Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > التاثير الصوفي في الفنون والثقافة الشعبية الجزائرية

التاثير الصوفي في الفنون والثقافة الشعبية الجزائرية

التاثير الصوفي في الفنون والثقافة الشعبية الجزائرية

سعيد جاب الخير
كاتب صحفي جزائري وباحث في مجال التصوف والطرق الصوفية .
لا شك أن التصوف بوجه عام والطرق الصوفية بشكل خاص،كان لها تأثير كبير على الثقافة الشعبية والفنون في الجزائر والمغرب العربي أو المنطقة المغاربية عمومًا،وقد توسّلت المرجعيات الصوفية من الزهاد والعارفين وشيوخ الطرق،منذ وقت مبكر بالفنون والثقافة الشعبية لتقوم بوظيفتها في نشر و تجذير خطابها الديني والروحي والاجتماعي وحتى السياسي أحيانًا في الطبقات السفلى من المجتمع (البسطاء والفقراء) التي شكّلت الخزّان الذي لا ينضب والمحرّك الأقوى لدواليب الحركة الصوفية من خلال تركيز شيوخ الطرق عليها والتصاقهم بها في اليومي المعيش وحتّى في الشعار الذي اختاروه لأنفسهم وتسموا به (الفقراء)، والدليل على عمق التأثير الصوفي في الفنون و الثقافة الشعبية الجزائرية،أننا ما نزال إلى اليوم نجد في لغتنا العامية كلمات وتعابير من أمثال (بابانا،بابا سيدنا، مول الزمان، مول الساعة، مول السر، مول الحال، الوالي، القبة، الديوان، الحضرة، القناوية..الخ)
1- تعريف التصوف والثقافة الشعبية :
– يعرف أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، التصوف في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف) بقوله : ” إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها”.. وينقل أيضا عن بشر بن الحارث الحافي قوله : ” الصوفي من صفا قلبه لله”..(1) ولعل أشهر ما يتميز به الصوفية من الصفات، هو تسامحهم وسماحتهم، فقد سأل رجل لسهل بن عبد الله التستري :
“من أصحب من طوائف الناس ؟ فقال : عليك بالصوفية، فإنهم لا يستكثرون ولا يستنكرون شيئا، ولكل فعل عندهم تأويل، فهم يعذرونك على كل حال” (2)

ومن هذه النصوص تظهر أهم المفردات التعريفية للتصوف فيما نرى وهي : صفاء القلب والسريرة (صفاء النية) والتسامح والانفتاح على الآخر وقبوله كما هو، لا كما نريده نحن أن يكون..
– أما الثقافة الشعبية : فنقصد بها كل ما هو خاص بالطبقات الشعبية ( أي العامة أو ما يقابل النخبة المثقفة) من إنتاج ثقافي معنوي في مجالات الشعر، الموسيقى، الغناء، الرقص، الحكاية والأسطورة، الحكمة، المثل …. إلخ)

2ـ السماع بين الصوفية والفقهاء (الرؤية الدينية):
إذا كان الصوفية قد عرفوا منذ الزمن القديم بانفتاحهم الديني والفكري و ابتعادهم عن التزمت الفقهي فإن ذلك راجع بالدرجة الأولى إلى عشقهم للحرية وحسهم الفني والجمالي المرهف،وفي باب الحرية ينقل القشيري في رسالته أن (الحرية أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات،ولا يجري عليه سلطان المكونات) (3) وفي هذا السياق كان الصوفية دوما يستشعرون الحرية في العديد من المائل التي يفتي فيها من يطلقون على أنفسهم (فقهاء الرسوم) أو الفقهاء الرسميون، ومن ذلك مسألة السماع أو الموسيقى …حتى و عن كانت للصوفية أصولهم الدينية في هذا الموضع،فالقشيري في رسالته يستدل بقوله تعال ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) و يقول “إن اللّام في قوله تعالى ( القول) تقتضي التعميم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتباع الأحسن، وقال تعالى ( فهم في روضة يحبرون) وجاء في التفسير أنه السماع،واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة و الأنغام المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورًا…مباحٌ في الجملة.ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ و انّه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها، فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن تسمع بالألحان، هذا ظاهر من الأمر” (4)
هذا كلام صوفي ولكنه أيضا قبل ذلك فقيه شافعي كبير،جامع بين الشريعة الفقهية و الحقيقة الصوفية من أعيان القرن الخامس (ت 465هـ).
ويعرّف الجنيد السماع على أنه ” وارد حق يزعج القلوب إلى الحق،فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق” (5) ، ويرى الشبلي أن ” السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة،فمن عرف الإشارة حلّ له استماع العبرة،و إلّا فقد استدعى الفتنة وتعرّض للبليّة” (6) ، أمّا الكُلّاباذي من أعيان القرن الرابع فيقول ” السماع استجمام من تعب الوقت،وتنفّس لأرباب الأحوال ، واستحار الأسرار لذوي الأشغال.و إنما اختير على غيره ممّا تستروح إليه الطباع لبعد النفوس عن التشبث به والسكون إليه،فإنه من القضاء يبدو وإلى القضاء يعود…فالسماع إذا قرع الأسماع أثار كوامن أسرارها،فمن بين مضطرب لعجز الصفة عن حمل الوارد،ومن بين متمكّن بقوّة الحال” (7).
وينقل الكلّاباذي عن أبي القاسم البغدادي قوله ” السماع على ضربين، فطائفة سمعت الكلام فاستخرجت منه عبرة،و هذا لا يسمع إلا بالتمييز وحضور القلب،وطائفة سمعت النغمة و هو قوت الروح،فإذا ظفر الروح بقوته أشرف على مقامه و أعرض عن تدبير الجسم،فظهر عند ذلك من المستمع الاضطراب والحركة” (8) ، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن التواجد والحركة التي تصاحب الصوفية عند السماع هي كلّها أمور لا يملكونها، بل لعلّها فوق إرادتهم عندما يكونون في حالة تركيز حسّي وروحي مع السماع.
وينقل الكلّاباذي عن أبي عبد الله النباجي قوله ” السماع ما أثار فكرة واكتسب عبرة،و ما سواه فتنة” (9) وفي هذا إشارة واضحة إلى التزام المضمون أو المحتوى في السماع الصوفي،وهذا فيما نرى تأسيس نظري لما يعرف اليوم بالغناء الملتزم،وينقل الكلّاباذي أخيرا عن الجنيد قوله ” الرحمة تنزل على الفقير ـ أي الصوفي ـ في ثلاثة مواضع: عند الأكل فإنه لا ياكل إلا عند الحاجة،وعند الكلام فإن لا يتكلم إلا للضرورة،وعند السماع فإنه لا يسمع إلا عند الوجد” (10) وهذه الرؤية الجينيدية للسماع تجعل منه حالة تزّل للرحمة الإلهية وبالتالي حالة إلهية صرف، أي انه من الله تعالى، وهذا أقصى ما يمكن ان يقال فيه.
وقد اجتهد شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي الشافعي المتوفى سنة 632 هـ، في كتابه (عوارف المعارف) لتأصيل السماع والاحتجاج لإباحته من الكتاب والسنة،كما فعل أبو حامد الغزالي في (الإحياء). وخلاصة القول في هذا الموضوع :
– إن الصوفية ومعهم بعض الفقهاء كابن حزم وغيره،يؤكّدون انه لم يرد نص صريح في القرءان حول تحريم السماع،لا بآلة ولا بغير آلة.
– إن الصوفية ومعهم بعض الفقهاء يؤكّدون أنه لم يرد نص صحيح ثابت في السنة يحرّم السماع،وقد احتجّ ابن حزم الظاهري مطوّلًا لهذه المسألة في كتابه الموسوعي (المحلّى) .
– و من هنا انطلق الصوفية في بحث هذا الموضوع على أساس المصلحة الإنسانية الشرعية والاعتماد أيضا على أن الأصل في أفعال العباد هو الإباحة حتّى يرد النص المانع

3ـ السماع بين الصوفية والفقهاء (الحالة الجزائرية):
إن التصوف والطرق الصوفية التي كانت ظاهرة دينية اجتماعية حضارية عامّة في المجتمع الإسلامي، ظهرت في وقت مبكّر بالجزائر. ذلك أن أفكار محيي الدين بن عربي قد انتشرت فيها قبل العهد العثماني بزمن طويل، كما أن حسن بن باديس صاحب السينية، قد تحدّث عن الشيخ عبد القادر الجيلاني و طريقته في القرن الثامن الهجري. ومن جهة أخرى تحدّث محمّد الزواوي الفراوسني صاحب (المرائي الصوفية) عن الطريقة القادرية في القرن التاسع الهجري.
وقد شاع التصوف في الجزائر بفضل مدرسة سيدي عبد الرحمن الثعالبي ومحمّد بن يوسف السنوسي و أحمد زروق وغيرهم. ولم يكن الانتماء إلى طريقة من الطرق الصوفية يُعد نقصًا أو عيبًا، بل إن أخذ الطريقة كان شيئًا يعلن عنه ويشاع بين الناس ويمارسه العلماء والتجار والساسة والجنود فضلًا عن العامة. (11).
و من بين الفقهاء الجزائريين الذين مالوا إلى التشدد في الحديث عن السماع او الموسيقى،احمد الونشريسي في كتابه (المعيار) حيث روى من جهة أن احد العلماء سئل في حكم الغناء فأجاب بأن سماع الإنشاد الذي يحرّك المشاعر السامية لا بأس به،بل هو مندوب عند فتور النفس (12)
غير أن الونشريسي يتشدّد على غرار غالبية الفقهاء عندما يتعلّق الأمر بتوظيف الآلات في السماع،حيث يقول ” إن معظم العلماء يكرهون الغناء بغير آلة طرب،أمّا بآلة ذات أوتار كالعود والمزمار فممنوع… (13) وخلال المرحلة التاريخية نفسها كان الصوفية يجيزون بل يحبّذون السماع ـ الموسيقى والغناء ـ حيث اعتبروه من العلوم التي تجمع بين المعاملة والمكاشفة ونقلوا جوازه عن بعض العلماء والعارفين امثال أبي مدين شعيب بن الحسن الأندلسي،دفين تلمسان،و أبي القاسم الجموعي و أب الحسن الشاذلي والشطيبي وغيرهم، فقد أخبر محمّد بن سليمان عن جواز سماع الموسيقى للصوفي الحقيقي، و أخبر أن شيخه موسى بن علي اللّالتي كان حسن الإنشاد و أنّه إذا أسمع و أنشد يكاد قلب السامع من تأثيره ينفطر وينهدّ، و أن شيخه كان يقول ” ورثنا هذا المقام عن داود عليه السلام” (14) .
و بعد حوالي قرن، فصل الورتلاني في هذه القضية ، فهو كرجل من اهل التصوف أباح استعمال الموسيقى والإنشاد لأهل التصوف، ومنعه عن غيرهم لأنه يؤدّي في نظره إلى الاختلاط والفساد..فالغناء في نظره دواء لأهل العشق الصوفي، ولكنه وسيلة من وسائل الشيطان لغيرهم..وهو يعني بأهل العشق الصوفي أصحاب الحضرة الصوفية” (15).
و هناك من الفقهاء غير الصوفية من كان يتذوّق الموسيقى في ذاتها ويحلو له الإنشاد وسماع آلات الطرب..فقد روي عن عبد الواحد الونشرسي (وهو لسخرية القدر ابن أحمد الونشريسي الفقيه المتشدّد في موضوع الغناء والموسيقى) أنّه كانت له أزجال و موشّحات و كان رقيق الطبع يهتز عند سماع الألحان وآلات الطرب،لاعتدال مزاجه وقوام طبعه…(16)
و اخبر ابن حمادوش في رحلته أنه يعلم علوما شتّى من بينها علم الموسيقى الذي قال إنه تعلّمه بطريق الإجازة.وفي (الرحلة القمرية) لابن زرفة أنّه قد ورد على الباي محمّد الكبير عالمان حنفيان من مليانة، أحدهما مفتي البلدة والثاني فقيه، و أن كليهما كانا من الموسيقيّين المهرة.و قد عرفنا من حياة المفتي أحمد بن عمّار أن بعض علماء مدينة الجزائر،وهو منهم، كانوا يصوغون الموشّحات المولدية ونحوها وينشدونها في المولد النبوي بالألحان المطربة.وتذكر المصادر ان الفقيه محمّد القوجيلي قد استأذنه أحد علماء تونس في سماع الموسيقى فأجابه بقوله : كلّ ذي كرم من شأنه الطرب. (17) ويذكر الورتلاني أن الشيخ علي المهاجري كان عازفا مشهورا على المزمار بلغ الغاية في صنعته حتى أصبح الناس يشترطونه في الأعراس (18).

4 ـ الشعر الشعبي (أو الملحون) وعلاقته :
بالتصوف وأشار العلّامة ابن خلدون في مقدّمته إلى الشعر الملحون او الشعبي فذكر أن واضعه هو رجل من أهل الاندلس كان يعرف بابن عُمَيِّر (بضم العين وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة) الذي نزل مدينة فاس وعنه نقل الناس هذا الأسلوب في نظم الشعر بدون تكلّف.وهناك شخصية عظيمة أخرى ظهرت أيضًا في طليعة هذا الميدان، وهو محمّد بن عيسى الشهير بابن قزمان الأندلسي الزجّال (555 هـ ـ 1160م)الذي غمر الأدب الأندلسي بأزجاله وشعره الملحون، ويسّر بإبداعه هذا ما كان متعسّرًا على العامة،فأخذ كلّ واحد منهم ينظم كلماته شعرًا على النمط الجديد بلهجته الخاصة دون كلفة ولا تعاطٍ للأوزان الشعرية الخليلية التقليدية، وهذا ما سمي بعد ذلك في ارض الأندلس بالزجل،الذي نظموه على أوزان جديدة انتشرت بعد ذلك في المشرق أيضًا وجعلوا لها أسماء مثل (كان وكان) و (الموّالية) و (السلسلة)و (الدوبيت) و (المستطيل)و (المنسرد) و (المطرب)،ممّا عرف عند الأدباء بفنون الشعر السبعة، وقالوا “هذه لا تسمّى شعرًا لأن أوزانها مخالفة لأوزان العرب” وجعلوها من الأبحر المهملة (19).
إن الشاعر الشعبي (أو شاعر الملحون) يمتص جانبا من التصوف ثم يعيد نسجه وتنظيمه وفق ما تزود به من علوم ومعارف دينية. وهنا نلاحظ أن الشاعر الشعبي لا يجهل الأبعاد الحضارية لخطابه، فهو يستفيد مما تعطيه الجماعة الشعبية كما يستفيد من مؤهلاته الاجتماعية و الثقافية.
ويلاحظ المتتبع لقصائد الشعر الشعبي (الملحون) أن الحكاية التي يرويها الأدب الشعبي هي سبيل واضح لاستكشاف الوعي الصوفي في مستوى من مستوياته، والتعرف و لو بشكل أولي على ما يعتمل داخل المجتمع من نشاط ديني وثقافي. وغني عن القول أن الشاعر الشعبي الصوفي متأثر بالثقافة الدينية والشعبية التي أخذها من محيطه والوسط الذي عاش فيه، هذه الثقافة التي تعتبر زادًا معرفيًا متنوعًا تقدمه (الجامعة الشعبية) المتمثلة في المساجد والزوايا.
وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن معظم شعراء الملحون الجزائريّين والمغاربيّين إن لم نقل جميعهم هم من الصوفية .و نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر :
سيدي لخضر بن خلوف، عبد العزيز المغرواي، الحاج محمّد النجّار،الحاج عيسى لغواطي، الشيخ عبد الرحمن المجدوب، الحاج مبارك بو لطباق، سيدي أحمد لغارابلي، عبد القادر بلوهراني،سيدي أمحمّد بن عودة، سيدي بلحسن وغيرهم.
ومن الممكن أن نضيف إلى هؤلاء أسماء أخرى من الشعراء الذين كتبوا في المديح النبوي والوعظ ومدح الأولياء والصالحين، حتّى و إن لم يشتهروا كصوفية ولكن نصوصهم مشرّبة بالروح الصوفية والمصطلحات الصوفية.ومن بين هؤلاء الشاعر التلمساني أبو عبد الله الحاج محمّد بن أحمد بن مسايب الذي عاش في القرن 12 الهجري و أصله من الأندلس،كان يكتب في العديد من الأغراض غير أنّه عندما يكتب في المديح النبوي أو الوعظ أو مدح الأولياء، لا يستطيع القارئ أن يميّز بين شعره وشعر غيره من الشعراء المتصوّفين وذلك لشدّة غوصه في الأحوال و التعابير الصوفية.
ومن القصائد التي توحي بتبحّر محمّد بن مسايب في المجال الصوفي ومعرفته العميقة بالطريق و أهلها على الأقل في الجانب النظري،يمكن ذكر ما يلي:
( الوفاة) وهي قصيدة في وفاة الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ( يا الوحداني) وهي في موضوع التوبة والاستغفار ، (ماوفاشي طلبي) وهي قصيدة يوحي ظاهرها للقارئ الساذج بأنها غرامية، غير أنه يقول في آخرها :
” نمدح جدّ الشرفا صاحب الحوض أحمد سلطاني
غفرانك يـا ربي حرمة النبي الماحي الطاهر
فيه غاية رغبي بيه راني متولّع يـــاسر ” (20).

والواقع أن المتمعّن في نص هذه القصيدة يجد فعلًا تعابير غرامية كثيرة شائعة في أجوائها، وعندما نقول تعابير “غرامية” فنحن لا نقصد العاطفية منها فحسب بل نقصد أيضًا التعابير الحسّية الجسدية مثل قوله :
” محبوبي كحل العين والشفر والحاجب والسالف
حسنه مكمول الزين يسحر العاشق بسر مخالف
ديما فوق الخدين الورد فاتح لونه متخالف” (21)

إلى غير ذلك من التعابير التي توحي للقارئ أن الشاعر يصف امرأة لا رجلًا، ما يجعله يتوهّم ان القصيدة غزلية وهي غير ذلك. وهذه عادة الشعراء الصوفية في تعابيرهم العشقية الجيّاشة بالحب تجاه الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام و الأولياء الصالحين.
وكذلك نجد بن مسايب في قصيدته أو بالأحرى زجله المسمّى (بدر الدجى عسّاس) ، الذي يغنّى في الطابع الأندلسي او النوبة (رهاوي) على إيقاع (الانصراف)،فإن المستمع يتصوّر أن هذا الزجل هو في الخمرة والغرام،فهو يقول :
” بدر الدجى عسّاس والليل راح
يحلى الطرب والكاس بين الملاح
قم يا نديم قم دير الكيوس
فايق من النوم تجلس جليس”
وهذا النص هو في الواقع في مدح الرسول ـ صلّى اله عليه وسلّم ـ ويعرف القارئ والمستمع ذلك عند قول الشاعر :
زهوي وعشقي فيه سيد البشر
قلبي مولّع بيه ما لي صبر
في محبته خلّيه تفنى العمر” (22)

ويلاحظ في هذا الصدد ان محمّد بن مسايب يقتدي بالشعراء الصوفية الذين ليست لديهم مشكلة او عقدة من التحدّث عن ( العشق) وهو أعلى درجات المحبّة في حقّ الله تعالى، أو في حقّ الرسول عليه السلام أو الأولياء والصّالحين، ونلاحظ الأمر نفسه في قصيدة (هاض الوحش عليّ) و (سعدي بيك سعدين)و (الحرم يا رسول الله) و قصيدتي (هاج غرامك) و (أبو علام ) اللتين نظمهما في مدح سيدي عبد القادر الجيلاني، و (باسم العظيم الدايم) .
و يظهر تبحّر محمّد بن مسايب في معرفة الاولياء والصوفية في قصيدته (يا أهل الله غيثوا الملهوف).
و إذا علمنا بأن محمّد بن مسايب اشتهر أكثر كشاعر غرامي،عرفنا مدى التأثير الذي كان للمدرسة الشعرية الصوفية على الشعر الملحون باعتباره رافدًا هامًا من روافد ثقافتنا الشعبية، هذا إن لم يكن أهمها على الإطلاق.وهنا يحضرني قول المفكّر كولن ويلسون : (إن الفنانين والفلاسفة في أي عصر يجب أن يكونوا علماءه ورجال دينه في الوقت نفسه، ويجب أن يكون كل عالم قادرا على الحصول على الإدراك الديني كقدرة الراهب على فهم نظرية الكمّ في الفيزياء مثلًا). (23)
ولا يرجع تأثير شعراء الملحون الصوفيين إلى مواهبهم الشعرية فحسب،بل يرجع بالأساس إلى كونهم صوفية،وتلاميذ لشيوخ صوفيين سواءٌ من مؤسّسي الطرق (مثل سيدي قدور العلمي الذي كان من تلاميذ سيدي أحمد بن عيسى مؤسّس الطريقة العيساوية ، دفين مكناس)، أو من خلفائهم .وبالفعل عندما ندرس قصائد هؤلاء الشعراء نجد فيها “أسرارًا” و أجواء خاصة لا نجدها في قصائد غيرهم من الشعراء،فقصائدهم تتميّز بجاذبية روحية لا يمتلكها غيرهم.
ومن المعروف أن أغلب الصوفية عبر التاريخ كانوا ينظمون الشعر، وكذلك الحال في الجزائر والمنطقة المغاربية،ومن بين مؤسّسي الطرق والصوفية المعاصرين الجزائريّين الذين كتبوا الشعر الملحون نذكر : الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي،وشيخه سيدي محمّد بن الحبيب البوزيدي المستغانمي،والشيخ الحاج عدّة بن تونس المستغانمي.وتتميز دواوين هؤلاء الشيوخ بعمق المعاني وسلاسة العبارة ومتانة التركيب في آن واحد.وقد نظم هؤلاء الشيوخ في الفصيح أيضًا كما نظموا في الملحون بجميع الأوزان وحتّى في الطبوع الغنائية الأندلسية.
ومن هؤلاء الشعراء أيضًا الشيخ عبد القادر بن طبجي ،شاعر سيدي عبد القادر الجيلاني ودفين مقامه بمستغانم، وله ديوان مطبوع جمعه الأستاذ عبد القادر غلام الله . وبن طبجي هو صاحب القصيدة المشهورة (عبد القادر يا بوعلام..ضاق الحال عليّ).

5 ـ ثنائية (الطالب) و(المدّاح) في الثقافة الشعبية الجزائرية :
ارتبطت ثنائية (الطالب) و (المدّاح) في ثقافتنا الشعبية برباط مقدّس،حيث لا يكاد يذكر (الطلبة) حتّى يذكر معهم (المدّاحون). ومن الشائع في الثقافة الشعبية الجزائرية والمغاربية قولهم (الطالب إذا جاح يرجع مدّاح)… وقد كان أغلب (المدّاحين) من (الطلبة) الذين عجزوا لسبب او لآخر عن اتمام حفظ القرءان الكريم.ومن ثمة يتجهون إلى المدح في الأسواق أو الأعراس أو المناسبات الدينية.وقد يكون بعض هؤلاء المدّاحين من الطلبة الذين لاحظ شيوخهم حسن أصواتهم فوجهوهم للتخصص في المديح.وعموما فإن الشعر الشعبي أو الملحون الذي كان أغلب ناظميه من الصوفية، كان بحاجة إلى من يلحّنه وينشده ويغنّيه للعامة والخاصة،على أساس أنه خطاب صوفي وعظي يكتسي أيضا نوعا من الطابع الدعوي،و أحيانا التعبوي أيضا..عندما يتعلّق الأمر بموضوع (الجهاد) ضد الأعداء.ولا توجد وسيلة أكثر فاعلية لإيصال هذا الخطاب إلى الناس من المديح أو الغناء. وهذا هو بالضبط الدور الذي كان يقوم به المدّاح.
ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار ظاهرة (المداح) اختراقًا فنيا للمجتمع من طرف الصوفية، أو بتعبير آخر توظيفا للفن كوسيلة لتحريك الخطاب الديني الصوفي على مستوى الطبقات الاجتماعية المختلفة وخاصة البسيطة منها.ولهذا نلاحظ أن العديد من شعراء الملحون من الصوفية كان باستطاعتهم نظم الشعر الفصيح على الأوزان الخليلية التقليدية، غير أن ذلك لم يكن ليحقق لهم الهدف الذي يقصدونه من النظم، لأن شعرهم في هذه الحالة لن يكون في متناول الأغلبية ولن تفهمه سوى النخبة الذي تمثل الأقلية داخل المجتمع.
ومن المعروف أن ثنائية (الطالب) و (المدّاح) هي التي تقف في النهاية من وراء ظهور ما يعرف اليوم بالفن الشعبي أو الغناء الشعبي الجزائري، حيث أن مدرسة الشعبي ما هي إلا امتداد لظاهرة المدّاح المنطلقة أساسا من الفضاءات الصوفية المتمثلة في الزوايا.فالمدّاح من جانب المضمون كان يمدح عن الله تعالى،وعلاقة الانسان به من حيث الطاعة و المعصية والاستغفار بما يشمل جميع الانشغالات السلوكية الصوفية، ويمدح أيضا عن الرسول علية الصلاة والسلام، والصحابة رضي الله عنهم،والأولياء والصالحين،إضافة إلى أيام وغزوات العرب.
أما من ناحية الشكل فقد كان المداح يكتفي بالدف أو الرباب (الكمان التقليدي) فهو غالبا يركّز على الكلمة أكثر من اللحن،أي أنه يركز على المضمون أكثر من الشكل،لأن خطابه أكثر مباشرة من خطاب الحضرة الصوفية التي تهتم بالشكل بقدر اهتمامها بالمضمون حيث يهمها توصيل خطابها في شكل فني جميل ومدروس كما هي الحال بالنسبة للمدرسة العيساوية التي سنتحدث عنها بعد قليل.
غير ان “طغيان” مدرسة الصنعة الأندلسية في العاصمة ومناطق الوسط، ومدرسة المالوف في الشرق الجزائري و المدرسة الغرناطية الأندلسية في تلمسان والغرب الجزائري،كل ذلك جعل شيوخ الطرق الصوفية ورجال الدين عموما من الفقهاء المتصوفين يفكرون جديا في اختراق المدارس الموسيقية وخاصة منها المدرسة الأندلسية من أجل توظيفها في خلق شكل فني جديد بمضمون ديني صوفي بالأساس. وهكذا أصبحت قصائد و أدعية الحضرة الصوفية منذ وقت مبكر تؤدى على الطبوع الأندلسية، ولهذا وجدنا الكثير من الفقهاء المتصوفين يهتمون بالموسيقى وطبوعها بشكل جدّي وبعضهم تعلّمها من شيوخ و أخذ عليها إجازة.
و في هذا الإطار أيضا،ظهر ذلك الاختراق الواسع لتلاميذ (المداحين) من آباء مدرسة الشعبي، للمدرسة الأندلسية،حيث أخذوا طبوعها وطبّقوها على المضامين الصوفية، لينتج عن هذا التفاعل فن جديد هو (الرهاوي) الذي ينطق بألحان أندلسية ومضامين دينية صوفية بعيدة عن المضامين الأندلسية التقليدية التي كانت وما تزال تعتبر عابثة بالنسبة للكثير من رجال الدين.
وعلى هذا المنوال أيضا،سارت الطريقة الحنصالية والطريقة العيساوية في الشرق الجزائري حيث أخذتا طبوع المالوف وطبّقتا عليها المضامين الصوفية، فظهر من ذلك طابع جديد هو الطابع العيساوي.ومن المعروف في هذا الصدد أن المدرسة الأندلسية كانت وربما ما تزال إلى اليوم تعيش ضمنيا حالة الحساسية وعدم الرضى عن هذا (الاختراق) الصوفي الذي حدث لها من طرف تلاميذ (المداحين) الذين تحولوا بعد ذلك إلى (شيوخ وعمداء الشعبي) من أمثال الشيخ مصطفى الناظور و الحاج منور و الحاج مريزق والحاج أمحمد العنقى وغيرهم.
لكن المدرسة الأندلسية تعترف مع ذلك ولا تنكر ان المدارس الفنية الصوفية استطاعت عبر التاريخ من خلال صرامة التزامها الديني من الناحية التنظيمية على الأقل، أن تحافظ على الكثير من مفردات التراث الموسيقي الأندلسي الذي ضاع مع حامليه من أصحابه الأصليّين (أصحاب الصنعة أو الآلاجية) الذين رحلوا عن الدنيا قبل أن يورّثوا فنهم،والدليل على ذلك أننا نجد الكثير من الألحان الأندلسية المفقودة من (أصحاب الصنعة ) ما تزال محفوظة عند القصادين التابعين للعديد من الأضرحة الصوفية ومنها ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي بالعاصمة.
و قد يكون من بين أسباب الخصومة التقليدية بين مدرستي (المداح) و (الصنايعية أو الآلاجية) هو ان المداح يقدم فنا صوفيا موجها إلى الطبقات الشعبية الواسعة،بينما يقدم (الصنايعية) فنا موجها بالأساس إلى نخبة اجتماعية إذا لم نقل “طبقة ارستقراطية”.

هذه الدراسة لـ:
كاتب صحفي جزائري وباحث في مجال التصوف والطرق الصوفية.

ــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 – الكلّاباذي (أبو بكر محمد بن إسحاق): التعرف لمذهب أهل التصوف، (بيروت : دار الكتب العلمية،2001)، ص 09-10.
2 – السابق، ص20.
3 – القشيري (أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن): الرسالة في علم التصوف، (بيروت: دار الكتاب العربي،بدون تاريخ)، ص 100.
4 – السابق، ص 150.
5 – الحفني (عبد المنعم ) : معجم مصطلحات الصوفية(بيروت : دار المسيرة، 1980)،ص134.
6 – السابق .
7 – التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 178.
8 – السابق .
9 – السابق، ص 179.
10 – السابق.
11 – سعد الله (أبو القاسم ) : تاريخ الجزائر الثقافي، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1998)، 1 / 187
12 – السابق ،2/437.
13 – السابق .
14 – السابق، 2/438.
15 – السابق، 2/439.
16 – السابق.
17 – السابق، 2/440
18 – السابق،2 /442
19 – حشلاف (الحاج محمد الحبيب): الجفر في الشعر الشعبي الملحون المغاربي، (الجزائر،الديوان الوطني لحقوق المؤلّف والحقوق المجاورة،2004)،ص 09.
20 – بن مسايب، (أبو عبد الله محمّد بن أحمد):الديوان، (تلمسان: مطبعة بن خلدون،1370 هـ)، ص 70.
21 – السابق، ص69.
22 – السابق، ص 70-71.
23 – الطيبي (الجيلالي): محاولة لقراءة لامنتمي كولن ولسن،مجلة رؤى ،العدد 25 ،2005، ص74.
ــــــــــــــــــــــــ

المصدر: منتدى سماعي
http://www.sama3y.net/forum/showthread.php?t=28910

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий