Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > اختراع المفهوم العلمي للثقافة- دوني كوش

اختراع المفهوم العلمي للثقافة- دوني كوش

في القرن التاسع عشر أدى اعتماد المسعى الموضوعي في التفكير حول الإنسان والمجتمع إلى ولادة علم الاجتماع وعلم الإناسة    ethnologie باعتبارهما فرعين علميين.حاول علم الإناسة،  من جهته، تقديم جواب موضوعي على السؤال القديم المتعلق بالتنوع البشري.كيف ننظر إلى الخصوصية البشرية  عبر تنوع الشعوب و “الأعراف”؟.ويتفق مؤسسو الإناسة العلمية على فرضية واحدة أورثها عصر الأنوار،  هي وحدة الإنسان.ويعتبرون أن الاختلاف يكمن في التفكير بالتنوع في الوحدة.

لكن على هذا السؤال المطروح لا يريد هؤلاء العلماء الاكتفاء بالجواب البيولوجي.وإن كانوا ينادون بعلم جديد، فذلك لتقديم تفسير آخر للتنوع البشري يختلف عن تفسير وجود “أجناس” مختلفة.وقام علماء الإناسة في الوقت نفسه باكتشاف طريقين متنافسين: الطريق الذي يفضل الوحدة ويقلل من أهمية التنوع من خلال اعتباره تنوعاً مؤقتاً وفق مخطط تطوري، والطريق المعاكس الذي يولي اهتمامه للتنوع مع حرصه على بيان أنه لا يتناقض مع الوحدة الأساسية للبشرية.

وانبثق مفهوم شكّل أداة مفضّلة للتفكير في هذه القضية وسبر مختلف الأجوبة الممكنة: ألا وهو مفهوم “الثقافة”.وهي كلمة فضفاضة لكنها غالباً ما استخدمت بمعنى معياري.وخلع عليها مؤسسو علم الإناسة  مضموناً وصفياً بحتاً. ولم يعد الأمر يتعلق،  بالنسبة لهم،  كما هو بالنسبة للفلاسفة، بقول ما ينبغي أن تكون عليه الثقافة، بل بوصف واقعها كما تبدو في المجتمعات البشرية.

مع هذا فإن علم الإناسة لم يفلت في بداياته من الغموض، ولم ينفكّ بسهولة من حكم القيمة ولا من المقتضيات الإيديولوجية. لكن كون الأمر يتعلق بفرع معرفي في طور التشكل، وبعجزه عن القيام بتأثير حاسم في المجال الفكري لتلك الفترة سمح للتفكير حول مسألة الثقافة  بالانفلات من إشكالية النقاش العاطفي الذي كان يقابل “الثقافة” ب” الحضارة” وحافظ على استقلالية إبيستيمولوجية نسبية. لقد تم إدخال مفهوم الثقافة بشكل لا مثيل له في مختلف البلدان التي نشأت الإناسة فيها. ومن جانب آخر،  لن يكون هناك اتفاق بين مختلف “المدارس” حول مسألة معرفة ما إذا كان يجب استخدام المفهوم بصيغة المفرد “الثقافة” أو بصيغة الجمع “الثقافات” بمعنى شمولي أو خاص.

تايلور والمفهوم العالمي للثقافة

ندين لإدوارد تايلور(1832-1917)، الأنثروبولوجي البريطاني بأول تعريف إناسي للثقافة:

“الثقافة أو الحضارة بمعناها الإناسي الأوسع، هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع [1870، ص1].هذا التعريف الواضح والبسيط يستدعي بعض التعليقات.فهو، كما نرى، تعريف وصفي وموضوعي وليس تعريفاً معيارياً.ومن جانب آخر، فهو يختلف عن التعاريف الأخرى الحصرية والفردانية للثقافة.يرى تايلور أن الثقافة تعبير عن شمولية الحياة الاجتماعية للإنسان.وتتميز ببعدها الجماعي.والثقافة،  في نهاية الأمر، مكتسبة، وبالتالي فهي لا تنشأ عن الوراثة البيولوجية.ومع أنها مكتسبة فإن أصلها وطابعها غير واعيين إلى حد كبير.

إذا كان تايلور أول من اقترح تعريفاً مفهومياً للثقافة، فهو ليس أول من استخدم هذا المصطلح في علم الإناسة.وهو نفسه كان، في استخدامه لهذا المصطلح،  متأثراً مباشرة بعلماء الإناسة الألمان الذين قرأ لهم،  لا سيما غوستاف كليم  G.Klimm  الذي كان يستخدم كلمة  kultur بمعنى موضوعي لا سيما حينما كان يحيل إلى الثقافة المادية وهو ما كان مخالفاً للتقاليد الرومانسية الألمانية.

كان التردد عند تايلور بين كلمتي “ثقافة” و ” حضارة” سمة من سمات  سياق تلك الفترة.وإذا فضل في النهاية استخدام كلمة “ثقافة” فذلك لأنه فهم أن كلمة “حضارة”، حتى بمعناها الوصفي البحت، تفقد طابعها كمفهوم فاعل حينما نطبقها على المجتمعات “البدائية” بسبب أصلها اللغوي الذي يرجع إلى تكوّن المدن، وبسبب المعنى الذي اكتسبته في العلوم التاريخية حيث  تدل فيها على المنجزات المادية التي كان تطورها ضعيفاً في تلك المجتمعات.

يعتبر تايلور أن للثقافة، حسب تعريفه  الجديد لها، فضيلة أنها كلمة حيادية تسمح بإمكانية التفكير بالبشرية كلها والانفصال عن بعض مقاربات “البدائيين” الذين كانوا يرون فيهم كائنات مختلفة.

ليس هناك ما يدهش في أن يكون إدوارد تايلور هو مخترع ذلك المفهوم، فهو مفكر حر، ولأنه صاحبي quaker،  أي متسامح فقد أغلقت الجامعة الإنكليزية أبوابها في وجهه.كان تايلور يؤمن  بقدرة الإنسان على التقدم، وكان يشترك في هذا مع الفرضيات التطوريّة التي كانت سائدة في وقته,ولم يكن  يؤمن بمفهوم الوحدة النفسانية للبشرية الذي كان يفسر التشابهات الملحوظة في المجتمعات الشديدة التباين:يرى تايلور أن العقل البشري يعمل في الشروط المتشابهة بشكل واحد في أي مكان.وبما أنه من ورثة عصر الأنوار فقد انضم أيضاً إلى المفهوم العالمي للثقافة الذي نادى به فلاسفة القرن الثامن عشر.

المشكلة التي كان تايلور يحاول حلها، عبر تفسير واحد،  هي المصالحة بين تطور الثقافة وبين عالميتها.في كتابه الثقافة البدائية(1871) الذي سرعان ما ترجم إلى الفرنسية عام 1876(وهو كتاب قيل أنه يؤسس الإناسة كعلم مستقل) يتساءل عن “أصول الثقافة” (عنوان الجزء الأول من الكتاب المذكور) وعن آليات تطورها.وكان أول إناسيٍّ يتطرق فعلاً إلى الوقائع الثقافية ضمن هدف عام ومنتظم.وكان أول من اهتم بدراسة الثقافة في كل أنماط المجتمعات في مختلف أوجهها  المادية والرمزية وحتى الجسدية.

بعد إقامته في المكسيك، وضع تايلور منهج دراسة تطور الثقافة من خلال النظر في الآثار الثقافية الباقية  survivances .في المكسيك، تمكن من ملاحظة التعايش بين أعراف الأسلاف وبين السمات الثقافية الحديثة، وكان يظن أنه من خلال دراسته للآثار الباقية يستطيع العودة إلى المجموع الثقافي الأصلي ومن ثم إعادة بنائه.ومن خلال تعميم هذا المنهج المبدئي  وصل إلى خلاصة مفادها أن ثقافة الشعوب البدائية المعاصرة كانت تمثل عموماً الثقافة الأصلية للبشرية:وهذه الثقافة هي بقايا المراحل الأولى للتطور الثقافي، وهي مراحل مرت بها ثقافة الشعوب المتحضرة حتماً.

كان منهج النظر في الآثار الباقية يستدعي،  منطقياً، اعتماد المنهج المقارن الذي أدخله تايلور في علم الإناسة.ويعتبر أن دراسة الثقافات الفريدة  singulières ما كان لها أن تتم بدون مقارنتها مع بعضها، لأنها كانت ترتبط فيما بينها داخل حركة التقدم الثقافي نفسها.ومن خلال المنهج المقارن، حدد لنفسه هدف إقامة، على الأقل،  سلم،  وإن كان غير دقيق، لمراحل تطور الثقافة.

كان تايلور يريد البرهنة على الاستمرارية بين الثقافة البدائية وبين الثقافة الأكثر تقدماً.وخلافاً لمن قالوا بوجود انقطاع بين الإنسان المتوحش الوثني وبين الإنسان المتحضر التوحيدي، فقد انهمك في البرهنة على الرابط الأساسي الذي كان يوحد الأول بالثاني الذي لم يكن قادراُ على الاقتراب منه إلا لفترة محدودة.بين البدائيين والمتحضرين لا يوجد فارق من حيث الطبيعة،  إنما في درجة التقدم في طريق الثقافة.وناضل تايلور بحماسة ضد النظرية القائلة بانحطاط البدائيين، وهي نظرية مستوحاة من اللاهوتيين الذين عجزوا عن تصور أن الله قد خلق كائنات “متوحشة ” أيضا وقد سمحت هذه النظرية بعدم الاعتراف بأن البدائيين كائنات بشرية مثلها مثل الكائنات الأخرى.وخلافاً لذلك، فهو يرى أن البشر كلهم كانوا كائنات ثقافية تماماً، ولا بد من تقدير مساهمة كل شعب في تقدم الثقافة.

إذا،  نرى أن الاتجاه التطوري عند تايلور،  لا يستبعد أي معنى من معاني النسبية الثقافية، وهو ما كان نادراً في عصره.لكن مفهومه للثقافة لم يكن متيناً: إذ لم يكن مقتنعاً تماماً بوجود تواز مطلق بين التطور الثقافي لمختلف المجتمعات.لذا فقد وضع، في بعض الحالات، فرضية  انتشارية diffusionniste([1](.فمجرد التشابه بين السمات الثقافية لثقافتين مختلفتين غير كاف للبرهنة على أن هاتين الثقافتين كانتا تحتلان المكان نفسه على سلم التطور الثقافي، إذ كان من الممكن أن تنتشر إحداهما نحو الأخرى.على وجه العموم، كان تايلور متحفظاً في تأويلاته.وهذا دليل إخلاص لموضوعيته العلمية.

ونظراً لأعماله واهتماماته المنهجية حقَّ لإدوارد تايلور أن يعدّ مؤسس الأنثروبولوجيا البريطانية.وبفضله تم الاعتراف بأن يكون هذا العلم فرعاً معرفياً جامعياً.وفي عام 1883 أصبح أول أستاذ لكرسي الأنثروبولوجيا التي درسها في جامعة أكسفورد البريطانية.

بواس ((Boas)) والمفهوم الذاتي للثقافة

إذا عٌدّ تايلور مخترع المفهوم العلمي للثقافة، فإن بواس هو أول أنثروبولوجي يقوم باستطلاعات ميدانية عبر الملاحظة المباشرة والطويلة للثقافات البدائية.وبهذا المعنى يكون مخترع علم وصف الأجناس البشرية Ethnographie .

فرانز بواس(1858-1942)ينحدر من أسرة يهودية ألمانية ذات تفكير ليبرالي.وقد تأثر بالمسألة العنصرية وكان أحد ضحايا معاداة السامية على يد أحد زملائه في الجامعة.تابع دراسته العليا في الجامعات الألمانية المختلفة فدرس الفيزياء أولاً ثم الرياضيات وبعدها الجغرافيا (الفيزيائية والبشرية).وقادته دراسته الأخيرة إلى الأنثروبولوجيا .في عام 1883-1884 شارك في بعثة إلى أرض بافن في بلاد الإسكيمو، باعتباره جغرافيّاً مثقلاً باهتمامات رجل الجغرافيا(كان الموضوع المطلوب هو دراسة أثر الوسط المادي على مجتمع الإسكيمو)، فلاحظ أن التنظيم الاجتماعي كان محكوماً بالثقافة أكثر منه بالبيئة المادية.وبالتالي عاد إلى ألمانيا عازماً على تكريس بحوثه،  من الآن فصاعداً، للأنثروبولوجيا بشكل أساسي.

في عام 1886 سافر بواس إلى أميركا الشمالية للقيام باستطلاعات ميدانية لوصف الأعراق من خلال هنود الشاطئ الشمالي الغربي في كولومبيا البريطانية.وبين عامي 1886 و 1889 أقام في قبائل الكويوتل والشينوك والتزيميشان.وقرر في عام 1887 الاستقرار في الولايات المتحدة والحصول على الجنسية الأميركية.

إذا أردنا الإيجاز نقول إن أعمال بواس كلها تشكل محاولة للتفكير في قضية الاختلاف.فهو يعتبر أن الاختلاف الأساسي القائم بين الجماعات البشرية هو اختلاف ثقافي وليس اختلافاً عرقيّاً.وبما أنه درس الأنثروبولوجيا الفيزيائية فقد أولى هذا الفرع اهتماماً كبيراً، لكن اهتمامه انصب على تفكيك ما كان يشكل في تلك الفترة مفهوماً رئيسياً وهو مفهوم “العرق”.

في دراسة لـه أحدثت صدى كبيراً قدمها عام 1910(جمع فيها 17821 موضوعاً) بيّن، بالاعتماد على المنهج الإحصائي، السرعة الكبيرة (على مدى جيل واحد) للتنوع الذي يلحق بالسمات الشكلية (لا سيما شكل الجمجمة) بسبب ضغط البيئة الجديدة.واعتبر أن مفهوم “العرق” البشري المزعوم علمياً، ويعدّ مجموعة ثابتة أو دائمة من السمات الفيزيائية الخاصة بجماعة بشرية معينة ما هو إلا مفهوم ضعيف لا يصمد أمام الواقع.ف”الأعراق”المزعومة ليست ثابتة، وليس هناك صفات عرقية ثابتة.وبالتالي يستحيل تعريف “عرق” ما بدقة حتى لو لجأنا إلى ما يسمى بمنهج المعدلات الوسطية  moyennes .وخاصية الجماعات البشرية، على الصعيد الفيزيائي، هي مرونتها وتغيرها واختلاطها.ومن هذه الاستنتاجات انتقل إلى اكتشافات متأخرة تتعلق بعلم وراثة السكان من البشر.

كما اهتم بواس بتوضيح عبث الفكرة  التي كانت مهيمنة في عصره والمستترة خلف مفهوم “العرق”.وهي فكرة وجود علاقة بين السمات الفيزيائية والسمات العقلية.ويعتبر تايلور  أن المجالين ينشآن عن تحليلين شديدي التباين.وللوقوف في وجه هذه الفكرة اعتمد مفهوم الثقافة الذي كان يبدو له الأصلح لبيان تنوع البشرية.وهو لا يرى أي اختلاف “طبيعي”(بيولوجي) بين البدائيين والمتحضرين إلا الاختلاف الثقافي.وهو بالتالي اختلاف مكتسب وليس غريزياً.يتضح إذاً،  أن بواس يعتبر مفهوم الثقافة لا يعمل بشكل يخفي معه مفهوم “العرق” مخالفاً بهذا ما قاله البعض آنذاك، ووضع بواس هذا المفهوم في مقابل الآخر.وكان بواس آخر رجال العلم الاجتماعيين الذين تخلوا عن مفهوم “العرق” في تفسير التصرفات البشرية.

وخلافاً لتايلور الذي أخذ عنه تعريفه للثقافة، وضع بواس نصب عينيه هدف دراسة الثقافات وليس الثقافة.ولأنه كان متحفظاً إزاء التركيبات  synthèses النظرية، لاسيما النظرية التطورية ذات الاتجاه الواحد  unilinéaire  التي كانت سائدة في الوسط الفكري، فقد عرض في عام 1896،  في مداخلة لـه،  ما كان يعتبره”حدود المنهج المقارن” في دراسة الأعراق.وهاجم الاتجاه التطوّري غير المتحفظ المعتمد من أغلب الكتاب التطوريين.وكان يرى أنه لم يكن هنالك إلا القليل من الأمل لاكتشاف القوانين العامة لحركة المجتمعات والثقافات البشرية.، وكذلك القوانين العامة لتطور الثقافات.ووجه نقداً جذرياً للمنهج المسمى ب “التحقيب”([2]) Périodisation  التي تنطوي على إعادة بناء مختلف أحقاب تطور الثقافة انطلاقاً من أصولها المزعومة.

وللأسباب نفسها كان بواس حذراً من الأطروحات الانتشارية المزعومة القائمة على إعادة البناء التاريخية.على وجه العموم، استبعد بواس كل نظرية كانت تزعم قدرتها على تفسير الأشياء كلها.ونظراً لاهتمامه بالدقة العلمية، فقد رفض أي تعميم يخرج عن إطار ما يمكن توضيحه تجريبياً.

لقد كان بواس شكاكاً ومحللاً أكثر منه منظّراً،  ولم يطمح أبداً إلى تأسيس مدرسة فكرية.

وفي المقابل، سيبقى بواس في  تاريخ الأنثروبولوجيا  مؤسس المنهج الاستقرائي الميداني المكثّف.وكان يفهم علم الإناسة على أنه علم الملاحظة المباشرة:إن دراسة ثقافة معينة يجب أن تقوم على تدوين كل شيء،  حتى تفاصيل التفاصيل.ومن خلال اهتمامه بالاحتكاك بالواقع، لم يكن يحبّذ اللجوء إلى المخبرين.فإذا أراد عالم الإناسة التعرف على ثقافة ما وفهمها جيداً، عليه أن يقوم بتعلّم لغتها  بنفسه.وبدلاً من إجراء المحادثات الشكلية إلى حد ما-لأن طبيعة المحادثة من شأنها تحريف الأجوبة- يجب عليه بوجه الخصوص،  أن يكون متنبهاً إلى كل ما يقال في المحادثات “العفوية” أي، كما يقول، عدم التردد في “استراق السمع من خلف الأبواب”.وهذا كله يفترض إقامة طويلة بين السكان الذين اختار دراسة ثقافتهم.

يعدّ بواس، على نحو ما، مخترع منهج البحث ذي الموضوع الواحد   monographie   في الأنثروبولوجيا.وعلى الرغم من أنه كان يتعقب أدق التفاصيل ويبحث عن معرفة شاملة للثقافة المدروسة قبل وضع الخلاصة العامة فهو لم ينجز أبداً بحثاً ذا موضوع واحد بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى.بل وصل به الأمر إلى الاعتقاد بأن أية لوحة منتظمة لثقافة معينة تتضمن بالضرورة، جزءاً من التنظير،  وهذا بالضبط ما كان يمتنع عن القيام به، علماً بأنه كان يؤمن بأن الثقافة تشكّل كلاًّ وظيفياً منسجماً.

وندين لـ”بواس” à”Boas” بالمفهوم الأنثروبولوجي حول ” النسبية الثقافية” حتى لو لم يكن هو من اخترع هذا التعبير الذي لم يظهر إلا لاحقاً.، أو أول من فكر بالنسبية الثقافية.النسبية الثقافية عنده هي، أولاً، وربما أكثر من أي شيء آخر، مبدأ منهجي.وللإفلات من كل أشكال  العرقية المركزية     ethnocentrisme  في دراسة ثقافة معينة، فقد أوصى بدراسة تلك الثقافة دون أفكار مسبقة دون مقارنتها قبل الأوان بثقافات أخرى.وكان ينصح بالحيطة والحذر والصبر في البحث.وكان واعياً لتعقيد كل منظومة ثقافية ويقول إن المعاينة المنهجية لمنظومة ثقافية في حد ذاتها من شأنها أن تقضي على تعقيدها.

بالإضافة إلى أن بواس يعتبر النسبية الثقافية مبدأ منهجياً، فإنها تتضمن أيضاً مفهوماً نسبياً للثقافة.ونظراً لأصله الألماني ودراسته في الجامعات الألمانية فقد كان متأثراً بالمفهوم الذاتي  particulariste  الألماني للثقافة، فهو يرى أن كل ثقافة هي ثقافة وحيدة ونوعية.وكان اهتمامه مشدوداً،  بشكل عفوي، إلى ما يكون أصالة ثقافة معينة. ولذا لم يسبقه أي باحث أبداً في موضوع دراسة الثقافات الخاصة بشكل مستقل.لأنه يعتبر أنّ كل ثقافة تمثّل كلاً فريداً، وانصب جهده على البحث عن أسباب هذه الوحدة.ومن هنا اهتمامه ليس بوصف الوقائع الثقافية وحسب بل أيضاً فهمها من خلال إعادة وصلها بالمجموع الذي ترتبط به.فالعرف الخاص لا يمكن تفسيره إلا برده إلى السياق الثقافي الذي هو سياقه.وكان يسعى إلى فهم الكيفية التي تشكّلت فيها النقيضة الأولية التي تمثلها كل ثقافة والكامنة وراء تجانسها.

كل ثقافة لها “أسلوب” خاص يتضح من خلال اللغة والمعتقدات والأعراف والفن أيضاً وغير ذلك.وهذا الأسلوب هو “روح” يخص كل ثقافة ويؤثر على سلوك الأفراد.وكان بواس يظن أن مهمة الإناسي(عالم الأعراق) تنطوي أيضاً على توضيح العلاقة  التي تربط الفرد بثقافته.

لا شك في وجود علاقة وطيدة بين النسبية الثقافية كمبدأ منهجي  وكمبدأ إبستمولوجي تؤدي إلى مفهوم نسبي للثقافة.واختيار منهج الملاحظة المستمر والمنتظم والبعيد عن الأحكام المسبقة لكيان ثقافي محدد يؤدي تدريجياً إلى اعتبار هذا الكيان كياناً مستقلاً.وتبدل الوصف العرقي لدى المسافرين “الذين يمرون مرور الكرام على هذا الكيان أو ذاك” ليتحول إلى وصف عرق يستند إلى الإقامة الطويلة قد غيّر تماماً فهم الثقافات الخاصة.

وفي نهاية حياته شدد بواس على وجه آخر من أوجه النسبية الثقافية وهو ما يمكن عده أيضاًً مبدأ أخلاقياً يؤكد قيمة كل ثقافة وينادي بالاحترام والتسامح إزاء الثقافات المختلفة.وطالما أن كل ثقافة تعبّر بشكل خاص عن كون الإنسان إنساناً فيجب احترامها وحمايتها إذا كان يتهددها خطر معين.

لو نظرنا إلى أعمال بواس في تنوعها الغني وإلى الافتراضات المتعددة التي تطرحها حول الوقائع الثقافية التي تحملها، فإننا نكتشف، بلا ريب، بشائر ما ستكون عليه الأنثروبولوجيا الثقافية في شمال أمريكا.

فكرة الثقافة لدى مؤسسي الإناسة الفرنسية

عبرت فرنسا عن أصالة في تطوير العلوم الاجتماعية بالقياس إلى البلدان المجاورة لها.إذ نشأ فيها علم الاجتماع باعتباره فرعاً علمياً.لكن هذه الأسبقية ستكون سبباً في تأخر نهوض الإناسة الفرنسية.في المرحلة الأولى يمكن القول أن علم الاجتماع الفرنسي قد احتل مساحة البحث كلها حول المجتمعات البشرية.والإناسة- والأصح أن يقال علم وصف الأعراق(      ethnographie – عٌدّت مجرد ملحق لعلم الاجتماع.وكانت “المسألة الاجتماعية” تهيمن على “المسألة الثقافية” وتطمسها.

