Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > البحث العلمي من المنظور الاجتماعي بقلم: معاذ قنبر

البحث العلمي من المنظور الاجتماعي بقلم: معاذ قنبر

 لسبت 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012

كما أنّ المجتمع هو أكبر من مجموع أفراده، فإنّ نتاج الاكتشاف العلمي، غالباً ما يكون أكبر من مبدعه تأثيراً وتأثّراً في المجتمع. من هذا المنطلق تتّضح أهميّة الدّراسة الاجتماعيّة للبحث العلمي، فالباحث العلمي في النّهاية، لا ينفصل عن بنيته الاجتماعيّة، في الفكر السّائد، أو المنهج، أو الآليات، وقدرته في تجاوزها، لا تكون في المحصلة إلا نتيجة منطقيّة لتلك الآليات وتطوّرها.

دور العلم اجتماعياً :

  رغم أنّ المجتمع أكبر من أفراده، إلا أنّه في النّهاية لا ينفصل عن أفراده، لذلك فإنّ التّركيز على كلمة مجتمع فقط تجعلنا ننظر إليه باعتباره فوق الإنسان، ونهدر بذلك الفعالية الإنسانية. وعلم الاجتماع، لا يدرس المجتمع ككل في ثباته وتغيّره، وحسب، بل يدرس الإنسان، من خلال علاقته بالمجتمع. لذلك فإنّ علم الاجتماع، وفق هذا المنحى، يمكن أن يكون علماً إنسانياً، كما يمكن أن يكون ضدّ الإنسان، يمكن أن يسهم في حلّ المشكلات، وزيادة الإنتاج، وتنمية الواقعيّة، ويمكن أن يكرّس التخلف، وحبّ الرّكون، والقلق، وخدمة الأقليّة. لذلك فإنّ للمجتمع ودراسته، جوانب إنسانيّة لا يمكن تجاهلها.

  لذلك فإنّ العلم بالمحصلة، لا يمكن له أن ينفصل عن بنيته الاجتماعيّة، حيث لا يوجد مقولة “العلم للعلم” إلا كتصور أيديولوجي، يرتبط بالنّظام الاقتصادي الرّأسمالي، في حين أن النشاط العلمي تحدده موضوعياً غايات عملية، يجب أن ننظر إليها من وجهة نظر التطور الاجتماعي.[1] إذ تستخدم سيرورات إنتاج المعارف آليات اجتماعيّة، وهكذا يفترض ابتكار نظرية في الرياضيات، أو الفيزياء وتقييمها، وجود وسط اجتماعي ملائم يشجع كما يفترض، نظرية سياسية، أو تجديد تقني، أو فكري ملائم لاستقبالها، وبذلك نحن نتكلم بشكل طبيعي عن دور علم اجتماع المعرفة، الذي نعني به ذلك الجزء من علم الاجتماع الذي يكمن هدفه في دراسة الشروط الاجتماعية، التي تشجّع إنتاج المعرفة، ونشر الأفكار.[2]

  والطبيعة الاجتماعية للعلم ظهرت منذ ظهور العلم، إذ كان ينظر في الماضي، إلى تكنولوجيا الحرفيين، وعمال التعدين، نظرة احتقار، باعتبار أن تلك التكنولوجيا، لا ترقى إلى مستوى الرياضيات، والفلك، والطب، والموسيقى، التي كانت تسمى بالعلوم النبيلة، مما يوضح الطبيعة الطبقية للعلم، وقد استمر هذا الوضع حتى العصور الوسطى، وكان على سائر العلوم الأخرى، كالكيمياء، التي كنت تسمّى الفنّ الأسود، أن تناضل في سبيل اعتراف المجتمع بها.[3]

  وبالتّالي لا يمكننا تعيين العلم سيسيولوجيا، باعتباره مجموعة من المعارف، ولا حتى بكونه مجموع تقنيات، وممارسات بحثيّة، وإنّما أولاً، باعتباره مؤسّسة، تقوم على مجموع قيم، ومعايير، يلونها نوع من الانفعالات الوجدانيّة، التي من المفترض أنّها تمارس، تأثيراً إكراهياً على رجل العلم، هذه المعايير يُعبّر عنها، على شكل وصفات، وتحريمات، وأفضليات، وإباحات، وهي “مشرعنة”، باعتبار أنّها قيم مؤسسيّة، وهذه الأوامر والنّواهي، المنتقلة عبر الإرشاد، والوصيّة، والمثال، والمعززة عبر لعبة الجزاءات، يستنبطها رجل العلم بدرجات متفاوتة.[4]

 فالعلم إذاً: ليس ظاهرة منعزلة، تنمو بقدراتها الذاتيّة، وتسير بقوّة دفعها الخاصّة، وتخضع لمنطقها الداخلي البحت، بل إنّ تفاعل العلم مع المجتمع، حقيقة لا ينكرها أحد،[5] والكشف العلمي، لم يكن بمعظمه إلا تلاقي بين حاجات اجتماعيّة تعاني أزمة، وفكر إبداعي يبحث عن حلول لمشكلات مستجدة. بل يمكن اعتبار العلم غاية المجتمع عندما يتجلّى كوسيلة، فلو فرضنا أنّ أهداف المجتمع مختلفة عمّا هي عليه، لاختلف وضع العلم. ومنذ التّحالف التام بين العلم والمعرفة، ومواطنو المجتمعات الحديثة لا يفهمون لغة أخرى.[6] لذا لا يمكن الشك، بأن ثمة مكوناً اجتماعياً في العلم، فالعلماء يتحدثون بعضهم مع بعض، وتتطور أفكارهم وسط سياق اجتماعي، زد على ذلك، أن العلم قابع في بطن الثقافة الأوسع نطاقاً، ومُشارك في المفاهيم المسبقة، وأنماط الفكر السائدة، فاسحق نيوتن – ضمن الإطار الثقافي الاجتماعي الذي كان يوجد في عصره – لم يكن بوسعه أن يتصور مبادئ النسبية، مهما بلغت درجة عبقريته. علاوة على ذلك فإن العمليات الاجتماعية والسياسية، يمكن أن تؤدي إلى تسريع أو إبطاء تقدم مجال معين من مجالات العلم.[7] إذ يقول بودون: “إنّه إذا كان الإحساس بالتّقدم يسمح بتحديد العلم”، وإذا كان هذا الإحساس هو نتاج اتّفاق بين أعضاء الجماعة نفسها، فالخلاصة إذاً هي أن العلم نشاط اتّفاقي اصطلاحي.[8]

 من هنا نرى أن فكرة وجود علم لا يهدف خدمة المجتمع – إذ يصبح الباحث حبيساً لحب الاطلاع من برجه العاجي – تعود لعصر لم يكن للعلم فيه أي سلطة على الطبيعة، ومن سخرية التّاريخ، إنّ هؤلاء الذين لا يعترفون للعلم بأيّ وظيفة اجتماعيّة، لا يرون أنّ العلم الذي يتحدّثون عنه، ليس هو العلم الذي يعرفونه، أو يمارسونه اليوم ذلك أنّ العلم الحديث، الذي فرض نفسه منذ غاليليو، قام ليناهض فكرة العلم الذي ينفصل عن الواقع، أو يفصل النظريّة عن الواقع.[9] والباحثون العلمانيون اليوم هم المقتنعون بالأثر الاجتماعي لأبحاثهم، فقد ولّى الزّمان الذي كان فيه العديد من العلماء، يعكفون في برجهم العاجي على إله واحد، هو المعرفة المحضة، وينكرون أي مسؤولية عن استغلال كشوفهم، إنّ ثورة العلم في زماننا لعميقة، فالباحث يسبق المجتمع في تحليل النّتائج الصّادرة عن أعماله، المقلقة منها والنّافعة، وهو يضطلع بمسؤوليّة لم تكن من قبل معهودة، ويهتمّ بما لم يكن بالأمس من شأنه، ويشعر أنّه مشترك في أخلاقيات التقدّم، إنّ لم نقل في سياسته.[10] وأهل العلم يقبلون معايير العلم، لأنهم يعون أن هذه المعايير ضروريّة لاشتغال نسق التّبادل العلمي بصورة سليمة، لأنّ كل عالم، ومنذ لحظة رغبته في أن يكون مبدعاً، يتمنى حفظ بنية اجتماعيّة يمكن لجهوده أن تكون فيها مثمرة ومقدرة تقديراً شريفاً من أقرانه، إنّ له مصلحة شخصيّة في وجود هذه المعايير نفسها.[11]

 وكما يؤثّر المستوى الاجتماعي في المنجزات، التي قد تؤدّي إلى الثّورة العلميّة، فإنّ العكس قد يكون صحيحاً أيضاً، وجدير بالذّكر، إنّ فكرة الكون الذي يعمل كالسّاعة، التي عبّر عنها ديكارت، ثم نيوتن، كان لها الأثر العميق في ثقافة القرنين السّابع والثّامن عشر، ويتجلى ذلك بوضوح في الفنّ والأدب والموسيقى، وقد وصل الأمر ببعض الباحثين، إلى حدّ التأكيد أن واضعي الإطار العام للدستور الأميركي، تأثّروا بذلك التصور على نحو عميق، بمعنى أنّهم شعروا بأنهم يكتشفون القوانين الحاكمة للمجتمع البشري تماماً مثلما اكتشف نيوتن القوانين الحاكمة للمجوعة الشمسيّة.[12] ولا شك أن حركة التنوير التي شهدها القرن الثّامن عشر، قد استمدت إلهامها من نظريّة نيوتن، في المعرفة والهدف منها، فإذا كان الكون بنية تعمل وفقاً لمبادئ منطقيّة، إذاً فمن الممكن إدراكها بالعقل، وحيث أن البشر لديهم القدرة على تطوير واستخدام قدراتهم العقليّة، فلا بد في النّهاية، أن يكون كلّ هذا الكون قابلاً للتّفسير، لذلك ظل التّعليم دائماً، هو الهدف الأساسي للمجتمع الإنساني، كما ظلت جميع البحوث العلمية، التي كانت تجري خلال هذه الفترة، قائمة على أساس الإيمان بمطلقات الكون، الذي وصفه نيوتن، وكان هدف العلم، قياس وملاحظة الطبيعة، على نحو ما تتبدى لنا، في إطار هذه المطلقات.[13] 

  ومن الصّعب على الجمهور، أن يدرك الضّغوط المتواصلة والمتقلبة، في نفس الوقت، التي تولدت عبر التاريخ، بفضل البحث العلمي، وتسببت في تعديل الطريقة التي يعيش بها الإنسان حياته، وتنويع الاختيارات المتاحة أمامه، وإعادة توجيه فهمه للكون، غير أن السّمة المميزة للأزمنة الحديثة، هي أن البحث العلمي مؤتلف مع التكنولوجيا، وقد أديا بلا شك، إلى تنوع هائل في المنتجات، وإلى تغيرات هامة، في كل من أساليب الإنتاج، وإعادة الاستهلاك، في حين أن فهم الإنسان للكون، لذاته، ولعلاقاته برفاقه من بني البشر، قد شهدت دفعات من التقدم لم يسبق لها مثيل، وأهم من ذلك كله، هو الوعي المتزايد بأن العلم والتكنولوجيا يقدّمان إضافات واضحة للإرادة الاجتماعيّة، والسياسيّة، للمجتمعات المختلفة، للتحكّم في أقدارها، ويوفران لها الوسائل والقوة اللازمتين لتحقيق ذلك، وعلاوة على ذلك، يمدّ العلم والتّكنولوجيا، المجتمعات باختيارات واسعة التنوّع، لما يمكن أن يكون عليه مصير البشريّة.[14] وقبل الانفجار العلمي في القرن التّاسع عشر، بقي العلم مدة طويلة، وصفيّاً تأمليّاً، إذ كان الفيزيائي يصف الذرّة، لكنّه لم يستخدمها قط، وكان الكيميائي يحلل الجزيئات العضويّة، إلا أنّه قلما كان يصنع جزيئات عضويّة جديدة، وجدّ البيولوجي والطبيب، في وصف بعض الآليات الأوليّة للحياة والموت، بيد أنّهما كانا غير قادرين على تعديل ما يُعاينان من الظواهر، لقد كان التّأثير الإنساني محدودا جداً، بحيث لم يكن قط خطراً محتملاً قد يقلب النّظام الطّبيعي، ولم يكن على العالم، بسبب افتقاره إلى الوسائل سوى مسؤوليات على قده، أمّا اليوم، فقد نجمت فجأة حالة تقتضي علاجاً سريعاً، إذ لا يستطيع الاستمرار بالقيام بدور البشر الآلهة، من غير أن نحدد بدقّة، مقاصد مشاريعنا، لماذا نناضل؟ ما هي التّغيرات التي نود تحقيقها؟ أي عالم نريد أن نوجد؟ أسئلة كانت حتى الأمس القريب نظرية، وأصبحت الآن واقعية وملحة.[15]

  دور علم الاجتماع في العلم :

  إنّ الحديث عن الأثر الاجتماعي في العلم، نجده بداية، بشكل باهت، عن كونت، في قانونه الشهير عن الحالات الثلاث، حيث أعلن أن الفكر الإنساني محكوم عليه أن يمر بثلاثة أطوار، اللاهوتي – الميتافيزيقي – الوضعي، وعلى الرغم من الجانب الموجز لهذا القانون، فإن له مزية مفادها، أنه يلفت النظر إلى السمة الوحيدة للثقافة الحديثة، إذ يرى في انتشار الفكر العلمي مركز هذه الثقافة، حيث يقترح أن نمو الفكر الإنساني يرجع لنزعات داخليّة المنشأ.[16] وقد شهدت سيسيولوجيا العلوم، ثورة مفاهيمية في مطلع السّبعينات من القرن الماضي، حين أحلّت محل (دراسة العلم بوصفه مؤسسة) فكرة البعد المعرفي للعلم، من حيث محتويات المعرفة، وآثاره الاجتماعيّة.

 أمّا الجذور الأولى لعلم اجتماع العلوم، نجدها في الصياغة التي قدمها “روبرت مرتون” ضمنيّاً عام 1938، ثمّ جهر بها علناً سنة 1942 بكتابه “البنية المعماريّة للعلوم”. إذ تحدّث مرتون على ضرورة فهم العلم، باعتباره نشاطاً اجتماعياً، يستند إلى جملة معايير مخصوصة تؤسّسها، باعتبارها نسقاً متفرقاً مستقلاً، في صلب المجتمع.[17] وهو يؤكّد على أنّ المصالح، والدوافع، والسلوكيات الاجتماعيّة، القائمة في حقل مؤسّس ما – الدّين أو الاقتصاد مثلاً – تقيم علاقة ترابط ( اتّكال متبادل ) مع المصالح، والدّوافع، والسلوكيّات الاجتماعيّة، القائمة في حقوق مؤسسيّة أخرى – حقل العلم على وجه الخصوص – ويمتلك الفرد الواحد نفسه، أدواراً عدّة، ومكانات اجتماعيّة علميّة – دينيّة – اقتصاديّة – سياسيّة، إذ تساهم هذه الرّوابط الأساسيّة الملازمة لكل بنية اجتماعيّة، في توليد علاقات بين حقول مؤسّسة متمايزة، فمثلاً: انتشار المذهب الدّيني “الطهري” السّائد في المجتمع الإنكليزي في القرن17، يحفز على نحو جماعي الاهتمام بالمنهج العقلاني والامبيريقي، الذي يتطلّب الاستقصاء العلمي، فالطهرانيّة بذاتها لا تقيم العلم، وإنما تساهم في زيادة وتيرة تطوره بصورة مذهلة.[18] وقد تساءل مرتون: ما هي طبيعة العلاقة التي تقوم بين التطور الاجتماعي – الاقتصادي، وتطور العلوم؟ إذ يؤكد أن هذه العلاقة مزدوجة، فهي في آن معاً مباشرة، وغير مباشرة، هي مباشرة، من حيث أن بعض الأبحاث العلمية، تُخاض علانية بهدف حل مسألة علمية، وغير مباشرة من حيث أن بعض المواضيع، وبسبب من أهميتها التكنولوجية، تكتسب ظهوراً اجتماعياً، إلى حدّ أنه يصبح لها حظوظاً أكثر من غيرها في أن يختارها العلماء، وذلك على الرغم من أن هؤلاء يجهلون معناها العلمي.[19] ويتحدث مرتون، عن ثورة كوبرنيكية حقيقيّة في علم اجتماع المعرفة، أحدثتها الفرضيّة القائلة أنّه ليس فقط الخطأ، أو الوهم، أو المعتقد، الذي ليس له من أساس، وإنّما حتّى اكتشافات الحقيقة أيضاً، هي كلها مشروطة بالمجتمع والتّاريخ.[20] 

 أمّا عالم الاجتماع بارنز، فيؤكّد على أنّ المعارف العلميّة، هي شكل معرفي، من بين أشكال أخرى، ومهمّة عالم اجتماع المعرفة العلميّة، تقوم على أن يُظهر طريقة عمل العلماء، حين يعتبرون هذه أو تلك من المعارف، صحيحة أم خاطئة، وذلك من دون إدخال عنصر الحكم حول قيمتها الباطنة المنطقيّة (المستمدّة من طبيعتها الأصليّة).[21] أما سوروكين فيرى، أنّه حتّى بالنسبة إلى المسائل التي يفترض أنها محض علميّة، فإن تطور النظريّات يبدو مشروطاً أيضاً بطبيعة نمط الثقافة المسيطر، ونسق الحقيقة الخاص به.

 ومن جهة أخرى يوحي دوركهايم أنّ علم الاجتماع، يمكنه أن يسهم، في شرح بعض المفاهيم أو الأفكار العلميّة في العلوم، فثمة أعمال كثيرة، بينت بالفعل أن كثيراً من المفاهيم، أو الأفكار العلمية، كانت ذات أصل فوق علمي، متحدثاً عن تأثير الميتافيزيقا، في تصوّر الفيزياء النيوتونية، كما أنّ اقتراح عقيدة التجسيد كانت قد سهلت، إلى حدّ ما، ظهور مركزيّة الشمس بالنّسبة إلى الكواكب.[22]

 كذلك يتحدّث فيلسوف العلم – توماس كون – عن النّموذج الإرشادي ( الباراديغم )، باعتباره يشكّل ما يمتلكه عناصر جماعة علميّة من أمر مشترك، والعكس بالعكس، فإن الجماعة العلمية تتشكل من أفراد، أو زمر من الأفراد، يحيلون أنفسهم إلى مرجعية النموذج نفسه، فالنموذج الإرشادي، يشكل أطر المرجعية، التي ترتبط طبيعتها التقنية، والمعرفية بشكل وثيق بالموضوع الذي تطبق عليه، كعلم الفلك عند بطليموس، أو كوبرنيكوس، والديناميكا عند أرسطو، أو نيوتن.[23] ومع ازدياد الشذوذات، التي يعجز النموذج التقليدي على حلها، لا بد أن يفسح ذلك المجال، لتشكل نموذج إرشادي جديد، ويشكل تغيير النموذج، المرحلة الأكثر أهمية في تطور الممارسة العلمية، وهو يقوم على إحلال حقل معرفي محل آخر، وبقوة، ويقوم العلماء، وقد صار دليلهم نموذجا إرشاديا جديدا، ببلورة تقنيات جديدة، وأدوات جديدة للقياس، ونظريات جديدة، وبالنّتيجة، رؤية جديدة للعالم، وخلال مراحل الثّورات، يرى العلماء أشياء جديدة، ومختلفة، في الوقت الذي ينظرون فيه من خلال أدواتهم المألوفة، وفي الأماكن التي سبق لهم أن فحصوها. إنّ تغييرات النّماذج الإرشاديّة، تجعل العلماء يرون مجال أبحاثهم بعين جديدة، وحين تتغير تقاليد العلم العادي، فإنّ رجل العلم عليه أن يعيد تعلّم رؤية العالم من حوله، وفي بعض الحالات المألوفة، فإنّ عليه أن يتعلّم التباس رؤية أشكال جديدة.[24] 

 من تلك الآراء، نستنتج أن ثمّة علاقة طرديّة، بين تغيّر نظرة النّاس الاجتماعيّة، والتعديلات التي تطرأ على نظرتهم إلى الطبيعة بأسرها، فعلى سبيل المثال: عندما تهافتت فكرة الإمبراطوريّة المقدسة، وهي التي كان يُظن أنّها أرفع شأناً من كافة المجتمعات البشريّة، وحلت محلّها فكرة اللامركزيّة، حيث كافّة المجتمعات تخضع لعوامل النمو والازدهار، مثلما تخضع لعوامل الضعف والانحسار، تهافتت كذلك فكرة الجمود في الطبيعة، فكما أخذت فكرة الدينامية واللامركزية، التي تكتنف مجتمعات الأرض جميعاً، طابعاً اجتماعياً، كذلك أيضاً أخذت فكرة الدينامية واللامركزية في مسيرة الأحداث في الكون كله، تستقر في بنية الأبحاث العلميّة.[25] 

 ورغم العوامل الشخصيّة الخاصّة بالعالم والمبدع، كالرّغبة بالمعرفة، وإثبات الذّات، ولذة المغامرة، فإنّ بذرة العلم – بصفة عامة – لا تنبت، ولا تنمو، إلا في أرض اجتماعية اقتصادية ملائمة، وفي هذا الصدد يبرز عاملان هامان أعطيا لأوروبا قصب السّبق في التقدّم العلمي والتّكنولوجي على ما عداها من القارات، الأوّل هو عامل إيجابي، يتمثل في وجود سوق اقتصاديّة نامية، تستحث وتحفز البحث وتوفّر في الوقت نفسه فرص التّطوير والتّطبيق. والثّاني هو عامل سلبي، يتمثل في عدم وجود عقبات تقليديّة كالتي وضعها الجمود والتعصّب في الهند، وإسلام العصور الوسطى، وبيروقراطيّة الصّين.[26]

 ولتوضيح تلك الفكرة، نجد كيف لعبت النّظرة الاجتماعيّة في الحضارة الإغريقيّة، دوراً بارزاً في فرز التّفكير العلمي، إلى فكر نظري يمثله الأسياد، وعملي يستخدمه العبيد، إذ نجد أن براعة اليونان النظريّة الكبرى، لم يرافقها تطوّر ملموس على الصّعيد التطبيقي التقني، حيث الفصل الصّريح بين عالم علوي مثالي، وعالم مادي سفلي وضيع . لذلك فإنّ تأثير معرفة اليونان كان مرتبطاً بالمظاهر المجرّدة ، أكثر من ارتباطه بالحقائق العمليّة للحياة، فجمال المعابد والتماثيل، ودقّة المنطق والرّياضيات والفلسفة، تخفي عنا، أن أسلوب الحياة في معظم شعوب تلك الحضارة، كان مماثلاً إلى حد بعيد لما كان عليه قبل ألفي عام، عند انهيار الحضارة البرونزية، لدى المصريين والبابليين.[27] فعلم اليونان الذي غير العقل، احتاج لفترة طويلة جداً لكي يغير العالم، ونمو الرياضيات الملحوظ في ذلك الفكر، لم يرافقه تطبيق فعلي، على عالم الطبيعة، إذ عانت العلوم الطبيعية من الإهمال، واتسمت نظرة الفكر اليوناني للعالم الطبيعي، بالتخلّف الشّديد، وأدّى عدم تطبيق الرّياضيات ذات الصيغة الكميّة، إلى سيادة النّظرة الكيفيّة إلى العالم المادي.[28] فكان العلم الإغريقي، جزءاً من الفلسفة الإغريقيّة، يصعب فصله عنها، وخضع هو أيضاً للجدل “الديالكتيك”، إذ كان يمثل بعض مظاهر الدّيمقراطيّة السّائدة، في وقت كانت فيه النزاعات المدنية، والتجارية، تُنظر فيه أمام قاضٍ منتخب، وكان كل مدعٍ أو مدعى عليه، يدافع عن حقه بنفسه، وكان للكلمات قوة سياسية، قانونية، واقتصادية أيضاً، ولكن كان لها جوانبها السلبية المعوقة للعلم، فقد أبعدت الإغريق عن الاهتمام الجدي بتكنولوجيا العمل اليدوي وتطويرها، لذلك بقي العلم الإغريقي، نظرياًّ مجرّداً، أو منطقيّاً صرفاً، بعيداً عن التطبيق التكنولوجي.[29] وعلى سبيل المثال: فإن أرخميدس، الذي كان قد صنع بعض الأدوات، التي تسير بطريقة أوتوماتيكيّة، كان يعاملها على أنّها لعب يلهو بها الإنسان، بل كان يخجل من الإشارة إليها في أبحاثه، لأنّ ظروف المجتمع في عصره، لم تكن تتطلب وجود آلات.[30]

 و ليس صحيحاً ما يقال: أن الكنيسة قد حفظت تراث العلم، فالذي حفظ تراث العلم في أوروبا والشّرق، وفي كل مكان وزمان، هو التكنولوجيا، التي التصقت دائماً بالواقع والاحتياجات الماديّة للإنسان، وتصدت لحل المشكلات العمليّة في الحياة، وغالباً ما نرى أن كلّ تحقيق تكنولوجي ( اكتشاف أو اختراع ) يتبعه انفتاح اجتماعي، فثورة علميّة جديدة. فالتقدّم التكنولوجي دفع سفن التجارة إلى عرض البحار، فخلفت التّجارة أسواقاً، وضاعفت الثروة، التي فجرّت بدورها ثورة في العلم والتّكنولوجيا. ومنذ عصر النّهضة، أصبحت العلوم الطبيعيّة جزءًا لا يتجزّأ من القوى الإنتاجية في المجتمع، بل أصبحت المكتشفات العلمية لأول مرة أهم من الأحداث السياسية والاقتصادية.[31]

ففي عصر النهضة، الذي بدأ من مدن ايطاليا، تراجع الدّين ليصبح أمراً شخصياً، وكان يقال أن الإنسان الفرد ضعيف بذاته، والكمال لا يتحقق إلا من خلال المجتمع، فالدولة هي التي تضفي على المواطن صفة النبل، والحياة العامة هي التي تقدم الفرص الجذّابة، لتحقيق السعادة والفضيلة، التي لا يستطيع أن يحققها، من يفضل أن يعيش حياة انفراديّة منعزلة، إذ أخذ المواطنون يقدسون قيم العمل والثروة، وأصبحت القيم الحديثة الجديدة، هي التي تمنح الاعتراف بالتّاجر الناجح، أو الباحث العلمي الجاد.[32] كما كان لاختراع الطباعة، الأثر الأعظم في تاريخ الفكر البشري، منذ ظهور الثورة الزراعية، وقد كان الإسهام الرئيسي لوسائل البشر بالنسبة للمعرفة، يتمثل في إعادة طبع وتوزيع النصوص المطبوعة بصورة دقيقة، وبعد أن أصبحت الكتب يؤلفها كتّاب معروفون، لذا حرص كل منهم على أن يقدم أفضل ما عنده، ناهيك عن أن النص، قد يطلع عليه قراء يعرفون عن موضوع الكتاب، أكثر مما يعرف المؤلف نفسه، زيادة على هذا، أصبح بإمكان كل كاتب، أن يعتمد على انجازات من هو سابق عليه في موضوع تخصصه، واستفاد طلاب العلم بذلك، حيث بطل الرجوع في كل مرة إلى المبادئ الأولى للموضوع الذي يدرسونه، بعد أن تقدمت الأفكار وتكاثرت.[33] ولأول مرة أصبح العلم تراكمياً. ومع ذلك فإن العلم الأوروبي، بقي حتى القرن السابع عشر، يحتفظ بآثار قديمة في تفسير العالم، كما ظل كبار علماء العصر الحديث، متأثرين بذلك التيار، فكبلر كان يمارس التنجيم، ولم يجد كثير من علماء ذلك العصر أي تعارض بين أبحاثهم الفلكيّة، وقراءة الطالع للملوك والأمراء من خلال رصد النّجوم. [34]

 إذ يقول فيرآبند: إنّه حتّى جاليليو العظيم، لم يكن يعمل بطريقة علمية، ولم يكن ليستطيع أن يحقق اكتشافاته، لو أنه اتبع الأسلوب العلمي، بل إنه حقق تقدماً، بانتهاكه لما يعتبره بعض العلماء، والعديد من الفلاسفة، قواعد بالغة الأهمية للمنهج العلمي، وأن مثل هذا السلوك لم يجعل من جاليليو عالماً سيئاً، لأن ممارسة العلم كانت، وما زالت، مختلفة تماماً عما قاله عنها كل العلمانيين وفلاسفة العلم، وهذا يدل فقط على أن كون الشخص علمياً لا يعني بالضرورة أنه عالم صالح.[35]

 والعلم الحديث لم يتكون في الجامعات، بل على الأعم الأغلب لم ينشأ إلا بمعارضتها، فتطور الأعمال التجارية في إيطاليا في عصر النهضة، ساعد على تطور الفنون، وعمل على إعادة تقييم المهن، التي كانت تعتبر حتى ذلك الوقت مشينة، حيث لم يقتصر الانتماء إلى الحياة الفكريّة على البورجوازيين النّظريين فقط، بل شمل أيضاً فنّيين أتاحت لهم كفاءتهم، وتنوّع معارفهم، منافسة الجامعة، إذ انعقدت علاقة وثيقة بين الصّانع والعالم، تلك العلاقة التي دحضت مبدأ أرسطو، الذي يميّز بين العلم باعتباره تأمّلاً في الحقائق السرمديّة، والفنون باعتبارها معالجة الظواهر معالجة تجريبيّة، إذ خرجت الفيزياء من نطاق الميتافيزيقا إلى نطاق الخدمة المباشرة للإنسان، فبدأت الاكتشافات والانجازات العلميّة الكبرى بعيداً عن كواليس الجامعات التي كانت حبيسة تأمّلات أرسطو وأفكاره.[36] لكن بالمقابل كان للجامعات الأوروبيّة دوراً لا يمكن إنكاره في تحفيز الفكر العلمي البعيد عن المنافع العملية المباشرة، على اعتبارها – أي الجامعات – أجساماً مستقلة في تطوّر اجتماعيّة العلم، فقد تحوّل الأستاذ – المعلم والتلميذ – المتمرّن إلى جسم جماعي، لم يكن التلميذ الأوروبي في القرن الثالث عشر يذهب ليدرس مع أستاذ مخصوص، وإنّما في جامعة مخصوصة، وكانت الجامعة تضم آلافاً عدة من التلاميذ، ومئات من الأساتذة، يعيشون ضمن جامعة مخصوصة، وإطار جماعة فكريّة، لا بأس بإمكاناتها وامتيازاتها ومواردها، وكانت هذه الجامعة الفكرية، تتمتع باستقلال، لا سيما إيطاليا عصر النهضة. فصار العالم يفرض نفسه اجتماعياً، باعتباره شخص يدرس الطبيعة، بدلاً من دراسة دروب الله أو البشر، وهو يستخدم لهذا الغرض أدوات رياضية، ومقاسات وتجارب، بدلاً من استخدام تأويل النصوص التراثيّة، وهو شخص يعتبر مساوياً في القيمة والكرامة للفيلسوف السّكولائي واللاهوتي والأديب. [37]

 معوّقات العلم اجتماعيّا:

 إنّ تاريخ المواجهة بين المكتشفين والمجتمع تاريخ قديم، فقد اكتشف كولومبس أميركا، وصفد بالأغلال، وغير غاليليو صورة العالم، وحكم عليه بالسّجن، أمّا لافوازييه، أبو الكيمياء الحديثة، فضربت عنقه، إذ ارتاب المجتمع دائماً من العلماء، الذين يقلقون التّقاليد القديمة، لذلك قال الطاوي تشوانغ تسو قبل الميلاد بثلاثة قرون: بأن حب العلم، هو الذي أشاع الاضطراب والبلبلة في العالم، ذلك أن العلم، يعطي الإنسان منذ الآن، قدرات لم يسبق لها مثيل. كما قال بيكون بأنّ كلّ معرفة قدرة، وهذه القدرة، هي التي تخشاها الجماهير خشية غريزية غامضة.[38] إن حظر الآراء العلمية، أو التضييق عليها، أمور قد حدثت في الماضي بكل تأكيد، وكمثال، يمكن أن نتذكر أن وليم هارفي، بعد أن قدم عرضه الإيضاحي للدورة الدموية سنة 1616، وصف استقبال النّاس لأطروحته قائلاً” إني أرتعد خشية أن تصبح عامة الجنس البشري أعداء لي، ذلك لأنّ العادات والأمور المسلم بها، من القوّة بحيث تغدو وكأنّها طبيعة أخرى، وبمجرّد أن مذهباً، أو مبدأ قد تمّ غرسه، وتأصّلت جذوره بعمق منذ القدم، فإنه يؤثر على النّاس جميعاً” كما يقول جاليليو في خطاب إلى كبلر” لقد توصّلت إلى مُحاجات وتفنيدات كثيرة، تهدم الآراء المعارضة لنظريّة كوبرنيكوس، ولكنّي لم أجرؤ على نشرها، خوفاً من ألقى نفس المصير الذي لقيه الرائد كوبرنيكوس، الذي رغم علوّ شأنه، وخلود اسمه بين عدد قليل من النّاس، فإنّ أعداءه لا نهاية لهم، يسخرون منه، ويقابلونه بصيحات الاستهزاء، ولو كان هناك كثيرون من أمثالك، لتجاسرت وأذعت خواطري، وحيث أن الأمر ليس كذلك، فسوف أستغرق وقتاً في التدبّر والتّفكير في هذا الموضوع”. [39]

 وقد تحدّث برونو أمام قضاته قائلاً : “لو كنت أيها السّادة المرموقون أعمل بفلاحة الأرض وحرثها ورعي الأغنام، وزراعة البساتين، أو حياكة الملابس، لما التفت إلى نشاطي أحد، ولراقبني عدد قليل من النّاس، ولمّا قرعني وألقى علي بالملامة سوى قلة، ولاستطعت أن أرضي الجميع، ولكن نظراً لأني أصور بالطبيعة، وأسعى جاهداً لرعاية الأرواح، وأعشق تربية العقول وتغذيتها، فإنّ الجميع يراقبوني ويهددونني ويهاجمونني وينهشون جسدي ويلقون القبض عليّ للفتك بي، والذي يفعل بي هذا ليس واحداً أو فئة قليلة، بل الكثرة، وربّما كان الجميع”. [40]

  فدائمة هي المحاولات، لمواجهة العمليّة المشروعة لبناء الفروض العلمية، بحجج لا أساس لها من التجريب أو الملاحظة، مثل الحكمة السائدة، أو سلطة الأقدمين، وكلتا الحجتين تعبران عن شكل من أشكال تقديس السّلف، أو عدم القبول من النواحي الاجتماعيّة والسياسيّة، أو الدينيّة للآراء العلميّة ونتائجها، ذلك أنّه من عوامل تكريس الجمود في الفكر العلمي، وجود سلطة مرجعية لهذا الفكر، دائمة، معصومة، ناتجة عن الأجداد، يُعتقد أن لها قيمة خاصّة، وأنّها تفوق الآراء التي يقول بها الباحثون المعاصرون، ويرتكز هذا التصور، على الاعتقاد أن الحكمة كلها، والمعرفة كلها، تكمن في القدماء، وهذا يعني وجود نظرة رومانسيّة للتاريخ تفترض أنه يسير دائماً نحو التدهور، وأن هناك عصر ذهبي، وما يليه هو دائماً أقل قيمة. [41] وما ينتج عن ذلك من تفكير اتّكالي، تكراري توفيقي غير منتج، إذ واجه داروين، معارضة شرسة عند نشر كتابه “أصل الإنسان” وكانت الحجج، هي أن هذه الأفكار تضعف السلطة المستمدة من الكتاب المقدس، وهي نفس الحجج التي تستخدم في دحض كل نظريّة علميّة جديدة، كما حصل مع غاليليو و برونو. حيث نجد أن أكاديمية روما قد أمسكت عن دراسة الفيزياء والفلك، بعد إدانة جاليليو سنة 1633، وأكاديمية فلورنسا قد اختفت من الوجود بعد انقضاء عشر سنوات على هذا الحدث، لأنّ أعضاءها قروا أنفسهم في معظم الأوقات، على إجراء تجارب، دون أن يستخلصوا منها أية تفسيرات، ذلك أن تجميع الحقائق كان دائماً أقل خطورة من استخلاص النتائج منها.[42] والطريف أنه عند محاكمة جاليليو، نجد في نصوص المحاكمة، عند دراسة الفكرة القائلة أن الشمس مركز الكون، وثابتة في مكانها، أن الجميع أقر بأن هذه الفكرة سخيفة! ومضحكة في مجال الفلسفة ومهرطقة من الناحية الشكلية، إذ أنها تتعارض بوضوح، في كثير من المواضيع، مع ما جاء في الكتاب المقدس، وفقاً للمعنى الحرفي للكلمات، ووفقاً لتفسير مفاهيم آباء الكنيسة وفقهاء اللاهوت.[43] وليس غريباً أن نجد، أنه غالباً ما سادت مناهج مناهضة لاكتشاف الطبيعة الحقيقية للعالم، وأخيراً فقط، استطاع النجاح الباهر للعلم، أن يزيح جانباً من هذه المناهج، من الإطار الفكري صاحب الصدارة. ولا حاجة بنا إلى التوجه إلى العصور الوسطى، لنصادف مثل هذا الاتجاه، فالمعركة المتصلة داخل الولايات المتحدة بشأن تعلم نظرية نشوء الحياة، يمكن النظر إليها من المنظور ذاته، إذ نجد من ناحية علماء يعتمدون مشاهدة سجلات الحفريات، وبراهين الحمض النّووي، لفهم نشأة الأرض وتحولاتها، ومن ناحية أخرى نجد آخرين، يؤمنون بأن الحقيقة تكتشف جلية، في متون بعينها، وعلينا التّسليم بها ( كسفر التكوين ).[44]

 كذلك فإن انتشار التفكير الأسطوري، يؤدي بشكل مباشر، إلى تأخر التفكير العلمي في مجتمع من المجتمعات، فالأسطورة تعبّر عن نظرة الشعوب إلى الحياة والطبيعة والعالم، وتقدم تفسيراً يتلاءم ومستوى هذه الشعوب، ويرضيها بشكل تام، حيث تتوحد الطبيعة بالإنسان ورغباته – وهذا ضد العلم – وحتى القرن الثامن عشر كان يُعتقد في أوروبا، أن ظاهرة الكهرباء تعد دليلاً على وجود مبدأ حيوي، يتغلغل في الأجسام غير الحية، كذلك كانت المغناطيسية تُعد مظهراً من مظاهر وجود الحياة في الطبيعة.[45] فلا يوجد تفسير طبيعي خارج تجارب الإنسان وحياته. إذ تتجه جموع الناس عادة، إلى الأسهل والمألوف، لحماية نفسها من قلق البحث في الجديد، وكلما كان الرأي منتشراً ومألوفاً، كان تبنيه وقبوله أكثر أمناً وحماية لصاحبه، كونه تحت ظل الكثرة الغالبة.[46]

 ويتحدث باربر عن أشكال عديدة من نزعة المحافظة العلمية، بالاعتماد على أصلها الثقافي، أو الاجتماعي، أو المنهجي، وهو يبين أيضاً، أن الأمثلة التاريخية تظهر علماء أظهروا تعلقاً، غير عقلاني، على الظاهر بنظرياتهم، ففي الأصل الثقافي، يظهر تاريخ علوم كالفلك والبيولوجيا والجيولوجيا، أن هكذا حالات، ليست نادرة على الإطلاق، وفي الأصل الاجتماعي نجد مقاومة للابتكار العلمي، اعتباراً من الوضع الاجتماعي لصاحب هذا الابتكار، فمثلاً مندل الذي وإن كان مجهولاً تماماً لدى معاصريه، إلا أنه وجد أعماله مبخوسة القدر فترة طويلة، لا سيما من جانب كارل فون نمارجيلي، الذي كان عالماً مشهوراً في ميونخ، وكان على صلة بمندل، باعتباره هاو، وقسيس، وليس عالماً مرموقاً، وفي الأصل المنهجي، يميل العلماء إلى التفكير ضمن حدود النماذج الموجودة، ما يقودهم غالباً، إلى رفض المقترحات التي لا تأخذ شكل هذه النماذج، فاللورد كلفن، كان يؤكد أنه لا يستطيع أن يفهم شيئاً ما، إلا حين يتم تصور هذا الشيء ضمن إطار نموذج ميكانيكي حصراً.[47] وهو النموذج الذي يتبناه.

 ولو استعرضنا غالبية الثورات العلمية، لوجدنا أن أصحابها امتلكوا الشجاعة، ليكونوا استثنائيين منفردين، في وجه الغالبية الساحقة. إذ بدأ العلم الحديث، عندما قامت حركة جديدة، حتمّت على المفكرين، التخلي عن تراث الأقدمين السابقين، وأوجبت على الباحثين، الاتجاه إلى دراسة الطبيعة مباشرة، بدلاً من الاعتماد على معرفتها، من خلال أقوال السلف، ونظرياتهم. [48]

 العلم والسّياسة:

 حين نطرح سؤال لماذا العلم؟ فإن علينا أن نواجه حقيقة أن طريقة المواطنين العاديين، وكذلك رجال السياسة والأعمال، في التفكير في السؤال، هي طريقة جد مختلفة عن طريقة تناول العلماء، والمعلمين لها، ترى المجموعة الأولى، أن العلم ذو قيمة كبيرة، لأنه السّبيل لتحقيق مكاسب اقتصاديّة، وزيادة وتعزيز صحّة وسعادة البشر، وترى المجموعة الثانية، أن العلم جزء من، أو ينبغي أن يكون جزء من، التّعليم الليبرالي، شيء ندرسه لذاته، وليس لمجرد أي مكاسب اقتصادية، يمكن أن نجنيها من ورائه.[49] مؤمنين بأننا شيدنا العلم المعاصر، انطلاقاً من أعمال أسلافنا الرائعة، الذين حددوا مفاهيم العلم الحديث، بتوجيه من تفكيرهم الحر، وإبداعهم، وفكرهم الخلاق، وشكوكهم، لا بدافع الزهو باللعب بأجهزة، وإطراء سياسة علمية، والتصفيق لنهج يتعلق بالميزانية.[50]

 وعلى النقيض مما كان عليه العلم القديم، فإن الأفق النظري للعلم الحديث، يؤثر بالأشياء. كما أن المعرفة، بما تعد به من تطبيقات – حتى وإن كانت عاجزة لزمن طويل عن الدفاع عنها – تقيم علاقة جديدة مع السلطات السياسية. ومن العلامات الأساسية في تطور الفكر العلمي الحديث، ظاهرة انتقال المجتمع، من إطار الكيان الإقطاعي المعزول، إلى الإطار الرأسمالي، فالبدايات الأولى لهذه الرأسمالية، كانت مرتبطة بتغير طرأ على البيئة، التي ظهرت فيها نزعة الرأسمالية ذاتها، وكذلك بتغير أصاب الأفراد، الذين تشبعوا بمظاهرها، الثقافية والحضارية، فقد كانت القلاع التي يسكنها الفرسان، والأديرة الريفية، التي يعيش فيها الرهبان، هي مركز الثقافة في المجتمع الإقطاعي، إبّان العصور الوسطى، أمّا وقد جاء عصر الرأسماليّة، فإن مراكز الثقافة انتقلت إلى المدن، أما روح العلم ونزعته آنذاك، فإنها كانت دنيويّة، تهدف إلى استغلال أكبر قدر ممكن من زينة الحياة وزخارفها، كما أن النّزعة ذاتها، كانت خالية من أية تطلعات لاستغلال العلم، في ميدان الحرب والتّسليح، لذا كان من الطبيعي أن تناسب نزعة العلم الجديدة أبناء المدينة، وأن يتطور على أيديهم، بدلاً من أن يناسب رهبان الأديرة، ورجال الدين المشغولين بالآخرة، أو فرسان القلاع، الشغوفين بالحرب وحب القتال.[51] وقد امتزج تاريخ العلم، بتاريخ الصراع ضد روح السلطة، سواء أكانت معتقداً كنسياً، أم نظرية رسمية للدولة، أم عقيدة حزب، وبين إدانة غاليليو، وإدانة علماء الوراثة الروس، لم تبدل علمانية السلطة شيئاً من مضمون النقاش، فالمنطق العلمي لا يسمح بأن تفرض عليه الطرق أو المحتوى أو النتائج، كما أن الحدود التي كان قد رسمها غاليليو لصلاحية العلم والسلطة، لم يلغها تقارب مصالحهما، إن هذا التدخل في شؤون العلماء، سيؤول إلى إصدار الأمر إليهم بألا يروا ما يرون، وألا يفهموا ما يفهمون، وأن يجدوا عندما يبحثون، نقيض ما يجدون. والحقيقة التي يدعمها العلم لا يمكن أن تنقضها أية سلطة أخرى غير سلطته.[52] لقد ارتبطت معارك الأولويات دوماً بتاريخ العلم، ولكنها كانت تقتصر على الأفراد، أما اليوم فإن الدولة هي التي تتولى هذه المهمة، فجوائز نوبل معلقة في لائحة شرف الأمم، مثلها مثل مفاخر أبطال الألعاب الأولمبية اليونانية.[53]

 وهناك في الواقع علاقة جدلية، بين العالم، والمؤسسة العلمية، فالعلماء ينتجون المعرفة، بغية نيل الاعتراف، والمؤسسة تتيح اعترافاً، بغية نيل المعرفة، وعلى تقاطع هذه الانتظار آت يتوقف وجود الجماعة العلمية، التي تبدو كأنها منظمة، يتبادل الأفراد، أو زمر الأفراد، في داخلها، بقليل أو كثير من النجاح، السلع الرمزيّة، التي يحتاجون إليها، للدّفاع عن مصالحهم الخصوصيّة.[54] والاعتراف الجماعي بالعلم “ضمن هذا المعطى”، لم يكن ممكناً دون الجامعات وتطورها. إذ نلاحظ وجود علاقة غير متناظرة، بين الجامعات الكبرى، والصغرى، فالأولى تتوصل إلى أن تُجند بفعل سمعتها فقط، العناصر الأكثر وعوداً مما تستطيع الثانية، مع إرسال عناصرها الأقل موهبة، إلى الجامعات الصغرى، إذ تبين أن 49% من العلماء الأمريكان الحائزين على جائزة نوبل، قد حققوا الأبحاث المكافئة في خمس جامعات كبرى ( هارفارد – كولومبيا – روكل – بركلي – شيكاغو ) وهي تمثل 3% فقط من مجموع عديد النظام الجامعي الأميركي.[55]

 وإذا أخذنا الطب، كمثال يوضح التأثير الاجتماعي السياسي، في بنية البحث العلمي، نجد أنه في فرنسا قبل الثورة الفرنسية، كانت مهنة الطب، منفصلة عن الجراحة، الأولى تخص الأرستقراطيين، والثانية هي مهنة العامة، التي لا تليق بمهنة الطب نظري النزعة، ولكن بعد الثورة، حدث أن هوجم الأطباء، ضمن الهجوم على الأرستقراطية عامة، الأمر الذي فتح أبواب الجامعات، أما الكادحين أصحاب مهنة الجراحة، ليتحول مجرى البحث الطبي في فرنسا أولاً، ثم في بقية العالم، من التشخيص السريري النظري، إلى البحث العملي المباشر في الجسم البشري. فبدأ الجراحون بالتوجه إلى المدن والقرى، التي كانت أصغر من أن تحقق عائداً مناسباً للأطباء، ونتيجة ذلك، أصبح هناك من الجراحين في فرنسا، عدد كبير يفوق عدد الأطباء، لا سيما في فترة الحروب النابليونية. وفي أواخر القرن التاسع عشر، اعتمد الأبحاث الطبية، على الاعتبارات السياسية الاستراتيجية، و قد تجسد ذلك في الأهمية البالغة لوضع سياسة مرتبطة بالسيطرة على مرض الملاريا، إذ كان البريطانيون العاملون بعيداً، في مستعمرات الإمبراطورية الموبوءة بمرض الملاريا، بحاجة عاجلة إلى وسائل الوقاية، والعلاج من هذا المرض، إذ كانت استراتيجية الإدارة الإمبريالية البريطانية، هي البقاء في تلك المستعمرات. [56]

 وبالتوازي مع الطب، كان لاستخدام الرياضيات، أسباب سياسية جيدة في فرنسا، فبعد الثورة الفرنسية، ظهرت محاولات الإصلاح الاجتماعي على المستوى القومي، لسبب بسيط، هو عدم معرفة حجم التعداد السكاني النهائي، وكان التخطيط لتلك الإصلاحات صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، وكانت عملية إحصاء كل فرد على حدة، عملية مستحيلة من الناحية التمويلية أو التنظيمية، وعندها ألقى العالم لابلاس، سلسلة من المحاضرات، عن حساب الاحتمالات، لاقت الصدى الواسع والمباشر، وقد توصل من خلالها إلى اختراع مفهوم النسبة المئوية، والإحصائية للدالة.[57] وهذا ما دفع البحث قدماً في هذا المجال. 

 وقد يحدث أحياناً أن تنشأ عن أهداف اجتماعية يرغبها المجتمع، مجال جديد من مجالات التخصص، وهذا ما حدث مع مشارف القرن التاسع عشر في مدينة إدنبرة التي بدأت تشعر بتأثيرات التقدم الصناعي، وكانت على خلاف المدن البريطانية الكبرى، قد تجنبت تلك التأثيرات، مدة أطول من غيرها، لأنها كانت تعتبر نفسها عاصمة الشمال البريطاني، الثقافية غير الصناعية، لكن الوضع تغير مع زيادة عدد الطبقة العاملة، ونمو البورجوازية الصغيرة، وأخذ الأرستقراطيون، والمهنيون ينتقلون إلى المدن الجديدة، مما ترتب عليه ازدياد تقسيم الطبقات الاجتماعية، و قد تعرضت طبقة التجار الجديدة والثرية، للحرمان من الالتحاق بالكليات الجامعية، فيما عمّق شعورها بالانعزال عن مركز النفوذ، لذا فقد انفردت في عام 1817 بإصدار جريدة خاصة بها هي “سكوتسمان”، ومن حسن الحظ أن تلك العقبات الاجتماعية، التي وقفت في طريق الطبقة الثرية الجديدة، كانت دعماَ قوياً لعلم جديد تماماً، ظهر في ذلك الوقت، هو علم فراسة الدماغ، أي دراسة الجمجمة، وسرعان ما أصبحت إدنبرة مركزاً لممارسة هذا العلم الذي بدأ في ألمانيا، إذ وجد علماء هذا الاختصاص قبولاً واسعاً من الجمهور المتلقي، وخاصة الطبقات البرجوازية الصغيرة والوسطى، وجذبت شعبية هذا العلم الجديد المئات لحضور محاضرات هذا العلم. [58]

وما يميز علم القرن العشرين عن علم القرون السّابقة بأن علماء ما قبل القرن العشرين كانوا يعملون بمفردهم في معامل، وبأجهزة من صنع أيديهم، يقيمونها في أي مكان يتوفر لديهم، أما علماء القرن العشرين، يعملون في مؤسّسات، ومراكز بحوث، تابعة لشركات الاحتكار، وغالباً لحساب حكومات، في معامل مجهزة تتكلف مئات، بل ملايين الدولارات، وهذا أدى إلى سرعة تطبيق النظريات العلميّة، والانتفاع العملي بها، حيث تقلصت الثغرة الزمنيّة بين العلم والتكنولوجيا، وهذا أدى بدوره إلى دخول العلم إلى كل بيت، ووضوح تأثيره الشامل على الحياة البشرية، وتشكيله لايدولوجيا الإنسان الحديث، حيث ديمقراطية العلم.[59] لذلك فأن مستقبلنا، لن يعتمد بعد الآن، على عبقرية بعض الأفراد غير العاديين، ولا على العمل الدؤوب لكامل الجماعة العلمية، وإنما ( و لسوء الحظ) على الخيارات التي تحددها جماعات، ليس لدى أعضائها أي فكرة تقريبية، إن لم تكن منحرفة، عن المعرفة العلمية.[60] إذ يمثل الاستثمار في الموظفين، والتجهيزات، والأبنية، والإدارة، الضرورية لتطور العلم الرأسمالي، قطاعاً متعدد الأشكال، لا يكف دوره الاجتماعي والاقتصادي عن التوسع، أما الجمهور، أي المكلفون والطبقة السياسية، فلا يميزون العلم الذي يهدف إلى المعرفة، من التّطبيقات الناجمة عنه، فالعلم، منبع المعارف، في خطر.[61] وتكمن المشكلة، في أنه من أهم عوامل ضعف اهتمام الدولة بالأبحاث العلميّة البحتة، هو الفاصل الزّمني الطّويل نسبياً، الذي يفصل بين نتائج الأبحاث النظريّة، وتطبيقاتها العمليّة، إذ أنّ الأمر مرهون بالحاجة الاجتماعيّة، لا سيما العسكريّة، التي قد تعجل تسريع العلاقة بين النّظر والتّطبيق، إذ أنّ تخطيط العلم، لا يتوقّف على التقنيات التي تتيح بلوغ هدف ما، مهما كانت تلك التقنيات متقدمة ومتقنة، بقدر ما يتوقف على تحديد هذا الهدف نفسه، أي تحديد الأفضليّة، التي تعطى له من بين أهداف أخرى ممكنة.[62]

 وقد أثبت صنع القنبلة الذريّة، أن الفترات الزمنيّة التي تفصل البحث النظري عن تطبيقاته يمكن تقصيرها، شريطة التضحية في سبيل ذلك بالثّمن اللازم من رجال ورؤوس أموال، وتنظيم للإمدادات ( كلف تصنيع القنبلة الأولى 15 ألف عالم ومهندس و300 ألف تقني وعامل و2 مليار دولار ).[63] 

 خاتمة :

 إنّنا بحاجة لتذوّق معنى العلم، وتقبّل أنّه جزء من الثّقافة العامّة في المجتمع، والعلم يظهر منذ اللحظة التي يقرّر فيها الإنسان أن يفهم العالم، كما هو موجود بالفعل، لا كما يجب أن يكون، ومثل هذا القرار، ليس عقلياً وحسب، بل هو بالإضافة لذلك، قرار معنوي وأخلاقي، وهذا مستوى لا يصل إليه الإنسان، إلا في مرحلة متأخّرة من تطوّره. فنحن اعتدنا كما غيرنا من المجتمعات ذات التوجّه التّقني، أن ننظر إلى العلم، باعتباره أحد أكثر المناهج ابتعاداً عن الحياة العامة، رغم تأثيره المباشر عليها، ولعلنا نلاحظ، أنّه في كلّ حديث، بين مجموعة مثقفين في حفل ما، على سبيل المثال، يكون كل مُشارك مهيأ مسبقاً، كما هو متوقع، لكي يتحدّث حديثاً فيه ذكاء، وفهم، ودراية، عن رواية، أو فيلم جديد، أو أمسية شعريّة، وليس عن أحدث نتائج تلسكوب هابل، أو نظريّة الأوتار، أو الكموم وآثارها. وعندما يصبح تعليم العلم موضوعاً لحوار عام، نجد من أكثر العبارات المستخدمة شيوعاً عبارة تقول: إن لا أحد يعرف كيف يبرمج جهاز كمبيوتر، لكن الواقع أنّ القدرة على برمجة جهاز كمبيوتر، أو إصلاح سيارة، أو فهم وظيفة جميع أزرار جهاز تشغيل عن بعد، يمكن أن تكون مفيدة في عصرنا، لكن لا علاقة لذلك أبداً بالمعارف العلميّة الأوليّة، إنّ قيمة ودور المعارف الأوليّة العلميّة، تكمن في أن نفهم بنية الكون الذي نسكنه، وأن توفر لنا القدرة على تطبيق تلك المعارف في حياة المرء، ويمكن أن تقترن أو لا تقترن، بالمهارة التقنية اللازمة لتشغيل الأجهزة الإلكترونية، إذ تؤلف المهارات التقنية، شأنها شأن المهارات الرياضية، بنية من المعارف المستقلة، عن المعارف الأولية العلمية.[64]

 وبالمقابل، إذا كان مطلوباً من المجتمع ككلّ، أن يكون على درجة معيّنة من الثقافة العلميّة، فالمطلوب أيضاً من العلماء، بذل جهد مستمر، للاتصال بالجمهور وإعلامه، ذلك أن أيّة جماعة في المجتمع، إذا فشلت في شرح أخلاقياتها الذاتية، وتوضيح الجوانب الإيجابية لفائدة علمها لعامة الجمهور، فسوف تجد نفسها، خاسرة لتقدير هذا المجتمع، وفي أحسن الأحوال، تجاهله لها. ومن الأهمية بمكان أن نعرف، أن على العلماء واجب فهم أوسع للمشاكل الاجتماعية، كما أن على غير العلماء فهم أوسع للعلم، ولن يتحقق هذا الفهم المزدوج، إلا بنشر العلم والثقافة العلميّة على أوسع نطاق، وبأكبر قدر من الجدّية، أكبر بكثير ممّا حدث في السّنوات المائة الأخيرة، والتأكيد على أوسع نطاق، على العلاقة بين العلم، والمجتمع، وبين العلم، وتقدّم المجتمع، ولابدّ من الاقتناع بضرورة العلم – كضرورة حياة أو موت – لكل مجتمع عصري.

 جسر الشغور يوم الجمعة 7 – 9 – 2012

 الهوامش:

 [1] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – ترجمة : د سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1 2008، ص 26، 27

 [2] مجموعة من المؤلفين : المطول في علم الاجتماع ج2 – ترجمة : وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 2007، ص 264

  [3] ج برنار : موجز العلم في التاريخ – ترجمة : سعيد الفيشاوي _ دار الفارابي، بيروت، ط1 1982، ص 39

 [4] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 55

 [5] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – عالم المعرفة، الكويت، عدد 3،1978، ص 163

 [6] جان جاك سلمون : العلم و السياسة – العلم و السياسة – ترجمة : هاشم دياب، وزارة الثقافة، دمشق، 1976 مرجع سابق، ص 114

 [7] جيمس تريفيل : لماذا العلم – ترجمة : شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت، عدد 375 – 2010 ,ص 87

 [8] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 448

 [9] جان جاك سلمون – العلم و السياسة، مرجع سابق، ص 27 – 28

 [10] أكاديمية العلوم الفرنسية : مستقبل العلم – ترجمة : مكي الحسيني الجزائري , دار طلاس , دمشق ط1 1995, ص 14

 [11] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق , ص 64

 [12] جيمس تريفيل : لماذا العلم – مرجع سابق، ص 25 – 26

 [13] جيمس بيرك : عندما تغير العالم – ترجمة : ليلى الجبالي، عالم المعرفة ، الكويت، عدد 185 – 1994, ص 354

 [14] د جون – ب ديكنسون : العلم و المشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث – ترجمة : شعبة الترجمة باليونسكو – عالم المعرفة، الكويت ،عدد 112 ،1987، ص 20

 [15] أكاديمية العلوم الفرنسية : مستقبل العلم – مرجع سابق، ص 18،19

 [16] مجموعة من المؤلفين : المطول في علم الاجتماع ج2 – مرجع سابق، ص 270

 [17] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 32

 [18] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 51

 [19] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق ، ص 347

 [20] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 343

 [21] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 77

[22] مجموعة من المؤلفين : المطول في علم الاجتماع ج2 – مرجع سابق، ص 268

[23] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 150

 [24] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 167

 [25] د عبد الله العمر : ظاهرة العلم الحديث _ دراسة تحليلية تاريخية – عالم المعرفة، الكويت، عدد 69، 1983، ص 111

 [26] ج برنار : موجز العلم في التاريخ – مرجع سابق، ص 201

 [27] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق، ص 112

 [28] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق، ص 114

 [29] ج برنار : موجز العلم في التاريخ – مرجع سابق، ص 50

 [30] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق ،ص 133

 [31] ج برنار : موجز العلم في التاريخ – مرجع سابقن ص 89

 [32] جيمس بيرك : عندما تغير العالم – مرجع سابق، ص 89

 [33] جيمس بيرك : عندما تغير العالم – مرجع سابق، ص 154

 [34] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق، ص 123

 [35] د جون – ب ديكنسون : العلم و المشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث – مرجع سابق، ص 93

 [36] جان جاك سلمون : العلم و السياسة – مرجع سابق، ص 35

 [37] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 123

 [38] أكاديمية العلوم الفرنسية : مستقبل العلم – مرجع سابق، ص 13

 [39] د رمسيس عوض : أبرز ضحايا محاكم التفتيش – النهضة المصرية للكتاب، 2005 ،21

 [40] د رمسيس عوض : أبرز ضحايا محاكم التفتيش – مرجع سابق، ص 378

 [41] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق، ص 65

 [42] د جون – ب ديكنسون : العلم و المشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث – مرجع سابق، ص 232 – 233

 [43] د رمسيس عوض : أبرز ضحايا محاكم التفتيش – مرجع سابق، ص 65

 [44] جيمس تريفيل : لماذا العلم – مرجع سابق، ص 22

 [45] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق، ص 50

 [46] فؤاد زكريا : التفكير العلمي – مرجع سابق، ص 68

 [47] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 139

 [48] د عبد الله العمر : ظاهرة العلم الحديث _ دراسة تحليلية تاريخية – مرجع سابق، ص 161

 [49] جيمس تريفيل : لماذا العلم – مرجع سابق، ص 142

 [50 أكاديمية العلوم الفرنسية : مستقبل العلم – مرجع سابق، ص 72

 [51] د عبد الله العمر : ظاهرة العلم الحديث _ دراسة تحليلية تاريخية – مرجع سابق، ص 182

 [52] جان جاك سلمون : العلم و السياسة – مرجع سابق، ص 122

 [53] جان جاك سلمون : العلم و السياسة – مرجع سابق، ص 98

 [54] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 181

 [55] ميشال دبوا : مدخل إلى علم اجتماع العلوم – مرجع سابق، ص 214

 [56] جيمس بيرك : عندما تغير العالم – مرجع سابق، ص 405

 [57] جيمس بيرك : عندما تغير العالم – مرجع سابق، ص 272

 [58] جيمس بيرك : عندما تغير العالم – مرجع سابق، ص 407

 [59] ج برنار : موجز العلم في التاريخ – مرجع سابق، ص 118

 [60] أكاديمية العلوم الفرنسية : مستقبل العلم – مرجع سابق، ص 83

 [61] أكاديمية العلوم الفرنسية : مستقبل العلم – مرجع سابق، ص 80

 [62] جان جاك سلمون : العلم و السياسة – مرجع سابق، ص 164

 [63] جان جاك سلمون : العلم و السياسة – مرجع سابق، ص 86

 [64] جيمس تريفيل : لماذا العلم – مرجع سابق، ص 58

 

Tags: , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий