Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الأنتروبولوجيا المعرفية والبحث عن الثوابت الثقافية – أ.د الغالي أحرشاو

الأنتروبولوجيا المعرفية والبحث عن الثوابت الثقافية – أ.د الغالي أحرشاو

أ.د الغالي أحرشاوالأنتروبولوجيا المعرفية
والبحث عن الثوابت الثقافية
أ.د الغالي أحرشاو
قسم علم النفس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية
ظهر المهراز – فاس
ملخص
هل توجد لدى كل الشعوب والثقافات نفس الأساليب والكيفيات لتمثل مختلف عناصر الكون ومكوناته المتنوعة؟ ما مدى صوابية القول بوجود تمثلات ثقافية ذات طبيعة كونية؟ وإلى أي حد يصح تجاوز الطرح القائل بتنوع الثقافات؟
في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة المحورية، ذهبنا في هذا البحث إلى مقاربة إشكالية “الثقافات الإنسانية والكفاءات المعرفية التي تحكم إنتاجها” بناء على منظور الأنتروبولوجيا المعرفية، وذلك اقتناعا منا بأن أي حديث عن الأنتروبولوجيا الثقافية لا يمكنه أن يتم خارج مدار نوع من المقاربة المعرفية لمكونات ومحددات هذه الأخيرة.
وهكذا، فبعد التعريف بمفهوم الأنتروبولوجيا المعرفية كمشروع علمي لدراسة سيرورات تثمُّل الألوان والأشياء والمعتقدات والكائنات الحية لدى مختلف الشعوب والثقافات، انتقلنا إلى النظر
والتفصيل في إمكانيات الحديث الفعلي عن انتروبولوجيا معرفية للثقافة. وقد تمثلت أهم الخلاصات
الناجمة عن هذا الطرح في الوقائع التالية:
– إذا كان اكتشاف الكليات يصح في مجال دراسة الألوان فإنه يبدو أقل وجاهة في ميدان
وصف الحيوانات والنباتات والكائنات الحية.
– إن المعتقدات وإن كانت تبدو متنوعة فهي تتكون انطلاقا من عدد جد محدود من العناصر
المشتركة.
– إن ثقافة أي مجتمع لا تتمثل في نهاية المطاف إلا في مدى توفر أو تواجد مثل هذه التمثلات
المشتركة ومرتكزاتها المتنوعة.
– إن بعض التمثلات تكون أكثر قابلية للاحتفاظ العفوي وأكثر سهولة للاكتساب من
تمثلات أخرى، وتشكل بالتالي التمثلات التي تتقاسمها مختلف الثقافات الإنسانية.
– يشغل سكان مختلف القارات والثقافات سيرورات ذهنية مشتركة.
قسم علم النفس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية
ظهر المهراز – فاس
ملخص

هل توجد لدى كل الشعوب والثقافات نفس الأساليب والكيفيات لتمثل مختلف عناصر الكون ومكوناته المتنوعة؟ ما مدى صوابية القول بوجود تمثلات ثقافية ذات طبيعة كونية؟ وإلى أي حد يصح تجاوز الطرح القائل بتنوع الثقافات؟

في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة المحورية، ذهبنا في هذا البحث إلى مقاربة إشكالية “الثقافات الإنسانية والكفاءات المعرفية التي تحكم إنتاجها” بناء على منظور الأنتروبولوجيا المعرفية، وذلك اقتناعا منا بأن أي حديث عن الأنتروبولوجيا الثقافية لا يمكنه أن يتم خارج مدار نوع من المقاربة المعرفية لمكونات ومحددات هذه الأخيرة.
وهكذا، فبعد التعريف بمفهوم الأنتروبولوجيا المعرفية كمشروع علمي لدراسة سيرورات تمثُّل الألوان والأشياء والمعتقدات والكائنات الحية لدى مختلف الشعوب والثقافات، انتقلنا إلى النظر والتفصيل في إمكانيات الحديث الفعلي عن انتروبولوجيا معرفية للثقافة. وقد تمثلت أهم الخلاصاتالناجمة عن هذا الطرح في الوقائع التالية:
– إذا كان اكتشاف الكليات يصح في مجال دراسة الألوان فإنه يبدو أقل وجاهة في ميدان
وصف الحيوانات والنباتات والكائنات الحية.
– إن المعتقدات وإن كانت تبدو متنوعة فهي تتكون انطلاقا من عدد جد محدود من العناصر
المشتركة.
– إن ثقافة أي مجتمع لا تتمثل في نهاية المطاف إلا في مدى توفر أو تواجد مثل هذه التمثلات
المشتركة ومرتكزاتها المتنوعة.
– إن بعض التمثلات تكون أكثر قابلية للاحتفاظ العفوي وأكثر سهولة للاكتساب من
تمثلات أخرى، وتشكل بالتالي التمثلات التي تتقاسمها مختلف الثقافات الإنسانية.
– يشغل سكان مختلف القارات والثقافات سيرورات ذهنية مشتركة.

حمل المقال كاملا من هذا الرابط

أو من هذا الرابط

لا أحد يجادل في أن الثقافة تمثل ما يبقى حينما يتم نسيان كل شيء. فهي عبارة عن تلك
اموعة من الأفكار المحددة التي تبقى حاضرة في مختلف عادات وتقاليد اتمعات الإنسانية. وإذا
كانت الأنتروبولوجيا المعرفية تحاول، من خلال دراسة كيفيات اكتساب هذه الأفكار وأساليب
انتشارها، إعداد نظرية جديدة للثقافة، فإن اهتمامنا في هذا البحث سيتمحور حول التعريف أولا
بمفهوم الأنتروبولوجيا المعرفية مكشروع علمي لدراسة سيرورات تمثل الألوان والأشياء والكائنات
الحية لدى مختلف الشعوب والثقافات والنظر ثانيا في إمكانيات الحديث عن انتروبولوجيا معرفية
للثقافة.
1. الأنتروبولوجيا المعرفية كبرنامج جديد للبحث
إذا كانت الأعمال الأولى للأتروبولوجيا المعرفية تعود إلى بداية الستينات من القرن العشرين
فإن ظهورها كتخصص علمي جديد يعود بالضبط إلى سنة 1969 التي شهدت نشر كتاب
في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي “Cognitive Antropology “الأنتروبولوجيا المعرفية
مقدمة هذا الكتاب الجماعي الذي أسهم في إعداده ( 15 ) باحث، يؤكد الأنتروبولوجي الأمريكي
3
وهو المشرف الرئيسي على طبعه أن “الأمر يتعلق بمحاولة فهم مبادئ التنظيم ، Stephen Tyler
التي تحكم الأشياء والتصرفات والانفعالات كظواهر ذهنية، بحيث أن الدراسة في هذا الحقل الجديد
من البحث لا تنصب على هذه الظواهر في حد ذاا بل على كيفية إدراكها وتنظيمها في أذهان
107 ). فمشروع هذه الأنتروبولوجيا الجديدة يكمن حسب :1999 ،Dortier) ” الناس
في دراسة الكفاءات المعرفية التي تحكم إنتاج الثقافات الإنسانية. فالأمر يتعلق على الخصوص Tyler
بفهم الكيفية التي عن طريقها تصل اتمعات المختلفة إلى تصنيف الأشياء والكائنات الحية في فئات
مستقلة مثل فئات الحيوانات والنباتات والناس والموضوعات الحية وغير الحية…
الواقع أن هذه الأنتروبولوجيا المعرفية التي أضحت تشكل برنامجا جديدا للبحث، أصبحت
تتمدد وتتوسع لتحذو حذو السيكولوجيا المعرفية واللسانيات التوليدية والذكاء الاصطناعي، هذه
الحقول المعرفية التي شهدت بداية الستينات من القرن العشرين انطلاقتها الفعلية. وهذا ما يدل على
أن الأنتروبولوجيين وبفعل إدراكهم لأهمية انطلاق هذه العلوم وغيرها من العلوم المعرفية، لم يترددوا
في العمل على استثمار مناهج هذه الأخيرة في دراسة الثقافات الإنسانية والسيرورات الذهنية الكامنة
وراء إنتاجها. وهذه مسألة يمكن أن نوضح بعض جوانبها من خلال التفصيل في الإشكاليات الأربع
التالية:
إشكالية إدراك الألوان
Brent يعود الاكتشاف الأول للأنتروبولوجيا المعرفية إلى الدراسة التي أجراها كل من
حول إدراك الألوان. فبمقارنتهما أسماء الألوان المتداولة في مختلف الثقافات Paul Kay و Berlin
(أوروبية، آسيوية، إفريقية، أمريكية) ذهبا إلى القول بوجود مجموعة من الأسماء تبعا لطبيعة اللغات
وحياة الشعوب. فإذا كانت بعض هذه اللغات والشعوب تتوفر من جهة إما على لائحة غنية أو فقيرة
من الألوان، فإا من جهة أخرى قد تتميز يمنة واضحة للون الأبيض مثلا في مقابل فقر دلالي في
اللون الأخضر أو العكس. وإن هذه الحساسية تجاه الألوان تتصل بطبيعة الحال بأنماط حياة الشعوب.
فالواضح أن سكان القطب الشمالي الذين يعيشون باستمرار في بيئة ثلجية وجليدية يحتفظون في
قاموسهم اللغوي على مجموعة كبيرة من أسماء اللون الأبيض، في حين أن هنود الأمازون الذين
يعيشون دائما وسط الغابات يتوفرون على سلسلة من الأسماء المتنوعة التي تتعلق خاصة باللونين
الأخضر والبني.
لكن الأمر الذي يستوجب التنبيه هو أن وقائع ومعطيات أخرى تبدو في تناقض واضح مع
حالة النسبية الثقافية هاته. فمن جهة تم التحقق من أن الأشخاص حينما يواجهون بمهمات مقارنة
الألوان وتصنيفها (دون ذكر أسمائها) فإم ي  ج  معون هذه الألوان حول تلك التي تكون قاعدا
4
المشتركة مهما كانت ثقافتهم الأصلية. ومن جهة أخرى تم التأكد من أن الأبيض والأسود والأحمر
والأصفر يعترف لها في كل مكان وكيفما كانت ثقافة الانتماء، كألوان خالصة ناصعة غير مركبة أو
غير مخلوطة.
إذن خلاصة القول هي أن إدراك الألوان يتولد من إرث بيولوجي مشترك وأن جميع الكائنات
الإنسانية تقطِّع طيف الألوان بنفس الكيفية وانطلاقا من بعض الألوان القاعدية. والحقيقة أن هذا
الاكتشاف قد أحدث هزة قوية في عالم الأنتروبولوجيا عامة وذلك لكونه يشكك في أحد أهم مبادئ
الأنتروبولوجيا الثقافية والمتمثل في استحالة اختزال تنوع الثقافات الإنسانية. فهو يتناقض مع فرضية
القائلة بأن تنوع اللغات يسهم في إنشاء تمثلات مختلفة حول الكون. إلا انه “Sapir-Worlf”
حول إدراك الألوان ستعرف نجاحا هائلا عند Kay و Berlin ومهما يكن فإن دراسة كل من
الذي Marshall Shalins عدد من الأنتروبولوجيين القائلين بالنسبية الثقافية وفي مقدمتهم
،Gardner سيؤكد على أن النسبية يجب أن تواجه براهين قواعد التغيرات الثقافية حسب اللغات
.(1993
2.1 . إشكالية تقطيع الكون
الواقع أن دراسة كيفية تقطيع الثقافات للكون ستعطي دفعة قوية للأنتروبولوجيا المعرفية.
فالأبحاث ستتوجه بالأساس إلى الدراسات الخاصة بالتفييئ وخاصة الكيفية التي تقطع ا الشعوب
والثقافات الكون إلى أصناف من الموضوعات المنفصلة. وهكذا سينصب الاهتمام حول أوجه تشابه
واختلاف مظاهر تصنيف النباتات ووصف القرابة وتفييئ الحيوانات بالنسبة لمختلف الشعوب
والحضارات. ومن أبرز المسائل التي ستدرس في هذا النطاق مسألة مدى إمكانية ترتيب الحيوانات في
فئات واسعة ومتماثلة كونيا، بحيث توضع الأفاعي والعضايات في فئة الزواحف والثعالب والصبغيات
في مجموعة الثدييات والببغاوات والنعامات في عائلة الطيور.
بالفعل سيتم اكتشاف بعض السمات المشتركة بين الثقافات بخصوص كيفية تصنيف
قد ساعدت على توضيح أوجه التشابه Ethnologiques الحيوانات. فالدراسات السلالية
1989 ). وكما ،Jahoda) الجوهرية بين التصنيفات العامية والتصنيفات العلمية المعروفة للنباتات
من غينيا الجديدة) عادة ما يفيؤون فصائل ) “Fore أوضحت دراسات أنتروبولوجية أن سكان “فور
الحيوانات اهولة لديهم ضمن الفئات المألوفة لدى الجميع. وهذا ما يبرهن على ان سكان مختلف
القارات والحضارات يشغلون سيرورات ذهنية مشتركة.
5
3.1 . إشكالية تحديد ما هو “إنساني”
الواقع أن اكتشاف فئات وأنماط التفكير الكونيى الصحيحة بالنسبة لمختلف ثقافات العالم لا
يمثل الإجراء البسيط أو السهل لأن السؤال المطروح هو انه إذا كانت هذه الثقافات تختلف ظاهريا
فتبعا لأية مقاييس يمكن القول بوجود فئات جوهرية تنظمها؟
لتوضيح هذا الأمر نشير إلى ان التمييز على سبيل المثال بين ما هو إنساني ولاإنساني يوجد في
جميع الثقافات، لكن الحدود تتغير من شعب لآخر. فأغلب النباتات والحيوانات تنطوي لدى بعض
على نفس الخصائص (Les Makunas و Les Achuars سكان الأمازون الاستوائية (خاصة
الموجودة عند الإنسان وفي مقدمتها خصائص: الروح والحياة والموت والتواصل. فالنساء اللواتي
يزرعن حدائقهن يخاطبن النباتات كما يخاطبن أطفالهن. والرجال الذين يصطادون يتعاملون مع
الفرائس مثلما يتعاملون مع أصهارهم. وإذا كان هذا يعني أن هؤلاء السكان يماثلون اللاإنسائي
بالإنساني من خلال تشبيه ما هو نباتي أو حيواني بما هو إنساني، فإن ذلك لا يكون بشكل ائي ولا
ينسحب على جميع مكونات البيئة. فأغلب الحشرات والأعشاب والطحالب والأسماك وال  سر  خسِيات
،Descola) ” وا َ لح  صبات والوديان تظل خارجة عما هو إنساني لتصنف في ما هو “طبيعي
.(1996
وإذا كان اكتشاف الكليات يصح في مجال دراسة الألوان فإنه يبدو أقل وجاهة في ميدان
وصف الكائنات الحية والنباتات والحيوانات. فاستخدام نفس الطريقة في مختلف هذه الميادين يتناسى
كل ما يتوفر عليه الإنسان من استعدادات سيكوفيزيقية بخصوص الجوانب المتعلقة بإدراك الألوان
.(1991 ،Barthe) والظواهر الكونية القابلة للتحليل الفيزيقي
إذن لاكتشاف مبادئ التصنيف الكوني، تتقيد الأنتروبولوجيا أحيانا بإنشاء فئات جد مجردة.
وهكذا فإذا كانت فئات إنساني/لاإنساني قابلة للتغير تبعا للشعوب والثقافات، ألا يعني هذا أن
التصنيف الخاص بتقطيع الطبيعة إلى مجموعات ثنائية القطب مثل: أحياء/غير أحياء، نباتات/حيوانات،
مادة/ذهن، هو الذي يصبح ثابتا وغير قابل للتغير؟
4.1 . إشكالية طبيعة المعتقدات
إذا كانت الأنتروبولوجيا المعرفية التي مر على انطلاق أبحاثها الأولى أكثر من ثلاثة عقود من
الزمن ماتزال تبدو غير مكتملة الحدود نظرا لاستمرار تداخلها مع ميدان علوم السلالات التي تدرس
المعارف العامية، فإن هذا لم يمنع أقطاا من متابعة الاهتمام ببرنامجها العلمي في البحث والتقصي.
ومن خلال دراستهم للمبادئ ،San Sperber و Pascal Boyer وهكذا فإن باحثين أمثال
6
الكونية التي تشكل أساس المعتقدات الدينية والسحرية في العالم بأكمله، توصلوا إلى أن التنوع
اللاائي لهذه المعتقدات ما هو إلا وهم زائف لأن التمثلات الثقافية عادة ما تكون على شكل لائحة
1999 ). وهكذا فالمعروف أن تخيلات الكائنات غير المرئية مثل الأشباح ،Dortier) جد محدودة
والكوابيس وإسناد خاصيات إنسانية لعناصر طبيعية كالجبال والأشجار والعيون، أصبح واحدا من
الممارسات والأنشطة المألوفة في كل مكان من العالم. وهذا ما يعني أن اللائحة المتعلقة بمثل هذه
المعتقدات وإن كانت تبدو متنوعة فهي تتكون انطلاقا من عدد جد محدود من العناصر المشتركة التي
تحاول الأنتروبولوجيا المعرفية مقاربتها وبحثها.
2. نحو أنتروبولوجيا معرفية للثقافة
إذا كان من الصعب جدا الحديث عن الثقافة ككيان يوجد خارج الأشخاص الذين يحملونه
وينقلونه فإن هذا يعني ضمنيا صعوبة الحديث عن أي أنتربولوجيا للثقافة خارج مدار نوع من المقاربة
المعرفية لمكونات ومحددات هذه الأخيرة. ولتوضيح هذا التحديد نشير إلى انه لو أخذنا مجتمعا إنسانيا
معينا، فالأكيد أن ساكنته تنطوي على تمثلات ذهنية متعددة (أفكار، صور، رموز، ذكريات…الخ).
فبعض هذه التمثلات يتم الاحتفاظ ا كأفكار شخصية لا يتعدى محيط تداولها والتواصل ا المستوى
العائلي الضيق، وبعضها يتم نشرها ونقلها من شخص لآخر على شكل سلاسل سريعة كالإشاعات
أو بطيئة كالعادات والتقاليد. وذا فإن ثقافة أي مجتمع لا تتمثل في اية المطاف إلا في مدى توفر أو
تواجد مثل هذه التمثلات المشتركة ومرتكزاا المتمثلة في التموجات الصوتية والمداد والورق وأشرطة
التسجيل والصور والآثار. فهذه العناصر المحسوسة تشكل في نفس الوقت حصيلة لأنشطة معرفية
وسببا في إثارة تمثلات ذهنية لدى الآخر. وإذا كانت الأفكار هي بطبيعتها أفكارا ثقافية لكوا تؤخذ
دائما في إطار هذه السلاسل السببية، فإن التساؤل حول لماذا تنتشر بعض أنواع التمثلات والأفكار
بصورة أفضل ويتم الاحتفاظ ا لوقت أطول يستدعي التساؤل من جديد حول “ما الثقافة؟” وهل
توجد تمثلات ثقافية ذات طبيعة كونية؟
في محاولة الاجابة عن هذه الأسئلة نشير إلى وجود نوع من الاعتقاد القائل بأن دماغ الإنسان
عبارة عن صفحة بيضاء قابلة لأن تستقبل وتلتقط معلومات وأفكار كثيرة ومتنوعة. لكن هذا الإثبات
يتعارض تماما مع ما تؤكده حاليا العلوم المعرفية وخاصة في بعديها السيكومعرفي والفيسيوعصبي. فلو
رجعنا إلى بعض أعمال علماء السلالات سنجد أن من ضمن نتائجها البارزة الاعتقاد بالتشابه الكبير
لتصنيفات الحيوانات في مختلف أقطار العالم. ففي كل هذه الأقطار تصنف الحيوانات إلى أصناف
محددة، يتميز كل صنف منها بطبيعة منفردة. وهذه الأصناف التي يمكن تجميعها في اجناس هي
بدورها محددة. ونحن نعلم أنه في المنطق الصرف لا وجود لسبب يسمح بتفضيل هذا التصنيف على
7
تصنيف آخر يعتمد عناصر اللون والقامة والسكن كأساس، لكن مع ذلك فإن الأشخاص يتصرفون
ذا الشكل كيفما كانت ثقافتهم. وإلى جانب هذا فقد أوضحت تجارب كثيرة أن الأطفال يتعلمون
بسهولة تامة أسماء الفصائل الحيوانية؛ إذ يكفي أن تقدم لهم نسخة لقطة ما أو جمل ما أو فيل معين
لكي يحتفظوا بتمثل وجود فصيلة تسمى “قطة” وأخرى “جمل” وثالثة “فيل”، ويتعرفون فيما بعد
وبسهولة تامة على كل هذه الفصائل. إلا أنه في المقابل يصعب عليهم تعلم لائحة بأسماء الأشكال
الملونة مثل ”  شِني  ك” كإسم للمثلثات الزرقاء و”  شبونت  ز” كإسم للمربعات الحمراء، بحيث يستوجب
هذا الأمر القيام بتكرارات وإعادات مسترسلة. وهكذا فرغم أن فئة “قطة” ليست مسبقا أكثر سهولة
من فئة “مثلث أزرق” أو “مربع أحمر” فإن شيئا ما يجعلها أكثر قابلية وأكثر سهولة للتعلم من لدن
1990 ). وهذا ما يؤكد على أن بعض التمثلات تكون أكثر قابلية للاحتفاظ ،Atran) الأطفال
العفوي وأكثر سهولة للاكتساب من تمثلات أخرى، وتشكل بالتالي التمثلات التي تتقاسمها مختلف
الثقافات الإنسانية.
إذن، إذا كانت كل ثقافة تتكون من مجموعة من التمثلات الحدسية المشتركة، ليس لأا فطرية
بل لكوا أكثر قابلية للاكتساب، فإن السؤال الذي يطرح هنا هو كيف يصح القول بتنوع
الثقافات؟
الواقع أن تحديد الثقافة على هذا النحو لا يعني بتاتا استبعاد القول بقابليتها للتغيير والتنوع.
فتروع الدماغ الإنساني، وهذا شيئ رائع، إلى الاحتفاظ بمعارف معينة والإبقاء عليها لا ينفي ائيا أن
معارف أخرى، وهي أكثر صعوبة للاكتساب، يمكنها أن تصبح هي الأخرى مشتركة ومتقاسمة
بصورة كونية. فقط يبدو أن اكتساا يتوقف على الظروف التاريخية والمحلية الضيقة وأن محتوياا
تخضع للتنوع والتغير. ولتوضيح هذه المسألة نشير إلى أنه لو أخذنا نصين من نفس مستوى الصعوبة،
أحدهما عبارة عن قصة محددة والآخر عبارة عن وصف لمنظر معين، وحاولنا الاحتفاظ بمحتوياما،
فالراجح أنه سيكون من السهل جدا تذكر الأول أكثر من الثاني. وهذا يعني أن الذهن الإنساني
مستعد للاحتفاظ بشكل أفضل بالروابط السببية الواصلة بين مشاهد قصة معينة أكثر من الروابط
ذات التجاور البسيط الواصلة بين مكونات منظر معين. ففي اتمعات ذات التقليد الشفوي فإن
الحكايات (الأساطير والخرافات والسير)، وليست المعلومات النظرية ورسوم الأماكن واللوائح، هي
التي تك  ون جوهر التقاليد النصية. إلا أنه مع انتشار الكتابة خضعت الثقافات التي تبنتها لتغيرات
عميقة، وخاصة على مستوى ظهور الجداول واللوائح والخرائط لأن الكتابة هي التي ستحرر الثقافة
توجد ظروف يكون فيها ،Jack Goody من قيود الذاكرة الإنسانية وحدودها. فحسب
التفضيل السردي والحكي شيئا ضروريا ويشكل استعمال الكتابة أحد هذه الظروف. أما بالنسبة
8
.(1977 ،Goody) لأنواع أخرى من المعارف، فإن وجود مؤسسات لنشرها يكون هو المحدد
وهذه حقيقة لها ما يؤكدها في دراسة تمثلات المكان عند الإنسان مثلا. فلا أحد يمكنه القول حتى
لكن مع ذلك يمكن الإقرار من وجهة ،”non euclidienne الآن بوجود إنسان “غير أقليدي
نظر منطقية أن الهندسة الأقليدية لا تشكل الهندسة الوحيدة الممكنة، بل هناك على سبيل المثال
التي يصعب اكتساا خارج نظام تعليمي صوري. (*)Riemannienne الهندسة الريامينية
وفي نفس الاتجاه فإن الرؤية المشتركة القائلة بأهمية الحاجات والمعتقدات في تطوير الإنسان
وتحقيق نضجه هي رؤية ذات انتشار كوني. فلم يكن من المستبعد أبدا بناء سيكولوجيا على أسس
أخرى كما نجد ذلك في التحليل النفسي الذي يرجع أفعالنا وتصرفاتنا إلى انشطة لاواعية. والحقيقة
أن هذه التصورات الحدسية للطبيعة والمكان والسيكولوجيا الإنسانية تندرج كلها في زادنا المعرفي.
وإن ثقافة معينة يمكنها أن تعارض مثل هذه المحددات القبلية، ولكن دائما لصالح مجهود معين وبواسطة
دعم مؤسسة محددة أو لأن قيمة اجتماعية تكون ذات علاقة عضوية ذه المعرفة. وإن هذا الجانب من
1997 ). لكن السؤال الذي ،Journet) الثقافة هو الذي يتعرض للتغير الكبير من شعب لآخر
يطرح هنا هو ألا ينطوي القول بتراوح التمثلات الثقافية بين ما هو طبيعي وما هو غريب وما هو
غامض وما هو مفهوم على نوع من التناقض؟
في الواقع أن التاكيد على تنوع التمثلات الثقافية لا يحمل أدنى تناقض لأن كل ما في الأمر هو
أن الإنسان يتوفر على انواع متعددة من الآليات المعرفية التي يمكن مقارنتها بأذواق الطبخ الكثيرة
التنوع. فكثير من الحضارات يتضمن مطبخها أطباقا مالحة وأخرى حلوة، وإذا كانت الأطباق الأولى
تشتمل على أكلات بحرية جد نادرة فإن الذوق الخاص ا هو ذوق مكتسب ينبني على سيرورة
التعلم لأن الطفل لا يحبه بشكل عفوي أو طبيعي. وهذه فكرة يمكن تعميمها على الميدان الفكري،
بحيث أنه لا وجود لإنسان يطبق بشكل عفوي المنطق الرياضي، لأن هذا الأخير لا يتبلور إلا في حالة
ارتباطه بقيمة اجتماعية محددة. فالذهن الإنساني مطالب بالتوفر سلفا على كفاءات معينة لكي يحقق
هذا الأمر، لكن هذا غير كاف لأن اعتبارات وإكراهات كثيرة تؤثر بثقلها الكبير في نشر الأفكار.
وإذا كان بعضها عبارة عن استعدادات كونية وبعضها عبارة عن ظروف خاصة، فإن هذا ما يترجم
بكل وضوح العلاقة التي يمكن إقامتها بين الثقافة بالمفرد والثقافة بالجمع.
* في سنة 1868 هندسته الأولى غير الأوقليدية وذلك بالتخلي عن فكرة لاائية B.Riemann لقد اقترح
المستقيم.
9

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий