Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الأنّاسة الإيرانيّة سهيلة شاه شاهاني: الإناسة كاشفة الهويّة الحقيقيّة للإنسان

الأنّاسة الإيرانيّة سهيلة شاه شاهاني: الإناسة كاشفة الهويّة الحقيقيّة للإنسان

الثلثاء 17 شباط (فبراير) 2009

بقلم: الأوان ترجمة: الدكتور/ محمّد الحاج سالم

نظرا لأهميّة التعرّف على الأنشطة العلميّة في مجال الإناسة البدويّة والحضريّة في إيران بوصفه بلدا يعاني نفس مشاكل معظم البلدان العربيّة تقريبا، في ما يتعلّق بمسائل التحضّر الهامشيّ المتسارع على تخوم المدن المفقّرة، ونظرا لما تكتسيه مسألة الدّراسة الإناسيّة للبدو، وثقافتهم وما انجرّ عن توطينهم من مشاكل لم ينتبه الأنّاسون العرب إلى دراستها بعد بالقدر المطلوب، في محيط لا تزال تهيمن عليه الثّقافة القبليّة البدويّة وقيمها ومفاهيمها ورؤاها؛ ارتأينا أن نقدّم للقرّاء العرب هذا الحوار الذي أجرته “عفصانة بورما زهيري” و”فرزانة بورما زهيري” مع الأنّاسة الإيرانيّة “سهيلة شاه شاهاني” المتخصّصة في دراسة البدو في إيران، وتتناول فيه مسيرتها العلميّة ونظرتها لعلم الإناسة ودوره في التّنمية الثّقافيّة. وقد نشر الحوار في مجلّة طهران (La Revue de Téhéran ) الصّادرة في العاصمة الإيرانيّة باللّغة الفرنسيّة في عددها رقم 18 بتاريخ أيّار/ماي 2007.

ولدت الأنّاسة “سهيلة شاه شاهاني” عام 1948 في طهران من أسرة أصفهانيّة. أنهت تعليمها الابتدائي والثانوي في مدرسة ثنائيّة اللّغة (فارسيّة وانكليزيّة) قبل أن تتوجّه إلى الولايات المتّحدة بعد حصولها على الباكالوريا عام 1966، لتبدأ هناك دراسة الفلسفة في جامعة بيركلي بكاليفورنيا ويجرّها بحث الأفكار الإنسيّة عند المفكّر الفرنسيّ “جان جاك روسّو” إلى تعلّم اللّغة الفرنسيّة قبل أن تنتسب إلى كليّة الدّراسات العليا في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعيّة في نيويورك التي حصلت منها على الدّكتوراه في الإناسة عام 1981 حول “دور المرأة في قبائل الماماساني”. وقد استوجب منها ذلك العيش مدّة سنة كاملة عند هذه القبائل، قبل أن تنشر نتائج دراستها الإثنوغرافيّة للمرأة في قرية “العيون” حيث استقرّت قبائل “الماماساني” الإيرانيّة البدويّة ضمن كتاب بالفارسيّة تحت عنوان “المواسم الأربعة للشّمس”. وإثر عودتها إلى إيران، تولّت التّدريس في كليّة الفنون الجميلة في جامعة طهران في الفترة من 1984 إلى 1987 لتنتقل بعدها إلى فرنسا لدراسة الإناسة والتّسويق على حدّ سواء. وهي حاليّا أستاذة مساعدة في كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة شهيد بهشتي في طهران منذ عام 1991، ونائبة رئيس الاتّحاد الدّولي للإناسة وعلم الأعراق (IUAES) والأمينة التنفيذيّة لهذه المنظمة، ومديرة ورئيسة تحرير مجلّة “الثقافة والإنسان” (La Culture et l’Homme) منذ عام 2005، ومساهمة بالكتابة في مجلّة “الإناسة في الشّرق الأوسط” (Anthropologie au Moyen-Orient) منذ عام 2006، وهما مجلّتان تصدران في طهران باللّغة الفرنسيّة. وقد نشرت عدّة كتب باللّغات الفارسيّة والفرنسيّة والانكليزيّة وعددا من المقالات العلميّة في مجال الإناسة ].

****

ما هو تحديدا موضوع الدّراسات الإناسيّة؟

تهتمّ الإناسة بالإنسان، بصرف النّظر عن المكان والزّمان. ولكي نتحدّث عن إنسانيّة الإنسان، يجب أن نشير أوّلا إلى ما كانت عليه من قبل. وفي رأيي، فإنّه منذ أن ظهرت الثّقافة في البيئات البشريّة، أصبح الإنسان “إنسانا” انطلاقا من اللّحظة التي انفصل فيها عن الطّبيعة، وهو ما مكّنه تدريجيّا من السّيطرة على المخلوقات الأخرى. إلاّ أنّنا لا نقتصر على الأطر المجاليّة – الزّمنيّة، لأنّ موضوعنا الرّئيسيّ يختصّ بالإنسان، فكلّ إنسان، في الواقع ، لديه القدرة على أن يثقّف نفسه وأن يكون مبتكرا، مع اختلاف المظاهر المعبّرة عن ذلك من مكان إلى آخر.

حين نسمع كلمة “إناسة”، فإنّ أوّل ما يتبادر إلى الذّهن هو الجسد والرّوح الإنسانيّين. كيف تفسّرين ذلك ؟ هل تشرّحين الإنسان وشرطه بطريقة خاصّة بك؟

تشير كلمة “إناسة” في الواقع إلى كلّ من الجسد والرّوح الإنسانيّين. وعندما نتحدث عن الإناسة، فإنّنا نفكّر، في الواقع، في الثقافة الماديّة والثقافة الرّوحيّة للإنسان. ولكن لسوء الحظّ، ليس هذا موقف معظم النّاس.

كنت أعتقد على العكس أنّ غالبيّة النّاس يرون هذا الرأي…

لا… الجمهور ليس على علم كاف بمضمون هذا العلم. ولكن إذا كان لديك مثل هذا الانطباع، يمكننا أن نأمل أنّنا حقّقنا بعض التقدّم نحو فهم أفضل لمجال دراستنا. إنّ المنظّمة العالميّة للدراسات الإناسيّة(WCAA) تسعى لتوفير معلومات شاملة عن الإناسة وعن كلّ ما ليس واضحا بما فيه الكفاية لعامّة النّاس. وبصفتنا أنّاسين، نحن مسؤولون عن شرح محتواه الدّقيق للمجتمع، فالنّاس يميلون إلى الاعتقاد بأن الإناسة ذات صلة بعلم النّفس وعلم الآثار أو بالمجالات الغرائبيّة، ولذلك فإنّه من واجبنا العمل على إطلاعهم على أعمالنا. وكلّما استخدمنا علوم الاتصال، كلّما زادت قدرتنا على التأثير على هذا الموقف. ومع ذلك كانت هناك تغييرات في إيران منذ ثلاثين عاما.

ما هي التّغييرات الرّئيسيّة التي أثّرت على الوجود البشريّ خلال القرون الأخيرة ؟

لقد كان تطوّر المجتمع البشريّ هائلا. وتستند الإجابة على هذا السّؤال على نظريّات تطوريّة، فقد صنّف المنظّرون الكلاسيكيّون المجتمعات- استنادا على الهياكل السّياسيّة والأسرة وطريقة العيش، إلخ- إلى ثلاث فئات هي : المجتمع البدائيّ، والمجتمع الهمجيّ، والمجتمع المتحضّر. كما توجد أيضا طريقة أخرى للمقاربة تستند على مفهوم التّغيّر وليس بالضرورة على مفهوم التّطوّر. وبما أنّ فكرة التقدّم موجودة ضمنيّا في كلمة “تطوّر” نفسها، فإنّ هذه المقاربة لا تختلف عن الأولى إلاّ بمسحتها الوضعانيّة. لكن توجد طريقة أخرى أيضا للمقاربة، فنحن نعرف أنّ التّاريخ شهد عبر مساره استغلال بعض المجتمعات التوسّعيّة لمجتمعات أخرى أضعف منها بهدف تحقيق مصالحها السّياسيّة – الاقتصاديّة. وعلى سبيل المثال، فقد سعت بعض المجتمعات وعملت على الحفاظ على نمط حياتها البدائيّة مضحيّة في سبيل ذلك بالغالي والنّفيس. إلاّ أنّها اعتبرت مجتمعات وحشيّة من قبل مجتمعات أخرى كانت تعتقد أنّها أكثر تقدّما منها مدّعية الحقّ في تغييرها وفقا لمعاييرها الذّاتيّة، والحال أنّ هدفها النّهائيّ لم يكن سوى استغلال ممتلكات تلك الشّعوب. ونحن لا يمكننا بالتّالي أن نعتبر هذه الواقعة تطوّرا، إنّها في الواقع مسألة تتعلّق بالتّغيير أكثر منه بالتطوّر. وبالمثل، خضعت الثّقافات لعمليّة انحطاط وتجاور وتفاعل… وكان ردّ فعل بعض المجتمعات قويّا تجاه ثقافة الآخر بما سمح بجعل هذه الأخيرة عنصر إغناء لثقافتها الخاصّة. إنّ كلّ هذا يتوقّف على زاوية النّظر التي ندرس من خلالها الظّاهرة.

في ضوء كلّ هذا، كيف تنظرين إلى المستقبل ؟ هل تميل الثّقافات إلى الإثراء المتبادل أم إلى تدمير بعضها البعض؟

تعاني الزّراعات العضويّة اليوم من تغييرات مثيرة للقلق. وقد ساهم التقدّم العلميّ والتّقانة والاندفاع نحو الماديّة والاستخدام غير المحدود للطّاقة في تدمير البيئة. وفي هذا المنحى، فإننّي أتوّقع تطوّرا مستقبليّا مدمّرا. ومن منظور الإناسة، كان الإنسان في الماضي يعيش في وئام مع هذه البيئة الطبيعية إلى حدّ أنّه لم يحدث على مرّ القرون ضررا بالنّظام البيئيّ، في حين قام إنسان اليوم بتسديد ضربة قاتلة له. لقد قام العلم من جهة أولى بجعل حياتنا أسهل، إلاّ أنّنا أصبحنا من ناحية أخرى أقلّ إدراكا للعواقب الضّارّة لبعض تطبيقاته. وقد بلغت المجتمعات البدويّة درجة من التّنظيم والتّنسيق إلى حدّ أنّها تقدّم لنا مثالا لمختبر بشريّ ضخم يتلخّص في “الإنسان والقطيع والطّبيعة”. فالبدو يضمنون تلبية احتياجات البلاد من الماشية من خلال المحافظة على قطعان كبيرة تتحرك في البرّية ومتغذيّة على النّباتات التي يصعب الوصول إليها. وهم ينجحون في البقاء على قيد الحياة والتكيّف مع أكثر البيئات عداء، وهم في هجرة مستمرّة. وباختصار، فإنّ الإناسة يمكنها أن تساعد على توسيع نظرتنا للإنسان والانتباه لقدرته الكبيرة على التكيّف مع كافّة الأوساط.

هل تقتصر هذه الظّاهرة على البيئة الطبيعية أم هي تمسّ الثّقافة أيضا ؟

لقد شهدنا بالتّوازي مع الضّرر الذي يلحق البيئة، تدهورا للثّقافات. لقد تكيّف بعضها مع مجتمعات أخرى مع الحفاظ على بعض الملامح الخاصّة بها، وهو ما دفعت أحيانا ثمنه للانتهازيّين. وبالمقابل، نبذت بعض الثّقافات الأخرى – حفاظا على قيمها- كلّ ما هو “آخر”. هل هي بطلة ؟ هل يضمن هذا التعصّب بقاءها على قيد الحياة حقّا ؟ لقد تمكّنت المجموعة الأولى، الأكثر مرونة، لا من الحفاظ على بعض أهمّ قيمها المركزيّة فحسب، بل ساهمت أيضا في تكييفها مع سياقات جديدة، وهذا ما أعطاها في بعض الأحيان بعدا كونيّا. وبفضل ظاهرة العولمة، أتيحت للثّقافات فرصة التّعريف أكثر بقيمها وتقاليدها على الصّعيد العالميّ. ولنأخذ مثال إيران، فقبل أربعين عاما، لم تكن بعض التّقاليد مثل “النّوروز” و”ليلة يالدا” أو “شهر شنباه سوري” معروفة أو يحتفل بها علنا كما نشهده الآن. وقد كانت استجابتنا لهذه الظّاهرة في الواقع وراء الشّروع في دراسة دقيقة لتقاليدنا والاتّجاه إلى تعريف العالم بها أكثر فأكثر. وهكذا ولد نوع من التّنافس، فرغم أنّنا نبيع النّفط، إلاّ أنّ السجّاد الإيرانيّ يحتلّ المرتبة الأولى، فالعالم يحبّ السجّاد التّقليديّ الإيرانيّ، والتنوّع الهائل لزركشاته وفقا للمناطق والقبائل المنتجة له. كما أنّ العالم لا يحبّ الرّتابة، سواء في ميدان الفنّ أو ميدان الصّناعة. وفي وطننا، هناك من الثّراء والتّنوّع إلى حدّ أنّنا لا نعرف أحيانا ماذا نصنع بهما.

وكيف يمكننا استغلال هذه الثروة بحكمة ؟

لا بدّ من وجود من يهتمّ بها سواء كان معهدا خاصّا أو حكومة أو أيّ منظمة أخرى؛ ومهما كان الأمر، فنحن بحاجة لأناس متخصّصين في هذا الميدان. وحتّى لو اتّخذت هذه المبادرة في بداياتها طابعا تجاريّا، فإنّ عليها في ذات الوقت أن تحترم الثّقافات، وأن تكون حديثة. وعلى المنتج تقبّل التنوّع والعلم بشكل ايجابيّ لأنّ السّوق العالميّة تتطلّبهما، فنجاح تصدير الفستق مثلا بهذا المعنى، يرتبط ارتباطا وثيقا بالمنجزات العلميّة والصناعيّة في هذا المجال.

هل تقتصر الإناسة بوصفها علما على دراسة الثّقافات أم أنّ لها أيضا تأثيرا عمليّا على الواقع ؟

كلاهما في نفس الوقت. فمن جهة أولى، نحن ندرس الوقائع – بوصفنا باحثين- كي نصل إلى فهم أفضل لهذه أو تلك من الحالات. ومن جهة ثانية، نحن نستغلّ جميع تلك البيانات في ميدان الإناسة التّطبيقيّة. وعلى سبيل المثال، كان بعض علماء الإناسة ناشطين جدّا في مجال التّسويق، فنحن يمكننا أن نساعد بعض المراكز التي تعمل على استنباط طرق جديدة لتناول أحد المواضيع. ولنأخذ حالة البدو الرحّل، إنّهم يمخضون اللّبن لاستخراج الزّبدة، ونحن يمكننا استلهام هذه الشّعوب وصنع أداة لهذا الغرض تكون سهلة الاستخدام للمنتجين وللنّاس. وبالإضافة إلى ذلك، نحن نناقش في المؤتمرات الدّوليّة الثقافيّة كيفيّة التصرّف في كلّ بلد. لا بدّ أن نعرف كيفيّة التعامل مع شخص إيرانيّ أو يابانيّ أو أمريكيّ أو إفريقيّ… وخاصّة في ظلّ بعض الظّروف، إذ يمكن أن يؤدّي نقص المعرفة في هذا الميدان إلى سوء فهم أو تأويلات خاطئة.

كيف يمكننا نشر أهمّ نتائج هذا العلم في الحياة اليوميّة ؟

الحلّ الأوّل هو أن يطلب هؤلاء المنتجون من علماء الإناسة القيام ببحوث مستقلّة لفائدتهم. وعلى المستوى الجامعيّ، ينبغي إدخال بعض العناصر: تدريس الإناسة داخل مختلف التخصّصات التي تدرس. هكذا يمكننا توسيع أفق تفكير النّاس بشكل متزايد. إنّي أتذكر يوم كنت في أحد المطارات في ايطاليا وطلبت بعض المعلومات من شرطيّ ايطاليّ. لقد كان تصرّفه مختلفا جدّا عن رجال الشّرطة الآخرين، وهو ما سبّب لي دهشة لم أستطع كتمانها. فكان أن أجابني الشّرطيّ قائلا إنّه شارك في بعض الدّورات التّدريبيّة في الإناسة، وهو ما أفاده في عمله أيّما إفادة. وكما تلاحظون، فقد كان اكتساب الشّرطيّ بعض المعارف العامّة عن الثّقافات الأخرى، سببا في معرفة كيفيّة التّعامل مع الأجانب بطريقة أفضل. كما تتموضع الإناسة أيضا على تخوم بعض المجالات البحثيّة الأخرى، بما فيها علم الأحياء والأدب والعلوم السّياسيّة والاقتصاد والفنّ، إلاّ أنّها تهتمّ أساسا بالثقافة.

لماذا توجّهت أوّلا نحو الفلسفة، ثمّ فيما بعد إلى دراسة الإناسة والتّسويق؟

لقد درست في الولايات المتّحدة، وبدأت بدراسة علم الفلك والكيمياء والرّياضيّات وعلم الأحياء. وقد كان أوّل درس تلقّيته في الفلسفة حول فلسفة أفلاطون الذي أعجبت بها أيّما إعجاب. ومع تقدّم الأيّام أدركت أنّ الفلسفة لا يمكنها الإجابة عن أسئلتي، وبحثت في مختلف التخصّصات إلى أن وجدت في الإناسة أفضل ما يتّفق مع مزاجي. وقد كان تشجيع أحد أساتذتي وراء اطمئناني ودفعي نحو دراسة هذا العلم. وبالتّدريج، غطّى اهتمامي بالإناسة على بقيّة اهتماماتي. وبعد عودتي إلى إيران، وجدت نفسي ثانية في عالم الأنشطة الأدبيّة والفلسفيّة والفنّية، وهو ما مكّنني من تطبيق النّظريات الدّقيقة للإناسة وتقديمها إلى الجمهور. وقد كان بحثي الأوّل حول حياة البدو في إيران وتقاليدهم، بينما كان الثّاني عملا متّجها أكثر نحو التّوثيق وتركّز حول ملابس البدو. وبعد ذلك، عملت في حقل الإناسة الحضريّة.

وأيّ هذين المجالين أوسع: الإناسة الحضريّة أو الإناسة المهتمّة بالبدو؟

هذا يتوقّف على وجهة نظر كلّ شخص. لقد كنت آنذاك أعيش في طهران، ولم يكن لديّ ما يكفي من الاتّصالات مع البدو لدراسة عيشهم وعلاقتهم مع بيئتهم الطّبيعيّة، أو لنقل أنّ البقاء في العاصمة كان بالأحرى أكثر ملاءمة لاستكمال معارفي العلميّة والوقوف على آخر البحوث. بعد ذلك، اشتركت في مجموعة إناسيّة دوليّة، وبعد القيام ببحوث عن مدن كاشان وفارامين واصفهان وطهران، قلت لنفسي إنّه لا يجب عليّ بالضّرورة أن أقتصر على مجال محدّد. ولذلك، تابعت دروسا في التّسويق بباريس قبل أن أعمل في معهد للتّسويق هناك. وقد دهشت حين رأيت أنّهم يستخدمون بياناتنا وبالسّرعة التي يتقدّمون بها. ومن تلك اللّحظة، اتّخذت قرارا حازما بالإسراع في عملي.

يقول عالم الفيزياء الفرنسيّ الكبير “إدوارد بريزان (Edouard Brézin): “لم يكن السّعي نحو تحسين الشّمعة سبب اكتشافنا الكهرباء”. وقد استعار “جان بيار ديغار (Jean-Pierre Digard) هذا الاقتباس في تقديمه لإحدى دراساتك. كيف يمكننا أن نفهم هذه الفكرة في ما يتعلّق بالبحوث الإناسيّة ؟

لا بدّ من تنمية عقليّة حبّ الإطلاع المعرفيّ عند طلبة الجامعات وعند الباحثين وعشّاق العلم. لا بدّ أن نتصوّر أنّنا ندوس دوّاسة البنزين دون أن نعرف الوجهة التي نقصدها، فالرّوح العلميّة ليست ملزمة بالتّساؤل لم يصلح هذا أو ذاك النّوع من البحوث. العلم بحاجة إلى المضيّ قدما بجسارة، ويتعيّن علينا أن ننمّي هذه الذّهنيّة وإلاّ فلن نصل أبدا. يجب علينا نشر هذا التوجّه إذا ما أردنا أن نضيف شيئا إلى عالم الثّقافة الرّاهنة. لا بدّ من تمهيد الطّريق وتمكين الطّلبة من تطوير وعرض نظريّاتهم، فنحن بحاجة إلى أديسون [مخترع الإضاءة الكهربائيّة] أكثر من حاجتنا إلى شموع، ولا بدّ أن يتوفّر للعلوم الإنسانيّة ما يكفي من الموارد الماديّة والماليّة كي يجري الطّلبة بحوثهم على أحسن وجه.

بيّنت بعض البحوث أنّ البدو، بحكم ما يتميّز به نمط عيشهم من حراك، قابلون للتكيّف مع مختلف البيئات الطّبيعيّة. كيف تفسّرين ذلك ؟

هذا هو واقع عيشهم. إذا كان المرء في قرية واحتاج شيئا، فإنّه لن يجده إلاّ خارجها. لكنّ تخيّلوا أنّ القرية تتحرّك بأجمعها، وأنّ الجماعة بأكملها تسعى إلى ما يمثّل أساس عيشها أي “المرعى”، إذ أنّ القطيع لا يأتي إلاّ في المرتبة الثّانية. كما يجب أن نلاحظ أيضا أنّ تحركّات البدو تسهم في الحفاظ على تنوّع الوسط الطبيعيّ، علاوة على أنّ تحرّكهم في كلّ اتّجاه يجعل منهم مجتمعا واسع الإطلاع، وهم يخلقون بذلك المزيد من أنشطة نقل الأغذية (بطرق قانونيّة أو غير قانونيّة) التي تمتدّ إلى مجالات أخرى كثيرة.

لو قارنّا بين البدو والمستقرّين، ما هو نمط العيش الأقسى حسب رأيك ؟ هل يختار بعض البدو الاستقرار في المدن ؟ وكيف يتكيّفون مع الحياة الحضريّة؟

لماذا اخترت كلمة “أقسى”؟ لقد كان هذا بالفعل رأي الأوروبيّين والأمريكيّين خلال السّنوات بين 1970 و1980. ولكن في رأيك، ألا يسعى الإنسان بقطع النّظر عن المكان الذي هو فيه نحو اكتساب الخبرة ؟ هل التنقّل صعب إلى هذا الحدّ ؟ إذا كان الأمر كذلك، فلم كلّ هذا العدد من السيّاح في العالم ؟ يمكن أن تكون حياة أحد القرويّين أيسر، ولكن أليست أكثر رتابة ومللا ؟ إنّ البدو بانتقالهم يسعون بأنفسهم للبحث عن المناخ الأفضل وهم ليسوا في حاجة إلى السخّانات أو مكيّفات الهواء، وهذا هو السّبب وراء صعوبة تكيّفهم مع المدينة. لقد اعتادوا على سعة الأفق والهواء الطّلق. ومع ذلك، فقد تحضّر كثير من البدو تدريجيّا، بعد قيام الثّورة الإسلاميّة، واستقرّوا في المدن، وذلك على غرار توجّه من كان يجول طوال عدّة قرون في شيراز وأصفهان وبندر عبّاس ومشهد ونيويورك وشيكاغو وفانكوفر وبيركلي بشكل متزايد نحو اعتماد أسلوب عيش مستقرّ.

لو قسّمت حياتك إلى مراحل مختلفة، ما هي المرحلة التي تعتبرين أنّها كانت أكثر ميلا إلى المغامرة؟

تجربتي مع “المامازان”، ثمّ رحلتي إلى منغوليا. لقد حدث ذلك على النّحو التالي : تلقيّت دعوة من المغول لزيارة بلدهم، ولم يكن لديّ سوى مهلة أسبوع واحد لتقديم طلب الحصول على تأشيرة والإعداد لهذه الرحلة قبل أن أكتشف أنّه ليس لدى منغوليا سفارة في بلدنا. وقد وعدوني بتلقّي التأشيرة على الحدود. وحين وصلت مطار موسكو، اجتاحني فجأة خوف غريب، لكنّني تابعت مع ذلك رحلتي وتمّ كلّ شيء على أحسن وجه، بل وقدّمت هناك في عام 2001 أفضل محاضرة لي في حياتي. أمّا الحدث الثّاني المهمّ في حياتي، فكان الرّحلة التي قمت بها إلى القطب الشّماليّ حيث رأيت عن كثب عجائب عالم الجليد. في الواقع، كنت قرأت العديد من الكتب عن القطب الشّماليّ، إلاّ أنّ حقيقة وجودي الجسديّ في مثل ذلك المكان كان أمرا عجيبا لا يصدّق. وقد عشت عند أسرة بدويّة اكتشفت من خلال الحديث معها العديد من القواسم المشتركة بين البدو في إيران وأولئك الذين يعيشون في هذه القفار البيضاء.

سيّدة شاه شاهاني، نشكرك على إتاحة هذه المقابلة ونتمنى لك تحقيق أهدافك المقبلة.

أشكركم وأتمنّى لكم كلّ النّجاح.

أهمّ مؤلّفات سهيلة شاه شاهاني:

باللّغة الفارسيّة: أمثلة من التّبادلات الثقافيّة بين إيران والحضارات الأخرى: مقالات إناسيّة مختارة، طهران، 2004؛ أزمنة الشّمس الأربعة، طهران، 1987.

باللغة الانكليزيّة: الجسد بوصفه حامل الأحاسيس، 2004؛ الاستخدام التّفاضليّ للمجال العاطفيّ في الثّقافة الإيرانيّة، 2003؛ النّيروز: الطّقس والاحتفال، طهران 1998؛ إيران والإسلام والحداثة، 1999؛ حدائق ومساجد أصفهان، 1998؛ المدارس القبليّة في إيران: الاستقرار في المدن عبر التّعليم، 1995؛ تاريخ الإناسة في إيران، 1986؛ الدّين والسّياسة والمجتمع، 1984.

باللّغة الفرنسيّة: نقد الصّحافة الفرنسيّة حول المرأة الإيرانيّة، 1979.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

2 تعليقان к “الأنّاسة الإيرانيّة سهيلة شاه شاهاني: الإناسة كاشفة الهويّة الحقيقيّة للإنسان”

  1. محمّد الحاج سالم قال:

    الأستاذ الفاضل سليم
    تحية طيبة
    وبعد، أشكرك على تنزيل هذا الحوار المهمّ للأنّاسة شاه شاهاني على مدوّنتك التي أراجعها باستمرار من حين إلى آخر. ولكن عندي عتاب صغير عليك أرجو أن تتقبّله وهو يخصّ السّهو عن ذكر اسمي بوصفي مترجم هذا الحوار من الفرنسية إلى العربيّة.
    آمل منك تدارك الأمر لإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، ولك منّي كلّ الودّ.
    الدكتور/ محمّد الحاج سالم
    باحث في الإناسة ومترجم- تونس

  2. محمّد الحاج سالم قال:

    الأستاذ الفاضل سليم
    أوّلا: أشكرك على لطفك وتدارك الأمر رغم أنّ السّهو يعود إلى القائمين على موقع الأوان، وهذا يحسب لك لا عليك.
    ثانيا: أنا سعيد بالتّواصل معك وأشدّ على يديك من أجل نشر المعرفة الإناسيّة في ربوعنا. وأنا أرسل إليك مقالا لابني جهاد وهو طالب في علم الاجتماع سبق نشره على موقع الأوان عسى أن يحظى بالنّشر على موقعك بعد أن نشرت حوارا لصديقنا الدكتور محمّد الجويلي أجراه معه شقيقي عادل الحاج سالم، وهذا ممّا يثلج الصّدر بحقّ.
    وتفضّل بقبول فائق تقديري.

    الدكتور/ محمّد الحاج سالم
    باحث في الإناسة ومترجم- تونس


Оставить комментарий