غياب المفهوم العلمي
للثقافة في بدايات البحث الفرنسي

في فرنسا وفي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،  التزم الباحثون الفرنسيون في العلوم الاجتماعية باستخدام اللسانيات التي كانت مهيمنة في تلك الفترة، وكانوا يستخدمون مصطلح “الحضارة” الذي كرّسه المؤرخون، ولم يستخدموا أبداً مصطلح “الثقافة” بالمعنى الجماعي والوصفي. ومع أنهم كانوا مطلعين على الأعمال العلمية الألمانية، إلا أنهم رفضوا أغلب الأحيان،  ترجمة       kultur بنظيرها الفرنسي culture  وفضلوا عليه مصطلح “الحضارة”.وكتاب تايلور الثقافة البدائية لاقى صدى في الأوساط العلمية الفرنسية، لكن عنوان الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب تحول إلى :الحضارة البدائية.

بقي مصطلح “ثقافة” culture تحت أقلام الباحثين مرتبطاً،  على وجه العموم، بمفهومه التقليدي في المجال الفكري القومي:ولم يكن يعني عندها سوى مجال الروح كما لم يُفهم إلا بالمعنى النخبوي الضيق وبمعنى فرداني individualiste (ثقافة شخص “مثقف”)

من الواضح أن السياق الخاص بفرنسا القرن التاسع عشر قد أوقف انبثاق المفهوم الوصفي للثقافة.وكان علماء الاجتماع وعلماء الأعراق أنفسهم مشبعين تماماً بالعالمية المجردة لعصر الأنوار مما منعهم من التفكير بالتعددية الثقافية في المجتمعات البشرية بطريقة أخرى دون العودة إلى الحضارة.لأن السياق التاريخي لم يكن يشجع على التساؤل حول هذه المسألة.فالملحمة الكولونيالية “الاستعمارية” كانت تجري تحت اسم “الرسالة التحضيرية”التي تضطلع بها فرنسا.وقد ولّدت المنافسة  لألمانيا والصراع معها تعارضاً بين اتجاهين قوميين يستخدمان مفهوميّ “kultur و civilisation  كأسلحة دعائية. أخيراً،  اعتمدت الدولة-الأمة الفرنسية التي واجهت، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر تنامي الهجرة الأجنبية السريع، اعتمدت سياسة ثقافية  إدماجية assimilationniste لهؤلاء الناس طبقاً للنموذج المركزي الذي سبق له وأن ترك آثاره على ثقافات مناطق البلاد.

في الإتنولوجيا الفرنسية المبتدئة لمعَ مفهوم الثقافة على الرغم من عدم وجوده.وكان لا بد من انتظار مارسيل غريول وميشيل ليريس،  في الثلاثينات، ليبدأ استخدام هذا المصطلح بالظهور.في تلك السنوات اكتسبت الإتنولوجيا نوعاً من الاستقلالية إزاء علم الاجتماع وكوّنت أدواتها المفهومية الخاصة بها.وقد شجعت مواجهتها المباشرة والمستمرة مع الغيرية altérité والتعددية pluralité  الثقافية على انبثاق مفهوم ثقافة عن طريق إدخال شيء من النسبية الثقافية.

لكن هذا المفهوم لم يظهر في فرنسا إلا بشكل متدرج. بما في ذلك الأدب الإتنولوجي وترتب على كلمة “حضارة” أن تتصدى لكلمة “ثقافة”،  لأن المصطلحين  بقيا قيد الاستخدام بشكل غير مباشر حتى الستينات.وترجم كتاب روث بينيدكت الكلاسيكي patterns of culture  في عام 1950. تحت عنوان (تعيس بكل المقاييس) :عيّنات حضارية.

دوركهايم والمقاربة الواحديّة للوقائع الثقافية

شاءت الصدف الغريبة أن يولد إميل دوركهايم (1858-1917) في السنة نفسها التي ولد فيها فرانز بواس، واحتل مكانة “تأسيسية” في الأنثروبولوجيا الفرنسية مثلما احتل بواس مكانته المعروفة في الأتثروبولوجيا الأمريكية.وكان دوركهايم عالم اجتماع أكثر منه عالم إتنولوجيا(أعراق)، لذا فقد وضع علم اجتماع ذي توجهات أنثروبولوجية.وكان في الحقيقة، يطمح إلى فهم [العامل ]الاجتماعي في كل أبعاده ومظاهره بما في ذلك البعد الثقافي من خلال المجتمعات كلها.

وما أن تأسست مجلة “السنة السوسيولوجية” عام 1897 حتى ساهم دوركهايم في تأسيس الإتنولوجيا الفرنسية وأمّن الاعتراف الوطني والعالمي بها من خلال نشره لموضوعات إتنوغرافية وملخصات كتب إتنولوجية  أجنبية في أغلب الأحيان وذلك في سلسلة أعداد هذه المجلة.ولم يستخدم دوركهايم من جهته أبداً مصطلح “الثقافة” وكانت مجلته تُتَرجمُ كلمة “ثقافة” الواردة باللغات الأجنبية إلى كلمة “حضارة” باللغة الفرنسية.وهو إن لم يكن يلجأ،  إلا عَرَضاً،  إلى مصطلح الثقافة فليس لأنه لم يكن مهتماً بالقضايا الثقافية بل لأنه كان يرى أن القضايا الاجتماعية تنطوي بالضرورة على بعد ثقافي لأنها ظواهر رمزية في الوقت نفسه.

لقد ساهم دوركهايم كثيراً في إخراج الفرضيات الإيديولوجية المسبقة والمستترة،  إلى حد ما،  من مفهوم الحضارة.في مقالته “ملاحظة على مفهوم الحضارة” التي كتبها بالاشتراك مع مارسيل ماوس ونشرت عام 1913 جاهد لاقتراح مفهوم موضوعي وليس معيارياً للحضارة التي كانت تنطوي على فكرة تعددية الحضارات دون التقليل من أهمية وحدة الإنسان.ولم يكن يشك أبداً في وحدة البشرية ولا يرى اختلافاً بين البدائيين والمتحضرين من حيث طبيعتهم.و ماوس، الذي كان يتفق مع دوركهايم ويتعاون معه بشكل وثيق، كان أكثر وضوحاً حينما صرح منذ عام 1901:

” إن حضارة شعب ما ليست سوى مجموع ظواهره الاجتماعية؛والحديث عن وجود شعوب غير مثقفة”بدون حضارة”، وعن شعوب “طبيعية” ما هو إلا حديث عن أشياء غير موجودة. (السنة السوسيولوجية، ج4، ص141).

وإذا كان دوركهايم يتفق مع بعض أوجه النظرية التطورية،  إلا أنه كان يبتعد عن أكثر طروحاتها تقليصية،  لاسيما الأطروحة المتعلقة بالشكل الوحيد الاتجاه للتطور الذي تشترك فيه المجتمعات كلها.وفي تلخيصه لأحد الكتب الألمانية التي تدرس “علم نفس الشعوب” وكان ذلك علماً شائعاً جداً في ألمانيا كتب يعبر عن عدم اتفاقه مع فرضية هذا الكتاب الرئيسية التي تطرح فكرة المصير المشترك للبشرية جميعها، كتب يقول: ” لا شيء يسمح بالاعتقاد بأن مختلف أنماط الشعوب تتجه كلها في الاتجاه نفسه؛لأن بعضها يسير في أكثر الطرق تنوعاً، ويجب أداة يتمثل التطور البشري على شكل خط تتوضع عليه المجتمعات  تلي الواحدة الأخرى كما لو أن المجتمعات الأكثر تقدماً كانت استكمالاً واستمراراً للمجتمعات الأكثر بدائية، بل يجب تمثيلها على شكل شجرة ذات أفنان متعددة ومتنوعة.ولا شيء يثبت أن حضارة الغد ستكون امتداداً لحضارة اليوم المتطورة بل ربما سيكون صانعوها  تلك الشعوب التي نعدها اليوم أدنى منّا  كالصين على سبيل المثال.وقد يسيرونها في اتجاه جديد غير متوقع.)السنة السوسيولوجية، ج 7،  1913،  ص 60-61).

إذاً،   لم يكن فكر دوركهايم يفتقر إلى رهافة الحس إزاء النسبية الثقافية الناشئة عن فهمه العام للمجتمع وللمعيارية الاجتماعية.وكان يتطرق إلى هذه المسألة من خلال اعتماد مسعى نسبي :المعيارية نسبية لكل مجتمع ولمستوى تطوره، وبالتالي فقد كان مفهومه للمعيارية فهماً وصفياً بحتاً قائماً على نوع من “الوسطي” الخاص بكل مجتمع من المجتمعات.

في السنوات اللاحقة، استكمل ماوس في عام 1929 فكر دوركهايم بأسلوب أكثر سجالية وصراحة.وجاء في محاضرة له حول “الحضارات”:

“إن  رجال الدولة والفلاسفة،  والجماهير،  وأكثر منهم الصحفيون تراهم يتحدثون عن الحضارة.في المرحلة الوطنية،  الحضارة التي يتحدثون عنها هي ثقافتهم وثقافة أمتهم لأنهم يجهلون،  على وجه العموم، حضارة الآخرين.أما في المرحلة العقلانية، وعموماً في المرحلة العالمية الشاملة[…..] فإن الحضارة تنطوي على حالة من الأشياء المثالية والواقعية ؛عقلانية وطبيعية، سببية وغائية،  في هذه المرحلة يقوم التقدم  الذي لاشك فيه بتخليصهم تدريجياً  من أحاديثهم  تلك [ ..]

وهذه الماهية ESSENCE  لم يكن لها أي وجود أبداً إلا على شكل أسطورة أو شكل تمثل جماعي.هذا الاعتقاد العالمي والقومي في الوقت نفسه، هو سمة حضاراتنا العالمية والقومية في الغرب الأوربي وفي أمريكا غير الهندية  [ 1930، ص 103-104]”.

كان دوركهايم منطقياً مع نفسه وهذا ما أوصله إلى تفضيل الاستخدام المرن لمفهوم الحضارة الذي جعله يعمل كمفهوم “ذي هندسة متغيرة”.في مقالته “ملاحظة حول مفهوم الحضارة” التي كتبها بالاشتراك مع ماوس بذل جهده لإخراج  هذا المفهوم من العمومية الغائمة التي كان يتصف بها آنذاك ولإعطائه مضموناً مفهومياً فاعلاً “أل”الحضارة لا تختلط بالبشرية ولا بمصيرها، كما لا تختلط بأي مفهوم خاص؛ما هو موجود وما ندرسه هو الحضارات المختلفة.وعلينا أن نفهم “الحضارة”  على أنها مجموعة من :

“الظواهر الاجتماعية التي لا ترتبط بهيئة اجتماعية خاصة؛وهذه الظواهر تمتد على مجالات تتجاوز أي أرض وطنية،   أو أنها تتطور على مراحل زمنية تتجاوز تاريخ المجتمع الواحد[ 1913، ص47].

وقد مدَّ هذا التعريف النظرية الانتشارية DIFFUSIONNISTE  مفهوم “المجال”(الجغرافي وإلى النظرية التطورية مفهوم الحقبة أو المرحلة”   على الرغم من أن دوركهايم كان يعارض إعادة تشكيل تاريخي محفوف بالمخاطر لهاتين المدرستين.ولأنه كان مهتماً بتأسيس منهج دقيق لدراسة الوقائع الاجتماعية، لم يعترف بصلاحية المسعى التجريبي ورفض  أي شكل من أشكال المقارنة التنظيرية.

علينا ألا نبحث عند دوركهايم عن نظرية منهجية للثقافة، لأن تفكيره حول الثقافة لا يشكل مجموعاً موحداً.ولأن همه الأساسي كان يتركز على تحديد طبيعة الرابط الاجتماعي.ومع ذلك فإن فهمه للمجتمع ككلِّ عضوي يحدد فهمه للثقافة أو للحضارة ويرى أن الحضارات هي “منظومات مركبة ومتضامنة”.

كان دوركهايم مناهضاً للأطروحات الفردانية INDIVIDUALISTES ويرفضها لنزعتها النفسانية  psychologisme  مؤكداً على أفضلية المجتمع على الفرد.وهنا يتضح أن فهمه للظواهر الثقافية قد تطبع بطابع النظرية [K.M1] الكلية للإنسان   holisme .وفي كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية وقبله الانتحار (1897) وضع نظرية حول “الوعي الجماعي”  الذي يعدّ شكلاً من أشكال النظرية الثقافية.ويرى أن المجتمع يتمتع ب “وعي جماعي”تكوّن بفضل التمثلات الجماعية والمُثل والقيم والمشاعر المشتركة بين أفراد المجتمع كافة.وهذا الوعي الجماعي سابق على الفرد وهو مفروض عليه لأن الفرد خارجي ومصعّد. وهناك انقطاع بين الوعي الجماعي وبين الوعي الفردي فالأول “أعلى” من الثاني لأنه أكثر تعقيداً ودقة. والوعي الجماعي هو الذي يحقق وحدة المجتمع وتجانسه.

وقد مارست فرضيات دوركهايم حول الوعي الجماعي تأثيراً أكيداً على  نظرية الثقافة باعتبارها “هيئة عليا”  superorganisme سبق وأن نادى بها ألفرد كروبر A.Kroeber  عام  1917. ويمكننا تقريب مفهوم الوعي الجماعي (الذي يعزوه دوركهايم إلى الخصائص الروحية) من مفهوميّ   patterns الثقافي ومفهوم “الشخصية الأساسية” الذين تحدث عنهما الأنثروبولوجيون الثقافويون الأميركان[K.M2] ..دوركهايم نفسه كان يستخدم  أحياناً عبارة “الشخصية الجماعية” بمعنى قريب جداً من معنى ” الوعي الجماعي”.

حتى وإن كان مفهوم الثقافة غائباً من الناحية العملية عن  أنثروبولوجيا دوركهايم فذلك لم يمنعه  من اقتراح تأويلات للظواهر التي غالباً ما أشارت إليها العلوم الاجتماعية على أنها ظواهر ثقافية.

المقاربة التفاضلية

مع أن أعمال لوسيان ليفي-بروهل(1857-1939) لم تشهد الصدى والتأثير  نفسه الذي شهدته أعمال دوركهايم لكننا نلاحظ  أن الإتنولوجيا الفرنسية،  في بداياتها وعبر اثنين من مؤسسيها  كانت تتردد بين مفهومين للثقافة : الأول واحدي  unitaire والثاني تفاضلي différentielle  وقد بلغت المواجهة بين هذين المفهومين عبر مناقشات علمية أشدها ،  الأمر الذي ساهم كثيراً في تطوير الإتنولوجيا الفرنسية.ويحق لنا اعتبار ليفي-بروهل أحد مؤسسي فروع الإتنولوجيا في فرنسا. والواقع أنه من أوائل الباحثين الفرنسيين الذين كرّسوا قسماً كبيراً من أعمالهم لدراسة الثقافات البدائية.أما على الصعيد المؤسسي فنحن ندين له بتأسيس  الإتنولوجيا في جامعة باريس عام 1929  التي أهّلت الجيل الأول من الإتنولوجيين الميدانيين تحت إشراف مارسيل ماوس  M.Mauss  وبول ريفيه  P.Rivet الذين أوكل إليهما الأمانة العامة للمعهد المذكور.

منذ عام 1910 وضع ليفي-بروهل،  عبر كتابه الوظائف العقلية في المجتمعات الدنيا، قضية التباين الثقافي في مركز تفكيره.وتساءل عن الفروق القائمة بين “العقليات” التي يمكن أن تكون موجودة بين الشعوب.ومفهوم “العقلية “هذا لم يكن بعيداً  عن المفهوم الإتنولوجي للثقافة الذي لم يستخدمه أبداً.وانصبّ جهد بروهل كله على دحض النظرية التطورية الوحيدة الاتجاه   unilinéaire  وعلى أطروحة التقدم العلمي.وكان، على وجه العموم، يعارض فكرة “البدائيين” نفسها مع أنه استخدم هذا المصطلح كثيراً  لوقوعه تحت تأثير سياق الفترة التي عاش فيها.وهو لا يعتبر أفراد المجتمعات ذات الثقافة الشفوية “أطفالاً كباراً” يتمتعون بنمط التساؤلات نفسه التي يطرحها “المتحضّرون” المعتبرون وحدهم راشدين.وذلك من خلال تقديم أجوبة ساذجة”طفلية”ويؤكد في كتابه العقلية البدائية على أنه :

“إذا لم يتم تأويل النشاط العقلي للبدائيين بشكل مسبق على أنه شكل مسبق لنشاطنا باعتباره نشاطاً طفليّاً ومَرَضيّاً  تقريباً […]فإنه  سيبدو عادياً في الشروط التي يُمارَس فيها كنشاط مركّب ومتطور تبعاً لطريقته.[ 1922،
ص 15-16]

كان ليفي-بروهل  يحتج على مفهوم محدد لوحدة النفسpsychisme  البشرية التي تقتضي وجود صيغة عمل وحيدة.ولم يكن يتفق مع أطروحات  تايلور على مذهب حيوية البدائيين(تايلور يعتبر أن الحيوية  animisme  هي أقدم شكل من أشكال المعتقد الديني أي الاعتقاد بالوجود وبلاأخلاقية الروح، وبالتالي الإيمان بالكائنات الروحية، وهو اعتقاد يقوم  أساساً على تفسير الأحلام).كما كان  ينتقد إلحاحه الذي يعتبره مفرطاً، حول البرهنة على طابعه “العقلاني”.وللأسباب نفسها كان يختلف مع دوركهايم في سعيه للبرهنة على أن البشر في المجتمعات كلها يملكون عقلية  “منطقية”  تخضع بالضرورة إلى قوانين العقل نفسها.

وفي المقابل،  لم يقبل دوركهايم تمييز ليفي-بروهل بين “عقلية بدائية” و”عقلية متحضرة”،  لكن النقد الذي وجهه عام 1912، في ملخصه  لأول كتاب نشره  هذا الأخير حول تلك المسألة كان يتسم بتوجه تطوري تقليصي.

ومهما بلغ الخلاف بين هذين الشكلين للعقلية البشرية فهما لم ينبعا من مصادر مختلفة،  إنما نشأ أحدهما عن الآخر وهما تعبير عن فتؤتين من التطور نفسه.

هذه الخلافات بين ليفي-بروهل ونظرائه لم تكن سوى تعبير عن جدلٍ علمي شديد الحيوية حول مسألة الغيرية والهوية الثقافية.وساهم ليفي-بروهل بنصيب لا يمكن إنكاره في هذا النقاش.هنا يمكننا التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء سوء  فهم هذه المساهمة، ثم تشويهها ورفضها في نهاية الأمر ثم جاء النسيان فطوى جزءاَ كبيراً منها.

أجاب دومينيك ميرلييه   D.Merllié (1993) على هذا التساؤل واقترح قراءة جديدة لهذا المؤلف بعيداً عن الأحكام المسبقة.وخلافاً لما عُرف عن أعماله فقد تبين أنها لم تكن تنبع من مركزية عرقية  ethnocentriques .وقد أُلحقت بها هذه الصفة للتقليل من أهميتها، بينما كان جهد بروهل منصبّاً على محاولة التفكير حول الاختلاف انطلاقاً من مقولات مكتملة.لكن هذه المحاولة تناقضت مع مفهوم العالمية “المجردة” لعصر الأنوار ومع مبادئه الأخلاقية التي كانت تشكل إطاراً مرجعياً لأغلب المثقفين الفرنسيين في بداية القرن.

إن ما يسمى بأطروحة ليفي-بروهل قدمها هو نفسه على أنها “فرضية عمل” كما يقول ميرلييه.ولم يمنعه سعيه لتوضيح اختلاف العقليات من تأكيد وحدة النفسانية  psychismeالبشرية، وكان يرى أن وحدة البشرية أكثر أهمية من التنوع، ومفهوم “العقلية البدائية” (” أي عقلية ما قبل المنطق”) لم تكن سوى أداة للتفكير في الاختلاف.وقد يقال كل شيء عن بحثه الذي كان يستدعي صراحة القيام باستطلاعات ميدانية عدا كونه بحثاً دوغمائياً.

ويرى هذا المؤلف أن الاختلاف لا يستبعد التواصل بين المجموعات البشرية، بل يبقى ممكناً طالما أن هذه المجموعات تنتمي إلى إنسانية مشتركة.وبالتالي ليس هناك انقطاع مطلق بين مختلف ا”لعقليات”  التي لا تتأثر بأنواع المنطق المتناقضة.والاختلاف بين الجماعات سببه أشكال ممارسة التفكير وليس البنى النفسية العميقة باعتبارها كذلك.

إذاً كان ليفي-بروهل يظن أن عقلية “ما قبل المنطق” و “العقلية المنطقية” ليستا متنافرتين ويمكن أن تتعايشا في  كل مجتمع، لكن تفوق إحداهما على الأخرى يمكن أن يختلف تبعاً للحالة، وهذا ما يفسر تنوع الثقافات ولجوء بروهل إلى مفهوم “العقلية” لا يعني أنه يزعم أن منظومات التمثل وأشكال المحاججة في كنف الثقافة الواحدة يشكل مجموعة مستقرة تماماً ومتجانسة.لكنه كان يريد،  من خلال ذلك، الإشارة إلى التوجه العام لثقافة معينة.

لا شك أن مفهوم “العقلية” لم يستطع فرض نفسه على الإتنولوجيين بسبب الانتقادات ومحاكمات “النية” غير العادلة التي وجهت إلى ليفي-بروهل، والتي كان لها علاقة بتلك الانتقادات التي ستوجه لاحقاً إلى الثقافويين،  كما يلاحظ دومينيك ميرلييه:

“لا شك في أن الطريقة التي تم بها الحط من شأن أبحاث بروهل تشبه الطريقة التي وجهت إلى أعمال الثقافويين.لا سيما وأن بروهل قد وضع بداية التحليلات القريبة جداً من تحليلات الأنثروبولوجيين الثقافويين […] [ 1993، حاشية 26، ص، 7).

وشهد مفهوم “العقلية” نجاحاً كبيراً لدى  مؤرخي “الحوليات”.وإن استخدم هذا المفهوم من جماعة هذه المدرسة،  بمعنى أقل شمولية عموماً وأقل توجهاً نحو علم النفس،  لأن هذه الجماعة كانت مهتمة،  عموماً بالتفاضل الاجتماعي في المجتمع نفسه.


([1]) نظرية ترى أن الثقافة الكبرى تنتشر على حساب الثقافات الأخرى(المترجم)

([2]) أي التقسيم إلى حقبات زمنية(المترجم)


[K.M1]نظرية تقول بأن الإنسان كل لا يتجزأ ولا يُفَسَّر بمكوناته المختلفة سواء أكانت فيزيائية أم نفسية ولذلك يجب النظر إلى هذه المكونات بشكل منفصل(المترجم)

[K.M2]الثقافوية :مذهب سوسيولوجي  تقول بتأثير الوسط والأشكال المكتسبة للسلوك على الفرد(المترجم)

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий