Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الانسداد النظري لما بعد العلمانية

الانسداد النظري لما بعد العلمانية

الثلثاء 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2009

بقلم: إبراهيم أزروال

لا يمكن فهم موقف علي حرب من العلمانية، إلا باستحضار المنحى التفكيكي لخطابه إجمالا. فموقفه من العلمانية، يصدرعن رؤية فكرية تفكيكية، وعن منهجية تأويلية غب-حداثية. وأساس تفكيكية حرب، يتمثل في استشكال العقلانية الأنوارية ، و إخراج الحقيقة من مدار المطابقة إلى مدار التأويل. فالخطاب كون دلالي مخاتل، تتصارع في قيعانه قوى وسلطات، وتتلألأ على سطوحه بداهات خلبية وتصورات خادعة وأراء تسويفية.تتميز تفكيكية حرب بامتياحها من معين التصوف ومن تصوراته النظرية و أزواجه المفاهيمية؛ فالمنهج التأويلي، ينوس بين الظاهر والباطن، بين الشاهد والغائب، بين الملازمة والمفارقة، بين الحق والحقيقة، ويتوق دوما إلى صياغة المعاني والى سد الفجوات الكيانية والى وصل الكائن بأعماقه الرمزية.

( و إذن أن يكون الإنسان إنما يعني أن يتأول وجوده قدرا من التأول. إذ بالتأول يبحث عن المعنى وبه يخرج بالدلالة وعليها ليدخل في جسده ويستعيد أهواءه ورغباته. فالإنسان يحيا ويرغب، ولكنه يرمز ويدل. فهو يحيا بالرمز وفي الرمز وللرمز. والوقوع في الرمز مدعاة للتأويل، حيث التأويل بحث لا يتوقف عن المعنى الضائع أبدا ومحاولة لا تنقطع لردم الفجوة بين الرغبة والعلامة، أي لردم تلك الهوة السحيقة التي تمثلها كينونة الإنسان. الهوة بين الظاهر والباطن والأول والآخر والشاهد والغائب والحقيقة والحق.) (- علي حرب – التأويل والحقيقة – قراءات تأويلية في الثقافة العربية – التنوير – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1985-ص.19)

واستنادا إلى هذه المقاربة التأويلية التفكيكية، لا يمكن لموقف حرب من إشكالية العلمانية إلا أن يكون تأويليا، يتحرك فيه بندول التأويل بين النقائض، ويتراقص بين السطوح والأعماق، بين الظواهر والبواطن، بين القيعان اللاشعورية والسطوح الشعورية. فالتفكيك المدعم بمقولات عرفانية، يحفز المقاربة هنا على النأي عن المفاهيم والمتصورات النظرية للعقلانية الكلاسيكية والأنوارية وعن حركية المفاهيم وديناميتها المعروفة في المنجز الفلسفي التاريخاني؛ فالتفكيك، إذ يضع التأويل والرمز واللغة في بؤرة الكينونة، يزحزح العلاقة بالمفاهيم وبحقولها المفهومية وأنماط معقوليتها. فلا جدال إذن، في ارتكان الفكر، هنا، إلى زحزحة جغرافية المفاهيم، والى خلخلة التركيب والتراكب العقلاني الموضوعي بينها، والى إعادة توزيعها على خريطة فكرية جديدة بما يراعي منطق التحويل واللامطابقة وألعاب المعنى. وهكذا تفقد المفاهيم كل تماسكها الموضوعي وكل تناسقها النظري وكل حدودها الدلالية؛ إنها تتمرد على كيانها المخصوص، وتكثر التنقل بين الدلالات المتضادة والمتناقضة، والسياحة بين الأزمنة والأمكنة وبين الفضاءات الذهنية والثقافية، وتبرع في خرق الحواجز الفاصلة بين الاستدلال والمجاز، بين البيان والبرهان، بين الدليل والرمز، بين امتلاء الدلالة وخوائها. ( فالمفاهيم المتعارضة لا ينفي بعضها بعضا بل هي تتعايش وتتساكن داخل الفكر، بما هو علاقة مركبة ومتوترة وملتبسة تشتبك فيها الرغبة والمعرفة والذائقة والسلطة. ) ( – علي حرب – الماهية والعلاقة – نحو منطق تحويلي – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى ، 1998-ص. 70)

تتحرك مفاهيم علي حرب في كاووس مفهومي، وفي سديم دلالي، وتتبادل المواقع في تدفق صيروري لا تنقطع تحولاته واشتباكاته وتداخلاته. فهو يتقصد استشكال منطق الهوية وفلسفة القصد والتعالي، والاشتغال فكريا على الإشكاليات استنادا إلى منطق العلاقات والتحولات. ورغم المظهر التجاوزي التحويلي لهذا المنطق، فهو دوراني، ترتد فيه السطوح إلى الأعماق، وتصعد الأعماق إلى السطوح في إيقاع متواتر محكوم بدورانية لا سبيل للانزياح عنها.

وهكذا ترتد السياسة المدنية، إلى نتاج غيبي متغلغل في اللاوعي الجمعي، كما تعود السياسة الشرعية المستندة أصلا إلى المقولات اللاعقلانية الدينية إلى مقصديات دنيائية وغائيات دهرانية واستهدافات أرضية. وهكذا نقرأ السياسة المدنية بآليات الأنثروبولوجيا والاثنولوجيا، ونقرأ السياسة الشرعية بآليات العقلانية الأنوارية. فارتحال دلالات المفاهيم، يقتضي الارتحال التناهجي، والإقامة الخاطفة بين المناهج والتخصصات العلمية. ( إذن فلا سياسة تخلو من بعد ماورائي غيبي. والسياسات المدنية هي في ظاهرها علمانية عقلانية وفي عمقها ماورائية غيبية . كما أن السياسة الشرعية هي في ظاهرها غيبية لا عقلانية، و في حقيقتها ومآلها دنيوية مدنية .ولرب خطاب علماني في الظاهر يغرق في الطوبى واللاهوت وينم بجمود الفكر وانغلاق العقل. ولرب خطاب أصولي في الظاهر ينفتح على الحقائق وينم باستخدام للعقل بأقصى قدر من المرونة والعمق والشمول. ) ( – علي حرب – لعبة المعنى – فصول في نقد الإنسان – المركز الثقافي العربي – الدارالبيضاء- المغرب – الطبعة الأولى – 1991- ص. 104)

إن منطق العلائق والتحولات لا يتسع في هذا الشاهد لأي سيرورة تحويلية أو لأية فعالية تجاوزية، طالما أنه يكتفي بإحالة الظواهر إلى البواطن، والبواطن إلى الظواهر. فرغم الغوص التفكيكي في تذرير المفاهيم وإفقادها التناسق والتماسك ، وإنكار منطق المطابقة والتواطؤ الدلالي، فإن المقصدية التفكيكية للشاهد مازالت متشبثة بثنائية ( الظاهر / العمق-الحقيقة )، وبإمكان تعيين مستوياتها، دلاليا وتداوليا، واعتمادها مؤشرا للقياس والاستنتاج؛ كما أن الحقيقة المتدفقة دوما كشلال تأويلي في أدبيات التفكيك، تقدم هنا، باعتبارها معطى ماهويا ستاتيكيا، وعتبة دلالية يمكن تحصيلها بقليل من السبر التأويلي أو من القلب الدلالي أو من الزحزحة الموقعية .ومهما رام الخطاب تجاوز الثنائيات المفهومية ، فهو لا يستمد قوامه إلا من مادتها، ولا جريان معانيه إلا من مفعولها. فالشاهد لا يستحضر السياسة المدنية إلا بالمقارنة مع السياسة الشرعية، والخطاب العلماني، إلا بالمقايسة مع الخطاب الأصولي. إلا أنه يعمد إلى قلب البداهات ، حتى يظهر المعقول في إهاب اللامعقول، واللامعقول في أسدال المعقول. وبناء على هذا، فلا اعتبار للتاريخية أو التاريخانية أو للعقلانية النقدية، طالما أن الفكر مكوثرة تخييلية، تكثر من استعمال الأقنعة والظلال والإيماءات. والأغرب في هذا الشاهد، هو التقريظ الخفي للماورائية والغيبية، والميل إلى السكونية والجوهرانية. فإذا كانت السياسة سواء أكانت عقلية أم مدنية، غيبية المأتى ماورائية المنبت، فعن أي فعالية تحويلية نتحدث؟ ألا يرتد منطق التحويل المفتوح إلى منطق الهوية المغلق؟ ألا تعني كل منهجية تأوليلية أو تفكيكية، العودة إلى الأنماط والنماذج المعيارية العالقة باللاشعورالجمعي؟

فوسم السياسة بميسم الغيبية واللامعقول، يفارق مفارقة كلية، مكتسبات العقلانية النقدية والتاريخية. فالسياسة المدنية، محددة التخوم النظرية والاستهدافات الاستراتيجية، والإجراءات العملية القمينة بتفعيل مقررات الفلسفة السياسية وتحقيق مقاصدها، هنا والآن. فقد استطاع الفكر تقنين محايثة السياسة منذ الإغريق، وتمكن لاحقا، من إعادة تأسيس تلك المحايثة على أسس عقلانية أشد تماسكا من الأسانيد الإغريقية.

( فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية؛ و إذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وذاك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء؛ والله يقول: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا )؛ فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم. ( صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ). فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة؛ حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا بنظر الشارع.) (- ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت -2002-ص.-177- 178)

ولئن امتلكت المقاربة الخلدونية لأنماط الحكم جدارة التحديد ورسم حدود الأحياز النظرية، فإن المقاربة التفكيكية، طمست كل رغبة في التحديد والتقنين والتسويغ العقلاني. فالخطاب العلماني الموغل في اللاهوت هو علماني تجاوزا أو ادعاءا؛ ولا يعول على الخطابات الفكرانية المهلهلة سدى ولحمة، ونظرا ورؤية، في تحديد علمانية الخطاب. كما أن وسم بعض الخطابات الأصولية بالعقلانية هو من باب الشطح المفهومي أو التهويم الاستعاري. ولما كانت المفاهيم مترحلة، تفكيكيا، ومنزاحة، قليلا أو كثيرا، عن منطق الماهية، فهي تتسع و تفيض بين الحقول النظرية وتربط بين المتباعدات وتألف استعارة الوجوه والأقنعة.

فمنطق العلائق والتحولات ،مشغول كل الانشغال، لا بالتأشير على خطوط التجاوز والنفي والتخطي، بل بتعيين البؤرة الأنطولوجية لكل الخطابات مهما بدت متخالفة من حيث المرتكزات والينبغيات الفكرانية. إن منطق العلائق والتحولات، ماهوي قطعا، جوهراني حتما، طالما أنه لا يرى للفعالية البشرية مضمارا خارج مضمار اللامعقول. فاللامعقول لا يعني، في هذا المساق، ما لا يتسق مع المبادئ أو المسوغات النظرية أو ما يستعصي على المعقولية كما هي مصاغة، راهنا، بل هو أساس ميتافزيقي، عابر للتواريخ الفكرية والاجتماعية، وقابض على أعنة التفكير، على نحو كلي.

وهكذا تفقد المفاهيم كل معيناتها النظرية وكل قدرتها على تمثيل المعطيات الامبريقية أو الأفكار التجريدية، لتغدو كتلة هيولية تتشكل باللغة وتسيح بين الاستعارات وتننقل بين التواريخ بخفة مجازية عصية على التحصيل.

ليس غريبا والحال هذه، أن يتحول اللامعقول والغائب إلى الإطار التفسيري، الأوحد والأمثل، لكل الإشكاليات والوقائع ؛ فالغائب هو الحضور الانطولوجي، المتغلغل كالنفس الكوني، في كل المسميات. فالمفاهيم لا تحدد إلا في موقعها على مؤشر الغائب ولا تنتمي، كيانيا، إلا إلى الأرومة اللاعقلانية.

( وكل أيديولوجية، أكانت دينية أم دنيوية، تضرب بجذورها في اللامعقول، وتستلهم القدسي والغائب، أيا كانت الأسماء التي يمكن أن يتسمى بها ذلك الغائب. فقد يكون الغائب إلها أو أمة أو طبقة. وقد يكون مدينة فاضلة أو جمهورية مثلى أو انتظارا ليوم يحل فيه السلام بين البشر، أو لشخص يملأ الأرض قسطا وعدلا… لذا، فالغائب يمثل نقطة التقاء الدين والدنيا. إذ عنده يلتقي الفقيه والسياسي. وبه يتوحد الشرعي والمدني ويتقاطع الديني والعلماني. وليست المسألة مسألة خيار بين الدين والدولة.) ( – علي حرب – لعبة المعنى – فصول في نقد الإنسان – المركز الثقافي العربي – الدارالبيضاء- المغرب – الطبعة الأولى – 1991- ص. 105)

ليس الغائب مجرد مقولة تفسيرية هنا، بل هو البوتقة الميتافيزيقية، العاملة على المزج بين النقائض وتعيين التمفصلات الممكنة بين الفكريات والخطابات. فالغائب لا يعرف لا زمانية ولا تاريخية ولا ارتقاء في معارج التاريخية أو التاريخانية، كما لا ينشغل بالمعايرة ولا بالنمذجة ولا بالصورنة. فكل الفوارق والاختلافات، ترجع إلى الأصل الغائب، وكل المسميات ليست إلا تجليات لزخمه وعنفوانه .ففي البدء كان الغائب؛ هو الأصل والجبلة، هو البوتقة ومأتى التشكيل؛ وليس كل تعيين للحدود، أو تأسيس للفواصل، إلا رغبة خلبية، سرعان ما تذروها ريح لاهوت الغائب. يبدو منطق العلائق والتحولات هنا، بعيدا عن المحايثة، غارقا في سديم القدسي، ومناقضا لكل تعقل تاريخي لتمفصل الديني والدنيوي أو لتأسيس محايث للعلمانية والدنيوة. فلاهوت الغائب، عائق انطولوجي مضاد لكل تشغيل فعال للتعقيل ، مادام يكتفي باعتبار المفاهيم والمؤسسات والمقولات، مجرد تفريعات أو فيوضات نابعة من البؤرة المتقدة دوما للغائب. ومن هنا، فلا يمكن تصور فعالية الفكر، خارج التأكيد على الإعادة والاستعادة والتذكير بالأصل القدسي المؤسس.

( فليس العقل مجرد وظيفة معرفية نتصور بها الواقع على حقيقته، وإنما هو أقرب إلى المغامرة الوجودية والإستراتيجية الفكرية، بما يعنيه الفكر من اجتراح الإمكان، بواسطة عمليات التوسيع والتطوير، أو التشعيب والتقليب، أو الترميم والتعديل، أو الصرف والتحويل.) (- علي حرب – الأختام الأصولية والشعائر التقدمية – مصائر المشروع الثقافي العربي – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 2001- ص.29) فالمنهجية تنفي النظرية والتفكيك يناقض الرؤية النظرية؛ وإلا كيف يتآلف تسيد الغائب مع القول باجتراح الإمكان وفتح سيرورة التعقل؟

والواقع أن تفكيكية علي حرب ،بعيدة مهوى التقلب؛ فهي تثبت الشيء وتنفيه، تميل إلى جانب لتحط رحالها في نقيضه، وفقا لمقتضى المساق الكتابي أو التحليلي. فلئن كان اللاهوت قاعدة الناسوت ونقطة انطلاق فيضه المفهومي والتصوري في ( لعبة المعنى )، فإن الناسوت سيتبوأ المكانة الأعلى ويصير قاعدة اللاهوت في ( النص والحقيقة ). والتفكيك هنا تعليل، وبحث عن علاقة الشيء بعلته، وتنصيص على أولوية الأنثروبولوجيا قياسا إلى الثيولوجيا.

( وهذا يكفي، بذاته، لتبيان الأساس الناسوتي العلماني لكل مشروع ديني، ولكل ترتيب لاهوتي عقائدي. فالقول البين الواضح هو الذي يؤسس لقول آخر، فيجعله واجبا أو ممكنا. والقول بناسوتية الإنسان وعلمانيته هو الذي يجعل القول بلاهوتيته أمرا ممكنا. وعليه فالناسوت هو الذي يؤسس اللاهوت.) (- علي حرب – النص والحقيقة –نقد الحقيقة –المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- المغرب –الطبعة الأولى – 1993-ص.67)

لم تعد الحقيقة سيلا من التأويلات ولم يعد المجاز ركيزة كل كلام مهما رفع راية الاستدلال والبرهان؛ فقد صارت تطابقية، كما صار المنطق صوريا أرسطيا، تفضي فيه المقدمات إلى النتائج بسلاسة صورية آسرة. فلاهوتية الإنسان نفسها رهينة بناسوتيته، مادام الناسوت لا يؤسس اللاهوت فقط، بل يرسم حتى استراتيجيته تموضعه على موقع النزعات الفكرية.

تدفع الرغبة في تعرية المسبقات، والكشف عن المحجوب، خطاب علي حرب إلى تجاوز الملفوظ والمعلن والمنظور، للإفاضة في استخراج المحجوبات والخفايا والمضمرات. إلا أن الدفق التفكيكي، كثيرا، ما يقود إلى متاهات التحير، طالما أن التعليل الدوراني، يحول العلة إلى معلول والمعلول إلى علة في سياق تحويلية تداولية، مشغولة بالتهجين والتركيب والتعديد والتبادل والتواصل. والحقيقة أن تفعيل القراءة، يكشف عن قلق نظري ومنهجي، يصعب معه التسليم بالمبتغى النظري المعلن: ( ولذا ، مع كل قراءة خصبة وفعالة ، نعبر نحو أفق جديد ، تتشكل معه بؤر جديدة للمعنى أو تتغير خرائط الفهم، بقدر ما تتغير شروط الإمكان وسلاسل الأسباب أو تخربط الحسابات العقلية وتخلط الأوراق الإستراتيجية . ) (- علي حرب – هكذا أقرأ ما بعد التفكيك – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2005-ص. 14)

ثمة هوة بين المعلن والمتحقق عمليا؛ فالتأكيد على لاهوتية السياسية أولا ثم إرجاع اللاهوت إلى الناسوت، لا يحقق تقدما في خريطة الفكر، خصوصا متى علمنا أن منطق التحويل يقرأ الحقيقة باعتبارها انزياحا عن المواطأة وعن المطابقة، والمعنى بوصفه ارتجاجا لا يمكن ردم شقوقه وسد ثلمه. ( والتفكيك هو بهذا المعنى قراءة في محنة المعنى وفضائحه ، للكشف عن نقائض العقل وأنقاض الواقع أو عن حطام المشاريع وكوارث الدعوات على أرض المعايشات الوجودية . ) (- علي حرب – هكذا أقرأ ما بعد التفكيك – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2005-ص. 26)

ليس غريبا إذن، أن تنتقل الفعالية التفكيكية من بناء بؤرة جديدة للمعنى إلى اللهج بمحنته وفضائحه. ولذلك، لا عجب، أن تكشف التجربة الإسلامية عن نزعاتها العلمانية، رغم كثافة السجف الغيبية والماورائية. كما لا عجب أن تقرأ تلك التجربة، بأطر مفهومية مستعارة من الفكر الغربي الحديث، طالما أن الرؤية التفكيكية، تلغي العتبات التاريخية والتاريخانية، وتعلي من شأن عبورية وانسياحية المفاهيم. فلخلق بؤرة تأويلية جديدة، لا مناص من قراءة الحضارة الإسلامية ، استنادا إلى جهاز مفهومي منحوت ومصاغ في تجربة حضارية عرفت القطائع مع الفضاء الثقافي القروسطي ومع الجهازالتصوري للاهوت. ( إنها مذهب له منزعه الإنساني، ومضمونه التحرري، وشكله العقلاني. ولهذا، فالحديث عن بعد علماني في التجربة الدينية الإسلامية، هو، في الوقت عينه، حديث عن منازعها العقلية واللبرالية والإنسانية، وذلك خلافا لما يظن، وضدا على الذين ينفون عنها ذلك.) (- علي حرب – النص والحقيقة –نقد الحقيقة –المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- المغرب –الطبعة الأولى – 1993-ص.58).

إن إضفاء النعت العلماني على تجربة حضارية معينة، لا يعتمد على بعض نزعاتها العقلانية أو الإنسانية أو التحررية. فالعلمانية ليست منظومة إجراءات عقلانية، أو حزمة آليات عملانية مفضية إلى نتائج معتبرة في موازين التحضر، وإنما هي إطار نظري لممارسة محايثة، مشدودة إلى الراهن والآني ولا ترتهن بأي حال من الأحوال إلى الماورائيات ولا إلى الحسابات اللاهوتية للسياسة الشرعية أو لللاهوت السياسي عموما.

لا جدال في اعتماد القراءة التفكيكية هنا على انسياحية المفاهيم لا على تاريخية المتصورات، على اسقاط الخاصيات المائزة لطور حضاري على طور حضاري آخر مختلف عنه في النظريات والعمليات، في الجزئيات والكليات على نحو شبه كلي. ورغم تفكيكية الشاهد فهو حجاجي يروم التنصيص على معطى مغيب في الدوائر الفكرية ؛كما أنه يصدر ، في العمق، عن تصور تطابقي جزمي للحقيقة. إلا أن حجاجيته لا تحقق البغية الاقناعية، مادامت لا تصمد أمام صلادة الوقائع وصرامة النظر. (…ثمة نبويون لا هوتيون يمارسون تدينهم بطريقة علمانية دنيوية .فقول النبي لأحدهم : أنتم أعلم بشؤون دنياكم هو ممارسة علمانية .وتحريم عمر للمتعة هو ممارسة مدنية . وقبول علي بحكم الشيخين مع معارضته لهما هو ممارسة ديمقراطية …) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.268)

فالعلمانية ليست محض أداء وظيفي معدوم المقصدية المعرفية والايطيقية؛ بل هي موقف ابستمولوجي ورؤية خلقية –ايطيقية، وتدبر عملي للعلائق بين الاحياز الاجتماعية السياسية. وهكذا، فلا يمكن إضفاء الصفة العلمانية على ممارسات وإجراءات واختيارات، ذرائعية أو وظيفية، بدون مقصدية دهرانية أو تدبر علماني مفكر فيه وبدون بلورة قانونية ومؤسسية للفعالية المدنية. وعليه، فإن البحث عن بذور العلمانية في الإسلام ليس إلا نوعا من المفارقة النظرية أو المغالطة التاريخية ومن الانسياح التفكيكي.

فالواقع أن الفكرية النبوية تروم اخضاع كلية الجسد الاجتماعي للرمزية الدينية؛ وليس غريبا، والحال هذه، أن تطال التعاليم الدينية ، التفاصيل الأكثر نثرية في الممارسة الفردية والجماعية. فالعقيدة إذ تصوغ الوعي والمخيلة، وتملأهما بمخزونها الاستعاري والكنائي، تعمل على برمجة كلية لكل تعبيرات الجسد، وعلى تصييرالجسد الفردي المطقسن جزءا من الجسد الجماعي المنذورللصراطية ولتحقيق المقصد الجوهري المتمثل في إشاعة القيم الإيمانية على الصعيد الكوني .فالكوننة تمر عبر وساطة الجسد الجماعي، والجسد الجماعي ليس إلا جماع أجساد فردية، معبأة، وعيا ومخيلة وجسدا ،لتقليص الهوة بين المقدس والمدنس، بين الحلال والحرام .فمن الواضح، أن إدارة الجسد، وإملاء طرق استعماله، في أداء الطقوس والشعائر أو في ممارسة الوظائف البيولوجية والثقافية، يدخلان في صميم المسلكية الشرعية الإسلامية. واستنادا إلى هذا الاعتبار، فلا يمكن التدليل على قابلية الإسلام للتعلمن أو للدنيوة اعتمادا على تأويل مغالطي للنصوص، أو تدبرلا تاريخي لواقعات محفوفة بكثير من اللبس التاريخي والتأريخي. وللتدليل على افتقاد هذه التبيئة للملاءمة نورد حديثين، يمسان أمورا حياتية جزئية أخضعت للتشريع المحمدي مع أنها وثيقة الصلة بنثريات الواقع اليومي. (5853-حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من لم يكن له إزار فليلبس السراويل ومن لم يكن له نعلان فليلبس خفين ” . (-البخاري- صحيح البخاري – اعتنى به : أبو عبد الله محمود بن الجميل – مكتبة الصفا –القاهرة – الطبعة الأولى -2003-الجزء الثالث – كتاب اللباس- باب النعال السبتية – ص. 110-111) .

( 5723-حدثني يحيي بن سليمان ابن وهب قال : حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء ” قال نافع : وكان عبد الله يقول : اكشف عنا الرجز . ) (-البخاري- صحيح البخاري – اعتنى به : أبو عبد الله محمود بن الجميل – مكتبة الصفا –القاهرة – الطبعة الأولى -2003-الجزء الثالث – كتاب الطب- باب الحمى من فيح جهنم– ص. 82).

فالنصوص المؤسسة لا تقتصرعلى العبادات والأخرويات، بل تمس أمورا وقضايا حياتية كثيرة من نوع ما جاء في الحديثين. ومن الطبيعي أن ينطوي المعتقد الإسلامي على القضايا الحياتية، طالما أنه يسلم بالحاكمية الإلهية وبعجز العقل الإنساني، نظريا، عن التشريع .فالتشريع يقتضي الإقرار بالأهلية النظرية للعقل البشري، وتنزيل ذلك الإقرار على الوقائع الحياتية المتجددة طبقا لسيرورة التمرحل والتحول والقطائع.

ولا يمكن اعتبار تحريم عمر للمتعة سلوكا مدنيا إلا من باب الانسياح الفكري والتسمح المفهومي؛ فالسلوك المدني يصدرعن متصورات نظرية عقلية، وعن رؤية تواصلية تفاعلية مشدودة إلى مواضعات المحايثة والتذاوت والفكرالمتروي ؛ والحال أن القرار العمري محكوم بإقرارات الغيب، لا بمقتضيات العقل والمحايثة والمصلحة العقلية ، وبالرؤية الشاقولية المنزاحة عن التذاوت والتفاوض والتناظر . (واشتهر عن ابن عباس تحليله ، وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل ” مكة ” ، و أهل “اليمن ” ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم ) [النساء : 24] ، وفي حرف عنه ” إلى أجل مسمى ” ،وروي عنه أنه قال : ” ما كانت المتعة إلا رحمة من الله – عز وجل – رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولولا نهي عمر – رضي الله عنه – عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي”. وهذا الذي روي عن ابن عباس رواه عنه ابن جريح ، وعمرو بن دينار ، وعن عطاء قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : ” تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبي بكر ، ونصفا من خلافة عمر ، ثم نهى عنها عمر الناس “. ) ( – ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد –تحقيق وتعليق ودراسة : علي محمد معوض –عادل أحمد عبد الموجود – منشورات محمد علي بيضون – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية -2000-الجزءالثاني – 101) .

ويبدو أن السيولة التفكيكية تقود خطاب علي حرب إلى إهدار السياق التاريخي لبعض المرويات؛ ومن هنا لا يمكن اعتبار التقبل النقدي لخلافة الشيخين موقفا ديمقراطيا، لاعتبارات فكرية وسياسية. فالفضاء الثقافي المحتكم في أدنى تفاصيل الاجتماع إلى الغيب لا يمكن أن يسمح بنشوء الفكرية والمسلكية الديمقراطيتين. كما أن التراتبية الاجتماعية المؤسسة على التمييزات الدينية، تفقد الاجتماع، التماسك والسماكة الكفيلين برسم مشهدية سياسية، خاضعة للمشاورة والمفاوضة والمساومة. أما المشهدية السياسية، المستندة إلى معيارية نصية مجردة والى معيارية شخصية مجسدة في مثال معياري نموذجي، فلا يمكن أن تسمح، حتى من حيث المبدإ، بتحكيم ضوابط العقل في التدافع السياسي. فما يحكم السياسة الشرعية هو الانتظام في المجال الرؤيوي،للاهوت السياسي التأسيسي، لا تأسيس العقل السياسي على مرجعيات دهرانية متجددة، منهجا ورؤية.

(…ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله و أثنى عليه وقال في كلامه : إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان. أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة. وفي رواية : “أما بعد يا علي فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، ثم أخذ بيد عثمان فقال : نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده ، فبايعه عبد الرحمن ، وبايعه المهاجرون والأنصار “.) (-جلال الدين السيوطي- تاريخ الخلفاء- تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2005-ص.138)

وهكذا بدلا من أن يكون التفكيك خلخلة، وكشفا عن ألاعيب المعنى، يستحيل إلى رتق للدلالة والى بحث سعيد عن امتلاء المعنى. وبدلا من أن يسفر المنطق العلائقي التوليدي عن انتهاك حرمة البداهات والمكنونات والمسلمات يفصح منطوق الخطاب عن يقين تداولي باذخ، تستوطن العلمانية والمدنية والديمقراطية بمقتضاه حرم التجربة التأسيسية بالذات في غفلة من التاريخ السياسي وتاريخ الفكر. والواقع أن كثرة مداورة لعبة الكشف والحجب، أدخلت الآلية التواصلية والتداولية لعلي حرب في دوامة من التأكيدات والتأكيدات المضادة، من الإثباتات والابطالات. فكيف تسمح التأويلية التفكيكية، باستكشاف جذور العلمانية، في الفعل السياسي الإسلامي، علما أن العلمانية تصدر عن تدهير صريح لمصادر المشروعية وأسس ومقاصد السلوك السياسي؟ ألم يقل في ( نقد الحقيقة )، بالمحايثة باعتبارها شرطا شارطا للعلمانية؟ ( هذا في حين أن المشروعية ، في المجتمع العلماني ، هي على الضد من ذلك ، تنبع من داخله لا من خارجه. فالإنسان في المنظور العلماني، هو كائن خارج عن قصوره، مستقل بعقله، مالك زمامه، ينتج معرفته عن ذاته وعن عالمه ببحثه ونظره، ويشرع لاجتماعه مع غيره بحسب تجاربه وخبراته. فلا مصدر، إذن ، لشرعيته غيره.) (- علي حرب – النص والحقيقة –نقد الحقيقة –المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- المغرب –الطبعة الأولى – 1993-ص.57)

ويبدو ولوع منطق التحولات بالانقلابات ظاهرا، ولا سيما حين يكلل سعيه إلى الخلخلة والزحزحة باكتشاف الآخر في قاع الذات والذات في عمق الآخر. فخطاب الذات ليس إلا خطابا مستعارا من الآخر، كما أن خطاب الآخر ليس إلا خطاب الذات محجوبا. فالذات لا تحضر ،على الحقيقة، إلا بغيابها، كما لا يغيب الآخر إلا ليحسن الإقامة العمقية في بنية الذات اللاواعية وفي سراديبها المحجوبة . فالمعلن ليس إلا مايا أو سرابا كينونيا، تخفي به الذات أو تحجب مصادرها الجينيالوجية، والمضمر والمنسي هو الغذاء الميتافيزيقي لخطاب الذات. وكما تستعير الذات من الآخر غيريته المؤسسة فهي تمنحه ذاتيتها برهافة عرفانية شفيفة، ليتكون منها ويصيغ بمادتها خطابه الفصامي الموزع بين منطوق يعلن انتماءه الكلي إلى عبقرية الذات ومفهوم يخفي مصادره ومسارها التكويني المضطرم ويحجب عبقرية القيعان اللاشعورية. وحيث إن منطق العلائق والتوليد ينهض على العبورية المفهومية المستمرة، فإن التلوين العلماني لما ليس علمانيا يستحيل إلى ممكن معرفي لا يمكن التغاضي عنه منطلقا.

( والمشروعية بالمعنى الدنيوي ليس حكرا على اليونان والغربيين. و إنما هي مورست بشكل أو بآخر في المجتمعات الإسلامية، وذلك بقدر ما اعتبرت السلطة، أي الخلافة، شأنا دنيويا بشريا يحكم فيه الأحياء لا الأموات، الشاهد لا الغائب، كلام البشر لا كلام الله. وعلى هذا النحو جرت الأمور تحت سقيفة بني ساعدة، عندما اجتمع المسلمون اعني أهل الحل والربط أو من حضر منهم ، وبتوا أمر الخلافة لا باسم الغائب المتعالي، بل بنوع من المفاوضة بين أطراف النزاع فرضها ميزان القوى وأملتها سياسة الأمر الواقع. إذن لم تقر الخلافة هنا بوصفها حقا موروثا أو تكليفا إلهيا نص عليه، بل بوصفها شأنا سياسيا عاما يشترك في تقريره كل من آنس في نفسه القدرة والقوة على المشاركة وحمل المسؤولية.) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.261)

يروم هذا المخرج الإبانة عن أصول العلمانية في التراث الإسلامي؛ كما يستهدف قراءة جملة من الواقعات السياسية الإسلامية قراءة ناسوتية ،دهرانية، غيرمألوفة في الأدبيات التراثية. والحال أن هذا النص ،يكثر من التأويل إلى حد طمس الوقائع، ويتصرف في الحادثات تصرفا عنديا، ذاتانيا، بلا مستند تاريخي معتبر أو دعامة عقلية متماسكة .والواقع أن لا مجال للمقارنة بين المجال السياسي الإسلامي والمجالين السياسيين الإغريقي والغربي ، بالنظر إلى الاختلافات الابستيمية البنيوية المتحكمة في الأطر النظرية والعملية الخاصة بتلك المجالات . فالمجال السياسي الإسلامي، خاضع للمقولات الشرعية،وللعالم الدلالي للفكرية الإسلامية .والواقع أن المجال السياسي الإسلامي ، قد ينطوي على كثير من عناصر المعقولية العملانية شبه البراغماتية ، إلا أن هذه المعقولية لا تبرر ، بأي حال من الأحوال ،إسقاط المفاهيم والجهاز النظري للمجال السياسي الغربي الحديث على التجربة السياسية الإسلامية ، مادامت مرتهنة إلى كثير من النواظم ومن الأطر و الأنساق اللاهوتية . ثم إن التلوين العلماني ، للمجال التداولي السياسي الإسلامي والتجربة السياسية الإسلامية المرجعية، استنادا إلى معطيات مؤولة تأويلا عنديا، ومعاندا في ذات الآن ، يخالف جوهريات الاجتماع بالفضاء الثقافي الإسلامي آنذاك ، المرتهن ، عميقا ، إلى الرمزيات والفكريات والقياميات . (…ذلك أن التضامن بين البشر ، يلتئم بما هو ذو طابع رمزي ، وهمي أو غيبي، أكثر مما يلتئم بالغايات العقلانية والحسابات الاقتصادية ، ما دام الناس ليسوا مجرد أجهزة حسابية . ) (-علي حرب – أصنام النظرية وأطياف الحرية ( نقد بورديو وتشومسكي )- المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب- الطبعة الأولى – 2001-ص.20) فتغليب السياسي على الرمزي ، في قراءة التجربة المرجعية الإسلامية ، يخالف كثير من أساسيات القراءة التفكيكية كما داورها علي حرب في مؤلفاته .والأنكى ، إصرار الشاهد على التأويل المتكلف للخلافة ، والتعامل الذاتاني الاستعمالي مع الواقعات والمفاهيم .ومن المحقق أن التأويل الديمقراطي لحادثة السقيفة في الشاهد لا يسنده دليل ، و لا يدعمه سند، لأن الفضاء الثقافي العربي – الإسلامي ، لا يتسع آنذاك لما فوق جدل القبيلة والعقيدة ، ولا يملك فيه الاستحقاق أو الاستئهال العقلي ما يملكانه في الفضاءات الثقافية ، الراعية للفردانية والعقلانية ومحايثة المجال السياسي . وعليه ، فشرعية الخلافة شرعية دينية في المقام الأول ، كما أن الفعالية السياسية مطبوعة بالغائيات الفكرية الكبرى للمشروع الإسلامي .فالالتجاء إلى تفعيل الكفاءة العقلية أو الأهلية الفردية ، في بعض مراحل التاريخ الإسلامي ، لا يبرر وسمها بوسم العلمانية أو العقلانية أو الليبرالية ؛ فهي ليست إلا اجراءات عملية ذرائعية أملاها الفراغ التشريعي أو محدودية المنظومة القانونية أو الأخلاقية المعتمدة . لا يمكن فصل الخلافة إذن عن سياقها العقدي ولا عن إطارها الرمزي ؛ كما أن تغليب المكون القبلي على المكون العقدي ، لا يحقق المتوخى ، متى علمنا أن القبيلة فقدت إطارها الثقافي التعديدي القديم ، وصارت متهيئة للتكيف مع إطار عقدي جديد . فالخلافة هي نتاج جدل اللامعقول القبلي واللامعقول الديني ، وليست نتاج علمنة معدومة القوام الفكري والثقافي طيلة العصر الإسلامي . ولا بد في هذه السياق من الرجوع إلى تمثلات الوعي و المخيال الإسلامي ، وعدم الاقتصار على استدعاء وقائع معزولة عن حيثياتها الفكرانية .وعليه ، فالخلافة مرتطبة بمجتمع تراتبي ، تحتل فيه المواقع الرمزية موقعا متقدما ، ويخضع فيه العقل السياسي للمخيال العقدي .لا تعني الخلافة هنا سوى ضمان استمرارية المشروع النبوي ، وقيادة الاجتماع البشري استنادا إلى نص مرجعي مطلق ، والى تجربة معيارية هي نموذج المدينة .فالإطار النظري للخلافة إطار لاهوتي حصرا ،تبنى فيه الفعالية السياسية على المآلات الغيبية وعلى النصوص المرجعية وعلى السنن المستقرة في وعي الجماعة ، لا على التدبر البشري والتفاوض الجماعي والتقرير العقلاني للممارسات والغايات . وللتدليل على ما سبق ، نورد المثالين التاليين :

( و أخرج ابن سعد عن إبراهيم التميمي قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال : ابسط يدك لأبايعك ، إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبوة عبيدة لعمر : ما رأيت بك فهة قبلها منذ أسلمت !أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين !.) (-جلال الدين السيوطي- تاريخ الخلفاء- تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2005-ص.66)

( و أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” يا عثمان ، إنه لعل الله يقمصك قميصا ، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني “. و أخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه . ) (-جلال الدين السيوطي- تاريخ الخلفاء- تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2005-ص.137)

إن الرمزي ليس محض آلية استعمالية للتفعيل في خضم الاصطراع السياسي، كما قد يعتقد بعض الباحثين عن النزعات العلمانية في التراث العربي الإسلامي، بل هو النواة الصلبة، الفاعلة في بناء الشعور واللاشعور السياسيين. ومن هنا، لا يمكن اعتبارالسلوكات الذرائعية أو الهرطوقية لبعض الأفراد والجماعات مؤشرا على التعلمن أو التدهير في الأوان الإسلامي. فالعلمانية لا تتأسس إلا بالفصل النظري الصارم بين الحاكمية الإلهية والحاكمية البشرية، والإقرار بجدارة العقل في ميدان التشريع، وتوجيه الفعالية الفكرية والاجتماعية والسياسية، بما يخدم امتلاء كينونة الإنسان وترقي الإنسانية.

وبناء على هذا، فمشروعية الخلافة غيبية ماورائية، وليست دنيوية تفاوضية وتداولية. فالخلافة انبثقت من اتحاد إرادة القوة الرمزية وإرادة القوة المادية، ومن التمفصل المنضبط للمرادات الإستراتيجية للفكرية بين القبلي والعقدي عكس ما يورده علي حرب في نقده لنصر حامد أبو زيد. (ولكن الخطابات الدينية أو الكلامية أو الفقهية تقدم لنا نفسها دوما على نحو يحجب حقيقتها وسلطتها . ذلك أن السلطة في الإسلام نبعت من إرادة القوة ، وتكونت بفعل صراع العصبيات والجماعات ، ومورست دوما كمشروع هدفه السيطرة والإخضاع .فهي إذن رهان بشري واستراتيجية دنيوية، أيا كان الحديث عن مصدرها ومشروعيتها .فلا يهم فقط ما يصرح به الخطاب عن السلطة ، وإنما يهم أيضا وخاصة ما لا يقوله . وما لا يقوله يتعلق بآلية نشوء السلطة ومنطق عملها وكيفية ممارستها وتقنيات اشتغالها وحيلها أي طرق اختفائها واحتجابها . ) (-علي حرب – نقد النص – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1993-ص.157-158)

وفي هذا المقتبس تأكيد على قوة الكهنوت، مما ينفي الطابع التداولي والتفاوضي على الخلافة رأسا. كما أن النظام الكلاني القهري لا يمت بصلة إلى النظام العلماني الديمقراطي، المنفتح على التعددية وعلى الغيريات وعلى أنماط كينونية متعددة. وفي سياق التدليل على ناسوتية الخلافة أشار إلى الطور الأموي، وما جرى فيه من انتقال من الخلافة إلى الملك، واعتبرذلك ضربا من التعلمن . ( المهم أنه بدءا من العهد الأموي تحولت الخلافة إلى ملك سياسي ، ثم آلت من بعد إلى ” حكم سلطاني ” على حد تعبير الماوردي . وعندها جرى نوع من الفصل بين الفقهاء والسلاطين ، بين العقيدة والسياسة ، أو بين الدين والدولة . و لا شك أن هذه الفصل كان شكلا من أشكال ممارسة العلمنة في الفضاء الإسلامي.) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.261).

مثل الأوان الأموي لحظة ارتجاج في الوعي الإسلامي، بفعل تناقضات العقل الإسلامي الذاتية وتحديات العقائد والثقافات والمجموعات المفتوحة أو المجاورة للإمبراطورية الإسلامية. إلا أن الملاحظ أن العقل الإسلامي اختار سبيل التأويل أو التلوين الفكراني للنصوص المتداولة آنذاك، أو تركيب مدونة نصية داعمة أو التدوين الموجه للمتفرقات والشذرات النصية الرائجة. ورغم فداحة التمزق ، فإن كل الفرقاء اعتصموا بالنصوص وبالتأويل المذهبي للذب عن مواقعهم وعن رأسمالهم الرمزي. وفي خضم التدافع، بله التناهب الفكراني بين الفرق، دافع الأمويون عن عقيدة جبرية، مقفلة، لا يمكن للعقل الإنساني سوى أن يتحلل بمقتضى مطلقاتها المسكوكة ويستحيل إلى الخمود القاتل. ( قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال : قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين أو يا مسودة وجوه المؤمنين فقال : لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرى بني أمية على منبره فساءت ذلك فنزلت ( إنا أعطيناك الكوثر ) يا محمد يعني نهر في الجنة ونزلت ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) يملكها بعدك بنو أمية يا محمد ، قال القاسم فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص . ) (-ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – دار الجيل – بيروت – لبنان – الجزء الرابع -532)

فالانتقال من الخلافة إلى الملك لا يعني بأي حال اعتماد العقلانية في تدبر القضايا السياسية والمسائل الابستمولوجية. فقد شهد العصر بداية حروب التأويل، وبناء المتاريس الهرمينوطيقية، وإحكام الطوق الشرعي على الممكن العقلاني التاريخي. ومن هنا لا يمكن اعتبار تكريس الجبرية، بما هي إبطال منهجي للفعالية التحررية والتحريرية للشرط البشري، والملك بما هو خوصصة للسؤدد والخيرات المادية والرمزية الناتجة عنه، دليلا على العلمنة أو العقلنة السياسية .وهكذا ، فالانتقال من الخلافة إلى الملك مؤشر مفصح عن العلائق الإشكالية، بين المكونات البنيوية للدولة الإسلامية في خضم التدافع الثقافي وضغط الواقع على المعيارية المثالية، وعن قلق التمفصل الوظيفي بين المقصدية الفكرية الإسلامية والمقصدية الدهرانية العربية والآسيوية .ويتم الإفصاح عن هذا التمفصل الصعب بلغة لا هوتية، واستنادا إلى دعامات نظرية معيارية. واستنادا إلى هذه المعطيات، لا يمكن اعتبار التمييز الوظيفي بين الدائرة الفقهية والدائرة السياسية فصلا علمانيا بين مجالات ثقافية وسياسية لها نصابها المرجعي وذخيرتها المعيارية كما يعتقد البعض. لم يعرف الأوان الأموي أية فعالية فكرية علمانية، ولم تتبلور أثناءه أية منظومة قيمية محايثة ،بسبب ارتهان الفرقاء الفكريين إذاك إلى إطار مرجعي معياري مفارق .فلا اختلاف آنذاك إلا على استثمار النصوص واستعمالها، أما بناء نسق فكري محايث فلم يكن ممكنا. فقد اكتفت الجبرية والقدرية والجهمية بالاشتغال على النصوص المؤسسة في الغالب، وبمداورة الاستعارات النبوية بما يخدم مشاريعها الثقافية والسياسية. ولم تنصرف قط إلى بناء إطار مستقل عن الإطار المعرفي الشرعي. فكل اهتزاز في السياسة الإسلامية يحيل على الاشتغال، تفسيرا أو تأويلا، على النصوص، لا على تغيير استراتيجية التفكير رمة، واستشكال السياسة الشرعية من حيث الملاءمة والمطابقة والنفاذية. والتأويل يستدعي التأويل المضاد، مما يؤدي إلى اندلاع حرب النصوص وحرب التأويلات، لا سبيل إلى الخروج منها. فللخروج من ضمور العقل السياسي يعمد العقل الإسلامي إلى حروب المتخيلات المتضخمة، حيث يعمد الفاعلون الدينيون إلى اغناء الرصيد الميثي للأبطال بلمسات خارقة وبكرامات مبهرة. فانغلاق النسق السياسي يفضي إلى انفتاح دروب اللامعقول، والى اشتعال أوار الدراما.

فالتأكيد على الجبرية أو القدرية أو الجهمية، أو تشكيل الأطر الفكرية للخوارج والشيعة، يفصح عن نأي العقل السياسي عن التعلمن والدهرنة، واستلابه اللاهوتي المتضخم كلما أوغل الفرقاء السياسيون في التأويل العندي البعيد أو في انسداد آفاق” الفعل السياسي “.

وهكذا، لا تقدم الحضارة العربية – الإسلامية نماذج للعلمانية، ولا سوابق علمانية يعتد بها، رغم سعي بعض العلمانيين إلى البحث عن بذور وجذور العلمانية في التراث العقدي والفكري الإسلامي. فمن البديهي هنا، أن الإقرار بالعلمانية يوجب الإقرار بتوافر قصدية فكرية ومسلكية منهجية وفكرانية سياسية، بعيدة عن الفضاء المفارق، وناقدة لذلك الفضاء ولعقوله ومخاييله. فالعلمانية اختيار فلسفي وايطيقي وسياسي، مدلل ومصاغ صياغة تدليلية وبرهانية محكمة، وليس نظرا قلق العبارة مهلهل المنهجية ومختل التدليلات، ولا يتوصل إلى مدلولاته إلا بضرب من التعمل أو من التخمين أو من التواطؤ الخارق لكل بنود القراءة الموضوعية.

وبما أن القراءة التفكيكية تنكر الموضوعية أصلا، فإنها ستكتفي بتحسس المخفي في ركني ثنائية الأصولية / العلمانية . فالمفكك مشغول بالغوص على المحجوب، وبالكشف عن المستندات السرية لكل خطاب خطاب. ( هذه هي الزحزحة المطلوب إحداثها في قراءة ثنائية الأصولي والعلماني . إنها تكشف عن العلمانية الخفية التي يمارسها أهل اللاهوت باسم الغائب وتحت راية المقدس ، كما تفضح في المقابل المنازع اللاهوتية والممارسات التقديسية في المشاريع العلمانية وفي المجتمعات الديمقراطية . ) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.264).

يستحيل منطق التحولات هنا إلى منطق التراجعات والانتكاسات، مادامت كل ممارسة تنطوي على نقيضها الفكراني وتنهض على جغرافيته الفكرية. والحال أن الزحزحة المنادى بها هنا لا تحمل أية إنارة منهجية أو فكرية لإشكالية التعلمن والتأصل، المستشرية بالفضاءات الإسلامية. ثم إن الشاهد يحيل على العرضي في الممارسة، فيما يجب التركيز على النواة الصلبة في كلا الخطابين. فالأصولية لاهوتية بالذات وناسوتية بالعرض إن كانت معتدلة؛ أما العلمانية الصلبة، فناسوتية بالذات.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في رصد التداخلات والمفارقات، ورصد جدل الخفاء والتجلي، والمرئي واللامرئي، وإحالة كل خطاب على مفارقته التأسيسية أو على مفارقاته العملية. فالوقوف على العلمانية المتسترة للأصولية لا يحقق أي مطلب نظري ولا أي إضافة فكرية نوعية بالنظر إلى تمرس اللاهوت السياسي الكتابي عموما بتلك المفارقات وامتلاكه للآليات التأويلية العاملة على التنصيص على المقاصد وعلى الاستراتيجيات. و التلويح باللاهوتية المندغمة بالعلمانية لا يرقى إلى مصاف المنعطف المنهجي أو الفكري، مادامت العلمانية وثيقة الصلة بالمحايثة والعقلانية والنسبية والفكر البيذاتي المتروي.

الإشكال الحقيقي، يتمثل في إعادة النظر في تأسيس سؤدد العلمانية بمعزل عن الأطر المعرفية العقليمانية أو العرفانية أو اللاهوتية، ونقد مصادر مشروعية اللاهوت السياسي، ابستمولوجيا وأخلاقيا وسياسيا، وبناء المؤسسات المدنية المنفصلة، قلبا وقالبا، عن المؤسسات اللامدنية واللاهوتية في الفضاءات الثقافية ذات المنسوب العلماني الضحل، وتجديد النظر العلماني وتزويده بمواد وعناصر نظرية ومنهجية جديدة في الفضاءات الثقافية ذات المؤسسات العلمانية الراسخة. لا يكفي التنصيص على المعاينات، أو التشديد على الاستقراءات، لتجديد النظر في إشكالية العلمانية؛ إن التعلمن مسار نظري وعملي، محدد المنطلقات والاستهدافات، و أي سلوك دهراني أوناسوتي أو ذرائعي، لايستوفي شرائط الإبدال العلماني، ليس علمانيا إلا من باب التجوز أو التجويز أو الانسياح المفهومي. وعليه، فالعلمانية لا تقيم في التناهي والمحايثة إقامة عملية فقط، بل تبدأ بصياغة نظرية لتلك الاقامة؛ كما أنها لا تتفنن في رصد افانين الميلودراما البشرية للاقرار بمسلكية عملية منزاحة عن بهرجة اللاهوت. ( …ولكن الرمز حجاب يحجب الكائن ، أي يحجب كون السلطة هي ممارسة دنيوية بشرية يخلع عليها طابع القداسة . ولا إمكان إلا أن تكون السلطة كذلك ، أي بشرية ، ما دام الإنسان لا يمكنه الانسلاخ عن بشريته . فالمعطى الأصلي للوجود الإنساني هو المحدودية والتناهي والمشروطية ، هو الزلل والخطأ والنسيان . إنه تغليب الهوى والنقص في الوسائل والاختلاف في التقدير . ) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.259)

ينتقل منطق العلائق والتحولات هنا إلى اعتناق رؤية حتمانية، ومنظور مأساوي للشرط البشري. فمنطق التوليد ينتهي، في الواقع، إلى الانزواء في الركن الدراماتيكي وفي حتمانية رافضة للتجاوز والقطائع والتحولات مبدئيا، مع أنه يستهدف تجاوز الفكرية الثبوتية والسكونية والجوهرانية : ( في المنطق الصوري الكائن هو ماهية ينبغي تصورها على نحو مطابق، سواء عبر الحد والرسم أو بالقياس والبرهان. في المنطق التحويلي لا ماهية صرفة، ولا هوية متعينة بصورة حاسمة ونهائية. فالشيء هو هنا جملة علاقاته ومحصلة تبادلاته التي هي جماع إمكانياته المفتوحة دوما على المجهول والمفاجئ واللامتوقع.) ( – علي حرب – الماهية والعلاقة – نحو منطق تحويلي – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى ، 1998-ص. 46).

والملاحظ أن التنصيص الماهوي على محدودية الشرط البشري تقرير وجزم، علما أن المنظور التفكيكي للحقيقة يحيل على منظور مخالف نظرا وتصورا : ( لعلنا نحتاج إلى سياسة جديدة للحقيقة نتجاوز بها مفاهيم الثبات والتطابق والتواطؤ والتمام والنقاء واليقين الجازم ، وذلك بفتح المفهوم على التعدد والتباين أو على المفاوضة والمساومة أو على المجاز والاستعارة أو على الحافات والتخوم ..) (- علي حرب- حديث النهايات – فتوحات العولمة ومآزق الهوية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- الطبعة الأولى -2000-ص. 113)

والحقيقة أن المفاهيم لا تتسع في منطق التحولات إلا لتضيق، ولا تسيح إلا لترتكس وتعود القهقرى إلى المواطن الجوهرانية للذات البشرية أي إلى المحدودية المشروطة بشرط الهوى. مما يضع مقولات العقل التداولي والمجتمع التداولي في مرمى النقد. فكيف لكائن محكوم بقوة الهوى أن يغلب أهواءه، ويتعاطى المفاوضة والمساومة والمبادلة؟ أليس المبادلة دلالة على قدرة الكائن على تجاوز منطق الأهواء والعمل بموجب منطق التعقل والتخلق؟ ألا ينفي إمكان المجتمع التداولي القدرة الكلية للامعقول والأهواء والفكر الرمزي وتضخم المجاز؟ ألا يدل العقل التداولي على قدرة كمونية على التعالي على الشرط الكياني، وعلى امكان اجتراح قواعد غير أهوائية وغير عصبوية للاجتماع البشري؟ أليس العقل التداولي قادرا على عقلنة الرمز ،وعلى ترويض المجاز ،وعلى النأي عن الأوقيانوس اللاعقلاني ؟أليست التداولية تفاوضا معقلنا ومدللا ، وبرهنة على الاختيار ، وتحكيما للروية في النظر والتقدير؟ أليس التروي، والنظر المدلل المعقلن ، أحدى السبل الممكنة لإقرار التعلمن عملا واعتماده نظرا؟ هل يمكن ممارسة منطق الاختلاف والنقد والتفكيك بعقل مطمور في هيولى لا عقلانية ، وبذات تأسرها اهواء قاهرة؟ كيف يستقيم نقد النص والحقيقة إذا كان أقصى ما يناله الناظر والمتناظر لا يخرج عن ممكنات لعبة معنى بلا معنى؟ هل يجدر بالفكر المبتدع أن يكثر من البعديات وحديث النهايات؟ هل تأسست العلمانية ،نهجيا ونظريا ، في الفضاءات الطرفية حتى يندفع الخطاب التفكيكي إلى المطالبة بما بعد العلمانية؟ هل تحقق الماقبل للبحث عن إمكان المابعد؟ هذه نماذج من الأسئلة المستشكلة لمتن تقوده الإرادة المفهومية إلى الرغبة في التأويل والتحويل، وتحيله الإرادة التصورية إلى سكونية كيانية غير قابلة للتخطي إطلاقا. إن قتامة التصور هنا تبدد بهجة المفهوم. لا يجدي تكثير المفاهيم،كثيرا في تجميل الوجه العدمي للامعقول اصلي يقتات على اللامعنى. وبما أن الرؤية التفكيكية متطلعة، دوما، إلى المنبسط اللاحب للتجاوز فإنها تقترح قراءة الإشكال من منظور ثنائية الانغلاق والانفتاح. كما تسعى إلى الكشف عن المماثلة العميقة بين اللاهوت والناسوت الحداثي الأنواري. والحال أن خطاب الغِبيات ليس هنا إلا استعارة للخطاب الحداثي المؤسس. فخطاب الغِبيات، إذ يقرأ الحداثة باعتبارها نسقا مغلقا وإطارا نظريا مقفلا،يخالف منطوق ومفهوم النصوص الفكرية والفلسفية المؤسسة للحداثة . ( من هنا أرى أن المسألة تتعدى ثنائية الدين والدنيا ، أو الدولة الدينية والدولة العلمانية . في الحقيقة نحن إزاء رؤيتين : الأولى مغلقة، وهي تقوم على وحدانية الحقيقة وتوارث الحق واحتكار المشروعية وديكتاتورية السلطة وامبريالية الشعارات المقدسة ، أكانت دينية كالإسلام والشريعة والأصالة ، أو علمانية كالعقل والحداثة والتقدم . أما الثانية فإنها رؤية مفتوحة تقوم على نسبية الحقيقة وتاريخية الحق ودنيوية السلطة وتعدد مصادرالمشروعية . ) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.266)

إن إرادة التجاوز، وصياغة مصفوفة من البعديات والغِبيات، لاتجديان في استشكاف جوهر الإشكال أو في اقتراح إبدال ملائم. فمن المحقق أن انفتاح النظر، ونسبيته، من السمات المائزة للحداثة أصلا. أما الحداثة البعدية أو الفائقة فتنكر النسبية من حيث المبدإ، وتعتمد النسبانية أسلوبا ونهجا .كما تنفي الحقيقة لصالح جينيالوجيا قيعانية أو مفاضلة بين تأويلات تديرها قوى منفلتة على الدوام. وفي هذا الإطار، فإن الإشارة إلى تعددية مصادر المشروعية في الفكرية الغِبية تعيد الإشكال إلى نصابه الأول؛ مادام هذا التعدد يتيح للفكريات المفارقة المشاركة بلاهوتها السياسي في بلورة البنية السياسية. وقد أكدت التجربة التاريخية انهمام الفكريات الغِبية بالفكريات اللاهوتية باسم البحث عن روحية سياسية جديدة، أو معانقة زمان سياسي غير منضبط بضوابط التارخية أو بأوامر العقل المطلق الهيجيلي. إن الشاهد يماثل بين الحداثة والأصولية، فيما يجب المماثلة ببين الحداثة الغِبية واللاهوت على التحقيق، ويستعير أوجه الحداثة الأنوارية لتسويغ حداثة تفكيكية مشدودة إلى طزاجة الأساطير المعتقة في زقاق الإنسان الأدنى!. ( ولعل هذا يحمل على التفكير بتجاوز العلمانية إلى ما بعدها أو نحو سواها ، تماما كما نتحدث اليوم عن تجاوز الحداثة نحو حداثة أخرى تمثل ما بعد الحداثة . ولكن أيا يكن الأمر ، فقدر الإنسان أن يواجه مصيره و أن يصنع حقيقته بخلق شروط جديدة للتفكير والعمل ، وذلك بتفكيك كل ما يمارس طغيانه واستلابه ، أو زيفه وتعميته ، من بنى وقوى ومؤسسات وخطابات . وهذه مهمة النقد . ) (-علي حرب – الممنوع والممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى -1995-ص.270).

لا يكتفي الخطاب التفكيكي بالمطالبة بتجاوز الخطابات المغلقة، والاندراج العملي في الخطاب المفتوح، بل يطالب بصياغة خطاب غِبي خاص بإشكالية العلمانية.فكما انتقلنا من الحداثة الكلاسيكية أو الحداثة الأنوارية إلى الحداثة الغِبية أو الحداثة الفائقة ، فإننا ملزمون، من باب التساوق النظري أو التاريخي، بالانتقال من العلمانية المغلقة إلى العلمانية المفتوحة أو إلى ما بعد العلمانية.

وليست هذا العبور ممكنا إلا بفعل إرادة الكائن، وسعيه إلى تجاوز كل معوقات تأنسنه وكل أنواع التعمية والاستلاب .ولعل من غرائب هذه الدعوى استعارتها الصريحة لمفاهيم ومتصورات أنوارية وتاريخية هيجيلية، للتدليل على ضرورة التخطي المفهومي وخلق خطاب علماني بعدي، وكأن الخطاب التفكيكي ينهل من معين نقيضه. إلا أن ما يلفت النظر في هذه الدعوى هو مجافاتها الكلية لمعطيات السياق التاريخي، الموسوم بتصلب المطالب الأصولية وسعي كل الفرقاء المعادين للعقلانية الأنوارية إلى تفتيت المكتسبات التاريخية للعلمانية وللحداثة إجمالا. فكيف ندشن القول في ما بعد العلمانية، علما أن الحداثة تفتقد إلى أي تأسيس عقلاني متماسك في كثير من الثقافات الطرفية؟ أليس غريبا أن ندعو إلى مابعد الحداثة فيما تشن ثقافات ما قبل الحداثة غارات عنيفة علي المكتسبات الحداثية باستعمال احترابي واحتيالي لأدوات الحداثة التقنية والفكرية نفسها؟ ألا تدل عودة المكبوت الديني، وشراسة الثقافات الطرفية في مصارعة المشروع الحضاري الأنواري ، على نسبية النقد المابعد حداثي للحداثة؟ ألم تكشف الغيرية، المحتفى بها في أدبيات ما بعد الحداثة، على انغلاق رؤيوي مزمن، لا يرتوي إلا بالدم؟

إن تطوير المفاهيم والنظريات بغية نظرية من صميم الحداثة؛ فليست الحداثة نسقا مرصوفا لتصنيم المفاهيم ولأقنمة النظريات أو لتوثين المتصورات، بل هي إبدال برسم التطوير والتجديد والقلب إذا توافرت الإمكانات النظرية والتاريخية، لإحداث القطائع والانتقال إلى طور أعلى في درب التأنسن. إن الاشتغال على مكونات الإبدال، تطويرا وتحديثا، مطلب حداثي جوهري؛ إلا أن الاشتغال على الذات لا يجب أن يمنع من تفكيك الخطابات المخالفة المشبعة بمتصورات لا عقلانية ولا إنسانية. إن نقد الحداثة يتساوق مع نقد القدامة أو ما قبل الحداثة. وكل تطلع إلى بناء خطاب غِبي، لا يراعي هذا التساوق، ويوغل في مداراة الغيريات الطرفية، ليس إلا ضربا من الاستلاب الفائق في زمان الحداثة الفائقة!.

فلئن برعت الحداثة الغبية في تفكيك كلانية المركز، فإنها تكشف عن رخاوة وميوعية كبيرتين أثناء معالجة كلانية الأطرا. وكلانية الأطراف هي افراط ثقافي في استعمال العنف وفي تفكيك المفاهيم .ولئن برعت كلانية المركز في الاستعمال التقني للعنف وللهندسة الإجرائية للسياسي، فإن كلانية الأطراف أبانت عن براعة كبرى في تعميم العنف وتحويل الثقافة من اقتصاد في العنف إلى مجال لاستعمال العنف الأقصى، وتحويل السياسي إلى مبارزة للتراشق بالجثث على ايقاع الطقوس والشعائر! فمما لا شك فيه أن العلمانية في حاجة إلى بناء نظري ومفهومي في الفضاءات الطرفية، لا إلى رفع راية بعدية هي المعادل الموضوعي للأصولانية والتقليدانية السائدتين. وهذا ما أشار إليه في قراءة لاخلدونية لكتاب ” نحو مجتمع مفتوح ” لناصيف نصار :

( من هنا ضرورة النقد لكي يكتسب المرء الوعي بالتاريخ، أي لكي يعقل تاريخيته ويحولها إلى خطاب. والدكتور نصار ينطلق من هذا المنطلق في مباحثه ومقالاته يحدوه الأمل في تكوين “وعي بالتاريخ ” أو و”وعي تاريخي “، لدى قارئه. والتاريخية، هي كالديمقراطية والليبرالية والعلمانية، مازالت رهانا عندنا؛ إنها منطقة غير مفكر فيها.) ( علي حرب- قراءة خلدونية في عناوين ” نحو مجتمع جديد ” –دراسات عربية – العدد : 10/11/12-1993-ص.77)

فإحداث النقلة المفهومية، والزحزحة التصورية، رهين بتراكم نظري وتاريخي؛ فالنظريات لا توضع والمفاهيم لا تجترح والمناهج لا تخترع للترف أو للتنفج الفكري، بل لإنارة العتمات النظريات أو لابتداع آليات أو أدوات إجرائية أكثر قدرة على النفاذ إلى عمق الظاهرات أو الواقعات. وعليه، كيف ندعو إلى صياغة خطاب غِبي، عن إشكالية العلمانية، علما أنها لا مفكر فيه كبير في كل الثقافات الطرفية، خصوصا الثقافات الممانعة منها؟ كيف تستقيم ارادوية الخطاب مع تقريرية الرؤية في الخطاب التفكيكي؟

فالإرادة مشدودة إلى التجاوز والى النأي عن الخطابات المغلقة سواء أكانت لاهوتية أم ناسوتية؛ أما الرؤية فتصرعلى حتمانية الديني واستحالة حتى الفصل التقني أو الوظيفي بين الديني والسياسي.

( فلا مجال، إذن، لرفض الديني، فهو زمن من أزمنة الإنسان. وكل زمن منفي، يعود على أساس ما يكون العود وأرهبه. ولهذا، فالمطلوب ليس الإنكار والاستبعاد والتجاهل. بل المطلوب الإقرار بتعدد مصادر المشروعية وتمايز السلطات من مادية ورمزية، مع الإقرار في الوقت نفسه بداخل المجالين السياسي والقدسي، وانفتاح كل منهما على الآخر، أو استثماره له، بدلا من نفيه وإقصائه أو حجبه وطمسه. فلا سلطة واحدة في المجتمع، بل سلطة واحدة في المجتمع، بل سلطات كثيرة تنفصل وتتصل، وتتقاطع وتتشابك.) (- علي حرب – النص والحقيقة –نقد الحقيقة –المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- المغرب –الطبعة الأولى – 1993-ص.71)

فالخطاب التفكيكي، بتسليمه بحتمانية الديني، ينفي جوهريا إمكان التجاوز وبلورة فكرية غبية فيما وراء الأصولية والعلمانية. والحقيقة أن ما يتكرر لا يستدعي بالضرورة اعتماد الحتمانية مرجعا للنظر؛ فلم تقم الحداثة إلا بالتدليل المعرفي الإبستمولوجي والتاريخي السياسي على إمكان تفكيك حتمانية الديني، وإمكان خلخلة جبروت الخطاب اللاهوتي .فما تؤبده الملاحظة ليس إلا متوالية من الواقعات الفكرية والتاريخية القابلة للتنسيب والتفكيك والتجاوز. وهكذا، يندرج الخطاب التفكيكي لعلي حرب، في أطر الخطاب المغلق على التدقيق، مادام يسرمد اللامعقول ويجوهر الديني فيما تؤكد الحداثة على النسبية المعرفية والأخلاقية والاجتماعية للفعالية القدسية وللظاهرة الدينية عموما.

كما تصطدم إرادة الخطاب، بجوهرياته المؤقنمة، المنتقلة من التسامي إلى التدني، من صناعة الإنسان المبدع للمفاهيم والحقول المفهومية، إلى الوقوف على أعتاب التقوى وعلى الرسم التخطيطي للإنسان الأدنى. تكتفي التفكيكية الطرفية بالإنسان الأدنى فيما نظرت الجينيالوجيا النيتشوية للإنسان الأعلى. والمسافة بين الأعلى والأدنى لا تقطع إلا إذا تأججت أوهام السوق وأوهام الكهف البيكونية عند مداور الاستراتيجية التفكيكية. فكلما اصطدم الخطاب بصلادة الواقع نفى الموضوعية ظاهرا، وانتظم في سلكها باطنا، وانخرط في بلاغة متضخمة وفي تكثير وتهويل المفاهيم. وكأن البلاغة المفهومية، قابلة لوحدها، للاستجابة الفاعلة أو المجدية لتحديات الواقع المركب والمعقد. ( لم يعد يجدي، في مواجهة البربرية الداهمة من حيث لا نحتسب، الاستنجاد بالمثالات الإنسانية الهشة كما ينتظر عجزة الأنسنة ومتخلفو العلمانية. الأجدى هو أن نمارس التقى الفكري والتواضع الخلقي لكي نعترف بأننا أقل شأنا مما ندعي بكثير، بحيث نعمل على التحرر أو التخفيف من تبجحاتنا الإنسانوية وادعاءاتنا المثالية أو غطرستنا الحضارية. لعل ذلك يفتح الإمكان أمامنا، لكي نقبل بعضنا البعض، ولكي نرعى الطبيعة وكائناتها، هذا ما يتيحه مفهوم ” الإنسان الأدنى ” ). (- علي حرب – هكذا أقرأ ما بعد التفكيك – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2005-ص. 280)

ينتهي الخطاب التفكيكي هنا إلى نقض الأنسنة والحداثة والعلمانية، بدعوى عجزها المزمن عن تفكيك البربرية المتأصلة في الإنسان. ورغم الرهافة البلاغية للخطاب فإنه ليس إلا استعادة للنواة الصلبة للفكرية العرفانية الصوفية. إلا أن هذه الاستعارة إشكالية على أكثر من صعيد؛ بالنظر إلى ارتهانها إلى خطاب متقشف رؤية ومقصدا، متشكك في الإمكان الانطولوجيا الإنساني، مرتكن إلى بلاغة الدوني بعد طول التمرس بليل المعنى ومآزق العالم. إن الانتقال من العقل التداولي والمجتمع التداولي إلى ميثاق التقى ومقولة الإنسان الأدنى، غرار بارز على تفكيك لا ينال أسس خطاب الآخر فقط، بل ينتهي إلى بقضم أطرافه الخاصة، في سياق تضخم تقويضي غير متقشف إطلاقا!

أليس ما بعد العلمانية علمانية الإنسان الأدنى، المروض في أقبية التسفل والتدني؟ أليس ما بعد العلمانية علمانية دنيا، موضوعة، خصيصا، لإنسان يكتفي بتقديم استقالته الثقافية والحضارية ويركن إلى همود ايكولوجي قاتل؟

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий