Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > استقلال الجزائر، استقلال دريدا (3/2)

استقلال الجزائر، استقلال دريدا (3/2)

جان ليك نانسي Jean-Luc Nancy*

فَرَضَ ذلك التقارب نفسه عليَّ حين أخذ مصطفى شريف مبادرة القيام بهذا اللقاء(1). لقد تعاصر استقلال الجزائر مع استقلال دريدا وذلك بمعنى أنه في ذات اللحظة -1962، التي ولدَت فيها إتفاقيات “أيفان” accords d’Evian، وكتاب “أصل الهندسة” Origine de la géométrie- حصل دريدا بطريقة عامة على حريته الفلسفية.
أن هذا التوافق هو أكثر من توافق مع أنه توافق أيضاً. لأنه يوصل ما بين حدثين موضوعين تحت نوعي السياسة والفلسفة – النوع المزدوج للجنس الواحد والذي هو مغامرة البحر الأبيض المتوسط، أي بتعبير آخر ولتبسيط الأمور، جنس العقل La Raison-؛ حدثان، إذاً، يدلان على انعطافة un tournant. ليس وحدهما، بل بين أحداث أخرى، لكن بطريقة نموذجية.
أن الإنعطافة -لكي أنطق بها ضمن تعابير دريدا- هي إنفلاق الحضور على نفسه déhiscence de la présence à soi. كان استقلال فكر دريدا وما زال يحتفظ بالختم المفاهيمي لذلك الإنفلاق، “استحالة الإستراحة ضمن الحفاظ العادي على حاضر حيّ”، حاضر يكشف عن نفسه، على العكس من ذلك “دائماً آخر ضمن تطابقه مع نفسه واختلافه différant معها بلا كلل”.
أمّا استقلال الجزائر، النموذجي من بين كل الاستقلالات الأخرى التي شرعت منذ أربعين عاماً (مصر) عبر “الإمبراطوريات” الغربية، فكان استقلالاً لبلد كانت فيه السيادة autonomie متعددة دائماً والذي تشكلت هويته بصورة خاصة عبر قانون المقاطعة الفرنسية، وبالتالي ضمن اختلاف مع الذات ميزه وما زال يميزه عن جيرانه المغاربة -لكنه اختلاف مزدودج مع الذات، ما دام أنه اختلاف ضمن-فرنسي intra-française وضمن-أفريقي ومُخترق بدوره باختلاف ما بين “السكنة الأصيلة” « indigénat »والمواطنة citoyenneté. (ينبغي، بطبيعة الحال، الصعود إلى أبعد من ذلك، إلى حقبة الهيمنة التركية، بيد أنه ليس هنا محل الحديث عنها).
ما كان مؤثراً في استقلال الجزائر لم يكن restutio ad intgrum، أو تأسيس ضمن الأصل، ولكن بالأحرى إبداع “أصل” « origine » ما زال على درب المستقبل، مغاير en différance، نموذجياً بطريقة رمزية، أي بالقدر الذي ينفصل فيه ذلك الأصل عن ضم مزعوم supposée incorporation ألى “وطن”(أو لصق greffe؟) لكي يبدع “أمةً” على شاكلة ونموذج قد طلعا هما بالذات من التقاليد الأوروبية واللذان ينبغي إنطلاقاً منهما العثور، وليس إعادة العثور، على هوية ما une identité.
والحالة هذه، كانت أولى إشارات زحزحة اليقنيات السياسية، في أوروبا وخارج عنها، قد أرتسمت في ذات الحقبة، -التي ستقترب من آيار 68- من جانب هوية الدول-الأمم كما من جانب الهويات الدولية، أو الهوية “الأممية” l’identité de l’ « International ». أن قطبي التوتر الذي اخترق نصف القرن المنصرم -توتر نتجت عنه الأستقلاليات أيضاً- أي قطبي الدولة السيادية (بمعنى الأستقلال والحرية) وقطب الأشتراكية الذي يلغي أعتباطياً الدولة ومعها يلغي أي أنفصال عن “السياسة” قد شهدا كيف مُست قناعاتهما السياسية، كل بدوره.
في السياسة كذلك، أو باعتبارها سياسة بالأحرى comme politique، كان “الحضور مع الذات” قد وصلَ لفهمه لنفسه عن عدم إمكانية “غلق نفسه ضمن الوحدة البريئة للمطلق الأصيل l’Absolu originaire ” (أليس السيادة أطلاقية ذاتية الأصل absoluité auto-originaire ؟)، كما ينبغي عليها بالمقابل “التعلم بأنها قادمة دائماً” (ما زلت استشهد بالاستنتاج النهائي لـ “أصل الهندسة”. حينئذ، عرفت المطالبة ذاتها بالاستقلال -السياسي والفلفسي- (ذلك لأن الاستقلال هو دائماً مطالبة بالمراس الفلسفي أيضاً، وبالحياة الفلسفية، وقد يكون من السهل البرهنة على ذلك) إنعطافة. إذ ما عاد بإمكان تلك المطالبة أن تظل ذات المطالبة التي استجابت لرغبة ديكارت في البناء “أرض كانت له وحده” (تعبير سياسي-فلسفي بامتيار للمقالة du discours) كما أنها وضعت كل أشكال التأسيس الذاتي autofondation، والتحديد الذاتي autodétermination على المحك (أن هذه الكلمة كانت غاية في الأهمية، وضرورية تماماً في سنوات الخمسينيات، حيث تمّ أدخالها في عام 1952 على دستور الأمم المتحدة).
كان، إذاً، في لحظة الإنعطافة هذه، ثمة من تعايش معقد ومرهف ما بين نظامين، سياسي وفلسفي كذلك يمكننا تسميتهما، من ناحية، بنظام الـ auto (nomie) (الحر..ية. م.م) بشكل عام، ومن ناحية ثانية، بالنظام régime والذي هو ليس الهيمنة على وجه اليقين (تعارض بسيط، متولد بصورة خاصة عن الكانطية الأكثر عادية، وبالتالي يتطابق تماماً مع نموذج المواضيع التي يستهدفها الـ «econstruction » – لكنه نظام مافوق-الحرية alterautonomie لكي استخدم مفردة على الطريقة الداردية واللاتينة-الإغريقية. أي استقلال أو إطلاقية لا يمكنها أن تظهرا نفسيها ولا أن تعيشا من دون أن تكون مخترقة من قبل الآخر.
خلال زمن طويل كان ذلك التعايش المتناقض، الذي لا أفق فيه لصالح التجاوز الهيغيلي -والذي فَتَحَ في كل مكان، في السياسة كما في الفلسفة، الدرب أمام وضع هذا النموذج الديالكتيكي “المزعوم” على المحك- قد خلق موقفاً صعباً بالنسبة للمثقفين. إذ لم يعد بالإمكان بعد من الحديث ببساطة عن “المعنى” الوحيد والمُتطابق “للتاريخ” ولا “لذاته” sont « sujet » ولا عن “نهايته” son « fin ». كان لا بدّ من التسليم عن حق بمطلبين يتعلقان بموضوعية الهوية (وللوحدة، ولما يشكل الكائن ipséité، الخ..) : أثباتها والأختلاف معها. وبصياغة آكثر دقة : الأثبات غير المشروط لأختلاف الأثبات نفسه وللأثبات الذاتي auto-affirmation.
أن صياغة كهذه، الوفية كما أعتقد لموقف دريدا الأكثر عمقاً، إن كان فلسفياً أو سياسياً، لم يكن مقبولاً بسهولة ضمن القرينة السياسية وأكثر منها القرينة الأخلاقية التي كانت فيها قيم ومطالبات التحديد الذاتي قد لعبت أدواراً كبيرة، وعن حق -فيما كان تعقيد العالم قد شرع سلفاً وبطريقة مرئية بزحزحة الآفاق الموروثة (أفكر بالماركسية “الأفق الذي لا يمكن تجاوزه” بالنسبة لسارتر -بالدقة، لقد غيرنا زماننا- وكذلك الأفق القومي المرتبط بشكل غريب، في حالات بعينها، بأفق الأممية). باختصار، لم يعد هناك ما لا يمكن تجاوزه، ولكن أيضاً لم يكن هناك من مسلمة للتجاوز “الذاتي” العام.

2-
ضمن هذه القرينة، كان تاريخ الجزائر وما يزال حتى اليوم -وسط المصير العام لما “بعد-االاستعماريات” « post-colonisations » والمصير المرتبط به لأشكال القطيعة وزحزات التوازنات العظمى العالمية (العولمة هي إعادة صياغة العالم بما يرافقها من مسح للآفاق، لكن “الأفق”، فكرة هوسيرلية، هو ما كان دريدا يفكر ضده دائماً، وذلك لصالح ما فوق-الأفق outr-horizon، حتى وإن كان مستحيلاً)- في مثل هذه القرينة، حيث تتزاحم العديد من المطالبيات المتعلقة بالهويات (هويات “شعوب” و”ثورية”، هويات “نضالية” و”طبقية”، هويات “معارف” و”أجيال”، الكثير من الهويات التي يفترض بأنها مضمونة assurées -كلمة أخرى كان دريدا يحب هزها- في هذه القرينة، إذاً، ظل دريدا ولزمن طويل يثير الريبة، بل وقد وجهت له حتى تهمة (أولاً وبشكل خاص في أمريكا) الفتور السياسي، واللاالتزام.
على العكس من هذا، يجب التأكيد على أن دريدا لم ينسحب باحتراس -بالمعنى التافه والورع للمفردة- عن الالتزام السياسي، لكنه أدرك برهافة وحذر بالمعنى القوي للكلمة (ففي النهاية، ليس هناك سوى الـ phronésis أو prudentia، أي الفضيلة التي تخضع للعدالة بكل أشكالها- “للعدالة التي لا يمكن تفكيكها” « l’indéconstructible justice؛ أدرك ضرورة تحريك الالتزام حيال أشكال الخضوع التي أصبحت قانونية، أي الخضوعات التطابقية.
لم يكن هناك انسحاب عن الالتزام السياسي، ولكن التأمل بما أطلقنا عليه أنا ولاكو لابارت Lacoue-Labarthe تسمية “انسحاب السياسة” (ضمن تأسيس مركز للدراسات حول السياسة الذي أقترحه علينا دريدا في المدرسة العليا للمعلمين Ecole Normale Supérieure ). والتي كنا نرغب من خلالها الإشارة إلى أن التأسيس الذاتي والاستقلال الأساسييّن بالنسبة للسياسة، أي جوهرها الميتافيزيقي باعتباره الحضور مع الذات “للعام” قد دخل في حالة أهتزاز، وشاغرية حتى، انطلاقاً من اللحظة التي دخلَ فيها كل أكتفاء ذاتي في أزمة، ليس بسبب من قرار فلسفي تجريدي (رفض الذات، كما يقول البعض)، ولكن بسبب من إنعطافة واقعية وعملية للتاريخ -إنعطافة يروق لي اليوم أن أرمز إليه عبر تاريخ 1962 كونه تاريخ سياسي وفلسفي.
ضمن تلك الإنعطافة، كان على الجوهر المعاصر للسياسة -الأكتفاء الذاتي السيادي- مجابهة “استحالة وجود أصل واحد، كلي بالمطلق، بالواقع والقوة، بالكينونة والمعنى” (ما زالت كل الاستشهادات مأخوذة من كتاب “أصل الهندسة). لقد تبعَ ذلك انسحاب لنوع من “الأتوماتيكية” السياسية، لكنه انسحاب مورد واستعانة تنفتح على مقدمة ممكنة من حول ما أسماه دريدا، في كتابه “سياسة الصداقة” politique de l’amitié، “خطوة أبعد من السياسة”(1)، وذلك بتناوله ثانية لدورة لعب لغوية كان بلانشو Blanchot قد عثر عليها والتي ليس بإمكاني هنا إعادة فتح تحليلها الطويل.

أن ما كان يدور من حول 1962 هو قطع عام لحالات الأكتفاء الذاتي، وكذلك للأصول وضماناتها. ومن ثم فهو قطع في السياسة ذاتها أيضاً، للهوية ولمفهوم “السياسة”، التي يدركها المرء عبر نموذج التأسيس الأصلي، نموذج التعاقد الذاتي لمواطنين ذاتيي التكوين، أو نموذج السيادة. لم يكن بإمكان هذا القطع سوى أن يترافق مع قطع آخر انفتح داخل فكر الهوية الذاتية للحضور، والأصل الذاتي، وبالقدر الذي وضعتْ فيها الهوية “الفلسفية” نفسها، هي كذلك، على المراهنة. أعتقد بأننا اليوم، أي بعد نصف قرن من 1962، أكثر قدرة على فهم رهان تلك الإنعطافة. فبمعزل عن تاريخ الجمهورية الجزائرية وتاريخ دريدا، نحن نعرف اليوم أكثر مما نرغب فيه إلى أي حد هي كارثية تلك التأكيدات التطابقية التي تسحق ثقتها بنفسها ليس فقط الاختلافات الخارجية، بل وأيضاً ذلك الفارق الداخلي différance interne الذي يفتح وحده الهوية “على ذاتها”، أي على “قدومها” son « a venir » بالمعنى الذي يود فيه داريدا اعطائه لهذه المفردة.
لقد أمتنع دريدا تماماً عن انتاج “فلسفة سياسية”، ربما كان بمقدورها السعي لتأسيس سياسة أخرى إضافية من فوق فكر جديد. ذلك لأن هذا الفكر الجديد -فكره، ومعه حركة المرحلة، مرحلة الحصول على الاستقلالات- قد زحزح الدافع ذاته “لتأسيس” سياسة ما، ومعه مفهوم “السياسة” نفسه.
بالمقابل، لقد مارس دريدا سياسة للفلسفة، بمعنى وضع مجموعة من الاستراتيجيات والماهرات المكرسة لمسألة عدم ترك الفلسفة تتطابق من جديد مع نفسها باعتبارها “فلسفة”، أي “رؤية عن العالم” إضافية. لم يعد ثمة من “رؤية عن العالم”، ولا “تكهن” « pré-vision »، عبر عين الذات-المعلم، لكي تجعلنا نرى ما هو ليس مرئي من العالم، والذي يستحق بطريقة أخرى، بعيداً عن الرؤى والتصورات، اسم العالم. عالم “قادم”، حتى استخدم ثانية هذا الـ schibboleth الداريدي : القادم، وليس المستقبل، الذي لا يمكن إستباقه، ولا برمجته، لكنه عالم يكون فيه القدوم أو الوصول هو بمثابة البنية والطبيعة ذاتهما.
وهذا يعني أيضاً عالم وكلمة -كلمة “العالم” والتي لم يعط معناها، بالقدر ذاته الذي هو غير معطى معنى كلمات مثل “المدينة”، “السياسة”، “الجماعة” و”الفلسفة”. معنى من قبل أو بعد المعنى، مدخر معنى أو صوت قبل الإشارة، وكأنه يستقر في ذلك “البئر الليلي” الذي استعاره عن هيغل، “بئر الليل الصامت هذا كالموت والصادح بكل قوة الصوت الذي يقبض عليه كبقية” – كما قال ذلك في نص عام 196(1)، عام آخر لإنعطافة أخرى- بئر تستق منه إمكانية “معنى قادم” بالقدر الذي تستنفذ نفسها فيه.

البير El Biar، حيث سنذهب غداً، يعني أو كان بمقدوره أن يعني “البئر” « le puits »، أو بصورة أدق “الآبار” -أكثر من بئر واحد، أكثر من أصل، أكثر من استقلال واحد، أكثر من الاستقلال.
(1) الهرم والبئر Le Puits et la pyramide

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий