاق الانفرادي والتفاوت في الشهادة والإرث عملا بفتوى الفقيه المجدد حسن عبد الله الترابي ويمنع الإرث بالتعصيب أسوة بتونس الرائدة في رفع المظالم عن المرأة.

كيف ألغى الحبيب بورقيبة الإرث بالتعصيب؟

كان ذلك إن صدقتني الذاكرة سنة 1967 عندما توفّي أب تاركا كوارث ابنة واحدة. بحثت المحكمة أسابيع عن قريب لإعطائه نصف التركة وأخيرا عثرت عن قريب بعيد له لم يلتق به قطّ ولم يسمع حتى بموته، فأعطته نصف التركة. أعلم وزير العدل بورقيبة بالواقعة فأصدر فورا قانونا يلغي الإرث بالتعصيب فأصبحت البنت ترث كلّ تركة أبيها. إذا كان الإسلام اليوم معزولا وفي صدام مع العالم ومع قطاع متزايد باستمرار من المسلمين أنفسهم فذلك لأنه مازال لم يكيف نفسه Aggiornamento مع حقائق العالم الذي يعيش فيه.

المظالم الشرعية التي سلّطها الفقهاء المعادون للمرأة على المرأة منذ عدة قرون، لم يعد لها اليوم أي مبرر أنثروبولوجي في العالم الذي نعيش فيه، عالم ثقافة حقوق الإنسان التي اكتسبت في الوعي الجمعي للبشرية وفي وعي قطاع متزايد من المسلمين شرعية وقداسة الدين. وأتمنى على الملك المصلح عبد الله بن عبد العزيز أن يُنقذ الإسلام والشعب السعوديّ معا من لعنة تطبيق العقوبات البدنية الشرعية التي تشوّه صورة الإسلام في العالم. وباسم العلم أوجّه له نداءً حارّا لرفع الحظر عن التنقيب الأركيولوجي في الحجاز، وخاصة في مكّة والمدينة المحظورتين على الباحثين الأجانب، لغايات علمية يتطلبها كشف الآثار الباقية من تاريخ ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام، ووضع حد لتدمير المتعصبين للآثار الإسلامية منذ 1933 وآخرها مطالبتهم بتحويل بيت خديجة في مكة المكرمة إلى مرحاض عمومي… فهذه الآثار جزء من ذاكرة البشرية وتقدم للعلم والتاريخ خدمات لا تقدر بثمن. إهمالها وإتلافها جريمة في حقّ هذه الذاكرة وفي حقّ العلم وفي حق تاريخ الإسلام الذي مازال التنقيب الآثاري لم يقدم إليه إسهامه الثمين لغربلة الروايات الشفوية التي تخلط الحقيقة بنصف الحقيقة وبعكس الحقيقة وتتحدى الباحثين أن يميزوا بينها.

ناصر بن رجب: باحث ومترجم تونسي
وريغ لحسن: سكريتير تحرير الأحداث المغربية

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий