Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الأخلاق في العصر الجديد ترجمة: أحمد القبانجي

الأخلاق في العصر الجديد ترجمة: أحمد القبانجي

 http://www.alawan.org/IMG/arton11727.jpg

الاربعاء 23 كانون الثاني (يناير) 2013
بقلم: مصطفى مَلَكْيان   ترجمة : أحمد القبانجي

 1. في هذا المحفل الكريم سأتحدّث عن أمرين، أحدهما الحاجة المؤكدة للأخلاق في المجتمعات البشرية المعاصرة، والآخر: صعوبة الحياة الأخلاقية في هذا العصر، وعندما يجتمع هذان الأمران فإنّ كل شخص يشعر بالتحرق على حال البشرية فسوف يشعر بالحاجة لدراسة القضية في إطارها الأخلاقي وماذا ينبغي أن يصنع؟

 نحن نعيش في هذا العصر الحاجة للحياة الأخلاقية، ولأسباب سأذكرها لاحقاً، أكثر وأشد من العصور الماضية، وعلى امتداد التاريخ البشري كان الإنسان يحتاج إلى الحياة الأخلاقية، ولم تكن مقولة الأخلاق والحياة الأخلاقية أمراً زائداً أو ترفاً فكرياً للبشرية، ولكن في العصر الحديث، أي ما بعد الحرب العالمية الثانية ازدادت حاجة البشر إلى الحياة الأخلاقية أكثر من الماضي، بمعنى أننا اليوم لا نحتاج فقط للأخلاق من تلك الجهة العامة التي كان يعيشها البشر على امتداد التاريخ، بل إنّ هذه الحاجة قد ازدادت واشتدت لأسباب معينة، سنقوم ببيانها واستعراضها.

 ولكن من جهة أخرى فإنّ الحياة الأخلاقية التي نحتاجها في هذا العصر باتت أصعب من سائر العصور السالفة، فصيرورة الإنسان صالحاً بات أصعب من السابق، ومن هذه الجهة فإنّ التحقيق في مجال الأخلاق وتعميق الأخلاق في الوعي العام في هذا العصر ينبغي أن يكون مورد اهتمام المفكرين والمصلحين في المجتمعات البشرية أكثر من السابق، وفي هذه الجلسة سأتحدّث عن الأدلة والعلل التي أدت إلى أن تكون حاجتنا للأخلاق أكثر من العصور السابقة؟ وكذلك ما هي العلل والأدلة التي جعلت من الحياة الأخلاقية أصعب من السابق، إنّ حالنا بالنسبة إلى الأخلاق، حال المريض الذي يحتاج للطبيب في منتصف الليل، فمن جهة تشتد حاجته في هذا الوقت أكثر من الأوقات أخرى، ومن جهة أخرى فالوصول للطبيب في هذا الوقت أصعب من أي وقت آخر، وقبل أن استعرض هاتين النقطتين، لابدّ من بيان أربع مقدمات لهذا الموضوع:

 المقدّمة الأولى:

  عندما أتحدّث هنا عن الأخلاق فقصدي الأخلاق بالمعنى الدقيق للكلمة، والأخلاق بالمعنى الدقيق للكلمة تعني الأخلاق المستقلة عن الحقوق، فالأخلاق ظاهرة، والحقوق ظاهرة أخرى، والحياة الأخلاقية شيء، والحياة القانونية شيء آخر، ومن هذه الجهة لا ينبغي الخلط بين الأخلاق والحقوق، ولا ينبغي الخلط بين الأخلاق والعرف والعادة أيضاً، أحياناً يتصور البعض أنّ المقولة الفلانية أو الشخص الفلاني مخالف للأخلاق، ومع التدقيق نرى أنّ هؤلاء الأشخاص في الواقع مخالفون للعرف والعادات في المجتمع، فالأخلاق ظاهرة، والعرف والعادات ظاهرة أخرى.

 الأمر الثالث، الذي لا ينبغي خلطه مع الأخلاق هو آداب المعاشرة، فالأخلاق تختلف عن آداب المعاشرة، وعليه فالمقدمة الاُولى أنّ موضوع كلامنا هو الأخلاق، وفعلاً لا نتطرق للحقوق والعرف والعادات، وكذلك آداب المعاشرة، وطبعاً فإنّ هذه الثلاثة: الحقوق، العرف والعادات، وآداب المعاشرة، لها علاقة ونسبة مع الأخلاق ولكنّها ظواهر مستقلة عن الأخلاق، وبناءً على ذلك فسوف لا نتطرق في هذا البحث إلى الفقه أيضاً، لأنّ ما نعبّر عنه في ثقافتنا الإسلامية بالفقه هو تركيب من الأخلاق، والحقوق، والعادات، وآداب المعاشرة.

 المقدمة الثانية:

 إنّ الأخلاق بإمكانها أن تتولى ثلاث وظائف، وفي هذه المقولة سنشير إلى وظيفة واحدة من هذه الثلاث، ونؤجل الكلام في الوظيفتين الأخرييين إلى مجال آخر، لأنّ الوظيفة الاُولى تعد اليوم ضرورية، في ذات كونها ابتدائية، فالحياة الأخلاقية لها ثلاث وظائف وبإمكانها أن تتوفر على ثلاثة أنواع من النتائج والمعطيات:

 أ) توفير الغايات الاجتماعيّة

إذا عاش المواطنون في مجتمع حياة أخلاقية، فإنّ الغايات الاجتماعية يمكن تحقيقها بشكل سهل وميسور ودون عواقب سلبية، ولكن ما هي الغايات الاجتماعية؟ إن الغايات الاجتماعية متعددة، ولكن عادة يذكر لها خمس غايات مهمة، منها:

 1. النظم 2. الأمن، 3. الرفاه، 4. العدالة، 5. الحرية، فأوّل وظيفة للحياة الأخلاقية هي توفير هذه الغايات الاجتماعية الخمس، وربّما توفّر أحياناً غايات اجتماعية أقل أهمية، وبشكل مطمئن ودون تبعات مضرّة إفرازات سلبيّة.

 ب) توفير الغايات النّفسانيّة

الوظيفة الثانية للأخلاق، توفير الغايات النفسانية للإنسان، بمعنى أنّ الإنسان عندما يعيش الحياة الأخلاقية، فمضافاً إلى تحقق الغايات الاجتماعية، فإنّ الأخلاق توفّر له الغايات النفسانية أيضاً، فالإنسان الذي يعيش حياة أخلاقية، فإنّه يختلف من الناحية النفسانية عن الإنسان الذي لا يعيش هذه الحياة الأخلاقية، وبالنسبة لعدد هذه الغايات النفسانية فثمة خلاف بين علماء النفس، ولكنهم متفقون على غايات أربع على الأقل: 1.السكينة، 2. البهجة، 3. رضا الباطن، 4. إيجاد معنى للحياة: فالإنسان الذي يعيش الحياة الأخلاقية، فإنّه يشعر بسكينة أكثر في باطنه ويعيش البهجة ورضا الباطن ومعنى للحياة أكثر، وهذه الوظيفة الثانية للحياة الأخلاقية ليست وظيفة اجتماعية بل وظيفة فردية ونفسانية.

 ج) إيجاد تحوّل روحاني في الإنسان

الوظيفة الثالثة للحياة الأخلاقية أنّها توجد تحوّلاً روحانياً في المحتوى الداخلي للإنسان، والتحوّل الروحاني شيء أعلى من السكينة، والبهجة، ورضا الباطن، وإيجاد المعنى للحياة، المراد من التحوّل الروحاني أنّ الإنسان يتبدل من حالته الفعلية إلى إنسان آخر، وهو نوع من تبدل الحالة للشخص بحيث يشعر تدريجياً باختلاف رغباته وميوله، فعندما تقوم بعمل أخلاقي كالصدقة مثلاً، فالوظيفة الاُولى الاجتماعية واضحة من هذا السلوك، فمن الطبيعي أنّ الصدقة توفّر بعض الغايات الاجتماعية، مثلاً تساهم في إيجاد الرفاه أو الأمن النفساني للطرف المقابل، والصدقة لها وظيفة فردية أيضاً، وهي أنّك عندما تقوم بهذا العمل تشعر بالرضا والهدوء النفسي، بحيث لو أنّك قمت بطرد ذلك الفقير فإنّك لا تشعر بمثل هذا الهدوء والراحة بل تشعر بالتوتر والاضطراب، فهذا العمل يوجد في نفسك نوعاً من الرضا الباطني، ولكن ثمة وظيفة ثالثة أيضاً، وهي أنّك تشعر تدريجياً بضمور حبّك للمال، وهذا تحوّل روحاني في الفرد، بحيث إنّه يشعر تدريجياً بأنّ علاقته بالدنيا والماديات، أي الثروة، والسلطة، والشهرة، والمحبوبية، والجاه والمقام، والحيثية الاجتماعية، ستقّل وتذبل في نفسه، وعندما يشعر الإنسان بقلّة العلاقة والميل نحو هذه الأمور الستة، فهذا يعني حدوث نوع من التحوّل المعنوي في هذا الشخص، وهذا التحوّل المعنوي يجعل من الفرد أكبر وأنضج من السابق، أمّا في الوظيفة الثانية، أي الوظيفة النفسانية فأنت لم تختلف عن السابق، سوى أنّك كنت تعيش القلق، والآن تشعر بالراحة والسكينة، ولكنك في التحوّل الثالث تشعر بنمو شخصيتك وتعيش الرشد المعنوي، بمعنى أنّ ظرفيتك الوجودية باتت أوسع من السابق من جهات عدّة.

 والأخلاق توفّر للإنسان هذه المعطيات الثلاث، وفي هذه الجلسة أتحدّث عن الوظيفة الأولى، أي الوظيفة الاجتماعية للأخلاق، وهنا عندما أقول أننا اليوم نحتاج أكثر من أي زمان آخر للحياة الأخلاقية، فإنّ هذه الضرورة ناظرة فقط إلى الوظيفة الأولى، ورغم أنّ الوظيفة الثانية والثالثة قد تكون أسمى وأشرف، إلاّ أنّها تأتي في المراحل التالية، ففي البداية يجب علينا توفير الوظيفة الاجتماعية للحياة الأخلاقية، ثم يأتي دور الوظيفة النفسانية والفردية، وبعدها الوظيفة الروحانية المتعالية (Tanscendental).

 المقدّمة الثّالثة:

 أننا عندما نتحدّث عن حالة المجتمعات البشرية المعاصرة ونستنتج من هذه الحالة حاجة البشرية اليوم للحياة الأخلاقية أكثر من السابق مع صعوبة أكثر، فينبغي شرح وبيان هذه الحالة، وهذا لا يعني التقييم والنظرة المعيارية في هذه المجال، فأنا لا أقول إنّ هذا الوضع الحالي وهذه الظاهرة المعاصرة حسنة أو سيئة، بل أقول إنّها ظاهرة حدثت في هذا العصر، وعمل الطبيب يتمثّل في علاج المريض لا لومه وتوبيخه، فالطبيب يجب أن يقبل بالوضع الموجود للمريض بوصفه (fact) ومع قبوله بهذه الواقعة يتحرك على صعيد رفعها وعلاجها.

 وعندما يقال إنّ البشرية تعاني من هذه الأوضاع والأحوال، فهذا لا يعني أنّ «من الحسن ابتلاء البشرية بها» أو «من السيء ابتلاء البشرية بها» فهنا لا أتحدّث أبداً عن الحسن والقبح، أي عن حسن الظاهرة وقبحها، والكلام أننا نعيش هذه الحالة فقط.

 المقدّمة الرّابعة:

  لا ينبغي أبداً الخلط بين الأمر النفساني مع الأمر المنطقي، أحياناً ينتج من أمر معين أمراً منطقياً، وأحياناً أخرى لا ينتج مثل هذا الأمر، ولكنه من جهة نفسانية ينقلك إلى ذلك الأمر أو القضية الأخرى، مثلاً إذا قلت لك، «الآن وقت المساء» فهذه القضية تنتج منطقياً «الآن ليس بنهار» يعني إذا كنّا نحن والضوابط المنطقية فقط، فنستنتج من جملة «الآن ليل» نتيجة منطقية واحدة وهي «الآن ليس بنهار»، وهذا هو العبور المنطقي، أي العبور على أساس ضوابط الاستدلال المنطقي من قضية إلى قضية أخرى، ولكن في كثير من الأحيان يقول شخص جملة وتتداعى في أذهان الناس قضايا أخرى مترشحة من الحالات النفسانية، مثلاً في هذا المثال ربّما يستنتج السامع من جملة «الآن ليل» نتائج أخرى، مثلاً «الآن ينبغي أن أكون مع أبنائي» أو «الآن كيف أحصل على سيارة لتنقلني إلى داري» أو «أن الطريق الذي أسلكه ربّما أتعرض فيه إلى عصابة ويسرقون منّي حقيبتي» فهل هذه القضايا كانت من ضمن كلامي؟ كلا، ولكنك عندما سمعت هذه العبارة منّي فإنّ حالاتك النفسانية أوحت إلى ذهنك سلسلة من القضايا الأخرى، والآن إذا قلتم لي «إنّك بهذا الكلام أثرت القلق والتشويش في أنفسنا»، فلابدّ من القول إنّ كلامكم هذا صحيح من جهة نفسانية، ولكنّه غير صحيح من جهة منطقية، فكلامي لا يستتبع منطقياً هذه القضية.

وغرضي من ذكر هذه المقدمة أنّ بعض الأمور التي تحصل للبشرية في هذا العصر لا تكون من النتائج المنطقية، بل من النتائج النفسانية، بمعنى أنّ حالة البشرية اليوم ليست نتيجة منطقية للمكتسبات الحديثة، ولا ينبغي منطقياً أن تقود هذه المكتسبات إلى تلك النتائج، ولكن الإنسان لا يتعامل بالمنطق فقط، ولو كان الإنسان مثل جهاز الحاسوب، فإنّ المكتسبات الحالية تنتج نتائج خاصة فقط لا شيئاً آخر، ولكن الإنسان يملك مساحات أخرى غير مساحة الفكر والمنطق، أي مساحة الإحساسات والعواطف والانفعالات أيضاً، وكذلك مساحة الحاجات والميول والرغبات، وتركيب هذه المساحات الثلاث، أي حقل الأفكار، والاعتقادات والمعارف، ومع حقل الإحساسات العواطف والانفعالات، وحقل الحاجات والميول كلها تساهم في صنع شخصية الإنسان، ومن هذه الجهة عندما يقول الإنسان كلاماً معيناً فإنّ هذا الكلام لا يمر من نفق واحد فقط وينتج نتائج منطقية، بل يمرّ من حقول أخرى، وهذا يتسبب في أن يستنتج الإنسان من قضية «الآن ليل» عشرات النتائج العاطفية والنفسانية والانفعالية غير النتائج المنطقية.

 والآن بعد هذه المقدمات الأربع، نتوجه لأصل الموضوع وينبغي حفظ هذه المقدمات في أذهانكم وعدم الغفلة عنها.

 2. إنّ أول مدعى في هذا الكلام هو أننا نحتاج للأخلاق أكثر من أي زمان آخر، فبعد الحرب العالمية الثانية برزت تحوّلات ومتغيرات جمّة في العالم البشري والبداية كانت من الغرب وأوروبا الشمالية والغربية وأمريكا الشمالية ثم امتدت لجميع مناطق العالم وبدرجات متفاوتة، وجعلتنا نعيش حالة لم تكن موجودة قبل الحرب العالمية الثانية، وبطريق أولى لم تكن في القرن التاسع عشر وفي القرون السابقة، وهذه الحالة جعلتنا نحتاج أكثر للحياة الأخلاقية:

 أ) في الماضي كانت الأخلاق ضرورية لحياة الإنسان من جهة الكيف، ولكن البقاء الكمي للمجتمع بدون أخلاق كان ممكناً، فالمجتمعات القديمة ولضمان كيفية المعيشة والحياة كانت تحتاج إلى الأخلاق، ولكنها تستطيع أن تعيش ضوابط أخلاقية أقل وأقل ومع ذلك بإمكانها الاستمرار من الجهة الكمية، وبعبارة أخرى أنّ الأخلاق في الماضي كانت ناظرة إلى تحصيل كيفية الحياة، أمّا كمية الحياة فلا ترتبط بالأخلاق، ولا أقول لا ترتبط أبداً، ولكن قليلاً، أمّا اليوم إذا لم نحاول أن نعيش حياة أخلاقية، ففي هذه الصورة فإنّ حياتنا، كما ورد في الأخبار العالمية، لا تتضرر فقط من الجهة الكيفية بل الكمية أيضاً، فالحياة تتعرض من ست جهات للخطر: 1. تلوث الهواء، 2. تلوث الماء، 3. فقدان واندثار الغابات والمراتع و… التي تمنح محيطنا وبيئتنا الازدهار والصفاء، 4. زيادة فقر التربة يوماً بعد آخر، 5. ولادة وظهور أمراض جديدة، 6. حدوث حرب ذرّيّة.

 وهذه الأضرار ناظرة لكمية حياتنا، أي لحياتنا البيولوجية، بسبب زيادة الاستهلاك، الذي يعدّ من أكبر الرذائل الأخلاقية.

إنّ أنواع التلوث التي أوجدناه في الطبيعة، أنتج لنا أمراضاً جديدة، وهذه الأمراض الجديدة لا يمكن معالجتها إلاّ من خلال إيجاد أمراض جديدة أكثر، وهو ما ورد في التقارير العالمية، فالأمراض التي ظهرت في العشرين سنة الأخيرة جعلت من الشخص المعالَج مستعداً للإصابة بأمراض أحدث، والمقصود من الأمراض الأحدث ليست الأمراض التي ابتلى بها هذا الشخص لأول مرّة، بل إنّ نوع البشر أصيب لأول مرّة بهذا المرض.

 إنّ التقنية المتطورة التي منحت البشرية القدرة على إشعال نار الحرب الذريّة، هذه القوّة في الواقع تهدد بقاء نسل الإنسان من الناحية الكمية، إنّ جنكيزخان عاش طيلة عمره يمارس الإغارة والنهب والسلب والقتل وقد قتل الكثير من الناس، إلاّ أنّ ذلك المقدار من الناس الذي قتلهم جنكيزخان يستطيع الآن شخص واحد وفي عشر دقائق، ومن خلال ضغط على زر واحد إنجازه، بل يقتل ما يضاهي ارتكاب جميع حالات القتل وسفك الدماء التي حدثت طيلة تاريخ البشرية، وهذا يعني أنّ هذه القدرة العظيمة إذا وقعت بيد شخص لا يعيش الحياة الأخلاقية، فإنّ قدرته على التخريب والهدم أكثر بكثير من السابق، فعندما هجم جنكيزخان على الشرق الإسلامي وقتل ونهب مدناً وبلداناً إسلامية، كان الناس في الوقت عينه يعيشون في إسبانيا أو الأندلس حياتهم العادية، ولكن الآن إذا حدث تخريب في منطقة من العالم فإنّ سائر الناس في مناطق أخرى لا يستطيعون الحياة بشكل عادي بدون يتأثروا بالحدث، إذن فالحياة في الماضي إذا كان غير أخلاقية فإنّ كيفية الحياة ستتعرض للخطر، ولكن الآن تتعرض كمية الحياة للخطر.

 ب) أمّا الحاجة الثانية التي تفرض علينا أن نعيش الحياة الأخلاقية، هي أنّ التقدم التقني أدى إلى أن تكون قدرتنا للتدخل في حياة الآخرين أكثر من السابق، فقبل خمسمائة عام إذا أراد شخص التعرض لك وتهديد حياتك، فيجب أن يقترب منك مسافة مئتي متر، أي أنّك في مسافة أكثر من مئتي متر تكون في مأمن على حياتك، ومن هذه الجهة لا يستطيع أحد حتى أخطر أعدائك في مدينتك أو في الصحراء أن يهدد حياتك أبعد من هذه المسافة، وبالتالي تعيش راحة البال منه لأنّك تعلم أنّه لا أحد يعرض حياتك للخطر أكثر من هذه المسافة مهما كان حاذقاً في رمي السهام، ولكنك الآن وأنت جالس في بيتك وغرفتك ربّما تتعرض للخطر من مسافات بعيدة، فقد يستطيع الجالس في الطرف الآخر من الكرة الأرضية أن يعرض حياتك للخطر، فالتقنية تسببت في زيادة قدرتنا على التدخل في أمور الآخرين وحياتهم، وفي الماضي إذا أراد شخص سماع صوتك فلا يستطيع إلاّ بعد الاقتراب منك لعدّة أمتار أو مائة متر، وبذلك عندما تتحدّث ولا يوجد شخص على مسافة مائة متر فأنت تطمئن إلى عدم سماع أحد لصوتك، ولكن اليوم قد يستمع كلامك أشخاص جالسون في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وعلى ضوء ذلك لا توجد ساحة آمنة تعيش فيها حياتك الطبيعية، بمعنى أنّك لا تشعر بالأمن في كل ما تعمله وتقوله، لأنّ التقنية قربت لك البعيد، وقربت الناس مع بعضهم، فمن اليسير جدّاً أن تسمع ما يقوله الناس في أمريكا مثلاً، فالتقنية قربت جميع الأبعاد، البعد المكاني والزماني والحالي، والتقنية في أحد تعاريفها تعني تقليل البعد المكاني والبعد الزماني والبعد الحالي، وهذا التقليل في المسافات لا يحصل فقط بالنسبة لي، بل لأعدائي أيضاً، وفي الواقع نحن الآن نستطيع التدخل في أمور الآخرين ممّا لم يكن ميسوراً في الماضي، أي أننا نستطيع أن نمد يدنا إلى أي بقعة من العالم والعكس صحيح، فأيدي الناس أيضاً تمتد إلينا، ولا أحد يعجزه الاتيان بأي عمل، ففي الماضي كان الحال «العين بصيرة واليد قصيرة» ولكن اليوم ومن خلال التقنية أصبحنا «العين بصيرة واليد طويلة»، وعلى ضوء ذلك فلو أنّ شخصاً في الماضي لم يكن يعيش الحياة الأخلاقية، فإنّ أذاه وعدوانه لا يصل إليك إلاّ قليلاً، ولكن اليوم إذا أراد شخص أن يعيش حياة غير أخلاقية فإنّه يستطيع أن يضرّك مهما كان بعيداً عنك، كما أنّ أذاك وعدوانك إذا لم تكن أخلاقياً سيصل إلى الآخرين.

 ج) أمّا الحاجة الثالثة للحياة الأخلاقية، فهي أنّ التقنية لها تأثير آخر قلّما نلتفت إليه، فعلماء النفس الاجتماعي، والأشخاص الذين يشتغلون في حقل التقنية وفلسفة التقنية التفتوا إلى هذه المسألة، وهي أننا في السابق كنّا نتصور أنّ التقنية تحقق لنا فقط ما نريده في الحياة، ولم نتصور يوماً أنّ التقنية ستوجد بنفسها ميولاً ورغبات جديدة، أي أنّ التقنية تثير في نفوسنا رغبات لم تكن موجودة فينا، على سبيل المثال عندما لم يكن لديك جهاز الهاتف، فربّما كنت ترغب في سماع صوت بعض الناس ولكنك لا تستطيع، ولكنك تملك الآن جهاز الهاتف، فليس فقط تسمع صوت ذلك البعض، بل تسمع أيضاً أصوات آخرين غيرهم، بمعنى أنّ هذا الجهاز أثار فينا الرغبة في سماع عدد أكبر من الناس ويقول لنا: «تعال واستخدمني»، فكل وسيلة، وإن كانت بحسب الظاهر ساكتة، إلاّ أنّها تقول لك بلسان الحال: إذا أردت خدمة فأنا في خدمتك، أضف إلى ذلك فإنّ هذه الأجهزة تثير فينا آلاف الوساوس، فكل وسيلة حديثة عندما يمتلكها الإنسان تخلق في نفسه ميلاً لم يكن في السابق، ولولا هذه الأجهزة لم تكن هذه الميول والرغبات، فهذه الأجهزة من جهة تساعد الإنسان لتحقيق غاياته التي كان يطمح لتحقيقها قبل ذلك، ومن جهة أخرى تخلق في ذهن وضمير الإنسان غايات جديدة، فالإنسان يقول في نفسه: أنا الآن أمتلك هذه الوسيلة فيجب عليَّ استخدامها، وهذا يعني أن الوسيلة ليست أمراً حيادياً والتقنية ليست أمراً ساكتاً، فالتقنية لا تقول فقط: أيّها الشخص الذي تحتاجني، تعال وسأقضي حاجتك، بل تخلق حاجات جديدة أيضاً، ففي الماضي ربّما كان الناس قد يفكرون في ركوب البحر للوصول إلى منطقة معينة ولم يتبادر إلى أذهانهم عبور المحيطات، والآن أضحت الإمكانات، التي كانت بالقوّة لدى الناس، فعلية، وهذا يعني أننا نعيش دوماً وجود حاجات جديدة في ذواتنا، وهذا هو ما دعى فلاسفة التقنية مثل تيلور من كندا أن يقول: إننا كنّا في الماضي نكدح لرفع حاجتنا، فالآن نرى التقنية تلبي حاجتنا وتوجد فينا حاجات أخرى، وهذا جعلنا كموجود متغول «تيتان»، الموجود الذي يريد أن يقوم بجميع الأعمال.

 د) الحاجة الرابعة، إنّ دائرة المسموح لنا كانت في الماضي أصغر من دائرة إمكاناتنا وقدراتنا، فلو أنّ الإنسان رسم دائرة لمقدوراته ثم رسم دائرة لما يمكنه القيام به، أي المسموح له بإنجازه، فسوف يرى أنّ دائرة المسموحات أصغر من دائرة المقدورات، وبعبارة أخرى، أنّ الإنسان التقليدي كان بإمكانه إنجاز الكثير من الأعمال ولكنّه لم يكن يتحرك على صعيد إنجازها ويقول: يجب علينا أن نختار بعض الأمور ممّا يمكننا عمله، فقسم منها نقوم بإنجازه ونترك الباقي ممّا نستطيع القيام به، لماذا؟ لأنّ الإنسان القديم يعتقد أنّ جميع مقدوراته لو تبدلت إلى مسموحات، فسوف تشكل خطراً عليه وعلى الآخرين، وعلى ضوء ذلك إذا استطاع القيام بعشرة أعمال فإنّه يقوم بإنجاز واحد منها ويترك الباقي، ويقول دائماً إنني اُنجز من الأعمال أقل من قدراتي، ولكن البشر تدريجياً تحرك على صعيد إنجاز كل ما بوسعه وبمقدوره، لأنّه يعيش نوعاً من النيهليسم (الفوضى) القيمي بالمعنى الدقيق للكلمة، يعني أنّ القيم أضحت بلا قيمة، أو أنّها ذات قيمة بمستوىً واحد في ذهن الإنسان وضميره، وبعبارة أخرى، أنّ الإنسان القديم كان يعيش حالة الضبط الباطني ويشعر بوجود شرطي في داخله يقول له: «ينبغي عليك إنجاز عشرة أعمال من مائة عمل تقدر عليه»، ولكن الإنسان الحديث لا يجد في باطنه مثل هذا الحارس الذاتي، وعندما نرى اليوم بعض الناس لا يعملون بعض الأعمال فمن جهة أنّهم لا يستطيعون، فهم يقومون بكل عمل يستطيعونه، وهذا ما يطلق عليه بالنيهليسم القيمي، وعندما أذكر قيد القيمي أقصد تمييزه عن سائر أنواع النيهليسم.

إنّ النيهليسم القيمي يعني أنّك تسمح لنفسك بالقيام بكل عمل تستطيعه، وعندما لا تعمله فهذا يعني أنّك لا تستطيع القيام به، وبعبارة أخرى، إنّ دائرة المسموحات في الحياة الجديدة متساوية مع دائرة المقدورات مع الإنسان، وعندما تتطابق المسموحات مع دائرة المقدورات ففي الواقع لا يمكن بقاء حجر على حجر، والطريق الوحيد المتبقي في هذه الحالة هو القانون، فقد وضعنا القانون لنمنع الأفراد من العمل بما يحلو لهم، ولكن القانون لا يحلّ محل الأخلاق.

هذه العوامل الأربعة جعلت حالنا مختلفاً عن الماضي، ومن هذه الجهة نحتاج أكثر إلى الأخلاق، لأنّه لو لم نلتزم بالقيم الأخلاقية فسوف نكون أخطر من آبائنا وأجدادنا، وبما أنّ هذه العوامل الأربعة تمتد وتتسع دائماً، فإنّ أحفادنا أيضاً لو عاشوا عدم الالتزام بالأخلاق، فسوف يكونون أخطر منّا.

ومن جهة أخرى فإنّ الحياة الأخلاقية حالياً، باتت أصعب من الماضي، بمعنى أنّ البشرية المعاصرة، ولأسباب وعوامل مختلفة، لا تخضع للضوابط الأخلاقية إلاّ بصعوبة، فمن العسير للمجتمعات المعاصرة الالتزام النظري والعملي بالأخلاق، وهذه العوامل كالتالي:

 1. العامل الأول، أنّ الدّين كان يمثّل ضمانة إجرائية للأخلاق في التاريخ البشري، والناس بوصفهم متدينين كانوا يعيشون الحياة الأخلاقية، رغم أنّ بعض نقاد الدين يعتقدون بأن التدين يفرز بعض الحالات اللاأخلاقية، كالتعصب والجزمية والجمود، ولكن على أية حال فرغم هذه العيوب فإنّ الدين بلا شك يعدّ أكبر ضامن للحياة الأخلاقية لدى الإنسان القديم، وفي الواقع أنّ الإنسان القديم كان يعتقد بما أنّه متدين فيجب أن يعيش القيم الأخلاقية، وهذه الضمانة للأخلاق من جهة الدين تتجسد بأجلى صورها بوجود الجنّة والنار، بمعنى أنّ هذا الإنسان كان يتصور بأنّني إذا ارتكبت عملاً مضاداً للأخلاق فسوف أكون من أهل النار واُحرم من الجنّة، وهذه أبسط ضمانة يقدّمها الدّين للأخلاق، وطبعاً فهناك ضمانات أعمق من ذلك، فقد لا يفكر بعض الصالحين بالجنّة والنار، ومع ذلك فإنّ دينهم يمنحهم الركيزة والضمانة للحياة الأخلاقية، لأنّهم يتصورون أنّ نيل رضا الله تعالى والتقرب منه مهم، والفناء في الله والوصال مع الله مهم، ولكن كل هذه الموارد تدور في دائرة الدين، من الجنّة والنار والعذاب والثواب الأخروي إلى الفناء في الله والوصال الإلهي، فيما يستدعي من الإنسان أن يعيش الحياة الأخلاقية والالتزام بالقيم والمثل الإنسانية.

 ولكن تدريجياً زالت هذه الهالة للدين في أذهان البشر ولعوامل متعددة، ولا أتحدّث هنا عن حسن أو قبح، وصحة أو خطأ هذه الظاهرة، بل أريد القول إنّ هيمنة الدين أضحت اليوم أقل من السابق، سواء في بلدنا أو في بلدان العالم الثالث، أو في البلدان الغربية، أو في أي بلد من العالم، فتلك الهيمنة والقداسة والعظمة للدين، التي كانت في أذهان الناس ونفوسهم، ضمرت واضمحلت إلى حد كبير، وثمة عوامل مختلفة أدت إلى هذه الظاهرة، من علل معرفية ونظرية وعلل عملية أيضاً، ولا أريد التطرق إلى هذه الموضوع ولكن أقول باختصار:

 أولاً: إنّ الظاهرة الدينية تتقرر أنّ الله تعالى، مضافاً إلى كونه موجد العالم، فهو مشرّع أيضاً، أي الرب التكويني والتّشريعي، بمعنى أنّ الله مضافاً إلى أنّه خلق عالم الوجود والبشر فإنّه اختص البشر بوضع تشريعات وأحكام، فمضافاً إلى ربوبيته التكوينية للإنسان فإنّه يملك ربوبية تشريعية أيضاً، أي أصدر أوامر ونواهي وتعاليم خاصة بالإنسان، وعندما يرد الأمر والنهي الإلهي فإنّ ذلك يستلزم أيضاً الطاعة أو العصيان، وعندما يتحرك الإنسان في خط الطاعة أو العصيان لهذه الأوامر والنواهي، فسوف يترتب عليه بطبيعة الحال الثواب والعقاب، وهذه المراحل الثلاث ناشئة من الربوبية التشريعية لله، فيقال مثلاً أنّ الله خلق النمل كما خلقنا، ولكنّه ترك النمل تعيش لحالها، أي أنّه يملك الربوبية التكوينية للنمل فقط، ولكن بالنسبة للبشر فإنّ الله تعالى يملك ربوبية تشريعية أيضاً، وهذه الرؤية قد أصيبت بالاهتزاز في أواخر القرن السابع عشر، وبخاصة في القرن الثامن عشر، وعلى يد الأشخاص الذين يعتقدون بوجود الله أيضاً، فطائفة «الدوئيست» وهم جماعة من الغربيين المعتقدين بالله، يقولون إننا نقبل بالربوبية التكوينية لله، ولكننا لا نعتقد أبداً بالربوبية التشريعية لله، فالله خلق جميع الكائنات ومنها الإنسان، وكما أنّه لم يبعث ديناً خاصاً للنمل وسائر الحيوانات، فإنّه لم يبعث ديناً لنا أيضاً، وهذا الكلام يعني أننا نقبل بالتوحيد ولكننا لا نقبل بالنبوة، لأنّ أصل النبوة يرتكز على تدخل الله في شؤون البشر.

 إنّ الغرض من النبوة أن تقول لنا ماذا نفعل، وماذا لا نفعل، وكيف نعيش حالات خاصة دون أخرى، وما هو الموقف الذي نتخذه من ظاهرة معينة، وما هي الحياة الطيبة وما هي الحياة الشقية، فالنبوة في العمق تعني إيصال الأوامر والنواهي الإلهيّة للبشر، فيما يترتب عليها الطاعة والعصيان منهم، ويترتب على الطاعة والعصيان، الثواب والعقاب، وهذه الرّؤية لم يقبلها «الدوئيين»، ومعلوم أنّ البحث ليس في مجال قبول أو عدم قبول استدلال هذه الفرقة من الغربيين، بل الكلام عن الأثر النّفسي الذي تركه هذا الكلام في أذهان ونفوس الناس، فثمة أفراد كثيرون سلكوا هذا المسلك في أوربا وبعد ذلك في أمريكا الشمالية وفي أستراليا، وتدريجياً امتدت هذه الفكرة إلى جميع بقاع العالم، وهذه العقيدة تتلخص بأنّ الله أسمى من أن يتدخل في شؤون البشر، ولا يوجد دليل على مثل هذا التدخل من قِبل الله، وعلى ضوء ذلك فإنّ الاعتقاد بالنبوة في هذه الرؤية اضمحل وتهافت، وعندما يزول الاعتقاد بالنبوة، فإنّ الأديان التي تعتمد على النبوة والوحي ستهتز وتضعف، وعندما تزول هذه الدعامة الدينية للأخلاق ويصيبها الضمور والنحول فإنّ الأخلاق أيضاً في دائرة أتباع هذه الأديان ستأفل أيضاً ويصيبها الضمور والاضمحلال، هذا الجانب النظري من المسألة.

 ثانياً: أمّا الجانب العملي لهذه المسألة، والذي تسبب أن يشك الناس تدريجياً بفاعلية الدين في هذا المجال فهو ما يصطلح عليه بانفجار المعلومات والارتباطات، لا أريد استخدام عبارة مارشال في القرية العالمية، ولكن إذا دققتم النظر فسترون أنّ الناس كانوا إلى ما قبل مائة عام أو مئتي عام يعيشون في قرية مثلاً وليس لهم اطلاع عمّا يجري في قرية أخرى تبعد عنهم مسافة سبعة كيلومترات، فالإنسان الشيعي لا يعلم بما يدور في المناطق الأخرى السنيّة، والشخص السني يعيش في مدينة أو قرية لا يعرف عمّا يجري في المنطقة المسيحية التي تبعد عنه مسافة خمسين كيلومتراً، ومن هذه الجهة ينشأ الإنسان وينمو وهو باق على دينه ومذهبه إلى آخر عمره، وفي مثل هذا الجو كانت مسألة حقانية الدّين أوضح وأجلى عند المتدينين فيما يعيشونه من أجواء دينية ومذهبية مغلقة، فلا يوجد طرف آخر يعتقد بدين أو مذهب آخر ليتمكن الإنسان من المقارنة، فحالي في هذا الجو حال من يملك جهاز تلفزيون واحد ويتصور أنّه أفضل أنواع التلفزيونات في العالم لأنّه لم ير تلفزيوناً آخر، وعندما أدخل معرض عالمي لعرض أجهزة التلفزيون وأشاهد آلاف النماذج من جهاز التلفزيون، فربّما تزول عن ذهني رؤيتي السابقة لتلفزيوني، وحتى لو بقيت تلك الصورة فإنني سوف لا أعتقد بأن تلفزيوني أفضل من جميع أجهزة التلفزيون الأخرى، وأقول بأنّ تلفزيوني هو أحد التلفزيونات الموجودة في العالم لا التلفزيون الوحيد الموجود في العالم، والآن لو تمعنتم في هذا المسألة، فإلى ما قبل مائة عام تقريباً كان من غير المتوقع أن اُبدل ديني أو مذهبي، وسأبقى مسيحياً أو مسلماً أو بوذائياً إلى آخر عمري، ولا أعلم شيئاً عن الأديان والمذاهب الأخرى، وفي مثل هذه الحالة يمكنني أن أدعي ـ بشكل جازم ـ الصدق والحقانية لديني ومذهبي، ولكن عندما أطلع على أديان ومذاهب أخرى فسوف أواجه حالتين لا محالة:

 الأولى: أنني سأفهم أنّ اعتقادي بهذا الدّين الفعلي مردّه إلى أنني ولدت في هذا المكان من الدنيا، لا بسبب آخر، لأنّه يوجد أناس آخرون ولدوا في أمكنة أخرى من العالم ويعتقدون بدين آخر، وعندما نفهم هذه الحقيقة، وهي أنّ ديننا متأثر بولادتنا في منطقة معينة، ففي هذه الصورة تقل أهمية الدين في نظرنا، فنحن لحد الآن كنّا نتصور أننا نعتقد بهذا الدين لأنّه الدين الوحيد الذي يتصف بالحقانية والصدق، أو أنّه أكمل دين في العالم، ولكننا نفهم أنّ هذه القاعدة سارية في جميع أفراد البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وباختلاف مناطق ولادتهم، وعندما يطلع الإنسان على الأديان الأخرى فأول نقطة يلتفت إليها أنّ دينه متأثر بطبيعة الظروف المتنوعة التي يعيشها في واقع الحياة.

 الثّانية: أننا نرى أنّ جميع معطيات الدين، الذي أعتقد وأتدين به، موجودة ومتوفرة في دين أولئك أيضاً، فماذا أتوقع من الدين؟ أنا أريد الحصول على السكينة والهدوء الروحي في صلاتي، والبوذي يحصل على هذا الهدوء الروحي من المديتيشن، والهندوس من اليوغا، والمسيحي من العشاء الرباني، فماذا هو المعطى الذي أحصل عليه من ديني وأفتخر به لا يوجد في سائر الأديان والمذاهب الأخرى؟ هل رأيتم يوماً أنّ أحداً من غير المسلمين يقول: إنّك أيها المسلم تملك شيئاً في دينك لا نملكه نحن، فهل تعطيني هذا الشيء هبة أو قرضاً؟ وحسبما يقول المثل «إنّ كل شخص يفتخر بكمال عقله وجمال ابنه»، فجميع الأديان تتضمن معطيات إيجابية للإنسان، فما يتوفر في ديني يتوفر أيضاً في أديان أخرى.

 هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا توفرت نقطة ضعف في دين الآخرين، ورجعت إلى ديني على حدّ تعبير القرآن: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ…)، فسوف أرى وجود هذه النقطة من الضعف في ديني أيضاً، وتدريجياً اُدرك أنّ «ديننا متأثر بمحيطنا» و«أنّ المعطيات الإيجابية لديننا موجودة في سائر الأديان الأخرى» و«نقاط الضعف والقصور في الأديان الأخرى موجودة في ديننا أيضاً» وهذه المسألة تخلق تدريجياً نوعاً من التعددية الدينية، وهذه التعددية الدينية تتسق مع النسبية الدينية، أي أنّ حسنات وسيئات الأديان نسبية، وعندما تأتي مسألة النسبيّة فسوف يقل التزام الشخص بدينه، ومن الطبيعي أن تربك هذه الحالة ما كنّا نعتقده من دعم وتأييد الدين للأخلاق، ففي الماضي كان الدين مرتكزاً للأخلاق وداعماً لها، والآن بما أنّ الدين بات أقل فاعلية وتأثيراً من السابق فإنّ هذا المعطى وهذا التأثير الضعيف لا يستطيع ضمان حركة الإنسان في خط الأخلاق ولا يمثّل ركيزة لها.

 إنّ قدماءنا، لو كانوا يعيشون الأخلاق والصلاح فإنّهم ينسبون ذلك للدّين، فالدّين يقول لهم: لا تأكلوا المال الحرام، ولا تطففوا في الميزان، ولا تغشوا، ولا تسرقوا، ولا تحتكروا، ولا تأخذ رشوة و…، ولكننا الآن، أنا وأنت، إذا لم نرتكب هذه المخالفات الأخلاقية، ولم نختلس أو نرتشي، فلا يكفي في الالتزام الأخلاقي بهذه الأمور الاعتقاد بفكرة وجود جهنّم، بل ينبغي توفير دعامة أخرى لهذه السلوكيات الأخلاقية، فالنار والعذاب الأخروي زالت هيبته من أذهان الناس، ولم تعد جهنّم تملك تلك القوّة الرادعة، بل يمكن القول إنّها تنتج مفاسد أخرى على المستوى الأخلاقي، إذن فوهن الدين تسبب في صعوبة أن يعيش الإنسان الحياة الأخلاقية كما في السابق.

2. العامل الثاني، والذي يعد نتيجة للتمدن الغربي حالة الفردانية، ومعنى الفردانية بلغة بسيطة هي أنّ الإنسان قبل عصر الحداثة كان يرى نفسه خلية من خلايا بدن المجتمع الذي يعيش فيه، فكل شيء يندرج في هذا المفهوم، وكل فرد يعتبر جزءاً من هذا الكل، ومصالحه مرتبطة بمصالح هذا الكل، ومفاسده أيضاً ترتبط بمفاسد هذا الكل، فلو حصل الفرد على نفع فإنّما يحصل عليه من خلال المجموع، وإذا تضرر بشيء فإنّ هذا الضرر يصيبه من المجتمع، وكل إنسان يرى نفسه جزءاً وخلية في بدن كبير وهو الهيئة التأليفية للمجتمع: وأنّ «المؤمنين كالجسد الواحد»، وهذا يعني أنّه لو تضرر أحد من الناس فسيلحق الضرر بك أيضاً، كما أنني لو أصبت بالبرد، فهذه الإصابة لا تصيب خمس أو عشرة من خلايا بدني بل تسري لجميع أعضاء البدن وتؤدي إلى إيجاد الخلل والإرباك في نظام البدن، وهكذا كانت الرؤية في الماضي، ومن هذه الجهة لو اعتدى شخص من أفراد قبيلة معينة على شخص آخر من قبيلة أخرى وقتله، فإنّ قبيلة المقتول لا تتحرك على صعيد التحقيق في من هو القاتل لتقتص منه، بل يقومون بقتل أي فرد من أفراد تلك القبيلة، لماذا؟ لأنّ تلك القبيلة، بما هي كل، اعتدت على هذه القبيلة بما هي كل، تماماً مثلما تصفعني على وجهي، وعلى الجانب الأيمن من وجهي، فلا أجد من اللازم في ردّ العدوان أن أصفعك على خدك الأيمن أيضاً، بل استطيع أن أضربك على خدّك الأيسر، لماذا؟ لأنني أقول: إنّ غرضي إيجاد الألم فيك، وبما أنّ خدك الأيسر عضو من مجموعة، ولذلك أتحرك على صعيد ضرب هذه المجموعة، وهكذا في حالات النزاع والعراك بين شخصين، ولا لزوم لضرب نفس المنطقة من الطرف الآخر، فكان أفراد القبيلة يقولون: نحن لا علاقة لنا بمعرفة القاتل بل يجب قتل فرد من أفراد قبيلتكم، لأنّ هذا الشخص يمثّل خلية من خلايا بدن القبيلة، وهكذا نرى هذه الرؤية في الحدود، والقصاص، والديات، ومسألة العاقلة في فقهنا الإسلامي.

إنّ الفكر الغربي وقف تماماً في مقابل هذه الرؤية، أي أنّه اعتبر أنّ كل إنسان وحدة مستقلة، وهذه الوحدة المتفردة لا تستحيل أو تذوب في وحدة أكبر منها، وهذا الفارق في غاية الأهمية وخاصة فيما يتصل بالحقوق والأخلاق، ففي المجتمعات القديمة يجب حماية المجتمع من عدوان الأفراد ومنع أية إساءة يتعرض لها المجتمع ككل من قبل الفرد، بوصفه خلية من خلايا بدن المجتمع، ومن هذه الجهة فإنّ الأخلاق والحقوق القديمة كانت ناظرة لمنع التحرشات ومظاهر العدوان من الفرد تجاه المجتمع، ولكن عندما برزت حالة التفرد في المجتمعات الحديثة تبدل الأمر ولزم أن تكون الحقوق والأخلاق ناظرة لحماية الفرد من عدوان المجتمع، مثلاً في مجتمعاتنا التقليدية إذا خرجت إلى الشارع وأنت ترتدي لباساً غير مناسب فسوف يعترض عليك وتمنع من ارتداء هذه الملابس، لماذا؟ لأنّ المجتمع يريد حفظ حقوقه في مقابل حقوقك، بمعنى أننا لا زلنا لحد الآن نعيش تلك الرؤية القديمة في مجتمعنا، أمّا في الغرب فلا يمنع الإنسان من الظهور بأي لباس، وعندما يعترض عليه يقول: لماذا يعتدي المجتمع على حريتي؟

وبعبارة أخرى، أنّ المجتمع القديم هو مجتمع يدور حول محور التكليف، والنظام الجديد يدور حول محور الحق، وحقوق الأفراد في النظام الجديد هي الأصل ولابدّ من حمايتها، فأنت لا يحق لك أن تتعرض لحقوقي بأي عنوان، وفي هذا الموضوع أنصح الإخوة بالرجوع إلى مقدمة كتاب مايكل كوك المستشرق الأمريكي المعروف، فهذا الرجل ألّف قبل تسع سنوات تقريباً كتاباً بعنوان «فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام» ويقول في مقدمة هذا الكتاب: قبل ستة عشر سنة تعرض رجل في محطة قطار لامرأة واغتصبها أمام الملأ، وطيلة هذه المدّة كانت المرأة تستغيث وتصرخ، وكان الناس الموجودون في تلك المحطة ينظرون إلى هذا العمل ولم يتحرك أحد منهم لإنقاذ هذه المرأة، وهكذا أنهى ذلك الرجل عمله وذهب لحال سبيله، وبعد هذه الحادثة صدر الأمر إلى الشرطة الأمريكية بالقبض على هذا الرجل وتسليمه للمحاكم للقضائية، ولكن صدى هذه الحادثة انتشر في جميع أرجاء أمريكا وأروبا، فكيف تتعرض امرأة في وضح النهار لعدوان رجل وتستغيث بالناس الموجودين بكثرة في ذلك المكان ولم يتحرك أحد منهم على صعيد إنقاذها! وهذه المسألة المعقدة دفعت الحكومة الأمريكية لتشكيل مؤتمرات عالمية وانفاق مبالغ طائلة لدراسة أسباب هذه الظاهرة، وقد اشترك صاحب هذا الكتاب في أحد هذه المؤتمرات، والتقى برجل من ايران وهو الدكتور مدرسي الطباطبائي، أستاذ جامعة «برينستون البريطانية» وتحدّث معه عن السر في وقوع هذه الحادثة، وهو أنّ الناس في أمريكا لم يهبّوا لمساعدة تلك المرأة لأنّهم كانوا يعتقدون بأنّهم يملكون حقوقاً دون تكاليف، وعندما لا أعتقد بوجود تكليف عليَّ فلماذا أتحرك لإنقاذ هذه المرأة من ذلك الرجل؟ يقول مايكل كوك، إنّ ذلك الشخص قال لي: إنّنا في الإسلام لدينا مسألة في تراثنا الفقهي تدعى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه القضية تقول: أنت مكلّف بالنهي عن المنكر تجاه من يقوم بارتكاب المنكر، وتأمره بالمعروف، يقول كوك، لقد فكرت في هذه المسألة وأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابدّ أن تكون حالة جيدة للمجتمع، ولكن لأي مجتمع؟ المجتمع الذي يدور حول محور التكليف، وهكذا بدأ كوك بالتحقيق في هذه المسألة وألف كتاباً رائعاً واقعاً في دراسة في المعنى الدقيق لهذه الكلمة، وقد قرأ هذا الرجل جميع أعمال وكتابات مفكرينا، من الفلاسفة، والمتكلّمين وعلماء الأخلاق وعلماء الأصول وعلماء الفقه، حتى استطاع العثور على جذور هذه المسألة.

والسّؤال: من يحق له إلزام الناس بإنقاذ تلك المرأة؟ إنّ هذا الإلزام إنّما يتحقق فيما إذا شعر الناس بتكليف معين، والحق غير التكليف، وحالة التفرج بالغرب تدور حول محور الحق، يعني أننا نملك حقوقاً وينبغي علينا الاستفادة من هذه الحقوق، فنحن يجب أن نتحرك في المجتمع بشكل يتيح لنا الاستفادة من هذه الحقوق و لا يوجد تكليف علينا بالنّسبة إلى الآخرين، وفي الواقع يمكن القول إنّ كل شخص مكلّف بحماية حقوقه، وعندما يملك الإنسان تكليفاً واحداً وهو حماية حقوقه، فمن أين له الحق في التدخل في حقوق الآخرين؟ وهذه الحالة من الفردانية أدت إلى أننا لا نستطيع مراعاة الضوابط الأخلاقية، لأنّ الضوابط الأخلاقية تشكل دوماً رادعاً ومانعاً من إرضاء واستيفاء الحقوق، يعني أننا عندما نريد أن نعيش الحياة الأخلاقية يجب غض النظر عن حقنا، لأنّ كل فرد عندما يعيش القيم الأخلاقية فإنّه سيعرض ثروته، وسلطته، ومقامه وشهرته وحيثيته الاجتماعية للضرر، فمن يتحمل مثل هذه النفقات الباهظة؟ وماذا أحصل عليه من هذه الحياة الأخلاقية؟ إنّ الحياة الفردانية تقوم على أساس أصالة الحق ومحوريّة الحق وتؤدي بالتّالي إلى عدم الاكتراث بالأخلاق، وعدم الاكتراث بالأخلاق والتحرّر من قيودها أكثر يساعدني في تحصيل حقوقي.

 

3. العامل الثّالث، المساواة، فالمساواة تشكل عاملاً مهماً آخر لصعوبة الحياة الأخلاقية في هذا العصر، والمساواة تعني أنّ جميع أفراد البشر يستوون في أُفق واحد في مقام الفهم والتّشخيص، والمجتمعات القديمة لم تكن تعيش فكرة المساواة، بل تعتقد بوجود أشخاص أفضل وأكثر فهماً منّا، وهذا الإقرار والاعتراف بوجود أشخاص أفضل هو الذي يمنح المجتمع التماسك الأخلاقي.

 

في المجتمعات القديمة كان الأنبياء في المرتبة الأولى هم الأفضل، فإذا نهونا عن ارتكاب عمل معين فالجميع كانوا يقبلون منهم هذا الكلام، ولا يرتكبون ذلك العمل، وفي المرتبة الثانية تأتي فئة العرفاء، وهم الذين يملكون سلطة معنوية على الناس، لا سلطة قانونية وحقوقية، وبالمعنى الدقيق للكلمة: أنّهم كانوا يملكون الهيمنة لا السلطة، ومن هذه الجهة كنّا نقبل توصياتهم ونصائحهم وعلى ضوء ذلك تنحل الكثير من مشكلات المجتمع من خلال الرجوع إلى هؤلاء العرفاء لحسم الأمر في مسائل الخلاف.

 

ويأتي في المرتبة الثالثة، بعد الأنبياء والعرفاء، العلماء والمفكرون من الناس، هؤلاء الأشخاص يملكون نوعاً من الحكمة، وليس من اللازم أن يكونوا عرفاء ويملكون تجارب عرفانية ولا أنبياء، ولكنّهم حكماء مثل كنفوسيوش، الذي لم يكن نبيّاً ولا عارفاً ولكنّه كان رجلاً حكيماً، وهكذا لائوتسه، هؤلاء الأشخاص كانوا يمثّلون أعمدة المجتمع، لماذا؟ لأنّ الناس كانوا يرجعون إليهم في أمورهم ونزاعاتهم وتنحل المشكلات في المجتمع عن طريقهم، بمعنى أنّ الحكيم لو قال شيئاً فإنّ الجميع كانوا يقبلون منه هذا الكلام، ولو كان مخالفاً لكلامهم، وبعبارة أخرى كان الحكيم حكم مرضي الطرفين أو مرضي الأطراف، وهؤلاء الحكماء انقرضوا ولم يبق منهم أحد.

والفئة الرابعة من المتسمين بالأفضل، هم الشيوخ وكبار السن، فكنا نعتقد أنّ الشيوخ أفضل من الشباب، وقد دققت في ثلاث أو ربع لغات أعرفها فرأيت أنّ جميع ثقافات هذه اللغات في عصر ما قبل الحداثة تصف الشيوخ والعجائز بصفات حسنة ويقولون: كان ذلك الشيخ رجلاً كاملاً، أي أنّهم يصفون الشيخوخة بصفات الكمال، ومن جهة أخرى يقولون: كان فلان شاباً وجاهلاً! فالمجتمع البشري ما قبل الحداثة يرى في كبر السن نوعاً من الكمال ولو لم تكن لديه معلومات، فنفس مرور السنين على هذا الإنسان والتجارب الناشئة من حياته تجعله في مكانة أرقى من الشباب، بحيث إنّ الشباب يحتاجونه ويرجعون إليه في مسائلهم، والآن عندما ترى ابنك أو بنتك يرجعون إليك، أباً أو أمّا، فالباعث لذلك أمران: إمّا أنّ العادات الاجتماعية تقتضي أن لا يتحرك هذا الابن أو البنت دون مشورة الوالدين، رغم أنّ هذا الابن يعتقد بأنّ الأب والأمّ صارا مخرفين ولا يفهمان شيئاً، ولكنه على أية حال يجب عليه رعاية الأدب معهما، أو من جهة أنّ الكثير من الأولاد يراجعون آباءهم طمعاً في الإرث، وهكذا حال البنات وربّما لدوافع أخرى أيضاً، اليوم لا يوجد في ذهن أي شاب مقولة أنني أحتاج إلى رأي أبي في أي مسألة من مسائل الحياة.

 

وعندما يقال إنّ الحداثة والثقافة الجديدة هي ثقافة أصالة الشباب، فهذا يعني أنّ كل شيء يدور حول محور الشباب، فاليوم تسود عقيدة أنّ الشاب يملك فهماً وقدرة على التشخيص لما يدور في العالم، فأين هذه الرؤية وأين كلام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي يقول: «رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغلاَمِ»، أي أنّ سرعة وجرأة الشباب لا قيمة لها، وصحيح أنّ الشيوخ وكبار السن يتحركون ببطء، ولكن هذا البطء والوقار للشيوخ يملك قيمة أكبر من تسرع الشباب، ولكن هذا الرؤية أفلت وزالت الآن، وأنقل لكم كلمة من «آجاثا كريستي» كاتبة القصص البوليسية، وأعتقد أنّها كلمة صحيحة ولكن أين الأذن الصاغية، تقول آجاثا كريستي في إحدى قصصها نقلاً عن قول أحد شخصيات تلك القصة: «إنّ الشباب يظنون الشيوخ حمقى، ولكن الشيوخ يعلمون أنّ الشباب حمقى» والواقع هو كذلك، فالشيوخ يعتبرون الشباب حمقى، ولكن الشباب بدورهم يظنون أنّ الشيوخ حمقى.

وهذه المراجع الأربعة في المجتمعات القديمة: الأنبياء، العرفاء، الحكماء، الشيوخ، كانوا يحفظون وشائج المجتمع ويملكون زمان الأمور، ولكن المساواة الجديدة، «أغاليتاريانيزم» تقول: لا أحد أفضل منّا، فكلام الأنبياء والعرفاء والحكماء والشيوخ من جهة، وكلامنا من جهة أخرى، فلو أراد ذلك النبي أو العارف أن نقبل كلامه فيجب عليه أن يقنعني بكلامه، ولكن في القديم لم يكن هذا المعنى، فلم يكونوا يقولون: يا جدي ويا أبي أقنعني بكلامك، بل يقولون: كلما تقول وتأمر فنحن نطيع، لأنّهم كانوا يعتقدون بوجود نضج معرفي وراء هذا الكلام بحيث لا يحتاج إلى عملية الإقناع، بل يكفي إبداء رأيه، والمرجعية تعني أن تقبل كلامي بدون أن تبحث عن الدليل، وإلاّ إذا كنت مثل معلم الرياضيات وتريد منّي البرهان والدليل على قضية معينة وطي مقدمات برهانية، فهذا لا يسمى مرجعية، والمرجعية تعني أنني أقوم بالعمل الفلاني لأنّ النبي الفلاني قال ذلك.

 

4. ولو تمعنتم في دور هذه المرجعيات الأربع فيما توفّره من ضمانات في المجتمعات القديمة، لرأيتم أن زوال هذه المرجعيات أدى إلى تعرض وشائج المجتمع للإرباك والاهتزاز، فلا أحد يستقي القيم والأوامر الأخلاقية من غيره.

وهذه النقاط دعت أصحاب الفكر وأهل الخبرة إلى التأمل في هذه المسألة، رغم أنّهم لم يطرحوا هذه المسألة بهذا الترتيب الذي طرحته آنفاً، ولكنهم بحثوا في كل واحدة من هذه النقاط وما مقدار أثر هذه المرجعيات في إيجاد ضمانات أخلاقية للمجتمع، وحتى أننا نرى في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية في بلدنا أنّهم يكررون هذه العبارة: «هل تريد أن تعطني درساً في الأخلاق» أو «لا تعطني درساً في الأخلاق» وكأنّ إعطاء درس أخلاقي أو نصيحة أخلاقية أمر سلبي وأنّ النصيحة تعني الفوقية والمنّة، والآن من يستطيع في هذا المجتمع إلزامنا بالضوابط الأخلاقية؟

لو دققتم النظر في الأخلاق السائدة في مجتمعنا فسوف ترون أنّها ذات بعدين فقط:

 1. أنا أتحرك للأمام إلى أن يحدني ويوقفني القانون، أي أنّ العمل الذي كان مرتبطاً بالأخلاق أضحى اليوم مرتبطاً بالحقوق، فالدور الذي كانت الأخلاق تقوم به، أصبحت الحقوق تقوم به.

 

2. إنني أتحرك للأمام إلى المدى الذي تقتضيه مصالحي، وعندما أتوقف فهذا يعني أنّ مصالحي الشخصية والذاتية لا تسمح لي، وهكذا نرى في هذه العصر نوعاً من الأخلاق الحقوقية، يعني الأخلاق التي يعين حدودها القانون فقط، فالأخلاق نفعية تماماً، والآن تدركون جيداً مقدار الصعوبة في الحياة الأخلاقية في مثل هذه الحالة.

 

وللأسف لا يسمح لي الوقت لأستعرض الدليل على هذا الكلام، ولكن بإيجاز أقول إننا بسبب تلك العوامل الأربعة نحتاج بشدّة إلى الحياة الأخلاقية، وبسبب تلك العوامل الثلاثة أصبحت الحياة الأخلاقية صعبة، هنا يجب أن نتحرك على صعيد إيجاد طريق لإعادة الأخلاق مرّة أخرى إلى فضاء المجتمع، يعني أولاً، أنّ الأخلاق لها أولويّة على النّفع، وثانياً لها أولوية على الحقوق، نحن لا نستطيع إدارة المجتمع بواسطة الحقوق فقط، فالحقوق تقول: لا ينبغي لك القيام بهذا العمل، ولكنك في مجال المباحات لا ترجيح لأحدها على الآخر، فلو رأيت عجوزاً في الشارع على وشك أن تتعرض لحادثة وتصدمها سيارة بسبب ضعفها وعدم رؤيتها، فالقانون لا يقول لي: يجب عليك أن تهب لنجدتها وتأخذ بيدها، ومن هذه الجهة إذا أردت التحرك بشكل قانوني ولم أتحرك على صعيد مساعدتها، فأكون كما قال «جان جاك روسو»: «نستطيع أن نعيش حيوانات وفي ذات الوقت لا يستطيع أي قانون الوقوف أمامنا».

ينبغي أن نبحث عن اُناس يملكون صفة إنسان وتكون حقوقهم خاضعة لتأثير أخلاقهم لا أنّ أخلاقهم واقعة تحت تأثير حقوقهم، أمّا ما هو الطريق الذي ينبغي علينا سلوكه لإعادة الأخلاق إلى فضاء المجتمع؟ فثمة بحوث كثيرة في هذا المجال ورغم وجود إجماع كبير على ما تقدّم من مسائل، إلاّ أنّه يوجد خلاف كثير في الطريق والوسيلة التي نستخدمها في حل هذه المسألة.

وينبغي الالتفات إلى أنّ مقصودنا من الأخلاق، الوظيفة الاجتماعية للأخلاق، وإلاّ فكما أسلفنا للأخلاق وظيفتان أخريان أيضاً، وهما: 1. توفير الغايات النفسانية للأشخاص، 2. توفير الغايات الروحانية، ومع الالتفات إلى حالنا أعتقد أن هاتين الغايتين متفرعتين على ما تقدّم، وفي الواقع إذا لم نهتم بالمرحلة الأولى، لا نصل إلى المرحلة الثانية والثالثة.

 المصدر: مجلة الأوان

Tags: , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий