Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الإسلام بين الأسطورة والواقع : العهدة العمرية انموذجاً

الإسلام بين الأسطورة والواقع : العهدة العمرية انموذجاً

الثلثاء 23 كانون الأول (ديسمبر) 2008

بقلم: باسم فرات

بعد انهيار البويهيين المؤذن بإنهيار العصر الذهبي والتسامحي للثقافة العربية الإسلامية، تحت سنابك خيول القبائل البدوية السلجوقية التي اعتنقت الإسلام حديثاً بصورته السلطوية، نتج استحداث مصطلح أهل السنّة والجماعة، بعد أن كان مصطلح ملّة الإسلام هو الرائج، وتمّ التخلّي نهائياً عن مصطلح أهل الكتاب، ليبقى مصطلح أهل الذمّة هو المعتمد، فكانت العهدة العمرية التي لم تذكر في أيّ مصدر إسلامي قبل مرور 400 سنة تقريباً على وفاة مؤسّس الإسلام، نتاجاً طبيعياً لهذه العقلية، عقلية القرن الخامس الهجريّ. ولو تتّبعنا ما كتبه البحّاثة وما ذكره البلدانيون والمؤرّخون والرحّالة، عن مجازر تيمورلنك ومَن تلاه بحقّ المسيحيين لدرجة أنّ بعض المصادر توصل الرقم إلى الملايين، فسيعني ذلك أنّ كلّ حديث عن انتشار سريع للإسلام إن كان بحدّ السيف وهو ما يلحّ عليه البعض ممّن يريد التركيز على الجانب السلبيّ من عيشنا المشترك وتضخيمه لدرجة الأسطرة، للانتقام الدينيّ أو القوميّ على حساب الحقيقة، أو بدخول الناس في الدين الجديد أفواجاً، كما صوّره البعض الآخر، هو حديث لا يمتّ للحقيقة بصلة. وإلا فكيف تتحدّث لنا الوثائق بعد كلّ تلك القرون، عن مجازر ارتكبها بحقّ المسيحيين غرباء عن المنطقة ممّن قطعوا مسافات شاسعة؟! ألا يعني هذا أنّ كلّ حديث عن تحوّل المسلمين إلى غالبية مطلقة تماماً، في بضعة عقود أو حتى قرون، هو حديث خرافة لا أكثر، وأنّ إسلام العهدة العمرية لا وجود له، لأنّ الشروط الموضوعة فيها لا تسمح باستمرار المسيحية لقرنين فقط. ثم كيف يتمّ فرض شروط على المسيحيين ولا نجد شروطاً على اليهود والصابئة والمجوس؟ فمحمود الغزنوي، الذي نودي به سلطاناً على المؤمنين عام 1003 م، كان حتى ذلك الحين يحتضن الشاعر الفردوسي في قصره، ..؟؟؟؟؟ الذي عرف بالشاهنامة (كتاب الملوك)، فكيف بمسلم، بل بسلطان للمؤمنين أن يناقض أوامر خليفة رسول الله وأوّل أمير للمؤمنين؟ ثمّ ألا يزخر القرآن الكريم بآيات تدين بني إسرائيل وفي الوقت نفسه تكاد تكون هادئة تماماً مع المسيحيين؟ «ولتجدنّ أقربهم مودَّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً، وأنهم لا يستكبرون»(1) فكيف يكتب أحد أقرب الناس إلى النبيّ وثاني خليفة، عهدة على المسيحيين ويترك اليهود؟ أليس هذا انتقاصاً لا يليق بما عرف عن عمر بن الخطاب؟ وحين أخرج اليهود من شبه الجزيرة العربية، لمَ لم يكتب عليهم عهدة كما كتبها على المسيحيين؟ ولا نريد أن نورد أمثلة أخرى كثيرة عن الحفاوة التي لقيها المسيحيون زمن الخلفاء الراشدين والأمويين وخلفاء العصر العباسي الأول، وكذلك أغلب فترات الفاطميين،إذ إنّ المسيحيين تمتّعوا، بشكل عامّ، بحرية التفكير والعمل في ظلّ الخلفاء العباسيين الأوائل، والبطريرك اليعقوبي أصبح يكثر الزيارة للبلاط.(2). وكان الشاعر الأخطل يدخل على الخليفة الأمَويّ مخموراً، ولسنا بغافلين عمّا أخبرتنا به وثائق التاريخ، عن عبد المسيح بن إسحاق الكندي(القرن التاسع الميلادي) وهو كاتب عربيّ مسيحيّ عراقيّ ينتسب إلى قبيلة كندة العربية، من أنّ له عدّة مؤلّفات في التبشير بالمسيحية وله رسالة إلى عبد الله الهاشمي يدعوه فيها إلى المسيحية، وهو ما يعني أنّ التبشير بالمسيحية لم يتوقّف، فأين العهدة العمرية من هذا الكاتب ومؤلفاته التي تبشّر برسالة السيد المسيح؟

أوّل مَن ذكر العهدة العمرية كان اليعقوبي المتوفّى سنة 284 هجرية، وكانت نصّاً مختصراً: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدسِ: إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائسكم، لا تسكن ولا تخرّب، إلا أن تحدثوا حدثاً عاماً, وأشهد شهودا”(3). وأمّا ثاني من أوردها فهو أفثيشيوس (ابن البطريق) المتوفّى سنة 328 هـ، في صيغة تشبه صيغة اليعقوبي جاء فيـها: “بسم الله، من عمر بن الخطاب لأهـل مدينـة إيلياء، إنهم آمنون على دمائهم وأولادهم وأموالهم وكنائسهم، لا تهدم ولا تسكن, وأشهد شهوداً”(4)، بينما نجد أنّ الأمر قد تغير تماماً عند ابن حزم الأندلسي (ت 456ه)،”ِحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حدثنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّحَّاسِ، حدثنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الصَّفَّارُ، حدثنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبِيعُ بْنُ تَغْلِبَ، حدثنَا يَحْيَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الْعَيْزَارِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ : كَتَبْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ : أَنْ لاَ يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ، وَلاَ مَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلاَ كَنِيسَةً وَلاَ قَلِيَّةً، وَلاَ صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلاَ يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ مِنْهَا، وَلاَ يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ، وَلاَ يُؤْوُوا جَاسُوسًا، وَلاَ يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُعَلِّمُوا أَوْلاَدَهُمْ الْقُرْآنَ، وَلاَ يُظْهِرُوا شِرْكًا، وَلاَ يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَاتِهِمْ مِنْ الإِسْلاَمِ إنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُومُوا لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلاَ يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ: فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلاَ عِمَامَةٍ، وَلاَ نَعْلَيْنِ، وَلاَ فَرْقِ شَعْرٍ، وَلاَ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ، لاَ يَرْكَبُوا سُرُجًا، وَلاَ يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلاَ يَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنْ السِّلاَحِ، وَلاَ يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلاَ يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُزُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُمَا كَانُوا، وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَلاَ يُظْهِرُوا صَلِيبًا، وَلاَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ، وَلاَ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا إِلاَّ ضَرْبًا خَفِيفًا، وَلاَ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُخْرِجُوا سَعَانِينَ، وَلاَ يَرْفَعُوا مَعَ مَوْتَاهُمْ أَصْوَاتَهُمْ، وَلاَ يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ، وَلاَ يَشْتَرُوا مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا شَرَطُوهُ فَلاَ ذِمَّةَ لَهُمْ، وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ”(5). ولا يكاد ابن قيم الجوزية (ت751ه) وابن عساكر (ت 571ه) يختلفان، عن جوهر ما ذكره ابن حزم الأندلسي، وإن كانت عند ابن قيم الجوزية، غير مرفوعة السند، وهو يعترف أنّ شهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، وهذا كلام لا يصمد أمام شروط البحث العلميّ، فالسند شرط أساسيّ عند أهل الحديث، وأمّا مَن يحكمون العقل، فالسند حتى لو كان صحيحاً في نقل أيّ رواية، لا قيمة له إن لم يتطابق المتن مع القرآن والعقل وسماحة الإسلام التي ما زال يتبجّح بها مَن يرى فيما سطرته أقلام فقهاء القرن الخامس الهجري – الحادي عشر الميلادي وما تلاه، أنه هو الإسلام الحقيقيّ، بينما تمّ شطب عصر الأنوار الإسلاميّ، إن جاز لنا أن نطلق هذه التسمية على القرن الرابع الهجريّ وما سبقه. وفي النسخة المعتمـدة حالياً لدى كنيسة القدس الأرثوذكسية التي نشـرتـها بطـريركيـة الروم الأرثوذكس عام 1953م في القدس نقرأ: “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيـه صلى الله عليه وسلم، وهـدانـا من الضلالة، وجمعنا بعد الشتات وألف قلوبنا، ونصرنا عَلى الأعداء، ومكن لنا من البلاد، وجعلنا إخواناً متحابـين، واحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة. هذا كتاب عمر بن الخطـاب لعهـد وميثـاق أعطي إلى البطرك المبجل المكرم وهو صفرونيـوس بطرك الملة الملكية في طورزيتا بمقام القدس الشريف في الاشتمال على الرعايا والقسـوس والـرهبـان والراهبـات حيث كانـوا وأين وجدوا، وأن يكون عليهم الأمان، وأن الذمي إذا حفـظ أحكام الـذمـة وجب له الأمان والصون منا نحن المؤمنين وإلى من يتولى بعـدنا وليقطـع عنهم أسبـاب جوانحهم بحسب ما قد جرى منهم من الطـاعة والخضوع، وليكن الأمان عليهم وعلى كنائسهم وديارهم وكافة زياراتهم التي بيدهم داخلا وخارجاً وهي القمامة وبيت لحم مولد عيسى عليه السلام كنيسة الكبراء، والمغارة ذي الثلاثة أبواب، قبلي وشـمالي وغربي، وبقيـة أجنـاس النصارى الموجودين هناك، وهم الكرج والحبش، والذين يأتـون للزيـارة من الإفرنج والقبـط والسـريـان والأرمن والنساطرة واليعاقبة والموارنة تابعين للبطرك المذكور، يكون متقدما عليهم لأنهم أعطوا من حضرة النبي الكريم والحبيب المرسل من الله وشـرفـوا بختم يده الكريم، وأمر بالنظر إليهم و الأمان عليهم، كذلك نحن المؤمنون نحسن إليهم إكراماً لمن أحسن إليهم، ويكـونوا معافاً (معافيين) (هكذا وردت..) من الجزية والغفر (الخفر) والمـواجب، ومسلمين من كافـة البـلايـا في البر والبحور وفي دخولهم للقمامة وبقية زياراتهم لا يؤخـذ منهم شيء، وأمـا الـذين يقبلون إلى الزيـارة إلى القمامة، يؤدي النصراني إلى البطرِك درهم (درهما) وثلث من الفضة، وكل مؤمن ومؤمنة يحفظ ما أمرنا به سلطاناً كان أم حاكـماً والياً يجرى حكمه في الأرض، غني أم فقير من المسلمين المؤمنين والمؤمنات. وقد أعطى لهم مرسومنا هذا بحضور جم الصحابة الكرام، عبد الله، وعثمان بن عفان وسعد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وبقية الأخوة الصحابة الكرام. فليعتمد على ما شرحنا في كتابنا هذا ويعمل به، وأبقاه في يدهم، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين حسبنا الله ونعم الوكيل. في العشـرين من شهر ربيـع الأول سنة خامس وعشـر للهجـرة النبـويـة. وكـل من قرى (قرأ) مرسـومنا هذا من المؤمنين وخالفه من الآن وإلى يوم الدين فليكن لعهد الله ناكثا ولرسوله الحبيب باغضاً.(6)

نكتفي بهذه النماذج التي تدلل على اضطراب واضح في الرواية. أمّا بخصوص ما ذكره ابن حزم وابن قيم الجوزية وابن عساكر، فيمكن إجماله في ما يأتي: الثلاثة ومن هم على شاكلتهم من فقهاء لم يكن لهم هذا الحضور لولا انتصار النقل على العقل، وتغيبب الأخير بحجج الحفاظ على بيضة الإسلام من البدع والضلالات. لغة العهدة التي ذكرها الثلاثة وكذلك نسخة بطريركية الروم الأرثوذكس، لا تتفق وأساليب العربية في بداية الإسلام، كما أنّ المواثيق التي كتبها قادة الجيوش مع المدن كانت مقتضبة جداً. الاختلاف في السند، فبينما ابن حزم ينسبها متسلسلة، يكتب ابن قيم الجوزية: حدّثنا غير واحد من أهل العلم قالوا. وحين أشار الطبري ومجير الدين الذي نقل عنه، إلى أنه أعطي لأهل القدس في الجـابيـة، نرى ابن حزم يذكر أنّ العهدة كتبها ” نصارى الشام ” وكذا يفعل ابن عساكر، بينما ابن قيم الجوزية يجعل كتبتها ” أهل الجزيرة “، ويضيف “انّ شهرتها تغني عن إسنادها لأنّ الأئمّة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجّوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها ” هذا الكلام التلفيقيّ لا يستند إلى أيّ حجة، فلم يذكرها بصيغتها التي ذكرها الثلاثة أي مصنّف خطّته أنامل الفقهاء الأوائل، ولو كانت وردت على ألسنتهم وفي كتبهم وأنفذها الخلفاء، فلماذا لم تحوها هذه الكتب، ولم تذكر لنا مصنّفات وعّاظ السلاطين وفقهاء النور على السواء أن الخلفاء عملوا بها، بينما أخبرتنا عما فعله الخليفة العباسي المتوكل وسواه ؟ إنّ شروط الملبس والاسم وغيرها، إنما هي شروط متأخّرة، فعلى سبيل المثال كانت أسماء المسيحيين لا تختلف عن أسماء المسلمين، ولكننا بدأنا نلاحظ من خلال تتبعنا للتاريخ أنّ أسماء مثل حسن وحسين وعلي بدأت تختفي، لأنّ المتوكل أمرهم بذلك، بل إنّ هذه العهدة تقترب من قرار الخليفة المتوكل، فحيثياتها موجودة في قرارهِ(7)، ولا بدّ من التأكيد على أنّ قرار المتوكل لم يستمرّ، فهذا الخليفة المعتضد (279 -289ه/892-902م) يُعيّن نسطورياً والياً على الأنبار(8)، والخليفة الناصر(ت 622 ه) الذي حكم مدة 47 عاماً، قرّبَ الطبيب أبو الكرم صاعد بن توما النصراني، الملقّب بأمين الدولة، الى أن صار في منزلة الوزراء، واستوثقه على حفظ أمواله وخواصّه(9). كما أنّ العهدة اشتملت على تنظيم أمور وأحوالٍ لم تكن موجودة، إذ أنّ الدولة الإسلامية في ذلك الحين كانت شبه بدائية قياساً لما صار عليه الأمر بعد مرور نصف قرن وأكثر، فكيف يتنبّأ كتبة العهدة بكلّ هذه الأمور التي لم يعايشوها مطلقاً.

أمّا اليعقوبي فالعهدة العمرية عنده تختلف اختلافا جذرياًً، إذ نراها طبيعية، أي أنّ كاتبها المنتصر، يفرض شروطه على المغلوب، ولأنّ المغلوب والغالب التقت مصلحتهما في عهدة كهذه، فهي بسيطة وقصيرة وغير مجحفة حسب قياسات ذلك الزمان وقوانينه، وكذا عند افثيشيوس (ابن البطريق)، بالرغم من أننا نرى أنّ العهدة من الأساس لا صحّة لها. وهناك مَن يشكّك بها (10)، أو ينكرها بدعـوى أنّ مؤتمر الجابية الذي عقده الخليفة عمر بن الخطاب، لبحث الأمور الإدارية بالشـام، لم يعـرف بالضبط ما الذي دار فيه وما هي القرارات التي اتخذها، معتمداً في ذلـك مع المؤرّخ ترتون على اختـلاف روايـات تلك النصوص، واحتوائها على معلومات وأحكـام وجـدت في عصـور تاليـة لعصر الفتح (11)، بل إنّ واحداً من أعلام السلفية في عصرنا الراهن ضَعّف إسناد شروط العهدة(12).

وهذا لا يتناقض مع موقفنا ممن سَطّرَها، فهي نتاج مرحلة ضعف الخلافة والإمبراطورية معاً، وصدى لما يتكبده المسلمون من جراء هَجَمات الإمارات والممالك المسيحية وخصوصاً على ساحل البحر المتوسط وبقية الثغور. وقد تزامن هذا مع تراجع العقل الخلاّق، العقل المتسائل، وتقدّم العقل ” المستقيل “، محوّلاً الإسلام من منظومة ثقافية تفاعلية حراكية، تلقيها لمنجزات الأمم الأخرى إيجابياً، إلى منظومة ارتكاسية اجترارية اتكالية، تلقيها لما حققته وتحققه الشعوب الأخرى سلبياً أو استهلاكياً، ومن محاور للـ(آخر) بثقة المبدع إلى خائف يلقي التهم على الآخرين بدل محاورتهم، لأنّ منجزه أصبح اتباعياً وليس إبداعياً. وبهذا تحوّل المسلم من خليفة لله في الأرض يُعمّرها ويبدع فيها ويتمتّع بخيراتها ونتائج إبداعاته، الى ضيف كسول، وعابر سبيل يتوقف مكرهاً في محطة يمقتها، مما جعله يُراكم منظومته الاجترارية المبنية على كراهية هذه المحطة، مع إحاطة نفسه بأعداء حقيقيين ووهميين. ولكي يبرّر فشله واستقالة عقله، تحوّل كل شيء الى أسطورة، الأعداء، الماضي، تأليه السلف الذين أصبحوا صالحين مائة بالمائة، ولا مجال لدراسة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية لمعرفة أسباب نجاحاتهم وإخفاقاتهم. فهذه الدراسات تدخل ضمن دائرة الحلال والحرام، وكأنّ السلف لم يكونوا بشراً ومثل أيّ مجموعة بشرية نجد فيها نقاط ضعف وقوّة، ومتناقضات ما من إنسان إلا ومرّ بها. هذه هي العهدة العمرية، ،بصيغتها الواردة لدى ابن حزم وابن قيم الجوزية وابن عساكر، نتيجة حتمية لانغلاق دائرة الفقه الابداعية، وتحريم الفلسفة و”نقض المنطق”،وعدم تكرار نموذج الحاكم المثقف كما هو المأمون، فلم تعد مجالس الخلفاء منيرة بكبار مثقّفي عصرهم ويختارونهم لتعليم وتهذيب أولادهم، بغَضّ النظرِ عن المعتقد. وبدل الموسوعات والكتب الخلاّقة، نجد المختصرات والشروح، حتى انه يصعب أن نرى مؤلّفات تضاهي من حيث القيمة والعدد، مؤلّفات القرون الأربعة الاولى. وابنة بارّة لسنابك خيول القبائل الرعوية التي أسلمت بسرعة وأصبحت تحمي الخليفة وتعيث فساداً في جسد الأمة، وهي نفسها القبائل التي راحت تتلاعب به وتسمل عيونه إن شاءت، وصار الدين عبارة عن حلال وحرام وليس نهضة ثقافية نتيجة تلاقح ثقافات الشرق كله مع ثقافة الضفة الأخرى من المتوسط .

الهوامش:

1: القرآن الكريم : سورة المائدة، الآية 82

2: عزيز سريال عطية، نقلاً عن نقولا زيادة:المسيحية والعرب،ص 200.قُدمس للنشر والتوزيع،ط3، 2001

3: اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي: ص 164، نسخة افتراضية، موقع الوراق، http://www.alwarraq.com

4: ابن البطريق: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، 2، ص 147. نقلاً عن الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود: العهـدة العمـرية، مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، العدد 62

5:انظر: ابن حزم الأندلسي الظاهري: المحلى في الآثار(نقلا عن موقع الاوان)، و ابن قيم الجوزية: أحكام أهل الذمة، ج3،ص 1159ومابعدها، ابن عسـاكـر: تهذيب تاريـخ دمشق، ج 1 ص 179, انظـر مجير الـدين العليمي المقدسي:الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل ج 1،ص 253 -255. نقلاً عن الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود: العهـدة العمـرية، مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، العدد 62

6: انظر: أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب، رسائل الخلفاء الراشدين.نقلاً عن الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود: العهـدة العمـرية، مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، العدد 62

7: نورد للإطلاع، ما خطه ابن تيمية في ( نقض المنطق ) حيث يقول : ” وكان، في أيّام المتوكّل، قد عزّ الإسلام حتّى أُلْزِم أهلُ الذمّة بالشروط العُمَريّة، وأُلْزِموا الصَّغَار..”، تحقيق الشيخ محمد بن عبدالرزاق حمزة، والشيخ سليمان بن عبدالرحمن الصنيع،صححه محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية، ط1 القاهرة 1951 .وكذلك ما أورده تلميذه الإمام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير في موسوعته( البدايــــــة والنهاية) بقوله: ” أمر المتوكّل أهل الذمّة أنْ يتميّزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم.. وأن لا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكمٌ على مسلم، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة.. وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق..”.ولمعرفة أحوال المسيحيين بشكل تفصيلي، ينظر: البير أبونا: تاريخ الكنسية الشرقية ج 2 .

8: نقولا زيادة، المسيحية والعرب، ص 202. قُدمس للنشر والتوزيع،ط3، 2001

9: ابن العبري، تاريخ مختصر الدول،ص 186.نسخة افتراضية، http://www.al-mostafa.com/

10: نقولا زيادة، مصدر سابق، ص 184، قُدمس للنشر والتوزيع،ط3، 2001

11: فيليب حتى: تاريخ العرب، ج 3 ص 19- 20 ، نقلا عن الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود: العهـدة العمـرية، مصدرر سابق.

12: الإمام ناصر الدين الألباني: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ،ج5 ،ص103،ط2 ، 1985 المكتب الاسلامي، بيروت.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий