Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الأسطورة (4): كيف نفهم الأسطورة؟

الأسطورة (4): كيف نفهم الأسطورة؟

الاربعاء 14 آذار (مارس) 2007

بقلم: فراس السواح

في مقالة سابقة، قلت بأن الأسطورة هي ناتج انفعالي غير عقلاني، أي أنها تصدر عن حالة عاطفية تتخطى العقل لتنتج صوراً ذهنية مباشرة تعكس تلك العلاقة الكلانية بين الذات/الوعي، والعالم/ المادة. إلا أن الأسطورة ليست انفعالاً صرفاً لأنها توسط الأفكار في محاولتها للتعبير عن ذلك الانفعال وموضعته في الخارج. فهي والحالة هذه نشاط يصدر عن ذهنية لم تتعلم بعد كيفية تجزئة موضوع معرفتها وتحليله ثم إعادة تركيبه. إنها نوع من الحدس بالكليات يموضع معرفته الكلانية في صور ومشاهد وشخصيات مفعمة برموز ذات دلالات، بعضها يتصل بعالم الشعور وبعضها بعالم اللاشعور. من هنا فإنها لا تشكل معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة. فكيف نستطيع اليوم اختراق هذه البنية الرمزية المعقدة من أجل الوصول إلى رسائلها الضمنية؟ وكيف يستطيع العقل الحديث التفاعل مع هذه التركة الثقافية الغريبة عنه كل الغرابة؟

إننا أمام مشكلة تتعلق بالتفسير. فنحن اليوم على الرغم من إحساسنا بسطوة الأسطورة ونفاذها إلى أعماقنا لتودع رسالة ما هناك؟ إلا أننا غالباً ما نضيع عن فهم هذه الرسالة وإعادة صياغتها بطريقة خطية تنتقل من المقدمات إلى نتائجها. أما لب هذه المشكلة فهو أننا لا نستطيع تجاوز ذلك الناظم الأساسي للعقل الحديث، وأعني به ناظم البرهان. فلقد أعادت الفلسفة الإغريقية، والفلسفة العربية من بعدها، تشكيل العمليات العقلية للإنسان الحديث وفق قواعد البرهان المنطقي، ثم تابعت العلوم المختلفة التي استقلت عن الفلسفة هذه المهمة، فنشأ البرهان الرياضي والبرهان التجريبي بجميع صوره وأشكاله، مما قادنا إلى عصر المعلوماتية الراهن. وبما أن البرهان مرتبط عضوياً بعملية التحليل والتفكيك، وبالإدراك المجزأ لموضوع معرفته فإنه أبعد ما يكون عن “المنطق” الأسطوري، الذي يحدس ولا يحلل ولا يرى في الجزء إلا صورة عن الكل وينظر إلى البرهان كشأن متضمن في عملية البيان.

إلى جانب هذا الانفصال النوعي بين العقل الحديث والعقل الميثولوجي، هنالك انفصال من نوع آخر هو انفصال القدم والانقطاع. فالعالم القديم الذي أنتج الأساطير هوعالم بعيد عنا زمنياً، والعديد من حضاراته السالفة قد ظهر أمامنا فجأةً من تحت التلال الآثارية، ولم نكن نعرف عنه شيئاً ولا أسلافنا القدماء كانوا يعرفون. فهذه الحضارات موغلة في القدم من جهة، ومنقطعة عنا من جهة أخرى. ولتوضيح مسألة الفرق بين القدم والانقطاع أقول بأن عصر الخلافة الأموية هو عصر بعيد عنا كل البعد ولكنه غير منقطع؛ فنحن متصلون به عبر سلسلة لم تنقطع حلقاتها، ولم يأت في سياق الزمن الذي يصلنا به وقت نسي فيه الناس خلفاء بني أمية أو أشعار وأخبار ذلك العصر. أما حضارة سومر أو إيبلا فقد ظهرت لنا دفعة واحدةً ولم نكن نعرف عنها شيئاً قبل بضعة عقود من الزمن، ولا الأقدمون منا أيضاً، فهي بعيدة ومنقطعة في الآن نفسه.

ومما يزيد مسألة البعد والانقطاع تعقيداً أن الحضارات التي صنعت الأساطير لم تكن تنتظم في زمان ثقافي متصل ومتجانس، بل إنها أيضاً تعاني من مشكلة التباعد الزماني، والانقطاع في أحيانٍ كثيرة. فالحضارة الآشورية بعيدة عن الحضارة السومرية بُعد الحضارة الآشورية عن زمننا، وسومر منقطعة عن آشور أكثر من انقطاع آشور عنا. لقد كان الآشوريون ورثة ثلاثة آلاف عام من حضارة وادي الرافدين، ولكنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الثقافة السومرية وتاريخها وملوكها، ولم تكن النصوص السومرية القليلة الموجودة في مكتبة آشور بانيبال إلا نسخاً عن أصول قديمة لا يعرف أحد عن أصلها وفصلها.

على أننا نجد بعض العزاء في أن المتأخرين من مفكري العالم القديم، لم يكونوا في وضع أفضل منا عندما حاولوا تأمل عالم الأسطورة إبان الفترات الأخيرة من تاريخ الشرق القديم، بعد أن اقتحمت عليه الثقافة الإغريقية وأحدثت تغييرات عميقة في بنية وأساليب التفكير المشرقي. وهذه نقطة تحتاج بعض التوضيح بالأمثلة التي أورد أبرزها فيما يلي:

برغوشا ونظرية التكوين البابلية:
في القرن الثالث قبل الميلاد عاش كاهن بابلي يدعى برغوشا، وضع العديد من المؤلفات باللغة اليونانية، ودعاه اليونانيون بيروسوس. ومن أهم مؤلفات هذا الكاهن كتاب عن تاريخ بابل وحضارتها جمع فيه كل ما وصل إليه علمه عن حضارة شعبه. ولكن هذا الكتاب الهام ضاع ولم يبقَ منه سوى شذرات أوردها بعض المؤلفين الكلاسيكيين، ومنها هذه الشذرة التي يتحدث فيها عن أسطورة التكوين البابلية فيقول:”في البدء لم يكن سوى الظلام والمياه. ثم ظهرت إلى الوجود مخلوقات عجيبة التكوين: رجال ذوو أجنحة ولهم وجهان بدل الوجه الواحد، وآخرون ذوو أجسام بشرية ولكن برأسين رأس لامرأة وآخر لرجل، وكانت أعضاؤهم الجنسية مذكرة ومؤنثة في آنٍ معاً؛ وغيرهم لهم سيقان الماعز وقرون أو حوافر الخيل وأذيالها؛ وبالمقابل كان هنالك حيوانات شتى استعارت من بعضها، كما استعارت أعضاء بشرية أيضاً. وفوق هؤلاء حكمت امرأة اسمها آموركا، والكلمة في اللغة الكلدانية تعني تامتي، أي البحر. ثم جاء مردوخ بل فصارع المرأة وشطرها نصفين فجعل من نصفها الأول الأرض ومن نصفها الثاني السماء، وقبض على المخلوقات العجيبة التي تتبعها جميعاً وأحل النظام في الكون. ولكن الأرض كانت خربة ومهجورة، فأمر مردوخ بخلق الإنسان من تراب ممزوج بدم إله قتيل ليملأ الأرض، ثم صنع الحيوانات بأجناسها، وبعد ذلك خلق النجوم والكواكب والشمس والقمر.”

مما لاشك فيه هو أن جزءاً لا بأس به من المعلومات المتعلقة بالمعتقدات البابلية القديمة عن أصل الكون والآلهة قد وصل إلى برغوشا؛ ولكن الأمر المؤكد هو أن نص أسطورة التكوين البابلية الأساسي الذي بين أيدينا اليوم، والذي تحدرت منه هذه الشذرات التي أوردها، لم يكن متوفراً بين يديه. فعلى الرغم من اتفاق رواية برغوشا في كثير من عناصرها مع الأسطورة الأصلية، إلا أن الاختلاف بينهما واضح في كثير من الأحداث الرئيسية وترتيبها، وفي اختزال بعضها وغياب البعض الآخر. والأهم من ذلك كله هو أن ما قدمه برغوشا ليس أسطورة وإنما معلومات تتعلق بأسطورة، وقد قصَّر عن نقل جو الأسطورة ومراميها الأصلية. وهو يبدو لنا اليوم أشبه بتقرير لمراسل صحفي غير متخصص يتحدث عن اكتشاف أثري حديث. إنه صورة عن فترة النزع الأخير لعالم الديانات الشرقية القديمة، بعد جفاف روحها وانقطاع أصولها.

فيلو الجبيلي:
وكما قام بيروسوس البابلي بوضع كتاب عن تاريخ البابليين، كذلك فعل المفكر السوري فيلو الجبيلي قبله بقرنين، عندما وضع كتاباً عن تاريخ الفينيقيين وحضارتهم. ومن المؤسف أن كتاب فيلو قد ضاع مثلما ضاع كتاب بيروسوس، ولم يبق منه سوى مقتبسات أوردها بعض المؤلفين الكلاسيكيين، ومنها روايته عن أسطورة التكوين الفينيقية التي يقول في مطلعها:

“في البدء، لم يكن هناك سوى هواء عاصف وخواء مظلم. ثم إن هذا الهواء وقع في حب مبادئه الخاصة وتمازج، ذلك التمازج دُعي الرغبة، وهي مبدأ خلق جميع الأشياء. ولم يكن للهواء معرفة بما فعل. وقد نشأ عن تمازج الهواء مُوت، الذي كان عبارة عن كتلة من الطين أو مجموعة من العناصر المائية المتخمرة. وهو بذرة خلق وأصل الأشياء. ثم استضاء الهواء بالتهاب اليابسة والبحر، وتحركت الرياح والغيوم وهطل المطر على الأرض مدراراً. وبتأثير حرارة الشمس انفصلت الأشياء وطارت من مكانها لتتصادم في الجو، فنشأت البروق والرعود، وعلى صوتها أفاقت ذوات الحياة مذعورة وراحت تتنقل على اليابسة وفي البحر، ذكوراً وإناثاً…”.

يتضح من هذا النص الذي يشكل مطلع نظرية التكوين الفينيقية التي ينسبها فيلو إلى كاهن كنعاني قديم يدعى سانخونياتن، أن هذا الكاتب كان يحاول استجلاء طبيعة الفكر الأسطوري الكنعاني القديم، استناداً إلى معلومات مبعثرة جمعها في نص تفوح منه رائحة الفكر الفلسفي اليوناني. وفي الحقيقة فإن ما وصلنا من معلومات مباشرة عن الميثولوجيا الكنعانية، سواء من نصوص أوغاريت أم من منقوشات فينيقية متفرقة، يلقي ظلالاً من الشك على نظرية التكوين المنسوبة لقدماء الفينيقيين هذه، وعلى معلومات فيلو والمواقف التي يصدر عنها. لقد عاش هذا المفكر في بيئة مشبعة بالثقافة الهيلينستية، وفي زمن كانت فيه الأسطورة تتلقى أوجع ضربات الفلسفة الإغريقية، فجاء عمله بمثابة مساهمة أخرى في الحرب المعلنة من الفلسفة على الأسطورة.

هذا الحديث عن اليونان يقودنا إلى ما أدعوه بالمشكلة الإغريقية في دراسة الأسطورة.

المشكلة الإغريقية:
تبدي الثقافة الإغريقية انقطاعات حادة في مسيرتها لم تعرف مثلها ثقافة الشرق القديم. فلقد رأينا منذ قليل أن كاهناً بابلياً من القرن الثالث قبل الميلاد كان قادراً على جمع وتحقيق معلومات عن الثقافة البابلية ترجع إلى ماقبل عصره بنحو ألف وخمسمئة سنة. أما إغريق القرن السابع قبل الميلاد، وهو القرن الذي وعى فيه الإغريق أنفسهم تاريخياً، فلم يكونوا يعرفون عن ماضيهم القديم ما يتجاوز الحروب الطروادية (أي أواخر القرن الثالث عشر) التي اعتبروها بداية لتأسيس الحضارة الإغريقية، وينظرون إليها كماضٍ مغرق في القدم على الرغم من قربها النسبي إليهم. ولكننا نعرف اليوم أن اللغة اليونانية قد دخلت بلاد اليونان القارية في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، مع جماعات تنتمي إلى الذخيرة الهندو- أوربية، وأن دخول هذه الجماعات كان بداية مرحلة ثقافية جديدة في أرض اليونان. وهذا يعني أن حوالي ألف عام من تاريخ الثقافة اليونانية كان مجهولاً لدى إغريق القرن السابع قبل الميلاد.

ويتجلى انقطاع الثقافة الإغريقية عن ماضيها بشكل واضح في مجال الأساطير والمعتقدات الدينية. يقول هيرودوتس، المؤرخ اليوناني المتوفى عام 425 ق.م إن هزيود وهوميروس اللذين عاشا قبله بنحو أربعمئة سنة هما اللذان رسما للإغريق أساطيرهم وصور آلهتهم. وهذا القول الذي أُخذ على عِلاَّته زمناً طويلاً لايعكس بالطبع حقيقة الأمر، ويعطي صورة عن جهل الإغريق بأصول ديانتهم وأساطيرهم؛ فكل ما كانوا يعرفونه أيام هيرودوتس لم يكن يتعدى في قدمه روايات هذين المؤلفين، اللذي جمعا ونسقا وأعادا صياغة التقاليد التي تواترت إليهما منذ القدم.والمشكلة التي تواجهنا اليوم في دراسة الميثولوجيا الإغريقية، هي أننا على الرغم من معرفتنا الأكيدة بأن هزيود وهوميروس قد قدما لنا النسخة الأخيرة المنقحة عن التقاليد الميثولوجية الأقدم، إلا أننا لانستطيع اختراقهما وصولاً إلى الأشكال الأصلية، كما فعلنا مع بيروسوس وفيلو الجبيلي. والسبب في ذلك راجع إلى عدم توفر نصوص أسطورية من الفترات السابقة للقرن الثامن قبل الميلاد. ونحن مضطرون إلى الاعتماد على صياغات أدبية للميثولوجيا الإغريقية عبثت بها يد محرريها. هذه الصياغات التي ابتدأها هزيود وهوميروس ثم تابعها فيما بعد عدد من المؤلفين الكلاسيكيين، تمثل انتصار العمل الأدبي على المعتقد الديني. فنحن لانملك اليوم أسطورة يونانية نقلت إلينا في سياقها الديني الشعائري، وإنما من خلال وثائق أدبية منمقة منقطعة عن خبراتها الدينية الأصلية، أي من خلال ميثولوجيا مجردة من القدسية. وفيما عدا ميثولوجيات ديانات الأسرار التي نجت من التصرف الأدبي إلى حدٍ ما، وذلك بسبب الطابع المغلق لتلك الديانات، فإني أرى أن معظم التفسيرات التي جهد الميثولوجيون المحدثون في استنباطها للأساطير الكلاسيكية، هي جهد ضائع بحق لأنها لم تكن تتعامل مع أساطير أصلية بل مع نسخ أدبية لايربطها بأصولها إلا أوهى الروابط. من هنا، فإنني أرى بأن أي دراسة للميثولوجيا الإغريقية يجب أن تنظر إلى هذا الركام الأدبي كمصدر ثانوي ومشكوك به وخاضع للنقد، وتلتفت إلى الميثولوجيات الخاصة بديانات الأسرار في الثقافة الكلاسيكية، لأنها الميثولوجيات الوحيدة التي تمثل بحق ما بقي من الميثولوجيا اليونانية الأصلية.

أعود إلى ما ابتدأت به من مشكلة التفسير، فأقول بأننا على الرغم من كل هذه العقبات فنحن مطالبون بفهم وتفسير هذه التركة الميثولوجية الغنية، لأننا لانستطيع أن نبقي على هذا المصدر الهام من مصادر الثقافة الإنسانية في دائرة الظل، ولا أن نقول مع البعض بأن الأسطورة ليست إلا نتاج مرحلة طفولة العقل الإنساني القاصر، في مرحلة من مراحل تطوره، وأنها تفتقر إلى أي قيمة إيجابية أو مغزى، لأننا نكون بذلك قد حكمنا على الحضارات الكبرى الغابرة بأنها لم تكن سوى أقنعة للغباء البدائي.

غالباً ما يبدأ دارسوا الميثولوجيا باستعراض ونقد المدارس الرئيسية التي نشأت منذ أواسط القرن التاسع عشر، من نظرية طقسية، أو طبيعانية، أو براجماتية، أو سيكولوجية، أو بنيوية، وغيرها، لينتهوا إلى الوقوف إلى جانب واحدة منها، أو التأسيس لنظرية جديدة ينطلقون منها. ولكنني التزمت ومازلت ألتزم منهجاً تجريبياً لايقوم على نظرية بعينها تدعي الشمول والإطلاق، بل على النظر إلى كل نسق ميثولوجي على حدة، وإلى خصوصية كل أسطورة ضمن هذا النسق الميثولوجي الذي تنتمي إليه. ولكي تصل إلى سر أسطورة ما عليك أن تستسلم إليها بعيداً عن آليات التفكير العلمي الحديث، وتتلقاها بكليتك مثلما كان الإنسان القديم يتلقاها.

إن للأسطورة نظام داخلي متماسك ينطوي على رسالة ما، على الرغم مما يبدو عليها من تفكك ظاهري أحياناً، وهو نظام لا ينسجم مع مفهومنا الحديث عن النظام. هذه الرسالة كانت مفهومة ومستوعبة من قبل الإنسان القديم، الذي لم يكن بحاجة إلى القيام بما نقوم به اليوم لكي يفهم أساطيره ويستوعب رسائلها. إن أحد الفروق الهامة بين فكرنا الحديث وفكر الإنسان القديم، هو أننا لا نستطيع فهم ظاهرة ما بكليتها إن لم نعمد إلى تفكيكها ومعرفة أجزائها المستقلة جزءاً جزءاً؛ وكلما اعتقدنا أننا فهمنا الأجزاء عند مستوى معين انتقلنا إلى المستوى الأعلى، وهكذا وصولاً إلى الفهم الكلي اعتماداً على السير الخطي من مرحلة إلى أخرى؛ وذلك على عكس الإنسان القديم الذي كان يرى إلى الظاهرة بكليتها، ولا تستمد الأجزاء عنده أهميتها إلا من الكل. من هنا فإن المعنى الذي نحاول الكشف عنه في الأسطورة باستخدام أدواتنا التحليلية يبقى ظلاً باهتاً للمعنى الميثولوجي الخفي في النص.

إن مشكلتنا مع المعنى في الأسطورة ناجم عن مفهومنا للمعنى في اللغة. فنحن عندما نريد توضيح كلمة ما فإننا نورد عدداً آخر من الكلمات المرادفة لها تعمل على توضيح المعنى في الذهن، وهذا ما تفعله القواميس عادةً. ولكن إحساسنا بالكلمة يبقى إحساساً مباشراً، وتستثير فينا من الانفعالات المختلفة ما لاتستطيع الكلمات المفسرة خلقه. فإذا استشرت القاموس بخصوص كلمة النار مثلاً لقال لك: اشتعال حريق، توقد، إلى ما هنالك من مترادفات تحاول نقل المعنى المطلوب. ولكن حاول في ليلة مظلمة أن توقد ناراً في الخلاء وتلبث أمامها ساكناً تحدق فيها، عند ذلك فقط يمكن لك أن تستلم سر الكلمة دون وسيط، لأنك قد تجاوزت الكلمات والمترادفات ونفذت إلى سر الشيء. وهذا ما يتوجب علينا فعله حيال الأسطورة.

إن الأسطورة هي وسيط رمزي يموضع الانفعال الداخلي في الخارج من خلال وسيط رمزي آخر هو الكلمات. ولكننا عندما نأتي إلى التحليل والتفسير فإننا نلجأ إلى وسيط آخر إلى جملة أخرى من الكلمات تعمل على شرح الجملة الأصلية، في الوقت الذي يتوجب علينا أن نزيح تلك الجملة الأصلية وصولاً إلى الحالة الانفعالية التي أنتجت الأسطورة، أي أن نتأمل الأسطورة كما تأملنا النار وننفذ إلى سرها دون وسيط. وهذه مهمة صعبة تنقلنا من “البحث” إلى مايشبه التصوف

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий