Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الأنوثة والذكورة من خلال الموروث الشعبي الجزائري وتمثلات المجتمع (مقاربة أنثروبولوجيا الجندر)

الأنوثة والذكورة من خلال الموروث الشعبي الجزائري وتمثلات المجتمع (مقاربة أنثروبولوجيا الجندر)

من طرف الأستاذة وسيلة بروقي منقول من من منتدى آفاق السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا

الذكورة والأنوثة مواضيع علمية بامتياز، جلبت في السنوات الأخيرة اهتمام الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية، لما لهما من دور رئيس في تأطير الحياة الاجتماعية وتجليها وتمثلهما وتصورهما لدى الأفراد، كما أضحيا من القضايا التي تسائل ليس فقط علم الاجتماع وإنما كذلك كل التخصصات العلمية المجاورة له إلى درجة أننا نلاحظ اليوم تداخلا بين هذه التخصصات والفروع، خاصة وأن موضوع الذكورة والأنوثة وطرائق تمثلهما في المجتمع، يتجاوز الحدود التي ترسم له في نطاق تخصص علمي واحد ومتفرّد.
ولهذا السبب حاولنا تسجيل وإدراج بحثنا هذا في ما يسمى بـ “السوسيو-أنثوبولوجيا” Socio- Anthropologie وهي مقاربة أصيلة وتخصّص علمي حديث يجمع بين فروع متعددة في العلوم الاجتماعية، نظرا لما يثيره من جدالات حول طبيعة الظواهر الاجتماعية وما يفتحه من أفق بحثية وما يصل إليه من نتائج تتعثّر أمامها التخصصات العلمية التقليدية نظرا لضيق مقارباتها النظرية ومساراتها المنهجية.

تسمح لنا المقاربة السوسيو-أنثروبولوجية فهم المعاصرLe Contemporain في استمرارياته وقطائعه وتحوّلاته؛ لأنها تحاول تحرير المعرفة المنتجة في ظل حقول علمية وأكاديمية ضيقة وحصرية، جرّاء مفعول المؤسسةL’effet de l’institution، ولا تحبسها في نماذج تفكيرية وتفسيرية وقوالب منهجية محدّدة مسبقا فهي تثمّن المعارف المنتجة على الهوامش وفي الهوامش لأنها معارف تثري المتون العلمية التقليدية والمكرّسة وتنير المسالك المنهجية والدروب البحثية.

ويحاول بحثنا هذا الذي يسجّل ضمن هذا التخصص، التوليف بين علم اجتماع يهتم بالمعرفة العامة Sociologie de la connaissance ordinaire، لأنه يسائل إضافة إلى التمثلات والتصوّرات الموروث الشعبي والأمثال الشعبية وبين انثروبولوجيا نعيد لها الاعتبار ليصبح لها حق المواطنة في الحقل الجامعي بعد ما عانته في العالم العربي ومنه الجزائر من التشتت والتهميش وعدم إثبات هويتها وشرعيتها، كعلم من العلوم الإنسانية والاجتماعية قائم بذاته. لأنها حضورها كتخصص يدرّس في الجامعات ما زال محتشما فهي تمثل الحاضر الغائب؛ حاضرة كمادة متوّزعة على تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية وغائبة كتخصص مستقل قائما بذاته.

وإذ أدرجنا عملنا في ظل السوسيو- أنثروبولوجيا فهذا يرجع إلى أن الإلمام والتحكّم فيه يستلزم كذلك استحضار معارف متوّزعة على تخصصات متجاورة في العلوم الاجتماعية والى رغبتنا في الانفتاح على المقاربات الحديثة، محاولين في ذلك مواكبة حركة تطوير الدراسات البحثية وتوظيفها لمعرفة الكامن في تراثنا والبحث عن المسكوت عنه واللا مفكّر فيه في ثقافتنا، وإعادة قراءة ما وصلنا منه أي الظاهر أو المعلن والمفكّر فيه.
وعليه كان لابد من التوقف عند الذكورة والأنوثة؛ لأنهما لا محال اخترقتا الثقافة العربية، وظّفناهما في دراستنا كأداة للوصول إلى نظرة مغايرة لما هو مستهلك لأنهما يرتبطان بالمواطنة والمجتمع المدني، لكوننا ندرك تماما أن المواطنة ضعيفة في المجتمعات العربية بسبب ثقل ديناميكيات أخرى، مثل الطبقية والقبلية والعشائرية والعائلية، أما المجتمع المدني فإننا لا نستطيع الإقرار بوجوده بشكل مستقل وواضح عن الديناميكيات التي ذكرناها، إلا بنسب ضعيفة. لذلك حاولنا الاجتهاد في تجديد المفاهيم وتشبيكها مع أخرى، خشية تسطيح القضايا الأساسية وتبسطها، مع أن قضايا الذكورة والأنوثة مركّبة ومتشابكة بقضايا مجتمعية على المستوى الثقافي والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي.

إن اختيارنا لموضوع الذكورة والأنوثة هو نتاج واستمرارية لاهتماماتنا العلمية، فبعد الإستراتيجية الزواجية من خلال تصورات الطلبة الجامعيين، ودور الميثولوجيا (الأسطورة التأسيسية – قصة الخلق-) في المخيال الثقافي الشعبي الجزائري، وأخيرا إشكالية الجنس في الموروث الشعبي الجزائري، كان لا بد من هذه المقاربة؛ إذ يثبت الواقع أن دراسة الأنوثة لا تتّم بمعزل عن الذكورة. كما أن الخوض في أدوار وأوضاع كل منهما يفرض التكامل لا الفصل بينهما؛ فالرجل هو الآخر يعاني أيضا من الهيمنة الثقافية والاجتماعية. عليه نسعى في ضوء هذه المقاربة إلى الوصول إلى البناء الثقافي والاجتماعي والتاريخي الذي أنتج ذكورة من نوع خاص، أو أنوثة معينة.

نهدف من خلال بحثنا إلى إبراز الدلالة السوسيو- أنثروبولوجية التي تشكل الخلفية الضمنية لنص الخطاب الثقافي الشعبي ومرجعيته الأساسية المضمرة والكشف عن طرائق وأساليب الاستدلال والتعامل التي ينتهجها الخطاب تجاه الذكورة والأنوثة وإيضاح المنطق الرابط بين أجزاء الخطاب وبنيته الداخلية والمقارنة بين مضمونه الظاهري ومحتواه الضمني المقنّع، وذلك بهدف التعرّف على ثقل وكثافة الحضور الذي يحتله كل منهما فيه والوقوف على البنية المفهمية للذكورة والأنوثة في الموروث الشعبي الجزائري واختبارها أمام تمثلات المجتمع.

ولتحقيق مشروعنا البحثي، أطرنا عملنا في قسمين، يتضمن القسم الأول مقاربات نظرية ومنهجية اعتبرناها أرضية استئناسية، تضمّن أربعة فصول تعرّضنا في فصله الأول إلى الإشكالية والمعالجة المنهجية حيث استعرضنا المقاربات النظرية وترسانتنا المفهمية وأهم تساؤلاتنا وكذلك مسارنا المنهجي من خلال الإجراءات والأدوات والتقنيات الموظفة.

في فصله الثاني تعرّضنا للثقافة الشعبية بين تعدد الأطر النظرية والمنهجية وتعدّد القراءات وفيه تطرّقنا لتعدد قراءاتها وتنظيراتها؛ من غربية وعربية وجزائرية.

وفي الثالث منه إلى البنية المفهمية للمثل الشعبي وحيّز الأنوثة والذكورة فيه وتضمّن المنطلقات اللغوية والسيميائية والرؤية والخصائص والدلالة الاجتماعية.

أما الفصل الرابع فعالجنا فيه الذكورة والأنوثة بين الطرح الميثولوجي والخطابات الدينية، بدءا بالأسطورة التأسيسية إلى مساءلات العلماء للخطابات الدينية ثم جدل أهل الدين ورجال الإصلاح الاجتماعي.

أما القسم الثاني الذي جاء كمساءلة تحليلية لخطاب الحس المشترك ولتمثلات المجتمع، فقد احتوى في فصله الخامس على تراتبية أوضاع وأدوار الأنوثة والذكورة وفيه تطرقنا للوضع “الطبيعي” للذكورة والأنوثة ولتبعية الأنوثة للذكورة وللسلطة والسلطة المضادة وكذلك لتقسيم الفضاء الاجتماعي بين الذكورة والأنوثة في الهندسة الاجتماعية.

والفصل السادس المعنون الذكورة والأنوثة في المخيال الزواجي الاجتماعي- الثقافي فيه تعرضنا للشرطية الاجتماعية الثقافية لمشروع الزواج؛ أي الاختيار الزواجي والزواج الداخلي وللمهر كتجسيد للقطيعة بين تبعية المرأة من وليّها إلى زوجها وأخيرا
للعلاقات الزوجية وعدم شرعية الذكورة في وعي الأنوثة.

خصّصنا الفصل السابع للأنوثة بين الهبة والمعوقات، هبة الأمومة كتحصين لوضع الأنوثة وتعدد الزوجات (نساء لرجل واحد) وللطلاق والترمّل (نساء وحيدات) كمعوقات للأنوثة.
أما الفصل الثامن والأخير، تضمّن الآخر بالنسبة للذكورة هو” الأنوثة-الجنس” وفيه تطرقنا للجنس والتربية الجنسية ولعذرية الأنوثة كتجسيد لاكتمال الذكورة ثم إلى فوضى الجنس وكسر النموذج.
إن البحث في البنية المفهومية للذكورة والأنوثة وهيكلتها في الموروث الشعبي الجزائري، دفعنا إلى تفحص نصوص المعرفة الدينية، تسليما منا بأنها تمثل المرجعية الأساسية لخطاب الحس المشترك. لكننا في خاتمة بحثنا نفند هذا الافتراض؛ لأن كلا منهما وظف من طرف نسق اجتماعي واحد، وهو النسق الأبوي وقد استغلت الإستراتيجية الأبوية الديني كمساعد للثقافي باستعماله ﮐ “مكبح” يوقف كل حراك من شأنه أن يؤدي إلى التغيير، أو يحمل ثورة على الأوضاع ويهدّد مصلحة الذكورة.

إن البنية المفهومية للذكورة والأنوثة ليست ببنية جامدة ينبغي على الباحث استخراج رموزها ودلالاتها، بل هي بنية ديناميكية أوجدتها العلاقات الاجتماعية العامة، وهي موجودة في ميكانيزمات إعادة الإنتاج الموسع للمجتمع. تتغير هذه العلاقة بتغير الظروف الاجتماعية والتاريخية، تبعا لحركة المجتمع وثقافته.

قبل الإسلام احتلت الأنوثة موضوعا متدن في سلم التدرج الاجتماعي؛ فلم تكن تنال المرأة شيئا من حقوقها، لكن بمجرد مجيئه حصلت إن أمكن القول على النصف منها، حيث رد لها جزء لا يستهان به من إنسانيتها التي انتهكت قبله لغايات ذكورية خالصة. رغم هذا المكسب إلا أنه بمجرد ما وظّفت النصوص الدينية حسب المصالح، غدت المجتمعات الإسلامية تعيش تراجعا، إذا ما قورنت بالإسلام كما عاشه أصحابه الأوائل؛ حيث كانت المسلمة تحتل وضعا أحسن بكثير من وضع الأوروبية التي تنال اليوم كامل حقوقها، بفضل الثورة العلمية وتطبيق سياسة فصل الدين عن الدولة.

سبب هذا التراجع، يكمن في عدم مسايرة الخطابات الدينية لمتغيرات العصر ومتطلباته من جهة وإلى انشطاره بين خطابين متعارضين؛ أحدهما سلفي محافظ يطمح لموافقة المعرفة الشعبية، وثانيهما مجدّد ينشد موافقة المعرفة العالمة من جهة ثانية. فكيف يمكن لنص واحد أن يخدم هدفين متباعدين ومتعارضين، إن لم يكن بالفعل يمثل رهانا سياسيا واجتماعيا يستخدم حسب المصالح كما أشرنا إليه في بداية بحثنا، لأن العادات والتقاليد تباعد بين الذكورة والأنوثة أكثر ممّا هو منصوص.

جعلت المعرفتان الدينية والشعبية من التراتبية الجنسية وتفوق الذكورة على الأنوثة، أمرا مقدّرا ومصيرا محتوما مسطّرا من طرف إرادة إلهية، لا يجوز انتهاك قدسيته. من هنا نجح العقل الشعبي في تغريب أفراده وجعلهم يمتثلون لهذه التراتبية على أنها وضع طبيعي. أما المعرفة العالمة فتقف موقفا معارضا ونقديا، مؤكدة أن التراتبية الجنسية وضع لم تفرضه الطبيعة، بل هو دخيل عليها بفعل الثقافي والإنتاج الاجتماعي الذي ارتسم في المخيال الجماعي.

إن الأسرة الجزائرية شأنها شأن الأسرة العربية والأسرة الأبوية ككل، تبنى على علاقات التسلط والخضوع وتمثّل الذكورة تحت ظل هذا النظام، المرجعية الأساسية للأنوثة؛ لأن الرجل هو العائل والحامي، فالمجتمع لا يخصص مكانة للمرأة التي لا تنسب إلى رجل؛ لذا فهي تسعى بشتى الطرق إلى الارتباط به تفاديا للتهميش وضمانا للحماية. كما تعتبر الأسرة، الشكل الأساسي والأبرز من ضمن أشكال التنظيم الاجتماعي فهي خلية إنسال وإنتاج وإعادة إنتاج une cellule de procréation de production et de reproduction وهذا ما أكده عالم القانون والإجتماع الفرنسيPaul Bureau، عندما اعتبر الأسرة الخليّة الأساسية التي تشكّل الإنسان في كليّته قبل خروجه للمجتمع. ( )

رغم الإشادة بمبدأي الديمقراطية والمساواة في الجزائر في المجالين السياسي والاقتصادي، يبقى المجال الجنسي بعيدا عنها كل البعد والغريب في الأمر أن المجتمع النسوي كما بيّنته نصوص الثقافة الشعبية وأكدته المعرفة العالمة، يمثل أهم شريحة معيدة لإنتاج التراتبية الجنسية، عن طريق التنشئة الاجتماعية والتربية التي تلقن للفتاة منذ الصغر لجعلها تعي وتتقبل شرعية دونيتها من جهة وتتقن خضوعها للرجل من جهة أخرى.
يضفي خطاب الحس المشترك، صورة سلبية على الأنوثة لكونها مصدرا للخطيئة وينعتها بالشيطنة والاحتيال، كما يحمّلها مفهوم “المرأة-الموضوع” بسبب تبعية جنس الأنوثة إلى جنس الذكورة ويؤكد أن امتثال المرأة لهذا المفهوم وعدم التمرّد عليه، يساهم إيجابيا في تفوّق صورة الرجل (الحامي).

يقسم الفضاء الاجتماعي بين الجنسين، استنادا إلى النوع البيولوجي “الجنس” فيخصص البيت كفضاء “طبيعي” للأنوثة، أما الفضاء الخارجي فيخصص للذكورة لكون الرجل هو العائل والحامي “رب الأسرة” وعليه فهو السيّد بلا منازع والمرأة هي التابع أيضا بلا منازع. يشكل بالتالي عمل المرأة خارج البيت خطورة على وضع الرجل لأنّه يمنحها الاستقلالية والسيادة.

تقف المعرفة العالمة موقفا نقديا من المعرفة الدينية والشعبية وتؤكد بأن الفصل بين الجنسين في المهام ووصف الأنوثة بنقصان العقل والذكورة بكماله وترتيبها في أسفل السلم الاجتماعي وتصنيفه في أعلاه، ليس بوضع طبيعي فرضته الفوارق البيولوجية، بل هو وضع مضاد للطبيعة سنّه الثقافي وفق إرادة النظام الاجتماعي الأبوي، ﻓـ “الرجال هم صانعو القانون”.

نلاحظ ازدواجية وتناقض الخطابين الديني والثقافي الشعبي، حيث ينعتان المرأة من جهة بنقصان العقل ويلبسانها مفهوم “المرأة-الموضوع”، ومن جهة ثانية يعترفان ضمنيا بحدّة ذكائها ويقرّان بوجود مفهوم “المرأة-الفاعلة”. كما تعترف المعارف الثلاث الدينية، الشعبية والعلمية بقوّة المرأة وفعاليتها وقدرتها على قلب الأوضاع، فهي تمتلك سلطة مضادة لسلطة الرجل هي أقوى وأشد، مستعملة في إستراتيجيتها التحايل، الفتنة وخاصة الجنس الذي يشكل أهم الأسلحة التي تجيد استعمالها بإتقان ونجاح؛ فهو سبب طرد آدم من الجنة وحرمانه من متاعها ولذاتها الأبدية. لذلك نجدها تحذّر بشدة من مفهوم “المرأة-الجنس”.
تقرّ الثقافة الشعبية ضمن نصوصها، بأن مرجعية الأنوثة ﮐ “آخر” لا تقوم على القرابة بل على الفعل الجنسي، كما تؤكد أن المرجعية الجنسية لا تتفوّق على المرجعية العائلية فحسب، بل على المرجعية الدينية أيضا، لذا يمثل الجنس خطورة على الدين إذا ما دخل في منافسة معه ومن هنا تكون الثقافة الشعبية، قد ساعدت على تفهّم المعرفة العالمة لأسباب إضفاء الدين صفة التحريم “المحرّم” على الجنس، لهذا يقذف هذا الأخير بالعيب، الحرام، الممنوع والتابو…الخ. لذلك يحذر الرجل بشدّة ويخوّف إلى درجة الترهيب من اتخاذه “المرأة-الجنس” كمرجعية.

تكشف المعرفة العالمة من جهتها على تكامل المعرفتين الدينية والشعبية وظيفيا واتفاقهما على إنتاج فرد مكبوت جنسيا، فالجنس يعني الكبت قبل الزواج والنكران بعده، والزواج هو الحل الأمثل لتجنب الرجل الوقوع في الخطيئة وتفادي وضع المهمّش وعليه فهو مسموح ومباح فقط داخل إطاره الشرعي المؤسّسي: “الزواج”، ما عدا ذلك فهو محرّم ومقيّد وممنوع.

تؤكد المعرفتان الشعبية والعلمية، أن الفرد يعي جيدا القمع الممارس عليه من قبل الدين والمجتمع، كما يدرك الدور الهام الذي يلعبه الجنس في توازنه البيولوجي والنفسي، لذا يلجأ إلى التلاعب بالدين ويتخذ سلوكيات خفية غير معلنة وملتوية لإرضاء حاجاته الجنسية وبالمقابل يظهر العفّة والطهارة والتديّن وبالتالي تقسّم حياته إلى حياة علنية وأخرى سرية وتكون هذه الازدواجية وسيلة يتكيّف بها الفرد مع المجتمع.

تكشف المعرفة العالمة، عن براعة النظام الأبوي في إيجاد أهم وسيلة منتجة للفرد الخاضع والمطيع وهي ممارسة الكبت الجنسي عليه عن طريق الموروث الشعبي وتصرّح الثقافة الشعبية عن تلاعب الأفراد بالدين، ومن جهتها تكشف المعرفة العالمة عن تلاعب الأفراد بالديني والثقافي على السواء. فهم يمارسون النفاق أو الرياء الاجتماعي لإرضاء محيطهم من جهة وفرديتهم من جهة أخرى ومن هنا نقف على ازدواجية الأخلاقيات في المجال الجنسي.

تحرص المعرفتان الدينية والشعبية على إعطاء الذكورة كل الطرق والسبل التي يجب انتهاجها للحفاظ على تفوّقها على حساب الأنوثة، دون إعارة أي اهتمام لما يجب أن يتوفر في الرجل من شروط لترتبط به المرأة؛ حيث يمنح الرجل كل المعطيات لاختيار المرأة الأمثل التي تساعده على الحفاظ على مركزه السيادي، ويحذّر من اختراق القواعد المنصوص عليها؛ لأن في ذلك خطورة على وضعه ولضمان تفوّقه في مشروع الزواج، تحدّدان معايير الجمال الحقيقي: “الأخلاق، الحسب والنسب، الأصل، الخصوبة، فتنة الجسد والبكارة”.

تقف المعرفة العالمة موقفا نقديا لما تقدم وتثبت أن هناك تغيرا طرأ على الذهنية التقليدية، حيث أصبحت المرأة العصرية (المرأة في حالة الجمع) تنشد رجلا تتوفر فيه جملة من المعطيات المبدئية التي تصر على تواجدها فيه (التعليم، العمل…الخ)، وهي تفضل عدم الزواج على الارتباط برجل غير مرغوب فيه وهذه الخاصية، تنطبق على المرأة التي نالت رصيدا معرفيا واستقلالية اقتصادية وهذا ما يدل على تغير في الشرطية الزواجية التقليدية وتمكّن المرأة من التحرّر ولو نسبيا من قيود القيم التقليدية.

كما تتفق المعرفتان الدينية والشعبية على تقنين الزواج بقاعدة “المهر” الذي بموجبه تصبح ملكية الذكورة للأنوثة شرعية وتبعية هذه الأخيرة واجبا مقدّسا. أدى نقص الوعي لدى العائلات إلى تفشى ظاهرة غلاء المهور، التي لعبت دورا فعالا في تأخر سن الزواج، كما أثبتت الصيغة السلعية التي أضفاها الغرب على مفهوم “المهر”. بينما تؤكد المعرفة العالمة تقلص هذه الظاهرة إلى حد كبير في المجتمعات العربية والإسلامية، نتيجة الاختلاط بين الجنسين في التعليم والعمل وظهور الاختيار الزواجي الحر بدل الزواج المقيد (الأهل) وهذا ما يثبت بدوره عدم امتثال الأبناء للمنظومة الزواجية التقليدية.

توصلنا أيضا إلى أن الأمثال كأرشيف تظهر لنا خطاب المجتمع حول نفسه، خطاب غير متجانس من خلال الثقافة الزواجية التي يتضمنها، والتي تظهر حركية داخل المجتمع التقليدي في سعيه للبقاء، حيث تجمع الإستراتيجية الزواجية بين الزواج الداخلي والخارجي، وتظهر لنا تباين قيمة أنماط الزواج في المخيال الزواجي من زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى.
نلمس في هذا المجال أيضا تطابقا بين المعرفتين الشعبية والدينية، إلا أنهما تتقاطعان، فالتباعد لا يكاد يذكر إذا ما قورن بأوجه التطابق، فهما لا تتفقان حول ظاهرة الزواج الداخلي، إذ تفضل الأولى الزواج بين الأقارب وخاصة بين أبناء العمومة، حفاظا على أملاك العائلة من الضياع بين أيدي الغرباء، في حين تشجّع المعرفة الدينية فكرة الزواج الخارجي أي من خارج العائلة، العشيرة أو القبيلة ومن المرجح أن الغرض نشر القيم الإسلامية. إن المتأمل في هذه المفارقة يجدها ظاهرية فقط، أما الواقع فكلاهما يخدم هدفا واحدا هو مصالح النظام الأبوي الاجتماعي.

تقرّ المعرفة العالمة، أن الثقافة الشعبية الجزائرية استطاعت أن تتفوّق وتكون جزءا من الثقافة الكونية، بإثبات صحة تواجد قواعدها وميل الكثير من ثقافات الشعوب إلى تفضيل الزواج الداخلي وخاصة بين أبناء العمومة.

حاول خطاب الحس المشترك، أن يظهر في حالات قليلة الأنوثة بمظهر المتفوّقة على الذكورة وان ظهرت المرأة بمظهر الموجّهة لأمور الرجل، فإنها في معظم الحالات الأخرى، تخطب ودّه وتستكين لسلطته وتخوض معركة صراع طويلة مع منافساتها من النساء الأخريات اللواتي يمكن أن يقاسمنها الرجل.
إن صراع النساء على الاستحواذ على الرجل، يعود إلى أنه يعتبر المنتج الوحيد في محيط الأسرة وأن المرأة بحاجة لرجل يعيلها وينفق على وسائل معيشتها. كما أن المرأة في الوسط الشعبي لا تستطيع أن تعيش مستقلة عن الرجل فهي قبل الزواج، ملزمة بأن تعيش في حمى والدها أو أخيها وبعده تنتقل تبعيتها إلى زوجها.

تعاني الثقافة الشعبية قطيعة بين مبادئها ونتائجها ورغم إدراك حامليها لهذه القطيعة، إلا أنهم لا يزالون يعيدون إنتاجها أملا في استدامة الأوضاع أو بالأحرى أملا في إرجاع الأوضاع إلى ما كانت عليه في المجتمع التقليدي، هذا لأن إيديولوجية المجتمع الأبوي ترفض الاعتراف بها حفاظا على مصالح الذكورة.

ما نصل إليه في الأخير أن العقل العربي تساهم في تكوينه جملة من المعارف: دينية، شعبية وعالمة. هذه المعارف تتفق أحيانا وتتضارب أحيانا أخرى، وهو لا يتكون فقط من المعرفة العالمة.

كما أظهر البحث أنّ المجتمع الجزائري، هو مجتمع مركّب من وجهات نظر متفاوتة ومختلفة في ما يخصّ تمثل مفهوم الذكورة والأنوثة وتقييم أوضاعهما وأدوارهما الاجتماعية وشكل العلاقة بينهما والأساليب الأفضل لتطوير مكانتهما وكذلك النظرة تجاه أساليب الضبط الاجتماعيّ.

واتضح أنّ التصورات أو التمثلات تتأثّر بالعديد من العوامل المستقلّة، مثل المستوى التعلّميّ، الانتماء الجغرافيّ، السن والجنس. كما أظهرت نتائج البحث الكمّيّ وجود فوارق إحصائية دالّة تشير إلى أنّ المواقف من حقوق المرأة تتأثّر إيجابيّا بارتفاع مستوى التحصيل العلميّ وارتفاع مستوى الدخل الماديّ للفرد، كما أظهر مواقف أكثر تقبّلا وإيجابية لحقوق المرأة بين سكان الريف والمدينة مقابل سكّان الأحياء الراقية والأحياء الشعبية، وكذلك بين الفئات الشابة مقابل الفئات المتقدّمة في السنّ، إضافة إلى فوارق إحصائية ونوعية لصالح مواقف أكثر ليبرالية بين الإناث المشاركات في البحث مقابل الذكور.

ثمّة جملة من العوامل الموضوعية التي أفضت إلى حدوث تحوّلات في بنية أوضاع وأدوار الذكورة والأنوثة. منها ما هو تشريعي حيث عدّل قانون الأحوال الشخصية لتغيير صورة الأسرة الجزائرية، التي كانت مندرجة ضمن الأطر التقليدية، من خلال تركيزها على حقوق المرأة الماديّة والمعنوية، هذا التشريع المدعوم من قبل خطاب سياسي، يهدف إلى وضع منظومة متكاملة من التشريعات والآليات لتحقيق تكافؤ الفرص بين الجنسين.

هذه العوامل لم تكن وحدها المؤثرة في تواجد علاقة مستحدثة بين الذكورة والأنوثة، بل المسألة مرتبطة أيضا بالثقافة المجتمعية وبتمثّلات الأفراد من كلا الجنسين للأدوار والأوضاع داخل المجتمع؛ بمعنى آخر، بكيفية توزّع الأدوار داخل المجتمع الجزائري في مستوى الممارسة والمعيوش اليومي.

بالتعبير السوسيولوجي الحديث، يمكن القول إنّ الموروث الثقافي الاجتماعي الجزائري بخصوص مسألة العلاقة بين الذكورة والأنوثة، مازال موروثا محكوما بمنطق المجتمع الذكوري وبتعبير عالم الاجتماع الفرنسي “دوركايم” مازال هذا الموروث يمثّل واقعا اجتماعيا قاهرا un fait social contraignant للمشرّع والجماعات والأفراد الذين يرغبون في إحداث تغييرات في هذا المجال، فالحتمية الاجتماعية حتمية متعنّتة، تقف أمام التغيير.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий