Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الأسطورة (2): وظيفة الأسطورة

الأسطورة (2): وظيفة الأسطورة

السبت 3 آذار (مارس) 2007

بقلم: فراس السواح

لقد كانت اللغة أول أشكال الترميز الموضوعي التي ابتكرها الإنسان، واكتشف معها مقدرته الهائلة على استيعاب ماحوله من خلال تكوين المفاهيم، تم موضعتها في الخارج عن طريق الكلمات، والاستناد بعد ذلك إلى هذه الكلمات من أجل خلق مستوى آخر من المفاهيم أعلى من سابقه، وهكذا في سلسلة متصاعدة رافقت ارتقاءه.

ولقد اكتشف الإنسان بعد مدة طويلة من استخدامه للغة في المجالات النفعية اليومية، مقدرته على التعامل مع اللغة واستخدامها في مجالات غير نفعية وغير مباشرة. وهذا ماقاده إلى إنتاج الشعر وإنتاج الأسطورة، وهما عنصران في نظام رمزي واحد عمل من خلاله على تحويل وموضعة تجربته الانفعالية مع الكون والنفس الداخلية. والإنسان في ترميزه الأسطوري لهذه التجربة، لا يلجأ إلى التحليل والتعليل الخطي المنظم بل إلى إنتاج بنية أدبية تحاول من خلال تمثيلاتها وصورها الحركية إعادة إنتاج العالم على مستوى الرمز، وذلك في وحدات أدبية تعمل على اختزاله ثم إعادة تقديمة للوعي.

وفي الحقيقة، فإن الفلسفة والعلم اللذين وُلدا من رحم الأسطورة، يقومان بالمهمة نفسها، أي اختزال تجربتنا مع العالم وتقديمه إلى الوعي وقد تم تفسيره وترتيبه. ولكن بينما يلجأ العالم والفلسفة إلى العقل التحليلي الذي يجزيء العالم ثم يعيد تركيبه من أجل فهمه، معتمداً في ذلك على الاختبار في العلم، والبرهان في الفلسفة، فإن الأسطورة تضع الإنسان بكليته في مواجهة العالم، وتستخدم كل المجازات الممكنة من أجل تقديم رؤية متكاملة لهذا العالم، ذات طابع كلاني يعادل تجربة الإنسان الكلانية وغير المتجزئة معه.

إن كلاً من الأسطورة والفلسفة والعلم يستجيب على طريقته لمطلب النظام، لمطلب أن يعيش الإنسان ضمن عالم مفهوم ومرتب، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته مع الطبيعة. فالفلسفة تُنتج نظاماً مترابطاً من المفاهيم التجريدية يدَّعي تفسير العالم؛ والعلم يخلق نظاماً من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض، وتنتهي إلى ترميز العالم في بنى رياضية عالية التجريد. وفي مقابل هرمية نظام المفاهيم الفلسفي وهرمية نظام القوانين العلمي الرياضي، فإن الأسطورة تعمد من جانبها إلى خلق نظام قوامه الآلهة والقوى الماورائية، التي يعتمد بعضها على بعض أيضاً، في هرمية متسقة للأسباب والنتائج. وهي إذ تؤنسن الكون حين تبث فيه عنصر الإرادات الفاعلة والعواطف المتباينة، فإنها تصنع صورة لكون حي لايقوم على مبادئ ميكانيكية متبادلة التأثير، بل على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي. وهي تفتح خزاناً لا ينضب معينه من وسائل الترميز، كما تفتح البوابات على مصاريعها بين الوعي واللاوعي، في تجربة كلانية تحافظ على علائق الإنسان الطبيعانية مع عالمه.

من هنا ينبع سلطان الأسطورة وسطوتها على النفس، حتى في دولة العلم العالمية التي نعيشها اليوم. ذلك أن الأسطورة تعطينا ذلك الإحساس بالوحدة بين المنظور والغيبي، والحي والجامد، بين الإنسان وبقية مظاهر الطبيعة والحياة. والنظام الذي تخلقه الأسطورة ليس نظام العقل المتعالي الذي يجعل نفسه خارج العالم ثم يفسره عن بُعد وكأنه شيء غريب عنه، بل هو نظام الإنسان المتعدد الأبعاد الذي لايستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره، ويدرك بطريقة ما أن المفسِّر والمفسَّر وجهان لعملة واحدة. من هنا فإن ما يميز متلقي الأسطورة عن دارس نظام فلسفي أو نظرية علمية، هو أن متلقي الأسطورة لا يشعر بأنه قد أضاف إلى معارفه شيئاً جديداً، وإنما غدا أكثر توافقاً وانسجاماً مع نفسه ومع العالم.

وتعتمد الأسطورة في تقنياتها على استخدام الظلال السحرية للكلمات. فالكلمات في أي لغة ذات وجهين، وجه دلالي يرتبط بالمعاني القريبة والمباشرة للمسميات، ووجه آخر سحري متلون بظلال متدرجة بين الخفاء والوضوح، قادرة على الإيحاء بمعانٍ غير مباشرة واستثارة مشاعر وأهواء متباينة. ولقد استفاد الشعر بدوره من هذه الخصيصة السحرية للغة، ومن هنا يأتي ذلك الطابع النبوي للغة الشعرية؛ فالشعر هو السليل المباشر للأسطورة وابنها الشرعي، وقد شق لنفسه طريقاً مستقلاً بعد أن أتقن عن الأسطورة ذلك التناوب بين التصريح والتلميح، بين الدلالة والإشارة، بين المقولة والشطحة؛ وبعد أن أتقن عنها أيضاً كيف يمكن للغة السحرية أن تقول الكثير من خلال القليل، وأن تشبعك بالمعنى دون أن تقدم معنى محدداً ودقيقاً، وذلك من خلال رسالة كلانية غير تفصيلية. من هنا نستطيع فهم السبب الكامن وراء هجوم الفلسفة على الشعر، فلقد رأى أفلاطون في كتابه “الجمهورية” ضرورة استبعاد الشعراء من الجمهورية الفاضلة التي تقوم على العقل، لأن السماح بالشعر يعني فتح الطريق أمام الأسطورة.

يمثل تاريخ الفلسفة صراعاً لاهوادة فيه مع الأسطورة. وقد استطاعت الفلسفة التوصل إلى تحديد مهامها وصياغة مفاهميها الخاصة من خلال نقدها للأسطورة. ومع ذلك فإن فلاسفة الإغريق الذين تصدوا لإقامة نظم فلسفية عقلانية، لم ينجوا تماماً من سحر البيان الأسطوري. لقد ركز أفلاطون بشكل خاص على أن الخبرة بالقدسي لايمكن اكتسابها من خلال نشوة صوفية يخلقها الطقس، ولا من خلال رؤية ميثولوجية تقدمها الأسطورة، وإنما عن طريق العقل الصاحي الذي يبدأ بمعرفة الجزئيات وترابطاتها صعوداً نحو مبادئها وعللها؛ ولكنه على الرغم من محاربته للنزعة غير العقلانية في النفس الإنسانية، والتي يعمل الشعر والأسطورة على إرضائها، فإنه عمد خارج كتاب “الجمهورية” إلى تأليف أساطير من صنعه، مثل أسطورة أسرى الكهف، وأسطورة اختيار النفس لمصيرها، وأسطورة الحساب بعد الموت، وذلك لغاية شرح وتوصيل أفكاره المجردة، كما أنه وافق على صياغة أساطير يجري تلقينها للصغار وفق خطة مدروسة من شأنها تدريبهم على تلمس فكرة الخير الكامنة وراء العالم، وذلك لعلمه بما للأسطورة من سلطان على النفوس ومقدرة على تثبيت الأفكار والمعتقدات، وبما في النفس من نزع طبيعي نحو البيان والإيمان وعزوفها عن البرهان. وقبل أفلاطون بزمن كان فلاسفة الإغريق الأوائل من أصحاب المدرسة الأيونية قد تأثروا بشكل خاص بأساطير ديانة الأسرار الأورفية وبالعديد من تصوراتها الماورائية. كما تأثرت المدرسة الفيثاغورثية بالأساطير الأورفية، وإلى درجة يصعب معها التفريق بين العناصر الفيثاغورثية والعناصر الأورفية، وعلى الخصوص عندما ننظر إلى الأفكار المتعلقة بتناسخ الأرواح، ومبدأ الثواب والعقاب في الحياة الأخرى، وما إليها من الأفكار والمبادئ والرموز والتحريمات المشتركة بين هذين النظامين. ويبدو هذا التأثر في أوضح أشكاله في فلسفة أمبيدوقليس حكيم صقلية والتلميذ النجيب لفيثاغورث، التي يعتبرها العارفون بالأورفية بمثابة نسخة دنيوية عنها.

هذا الطابع السحري للأسطورة، وأثرها الفعال في توصيل الأفكار المجردة وتثبيت المعتقدات، يفسر لنا تلك الوحدة المصيرية بين الدين والأسطورة، مما سأتعرض له بكثير من التكثيف والإيجاز فيما يلي: إن الدين في قاعه السيكولوجي الأعمق هو اختبار للقدسي من خلال حالة انفعالية سابقة على أي تصور عقلاني. هذه التجربة لا تختص بفرد دون آخر ولا بفئة دون أخرى، وإنما يتعرض لها الجميع وإن بدرجات متفاوتة من الشدة والوضوح، ويتعاملون معها بدرجات متفاوتة أيضاً من القبول والاعتراف. غير أن هذه الخبرة الدينية، الفردية من حيث الأساس والمنشأ، لاتبقى حبيسة السيكولوجيا الفردية، بل يجري عادةً تحويلها لتصب في تيار عقيدةٍ مؤسسةٍ ومصاغةٍ في قوالب، تنشأ حولها طقوس وأساطير تلعب دور المُرشِّد والمنظم للخبرة الدينية، وتدفع عن الفرد وطأة المجابهة المباشرة مع الإحساس بالقدسي. فهنا تقوم الأسطورة الجمعية بترميز الخبرة الدينية الداخلية وتعمل على موضعتها في الخارج، ثم تأتي الطقوس لتلعب دور المطهر للانفعالات الدينية العنيفة. عند هذا المستوى تتحول التجربة الانفعالية إلى مجموعة صور، ويتبلور المعتقد الديني يداً بيد مع الأساطير التي تعيد الانفعال الديني إلى الوعي وقد تحوله إلى معتقد.

تنشأ الأسطورة إذن عن المعتقد الديني وتكون بمثابة امتداد طبيعي له؛ فهي تعمل على توضيحه وإغنائه وتُثَبِّته في صيغ تساعد على حفظه وعلى تداوله بين الأجيال، كما أنها تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات الإنسانية. ومن ناحية أخرى، فإن الأسطورة تعمل على تزويد فكرة الألوهة بألوان وظلال حية، لأنها ترسم للآلهة صورها، وتعطيها أسماءها وصفاتها وألقابها، وتكتب لها سيرتها الذاتية وتاريخ حياتها، وتحدد صلاحياتها وعلاقات بعضها ببعض. وبما أن الخبرة الدينية ليست في أساسها خبرة عقلية بل انفعالية، فإنها لاتتطلب بطبيعتها البرهان ولا تتطلع إليه، وإنما تتطلب معادلاً موضوعياً يموضعها في الخارج ويسبغ عليها مشروعية ومعقولية، وذلك من خلال ميثولوجيا تجعل التجربة الدينية مشتركة مع الآخرين. وهنا تعمد الأسطورة إلى استنفاذ القوى السحرية للغة من أجل موضعة خبرة كلانية بالقدسي لا تستطيع توصيلها مفردات اللغة المستمدة من التجربة اليومية. وهذا يفسر لنا لماذا لم يعمد كهان الديانات وأصحاب الرسالات الدينية عبر التاريخ إلى مخاطبة الناس بصيغة البرهان بل بصيغة البيان. إن الاستماع إلى بضع آيات من أي كتاب مقدس (وليكن التاو الصيني أو أناشيد الغاثا الزرادشتي، أو الأوبانيشاد الهندوسي، أو المزامير التوراتية، أو الإنجيل) تغني المؤمن عن قراءة مئات الصفحات التي تخاطب عقله بالمنطق والبرهان. يضاف إلى ذلك أن مثل هذه الآيات هي صيغ رمزية غير خاضعة للنفي أو الإثبات بالتقصي العلمي أو التحليل الفلسفي، شأنها في ذلك شأن الخبرة الدينية التي نشأت عنها. من هنا تأتي تلك المناعة التي أظهرها الدين حتى الآن أمام النقد الفلسفي والعلمي، واستمراره فاعلاً ومؤثراً في الحضارة الإنسانية على الرغم من لامعقولية تعبيراته الرمزية.

إن أي نص فلسفي أو علمي يطرح نظرية ما، ينبغي أن يصاغ بطريقة يمكن معها اختبار هذه النظرية لإثبات صحتها أو بطلانها، وذلك عن طريق البرهان العقلي المنطقي في الفلسفة أو الاختبار التجريبي في العلم. وقابلية النص للاختبار هي في الوقت نفسه قابليته للنفي أو للإثبات، وإن أي نص غير قابل للدحض هو نص زائف من وجهة النظر الفلسفية والعلمية. لقد خرج الفلاسفة الطبيعيون الإغريق، مثلاً، بنظرية عن العواصف الرعدية مفادها أن مثل هذه الظواهر تنجم عن تصادم جزيئات ثقيلة في السحب. وبالطبع فإن هذه النظرية المصممة بطريقة تُعرضها للدحض أو الإثبات، قد دُحضت عندما تم التعرف على الكهرباء وأثر الشحنات الكهربائية السالبة والموجبة في تشكيل العواصف الرعدية. أما قول النص الديني المدعم بالأسطورة بأن العواصف الرعدية هي تعبير عن غضب الآلهة، فإن مثل هذه النظرية محصن ضد النقض ولا يمكن دحضه بالمنطق أو بالتجربة. وحتى عندما تعترف هذه النظرية الدينية بأن للكهرباء دورا في إحداث الرعود، فإنها تؤكد في الوقت ذاته على أن الكهرباء ليست إلا أداة مسخرة في يد الإرادة الإلهية، وأن المسبب الحقيقي للرعد هو الإله الذي يسخّر خصائص الكهرباء. وفي الحقيقة، فإن الفلسفة والعلم اللذين وُلدا من رحم الأسطورة، يقومان بالمهمة نفسها، أي اختزال تجربتنا مع العالم وتقديمه إلى الوعي وقد تم تفسيره وترتيبه. ولكن بينما يلجأ العالم والفلسفة إلى العقل التحليلي الذي يجزيء العالم ثم يعيد تركيبه من أجل فهمه، معتمداً في ذلك على الاختبار في العلم، والبرهان في الفلسفة، فإن الأسطورة تضع الإنسان بكليته في مواجهة العالم، وتستخدم كل المجازات الممكنة من أجل تقديم رؤية متكاملة لهذا العالم، ذات طابع كلاني يعادل تجربة الإنسان الكلانية وغير المتجزئة معه.

إن كلاً من الأسطورة والفلسفة والعلم يستجيب على طريقته لمطلب النظام، لمطلب أن يعيش الإنسان ضمن عالم مفهوم ومرتب، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته مع الطبيعة. فالفلسفة تُنتج نظاماً مترابطاً من المفاهيم التجريدية يدَّعي تفسير العالم؛ والعلم يخلق نظاماً من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض، وتنتهي إلى ترميز العالم في بنى رياضية عالية التجريد. وفي مقابل هرمية نظام المفاهيم الفلسفي وهرمية نظام القوانين العلمي الرياضي، فإن الأسطورة تعمد من جانبها إلى خلق نظام قوامه الآلهة والقوى الماورائية، التي يعتمد بعضها على بعض أيضاً، في هرمية متسقة للأسباب والنتائج. وهي إذ تؤنسن الكون حين تبث فيه عنصر الإرادات الفاعلة والعواطف المتباينة، فإنها تصنع صورة لكون حي لايقوم على مبادئ ميكانيكية متبادلة التأثير، بل على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي. وهي تفتح خزاناً لا ينضب معينه من وسائل الترميز، كما تفتح البوابات على مصاريعها بين الوعي واللاوعي، في تجربة كلانية تحافظ على علائق الإنسان الطبيعانية مع عالمه.

من هنا ينبع سلطان الأسطورة وسطوتها على النفس، حتى في دولة العلم العالمية التي نعيشها اليوم. ذلك أن الأسطورة تعطينا ذلك الإحساس بالوحدة بين المنظور والغيبي، والحي والجامد، بين الإنسان وبقية مظاهر الطبيعة والحياة. والنظام الذي تخلقه الأسطورة ليس نظام العقل المتعالي الذي يجعل نفسه خارج العالم ثم يفسره عن بُعد وكأنه شيء غريب عنه، بل هو نظام الإنسان المتعدد الأبعاد الذي لايستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره، ويدرك بطريقة ما أن المفسِّر والمفسَّر وجهان لعملة واحدة. من هنا فإن ما يميز متلقي الأسطورة عن دارس نظام فلسفي أو نظرية علمية، هو أن متلقي الأسطورة لا يشعر بأنه قد أضاف إلى معارفه شيئاً جديداً، وإنما غدا أكثر توافقاً وانسجاماً مع نفسه ومع العالم. وتعتمد الأسطورة في تقنياتها على استخدام الظلال السحرية للكلمات. فالكلمات في أي لغة ذات وجهين، وجه دلالي يرتبط بالمعاني القريبة والمباشرة للمسميات، ووجه آخر سحري متلون بظلال متدرجة بين الخفاء والوضوح، قادرة على الإيحاء بمعانٍ غير مباشرة واستثارة مشاعر وأهواء متباينة. ولقد استفاد الشعر بدوره من هذه الخصيصة السحرية للغة، ومن هنا يأتي ذلك الطابع النبوي للغة الشعرية؛ فالشعر هو السليل المباشر للأسطورة وابنها الشرعي، وقد شق لنفسه طريقاً مستقلاً بعد أن أتقن عن الأسطورة ذلك التناوب بين التصريح والتلميح، بين الدلالة والإشارة، بين المقولة والشطحة؛ وبعد أن أتقن عنها أيضاً كيف يمكن للغة السحرية أن تقول الكثير من خلال القليل، وأن تشبعك بالمعنى دون أن تقدم معنى محدداً ودقيقاً، وذلك من خلال رسالة كلانية غير تفصيلية. من هنا نستطيع فهم السبب الكامن وراء هجوم الفلسفة على الشعر، فلقد رأى أفلاطون في كتابه “الجمهورية” ضرورة استبعاد الشعراء من الجمهورية الفاضلة التي تقوم على العقل، لأن السماح بالشعر يعني فتح الطريق أمام الأسطورة.

يمثل تاريخ الفلسفة صراعاً لاهوادة فيه مع الأسطورة. وقد استطاعت الفلسفة التوصل إلى تحديد مهامها وصياغة مفاهميها الخاصة من خلال نقدها للأسطورة. ومع ذلك فإن فلاسفة الإغريق الذين تصدوا لإقامة نظم فلسفية عقلانية، لم ينجوا تماماً من سحر البيان الأسطوري. لقد ركز أفلاطون بشكل خاص على أن الخبرة بالقدسي لايمكن اكتسابها من خلال نشوة صوفية يخلقها الطقس، ولا من خلال رؤية ميثولوجية تقدمها الأسطورة، وإنما عن طريق العقل الصاحي الذي يبدأ بمعرفة الجزئيات وترابطاتها صعوداً نحو مبادئها وعللها؛ ولكنه على الرغم من محاربته للنزعة غير العقلانية في النفس الإنسانية، والتي يعمل الشعر والأسطورة على إرضائها، فإنه عمد خارج كتاب “الجمهورية” إلى تأليف أساطير من صنعه، مثل أسطورة أسرى الكهف، وأسطورة اختيار النفس لمصيرها، وأسطورة الحساب بعد الموت، وذلك لغاية شرح وتوصيل أفكاره المجردة، كما أنه وافق على صياغة أساطير يجري تلقينها للصغار وفق خطة مدروسة من شأنها تدريبهم على تلمس فكرة الخير الكامنة وراء العالم، وذلك لعلمه بما للأسطورة من سلطان على النفوس ومقدرة على تثبيت الأفكار والمعتقدات، وبما في النفس من نزع طبيعي نحو البيان والإيمان وعزوفها عن البرهان. وقبل أفلاطون بزمن كان فلاسفة الإغريق الأوائل من أصحاب المدرسة الأيونية قد تأثروا بشكل خاص بأساطير ديانة الأسرار الأورفية وبالعديد من تصوراتها الماورائية. كما تأثرت المدرسة الفيثاغورثية بالأساطير الأورفية، وإلى درجة يصعب معها التفريق بين العناصر الفيثاغورثية والعناصر الأورفية، وعلى الخصوص عندما ننظر إلى الأفكار المتعلقة بتناسخ الأرواح، ومبدأ الثواب والعقاب في الحياة الأخرى، وما إليها من الأفكار والمبادئ والرموز والتحريمات المشتركة بين هذين النظامين. ويبدو هذا التأثر في أوضح أشكاله في فلسفة أمبيدوقليس حكيم صقلية والتلميذ النجيب لفيثاغورث، التي يعتبرها العارفون بالأورفية بمثابة نسخة دنيوية عنها. هذا الطابع السحري للأسطورة، وأثرها الفعال في توصيل الأفكار المجردة وتثبيت المعتقدات، يفسر لنا تلك الوحدة المصيرية بين الدين والأسطورة، مما سأتعرض له بكثير من التكثيف والإيجاز فيما يلي: إن الدين في قاعه السيكولوجي الأعمق هو اختبار للقدسي من خلال حالة انفعالية سابقة على أي تصور عقلاني. هذه التجربة لا تختص بفرد دون آخر ولا بفئة دون أخرى، وإنما يتعرض لها الجميع وإن بدرجات متفاوتة من الشدة والوضوح، ويتعاملون معها بدرجات متفاوتة أيضاً من القبول والاعتراف. غير أن هذه الخبرة الدينية، الفردية من حيث الأساس والمنشأ، لاتبقى حبيسة السيكولوجيا الفردية، بل يجري عادةً تحويلها لتصب في تيار عقيدةٍ مؤسسةٍ ومصاغةٍ في قوالب، تنشأ حولها طقوس وأساطير تلعب دور المُرشِّد والمنظم للخبرة الدينية، وتدفع عن الفرد وطأة المجابهة المباشرة مع الإحساس بالقدسي. فهنا تقوم الأسطورة الجمعية بترميز الخبرة الدينية الداخلية وتعمل على موضعتها في الخارج، ثم تأتي الطقوس لتلعب دور المطهر للانفعالات الدينية العنيفة. عند هذا المستوى تتحول التجربة الانفعالية إلى مجموعة صور، ويتبلور المعتقد الديني يداً بيد مع الأساطير التي تعيد الانفعال الديني إلى الوعي وقد تحوله إلى معتقد.

تنشأ الأسطورة إذن عن المعتقد الديني وتكون بمثابة امتداد طبيعي له؛ فهي تعمل على توضيحه وإغنائه وتُثَبِّته في صيغ تساعد على حفظه وعلى تداوله بين الأجيال، كما أنها تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات الإنسانية. ومن ناحية أخرى، فإن الأسطورة تعمل على تزويد فكرة الألوهة بألوان وظلال حية، لأنها ترسم للآلهة صورها، وتعطيها أسماءها وصفاتها وألقابها، وتكتب لها سيرتها الذاتية وتاريخ حياتها، وتحدد صلاحياتها وعلاقات بعضها ببعض. وبما أن الخبرة الدينية ليست في أساسها خبرة عقلية بل انفعالية، فإنها لاتتطلب بطبيعتها البرهان ولا تتطلع إليه، وإنما تتطلب معادلاً موضوعياً يموضعها في الخارج ويسبغ عليها مشروعية ومعقولية، وذلك من خلال ميثولوجيا تجعل التجربة الدينية مشتركة مع الآخرين. وهنا تعمد الأسطورة إلى استنفاذ القوى السحرية للغة من أجل موضعة خبرة كلانية بالقدسي لا تستطيع توصيلها مفردات اللغة المستمدة من التجربة اليومية. وهذا يفسر لنا لماذا لم يعمد كهان الديانات وأصحاب الرسالات الدينية عبر التاريخ إلى مخاطبة الناس بصيغة البرهان بل بصيغة البيان. إن الاستماع إلى بضع آيات من أي كتاب مقدس (وليكن التاو الصيني أو أناشيد الغاثا الزرادشتي، أو الأوبانيشاد الهندوسي، أو المزامير التوراتية، أو الإنجيل) تغني المؤمن عن قراءة مئات الصفحات التي تخاطب عقله بالمنطق والبرهان. يضاف إلى ذلك أن مثل هذه الآيات هي صيغ رمزية غير خاضعة للنفي أو الإثبات بالتقصي العلمي أو التحليل الفلسفي، شأنها في ذلك شأن الخبرة الدينية التي نشأت عنها. من هنا تأتي تلك المناعة التي أظهرها الدين حتى الآن أمام النقد الفلسفي والعلمي، واستمراره فاعلاً ومؤثراً في الحضارة الإنسانية على الرغم من لامعقولية تعبيراته الرمزية.

إن أي نص فلسفي أو علمي يطرح نظرية ما، ينبغي أن يصاغ بطريقة يمكن معها اختبار هذه النظرية لإثبات صحتها أو بطلانها، وذلك عن طريق البرهان العقلي المنطقي في الفلسفة أو الاختبار التجريبي في العلم. وقابلية النص للاختبار هي في الوقت نفسه قابليته للنفي أو للإثبات، وإن أي نص غير قابل للدحض هو نص زائف من وجهة النظر الفلسفية والعلمية. لقد خرج الفلاسفة الطبيعيون الإغريق، مثلاً، بنظرية عن العواصف الرعدية مفادها أن مثل هذه الظواهر تنجم عن تصادم جزيئات ثقيلة في السحب. وبالطبع فإن هذه النظرية المصممة بطريقة تُعرضها للدحض أو الإثبات، قد دُحضت عندما تم التعرف على الكهرباء وأثر الشحنات الكهربائية السالبة والموجبة في تشكيل العواصف الرعدية. أما قول النص الديني المدعم بالأسطورة بأن العواصف الرعدية هي تعبير عن غضب الآلهة، فإن مثل هذه النظرية محصن ضد النقض ولا يمكن دحضه بالمنطق أو بالتجربة. وحتى عندما تعترف هذه النظرية الدينية بأن للكهرباء دورا في إحداث الرعود، فإنها تؤكد في الوقت ذاته على أن الكهرباء ليست إلا أداة مسخرة في يد الإرادة الإلهية، وأن المسبب الحقيقي للرعد هو الإله الذي يسخّر خصائص الكهرباء.

ثم أن النظرية المفتوحة على الدحض تقدم إرشادات من أجل الممارسة، وهذه الإرشادات إما أن تقودك إلى التثبت من النظرية أو دحضها، أما النظرية المحصنة ضد النقض فلا تعطيك سوى تعليمات لايقودك تنفيذها إلى معرفة صحة النظرية من خطئها. وإليكم هذا المثال البسيط عما أقول: لنفرض أن سائلاً سأل عن الطريق إلى الكنيسة، فقال له أحدهم: “استمر مباشرةً في هذا الطريق ثم انعطف شمالاً وستجد الكنيسة في آخر الشارع قبل النافورة”. إن مثل هذا القول يحتوي إرشاداً لأن السالك بعد بضعة دقائق سيعرف نتيجة عمله بهذا الإرشاد، فإما أن يجد الكنيسة وإما أن لا يجدها. لقد وصل صاحبنا إلى الكنيسة فعلاً، وهناك سأل الكاهن عن الطريق إلى ملكوت السماوات، فقال له: “تبرع لصندوق الكنيسة وأشعل شمعة في المحراب و…إلخ، وحين تموت فإن روحك تذهب إلى ملكوت السماوات”. فدفع الرجل وأشعل شمعة وفعل كل ما هو مطلوب من مسيحي مؤمن. ولكن النظرية الثانية لا تقدم إرشاداً للممارسة كما فعلت النظرية الأولى عندما دلته على الطريق إلى الكنيسة. ذلك أن الموضوع هنا يتعلق أولاً بالروح، وهي ليست مما يمكن التأكد منه بأي طريقة عملية، وثانياً لأن ذهاب الروح إلى الملكوت شأن لا يمكن اختباره بالتجربة. من هنا فإن هذه النظرية لايمكن إثبات زيفها من صحتها. لقد تلقى الرجل في مثالنا هذا تعليمات عليه أن يثق بها دون مساءلة ولم يتلق إرشاداً، لأن الإرشاد من شأنه أن يكشف لك عن صحة ما قيل أم خطئه. لقد وُضعت أمامه تفاصيل الفعل ولكن الهدف الذي يتوجب عليه تحقيقه من وراء هذا الفعل يقع خارج المعرفة العملية، ولا يمكن الجزم بإمكانية تحققه من عدمها

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий