Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > التدين الشعبي و ظاهرة الأولياء- فارس دكالة

التدين الشعبي و ظاهرة الأولياء- فارس دكالة

 

 
 

المصدر: ملتقى التربية والتعليم

إن زيارة الأولياء والتبرك بهم ظاهرة تسترعي الانتباه وتجعل الباحث يتساءل عن علاقة هذه الظاهرة بالدين كشريعة و أصول اعتقا دية منزلة وبالتدين كممارسة إنسانية يتداخل في تكونها العامل الديني و العامل الثقافي. كما أن التدين بصفته ممارسة تعبدية داخل جماعة معينة يبقى خاضعا لنسبية الزمان والمكان, ويبقى الشكل الذي يتخذه هذا التدين تعبيرا عن القوى والمصالح الذي تدعمه, يبقى ببقائها ويختفي بزوالها أو بانتفاء الحاجة إليه. يحلل هذا المقال ظاهرة الأولياء في علاقتها بالتدين الشعبي و بالبنية الاجتماعية والمعرفية للمجتمع المغربي, مع التركيز على مدينة آزمور كنموذج لانتشار هذه الظاهرة. 
تقديم: مقاربة ظاهراتية للدين و للتدين
هل يمكن للإنسان أن يحيى بدون إلاه؟ هل التدين مكون أساسي في الفطرة الإنسانية؟ ما علاقة أشكال التدين الموجودة بثقافة الشعوب وتجاربها التاريخية مع التدين كضرورة ؟
“لا يوجد مجتمع بدون دين”, و”من لم يعبد الله عبد غيره”, هكذا يؤكد برغسون وقبله ابن تيمية على التدين كضرورة. .إن المقدس مكون أساسي لروحانية الشعوب, حتى أشدها إلحادا وبعدا عن الله. .إن الدين هو تلك العلاقة الخاصة بين الناس وما يعتقدون أنه مقدس ومتعالي. .إنه اعتقاد في عالم علوي يوجد في استقلال تام عن العالم السفلي المادي – وفي الفلسفة, كل ما يتجاوز حدود التجربة الممكنة و الفكر الإنساني. فهناك إذن تعارض بين التعاليTranscendence والمحايثةImmanence التي تعني البقاء أي التواجد على الأرض.
لكن ما يمكن ملاحظته هو أن المعبود يمكن أن يكون محايثا, أي حاضرا في العالم المادي. فالإنسان عبر تاريخه الطويل خلق رموزا معينة للتعبير عن ذلك المعنى المتعالي أو المقدس, وجعل من عناصر الطبيعة تجسيدا له. فأصبح المقدس يتجلى في فضاءات معينة. قد يكون الفضاء المقدس جبلا أو حجرا أو شجرا أو عينا, يعتقك أن له قوة غيبية قادرة على التدخل لصالح الإنسان أو ضده. وبنفس المنطق ينقسم الزمان إلى مقدس وغير مقدس. فلكل مجتمع إنساني أوقات معينة ومتميزة تعود باستمرار أو يمكن استرجاعها وفق شروط خاصة تحددها معتقدات ذلك المجتمع. والزمان المقدس هو إما زمان منفلت متعالي مثالي أو زمان يمكن استعادته عن طريق طقوس معينة.
للتدين كذلك بعد اجتماعي, فالدين, اعتقاد وممارسة, يساعد الأفراد على تطوير شعور بالانتماء للجماعة, ويمدهم بالدعم المعنوي ويزيد من التلاحم والاستقرار الاجتماعي, أو, على العكس من ذلك, يصبح المحرك الأساسي لحركات الإصلاح والثورات.


فعلاقة الدين بالمكان والزمان والإنسان هي علاقة حدود فاصلة بين المقدس وغير المقدس, بين المشابه والمختلف, حيث يصبح التماثل أو التماهيIdentification عنصرا أساسيا في خلق أي تجمع إنساني, فئويا صغيرا كان أو جامعا لفئات متعددة, وفي تكوين الهويات. بالإضافة إلى ذلك فإنه يمكن تلخيص هذه المقاربة للدين بالتأكيد على أن الدين أو أشكال التدين هي أنظمة مكونة من أربعة عناصر:
1- الاعتقاد: الذي يفسر الحياة ويحدد الأصول.
2- الشريعة: الشرائع التي يجب على الجماعة الخضوع لها لتحقيق أهداف العقيدة
3-الطقوس: الأعمال ذات الطابع الديني التي تطبق أصول الاعتقاد وتحدد الزمان والمكان المقدس, الروحي والمادي على السواء.
4- الجماعة: وهي الجماعة البشرية التي تؤمن بنفس المعتقدات وتمارسها.
إن التدين هو الطريقة التي نرتب بها المكان والزمان والطقوس التي نمارسها وهو تعبير عن الحدود التي نرسمها لوجودنا ولموقعنا داخل المجتمع. تكون هذه الحدود داخلية نفسية وذات امتدادات خارجية اجتماعية. فالموقع الذي نحتله داخل جماعة ما هو في نفس الوقت سبب ونتيجة لتلك الحدود النفسية والاجتماعية التي نتشارك في تبنيها مع فئة اجتماعية أو مع الجماعة ككل. فمستويات التماهي تختلف حسب طبيعة المعتقد والممارسة والموقع النفسي والاجتماعي السابق الذكر.
نخلص من هذا التقديم إلى أن التدين ضرورة إنسانية وأن طبيعة هذا التدين مرتبطة بالطريقة التي يموقع بها الإنسان نفسه في العالم كمكان وفي التاريخ كزمان ويمارس بها وجوده وفق حدود وشروط نفسية واجتماعية.هذا الفهم للظاهرة الدينية يجعلنا نضع ظاهرة الأولياء في سياق ظاهراتي نحلل فيه الظاهرة وفق شروط واقعية قابلة للملاحظة ودون الدخول في تفسيرات قيمية أو تبني أحكاما مسبقة تحكم على الظاهرة من موقع متعالي.

1– علاقة الظاهرة بالدين والثقافة:
في البداية يجب التفريق بين الدين كعقيدة وشريعة وبين التدين كفهم و تطبيق لهذا الدين. لهذا نجد اختلافات كثيرة في طرق التدين قد تصل إلى حد رفض طريقة لأخرى رفضا باتا يصل إلى حد التكفير, فهناك الشيعي والسني و الإباضي والصوفي, وحتى داخل نفس الاتجاه نجد اختلافات كثيرة في الفقه والعقيدة, كل يدعي أنه المصيب في اجتهاده وتدينه.
هذه الاختلافات في التدين هي تعبير عن الاختلاف الطبيعي في الإنسان, في استعداداته النفسية والفكرية وشروط تواجده في المكان والزمان.ونظرا لتواجد هذه الاختلافات ضمن سياق اجتماعي وتاريخي واحد فإنه من الطبيعي كذلك أن تدخل في صراع معلن أو خفي مع بعضها البعض, وتنتج عن ذلك الصراع السياسي تراتبية معينة يحددها الطرف الأقوى اجتماعيا وسياسيا, ويصبح تبعا لذلك تدين مقبول ورسمي ,وتدينات أخرى غير مدعومة رسميا, تحارب تارة أو يسكت عنها تارة أخرى.
في هذا لإطار أضع ظاهرة الأولياء باعتبارها فهما مختلفا للدين, للطبيعة ولله, وباعتبارها كذلك تعبيرا عن تدين خاص تحدده شروط نفسية واجتماعية.كما نفهم محاربة الإسلام السني لهذه الظاهرة في إطار الصراع الاجتماعي العام داخل المجتمع و في إطار محاولات سيطرة التدين الرسمي على باقي التدينات.هذا الصراع لا يتخذ شكل المواجهة الاجتماعية المباشرة بل يتم داخل نقاش عقدي يضع خطا فاصلا بين الإيمان الصحيح والكفر, حدود تستخدم آلية التكفير الديني كغطاء للإقصاء الاجتماعي والسياسي ولتكريس هيمنة فهم وحيد للدين.
إن انتشار ظاهرة الأولياء بالمغرب وكثافتها ببعض المناطق كمنطقة دكالة يجعلنا نتساءل عن الأسباب التي ساهمت في تكون هذه الظاهرة بصفة عامة قبل التطرق إلى دراسة خصوصياتها بمدينة آزمور:
أ-التصوف الطرقي: الذي اعتبره من بين الأسباب الموضوعية التي ساهمت في بروز هذه الظاهرة وتطورها, لأن مقولاته الأساسية تتأسس على فكرة الاختيار والاصطفاء الإلهي ورفع الحجاب والكرامات والبركة وغيرها من المقولات التي توحي للإنسان العادي الأمي بأن هؤلاء المتصوفة أكثر قربا من الله وأن الله يستجيب لدعائهم وبالتالي فإنهم قادرين على التوسط بين الناس والله. إن هذا الاعتقاد, بغض النظر عن صحته أو خطئه, هو نتيجة لخلط واضح بين معايير دنيوية تعتبر التوسط بين الناس مقبولا وايجابيا ومعايير دينية تعتبر التوسط والتواكل قيما سلبية ومرفوضة. فالأمية وضعف الثقافة الدينية ساهموا في تطبيع هذا الاعتقاد مع مرور الوقت وأصبح امتياز التوسط عند الله لكل إنسان يتميز عن العامة بنسبه إلى الرسول –ص- أو بسلوكه الدنيوي والتعبدي أو بالكرامات التي تحكى عنه أو بجهاده ودفاعه عن الناس والدين أو لعلاقة متميزة مع أحد عناصر الطبيعة أو بالإسقاط والخيال وخصوصا بعد وفاتهم ومرور الوقت واكتناف الغموض لسير حياتهم.
ب-العامل النفسي:إذا كان الدين ضروري بالفطرة فإن أشكال التدين تتكون تبعا لفهم الإنسان لعلاقته بالعالم الخارجي الطبيعي وما فوق الطبيعي, الإنسان يحتاج لاستقراره النفسي إلى مركز قار يرجع إليه وقت الأزمات أو نقطة ثابتة في هذا الكون يتجه إليها ويموقع بها نفسه في المكان والزمان. الديانات التوحيدية تحدد هذه النقطة الثابتة في الله, لكن أشكال التدين داخل هذه الديانات قد تختلف في تصورها لله ولطبيعة العلاقة التي تربطنا به. فالإنسان العادي, الأمي يخلط بين نظامين مختلفين في التعامل ورغم اعترافه بوجود الله فإنه يلجأ إلى وسطاء لاعتقاده في تميزهم وحسن مقامهم عند الله بالإضافة إلى ذلك فإنه يلجأ, لضعف قدرته على التجريد, إلى وسطاء ماديين كالإنسان و عناصر الطبيعة.
ج- العامل الاجتماعي: إن الشروط النفسية السابقة الذكر تساهم في تكون رغبة على مستوى الجماعة في خلق رمز أو أسطورة تتميز بها عن باقي الجماعات وتكون مصدر فخر وعامل وحدة لعناصر الجماعة, تقوي شعورهم بالانتماء وتساعدهم على تكوين هوية متميزة. قد يكون هذا الرمز شخصية تاريخية معروفة كأبي شعيب السارية ومولاي عبد الله أمغار أو شخصية غير معروفة أو خيالية, لأن عملية التقديس هي في الأصل غير خاضعة لسلطة مركزية دينية كانت أو دنيوية بل هي نتاج خيال شعبي تبقى قيه الحقيقة التاريخية ثانوية. إذن تصبح قيمة القبيلة أو الجماعة مرتبطة في العرف الشعبي بالولاء الذي يربطها بولي من الأولياء و بقيمة هذا الولي بين الأولياء, وهي قيمة تقاس كميا بعدد الزوار ونوعيا بسمعة الولي تاريخيا أو بالوظيفة التي يقوم بها بعد مماته.فلا مجال مثلا لمقارنة ولي مشهور كمولاي بوشعيب بولي آخر غير معروف كسيدي المخفي أو سيدي بنور بالمدينة القديمة. فللأول حفظة يقومون على تنظيم الزيارات وتسيير شؤونه المادية والطقوسية ويقوم هؤلاء الحفظة باحتكار هذا الحق ومحاربة كل من ينازعهم فيه

د-العامل السياسي و الاقتصادي:إذا كان لكل جماعة رموزا وأساطير تحتمي بها وترجع إليها في تكوين هويتها وموقعها بين باقي الجماعات, فإن الانتماء أو ادعاء الانتماء إلى ولي من الأولياء بالنسب أو بالخدمة أو بالصحبة يعطي لتلك الجماعة سلطة معنوية تستغلها سياسيا لطلب تنازلات ضريبية من قبل السلطان وهو ما حدث فعلا إلى حدود منتصف القرن الماضي, حيث استفادت جماعة سيدي حمو على تخوم آزمور من إعفاءات ضريبية بموجب ظهير ملكي على اعتبار أنهم شرفاء أدارسة. كما يستفيد جميع حفظة الأولياء المشهورين كمولاي بوشعيب من ظهائر تعترف بحقهم على الإشراف على مؤسسة الحفظة والاستفادة من مدا خيلها .والغريب في الأمر أن للاعائشة بحرية أو للا يطو لا تتوفر على مؤسسة قارة من الحفظة ولا على انتماءات معلنة من بعض القبائل لهم, ربما تكون لذلك علاقة بأصل للاعائشة العراقي-من بغداد- أو لطبيعة الطقوس التي تمارس هناك أو لأن الولاء يكون أقوى عند ما يكون لرجل.
إن ظاهرة الأولياء بأزمور هي تعبير حقيقي عن نوع من التدين والثقافة ساد لعصور ومازال يتواجد داخل فئات معينة من المجتمع ومازال يؤثر ولو بشكل نسبي في حياة الناس. إن انتشار هذا النوع من الفهم للدين ولعلاقة الإنسان بالطبيعة ساهم في تكوين ثقافة شعبية لها مؤسساتها التي تحميها وتستفيد منها ماديا واجتماعيا وسياسيا وإن بدرجات أقل مما كان عليه الأمر في الماضي.

2-الوظائف الإجتماعية للأولياء بمدينة آزمور:
لعل كثرة الأولياء بالمدينة وتعدد وظائفها يفرض علينا تحليلها انطلاقا من البنية الاجتماعية والثقافة التي أنتجتها, ولعل أهم ما يميز هذه البنية هو انتشار الأمية والتخلف العلمي وخصوصا في الطب, و سيطرة نفسية التواكل, وغياب العدل الاجتماعي والتوظيف السياسي للظاهرة, وسيطرة قيم المجتمع الذكوري والقهر الاجتماعي للمرأة.

أ- الأمية والتخلف العلمي والحضاري:
إن انتشار الأمية يعد عاملا أساسيا في تفاقم هذه الظاهرة وتطورها عبر التاريخ, فالإنسان الأمي يتلقى المعرفة الدينية أو غيرها عن طريق السمع و يؤ سس حياته وسلوكه على التقليد وتبقى ملكات النقد و التحليل غير متطورة عند أغلب الناس. إن اعتماد الإنسان الأمي على التجربة التي تصله عن طريق الحكي كمقياس للحكم على صحة أو بطلان اعتقاد معين يجعله عرضة للتضليل وهدفا سهلا لتمرير معتقدات تفتقد إلى الموضوعية والعلمية.
من ناحية أخرى كان الجهل والتخلف الحضاري والعلمي لقرون عديدة السمة البارزة الغالبة في المجتمع الأزموري الذي شهد ميلاد هذه الظاهرة وهي شروط يشترك فيها مع المجتمع المغربي ككل, فانتشار الطب الشعبي بوسائله الإستشفائية المادية و المافوق طبيعية جعل من الاستعانة بالأولياء في حياتهم لطلب الدعاء بالشفاء أمرا مرغوبا فيه وخصوصا وأن لدى الإنسان المسلم على العموم اعتقاد في أن الله هو الشافي من كل الأمراض.انتقل هذا الاعتقاد إلى الأولياء, وخصوصا بعد مماتهم, إما بصفتهم وسطاء أو بصفتهم قوة حية وحاضرة, قادرة على التأثير. ويكون الالتجاء إلى الأولياء إما بعد فشل الطب الشعبي أو العلمي في الإشفاء وتفشي اليأس في نفسية المريض أو مباشرة بعد الإصابة بالمرض.
أغلب الأولياء في آزمور لهم وظائف طبية, وهي وظائف أسندت لهم في أغلبها من طرف الخيال الشعبي الذي يتغذى على الحكايات التي يرويها الناس عن تجاربهم المرضية وشفائهم الذي يجعلون الفضل فيه لولي. هذا الفضل قد يكون صحيحا إذا أخذنا بعين الاعتبار التأثير النفسي لزيارة الأولياء في من يؤمن بقدرتها على الشفاء خصوصا إذا كان المرض بسيطا ومرتبطا بنفسية المريض, وقد يكون وهما سرعان ما يزول ليستمر مسلسل الزيارات لفترات طويلة.
تجد في أزمور تخصصات طبية تتعلق في معظمها بالأمراض والمشاكل الطبية التي كان يعاني منها الإنسان الأزموري كالأمراض الجلدية وأمراض الأسنان والروماتيزم والعقم وهي أمراض ومشاكل طبية لها أعراض خارجية ظاهرة سهلة التشخيص في حين نلاحظ غياب الأمراض الباطنية التي لا تتوفر على أعراض واضحة وذلك لغياب التشخيص العلمي وسيادة تفسيرات ذاتية غير دقيقة تسمي المرض باسم المكان الذي يظهر فيه الألم كمرض الركب والظهر.

ب-التراتبية في البنية الاجتماعية والتوظيف السياسي للظاهرة:
إن المجتمع التقليدي في المغرب عرف تطور مؤسسات اجتماعية وسياسية لها علاقة مباشرة بظاهرة الأولياء, فتنظيم المجتمع التقليدي تم أساسا على منطق العرف والدين, حيث يتم التمييز بين الناس إما بالرجوع إلى نسبهم, أو ثرائهم أو علمهم بالدين و سيرتهم الجهادية. تمثل هذه القيم المرجعية أسسا لبناء مؤسسات هذا المجتمع التي يتجمع حولها الناس وتستغل سياسيا. من بين هذه المؤسسات التي تهمنا نذكر مؤسسة المرابطين والشرفاء.
يكن الناس وخصوصا العامة كثيرا من التقدير والاحترام للشرفاء والمرابطين ويعظمونهم ويخدمونهم, ويحرص الفقهاء على أن يبقى هذا التعظيم والاحترام مستمرين, ومن بين هؤلاء الشرفاء نذكر أولاد سيدي حمو بوخنيفة على الضفة اليمنى لنهر أم الربيع, ونذكر من المرابطين أولاد سيدي فارس وهم حفدة أبا شعيب السارية. وقد استفادت هذه المؤسسة من خدمة الناس لهم ومن محاباة السلطة لهم بإعفائهم من الضرائب.لكن ارتفاع نسبة التعليم والتحديث المستمر للمؤسسات غير القيم المرجعية للتمييز والتفاضل بين الناس وأصبح الناس يتجمعون حول الأحزاب والجمعيات.لكن هذا لم يمنع استمرار تأثير تلك القيم في الذاكرة الشعبية وفي ممارسات الناس العادية, حيث لازلنا نجد الناس يتفاخرون بانتمائهم لولي من الأولياء ويستفيدون من بعض الاحترام, كما تشجع السلطة السياسية المواسم والاحتفالات التي تقام ببعض الأولياء, ولا تمانع في تأسيس جمعيات على أساس الشرف والنسب.
رغم تقلص دور هذه المؤسسة واختزاله في التسيير المالي للضريح, فإن الأضرحة مازالت تعتبر فضاء للسياحة ولالتقاء شرائح اجتماعية معينة كالنساء بللا عائشة البحرية أو بمولاي بوشعيب. كما أن الارتباط النفسي لفئة مجتمعية بولي من الأولياء فقد تلك القوة التي كانت له في الماضي وأصبح الناس يستمدون الدعم النفسي والاجتماعي والسياسي من أشخاص أحياء كالبرلمانيين والوزراء الذين ينتمون بالولادة والنسب لتلك الجماعة.

ج-الحالة القانونية والقهر الاجتماعي:
نريد أن نشير هنا إلى مظهر آخر من البنية الاجتماعية له علاقة بالظاهرة وهو طبيعة المجتمع التقليدي الذكوري وسيطرة قيم تعطي السلطة للرجل وتجعل من المرأة عنصرا ضعيفا خاضعا. فالمرأة استبطنت عبر مرور الوقت هذا الضعف المفروض عليها وأصبحت تتصرف وفق ما تسمح به الظروف والواقع . ففي غياب مؤسسات اجتماعية وقانونية تحمي المرأة من قهر الرجل وتعسفه تلجأ المرأة إلى وسائل أخرى كالدعاء على الرجل في الأضرحة أو شكايته إلى الولي باعتباره حضورا حيا وفاعلا أو تلجأ في حالات قصوى إلى السحر.
توجد بمدينة أزمور ثلاثة أضرحة ,هي ضريح مولاي بوشعيب وضريح للا عائشة وللا يطو, ترتادها النساء بصفة جد ملحوظة,فمولاي بوشعيب هو قبلة كل امرأة عاقر غالبا مهددة بالطلاق,لأن المجتمع الذكوري يحب المرأة الولود ويكره المرأة العاقر ويحملها مسؤولية عدم الإنجاب. أما للا عائشة البحرية فتقصدها كل امرأة تأخر زواجها ونادرا ما تكون المرأة مرفقة برجل من العائلة لأن الزيارة تتم بتخطيط من امرأة سواء الأم أو الجدة أو الفتاة نفسها, دون علم الأب أو قد يكون على علم بالأمر ويظطر للقبول لإعتقاده أن ذلك في مصلحة البنت. أما للا يطو فتعتبر فضاءا شيطانيا من طرف الرجال وملاذا لليائسات من النساء, تذهب النساء الى هذا الضريح الذي هو عبارة عن ثلاثة قبور يحيط بهم حائط بدون سقف وتوجد بجواره حفرة كبيرة بها حفرة صغيرة بأحد زواياها تمارس بها النساء طقوسا سحرية بهدف السيطرة على الرجل والاحتفاظ به, إما خوفا من الطلاق وإما بدافع الانتقام.
وقد كونت النساء خطابا مصاحبا لهذه الممارسات يجعل من العقم مشكلة غيبية وليست ظاهرة بيولوجية, ويفسر سبب تأخر زواج الفتاة ب”لعكس” بدل إرجاعه الى أسباب موضوعية, كما يبرر هذا الخطاب قيام المرأة بأعمال السحر إما بالاعتقاد بوجود امرأة أخرى في حياة الرجل تقوم بأفعال سحرية للسيطرة عليه, ويبقى السحر في هذه الحالة دفاعا عن النفس, وإما يكون رد فعل يائس ضد سيطرة الرجل وطغيانه.
نلاحظ أن المرأة الأمية و حتى المتعلمة التي تلجأ إلى هذه الأضرحة للأسباب السابق ذكرها تفهم العالم كفضاء تحكمه قوى مافوق طبيعية كالعين والجن والسحر, وتبقى فيه الأسباب الحقيقية لظاهرة ما مغيبة وغير معترف بها, وهو فهم له خلفية نفسية قوية تتحكم في تأويل المرأة للظواهر الطبيعية والاجتماعية, والدليل على ذلك هو لجوء المرأة المتعلمة إلى هذه التفسيرات والتأويلات المافوق طبيعية, ففي حالات اليأس تضعف الأنا المثقفة وتترك المجال حرا أمام التفسيرات اللاعقلية التي تكون غالبا كامنة في اللاوعي .
نلاحظ كذلك أن الأمر يتعلق باستغلال المرأة لفضاء اجتماعي تضعف فيه سلطة الرجل ويعم فيه التسامح والسلم الاجتماعي, للبحت عن حلول غيبية لمشاكل اجتماعية وطبيعية. ففضاء الضريح يشكل قطيعة نسبية مع الثقافة الرسمية “الدينية” الذكورية ويفسح المجال لثقافة مهمشة للتعبير عن نفسها, همومها ومكبوتاتها, فتتحرر المرأة نسبيا من سلطة الرجل المباشرة. إن لجوء المرأة إلى الممارسات التي يسميها المجتمع الذكوري شعوذة هو نتيجة طبيعية لغياب فضاءات اجتماعية ومؤسسية تمارس فيه المرأة حضورها وتعالج فيه مشاكلها في إطار فهم موضوعي وواقعي. فكلما كان القانون ينصف المرأة ويعطيها حقوقها في العمل والتشريع الاجتماعي والمشاركة السياسية ,كلما كانت المرأة أقرب إلى الواقع والتحكم فيه, لأن التحكم في الواقع يدفع الإنسان إلى الإيمان به كقوة تفسيرية والتخلي عن التفسيرات الغيبية لأنها ستصبح غير ضرورية لأنها عوضت بأسباب حقيقية.
إن القهر الاجتماعي يشمل حتى الرجل, فعندما يتعذر عليه الحصول على العمل وتطول مدة البحث, يبدأ في التخلي عن تفسير وضعه بأسباب موضوعية ويلجأ إلى تفسيرات غيبية, وهو ما يدفع الكثير من الرجال للذهاب إلى للا عائشة للتخلص من “لعكس” الذي يلاحقهم ويمنع عنهم العمل. إذن فاللجوء إلى الأضرحة يتم بعد أن يفشل الشخص في تفسير الوضع الذي يعيشه تفسيرا واقعيا أو في حالة عدم قبوله لوضعه رغم واقعية التفسير الذي توصل إليه. إنه هروب من واقع لا يستطيع الإنسان تغييره بطرق واقعية فيلجأ إلى تغييره بطرق غير واقعية. من يدري فلو كانت للمرأة نفس السلط التي يتوفر عليها الرجل لكانت للا عائشة وللايطو ومولاي بوشعيب مملوءة بالرجال عوض النساء.
نطرح العلاقة بين الوظائف والبنيات الإجتماعية كمدخل أساسي لدراسة الظاهرة لأن الوظائف تتغير بتغير البنيات. فمع انتشار مظاهر الحداثة تبدأ هذه الوظائف إما في التغير كما لاحظنا بالنسبة للوظيفة السياسية, أو بالتراجع والانقراض كما حدث ويحدث لجل الوظائف الطبية خصوصا بعد وعي الناس بضرورة التشخيص الصحيح واستعمال الأدوية الطبية, ونفس الشيء حدث لوظائف أخرى كالقسم في الأضرحة لفض النزاعات القانونية كما جرت العادة به في سيد المكي الشرقاوي بالمدينة القديمة بازمور, أو الانتقام والعقاب عن طريق الأضرحة كما كان يحدث بسيد الشتات أو الشرشام الموجود بالمقبرة حيث يقوم الإنسان الراغب في الانتقام بالحصول على حفنة من التراب من محيط الضريح ورميها على منزل الإنسان المراد عقابه.
إن انتشار مظاهر الحداثة والعقلانية المتزايد حد بل وقضى على الكثير من الوظائف ولم تبقى إلا الوظائف التي مازالت تتوفر على دعم اجتماعي من طرف فئات اجتماعية مازالت تؤمن بفعالية دور تلك الأضرحة كالنساء العاقرات أو الراغبات في الزواج أو في المحافظة على الأزواج أو النساء و الرجال الذين مازالوا يعتقدون في وجود “لعكس “- الذي هو تعبير خجول وبديل لكلمة السحر- كقوة غيبية تقف ضد تحقيق أهداف معينة كالزواج والعمل و نجاح التجارة وغيرها.

3-رمزية الطقوس وعلاقتها بالإحيائية وعبادة الطبيعة:
إن للطقوس التي تمارس داخل وفي محيط الأضرحة دلالة رمزية سيميولوجية بالنسبة لدارس الظاهرة لكنها بالنسبة للممارس ذات دلالة واقعية وتنتج عنها آثار واقعية, لأن الممارس يعتقد في وجود قوة غيبية حاضرة وفاعلة في عناصر الطبيعة وخصوصا تلك المتواجدة في محيط وداخل الضريح لأنه يعتقد أن الولي المدفون في ذلك الضريح مازال حيا وحاضرا كقوة مؤثرة في حياة الناس, هذه القوة التي يسميها الناس البركة ويغلفونها بغلاف ديني هي امتداد وتجسيد للإحيائية التي اعتقد فيها الإنسان منذ فجر التاريخ.
الإحيائية هي الاعتقاد في وجود أرواح في عناصر الطبيعة وهي بحث عن شيء مقدس في العالم المادي, عن مرجع وملاذ يلجأ إليه الناس وقت الأزمات والضعف والقهر. وتختلف أشكالها باختلاف مستويات التجريد والتمثل لدى الناس. فقد تمثلت المظاهر الأولى للإحيائية في عبادة الأشجار والنار والكواكب ومنابع المياه والجبال و الأحجار وغيرها وقد حاربت الديانات التوحيدية هذه المظاهر الإحيائية لكنها لم تستطع القضاء عليها بصفة نهائية فبقيت لها امتدادات في الثقافة الشعبية حيث يغلب الخيال والمعتقدات اللاعقلانية.
يمكن ملاحظة مظاهر الإحيائية في كل الطقوس التي يمارسها الزائر للأضرحة في مدينة آزمور, وتختلف الطقوس باختلاف هدف الزيارة, فالمرأة الزائرة لللاعائشة البحرية التي تريد أن تتخلص من “لعكس ” الذي يمنعها من الزواج تغتسل بماء البئر الموجود بجانب الضريح لاعتقادها في أن الماء فيه بركة أو قوة روحية تخلص المغتسل به من الموانع التي تقف أمام الزواج. كما يطلب منها التخلص من بعض الثياب الداخلية مع المشط الذي استعملته أثناء الغسل ورميها أو تعليقها على النخلة الموجودة بجانب البئر. إن هذا الطقس الأخير هو تجسيد مادي لعملية خروج “لعكس” من الشخص المغتسل, وتبقى الأشياء المتخلص منها أو مايسميه العامة ب”التابعة” أو ex –voto بالفرنسية شاهدا على ذلك ونجد نفس العملية –أي التخلص من التابعة- تتم بطريقة مختلفة شيئا ما بضريح سيدي وعدود حيث يقوم الزائر الذي يريد التخلص من “لعكس” برمي أحد ملابسه الداخلية أو بحزم عقدة في أحد أشجار “الرتم” الموجودة في محيط الضريح.
إن الاستعانة بالأشجار والماء للتخلص من هذه القوة الشريرة التي تسمى “لعكس” يترجم بطريقة واقعية ذلك الاعتقاد في انتشار تلك القوة الروحية للولي في محيط وحرم الضريح وحلول تلك القوة في العناصر الطبيعية الموجودة فيه سواء كان حجرا أو شجرا أو ماء أو ترابا أو أكلا كالتمر وغيره أو حناء, وعموما يعتقد أن البركة تعم مجموع الحرم, بحيث تنتقل القداسة إلى كل شيء يتواجد في محيط الضريح.

من بين الطقوس التي تثير الانتباه كذلك تقديم الهدية للولي في إطار علاقة تعاقدية يتوجها وعد بهدية أكبر في حالة تحقق المراد من الزيارة. فالزائر العادي لمولاي بوشعيب مثلا يشتري عادة الشمع ويقدمه للمحافظ على الضريح أو يرمي بعض النقود في الصندوق المخصص لذلك, أو يقدم ذبيحة, عادة ديك, تذبح في المذبح بجانب الضريح أو تسلم حية للمحافظ. تقديم هدية مادية للولي تقوم على افتراض قوي بأن الولي لازال حيا يقدم خدماته حسب الهدية التي تقدم له. فالشمع ينير المكان ويطرد الظلمة والوحشة عنه وعن الولي الذي يسكن به, كما أن تقديم الذبيحة يعتبر تقربا إلى الولي واستجلابا لرضاه للاستفادة من خدماته.وكلما كان الطلب كبيرا كانت الهدية أكبر.

عادة ما تنتهي زيارة بعض الأضرحة بشراء شيء ما من محيط الضريح كالتمر والحناء أو بحمل بعض الماء أو التراب كدليل مادي على الزيارة وك”باروك” يحمله الزائر لأهله أو من يريد الزيارة بالنيابة.
هناك طقوس أخرى تقوم بها الزائرة للاعائشة الراغبة في الزواج, كطلاء يديها بالحنة في استباق واضح لتحقق الزواج الفعلي أو كتعبير عن الفأل الحسن أو في أسوأ الأحوال كتعبير عن تفكير بالتمني, كما يرافق هذه الطقوس كتابة أسماء على حائط الضريح بالحناء, تحيل عادة على إسم المرأة مع أو بدون اسم العريس الهدف, على أمل أن تبارك الروح التي تسكن المكان هذا الارتباط الرمزي للأسماء على الحائط وتحوله إلى حقيقة واقعة. تقوم النساء بنفس الطقس بللايطو حيث تقوم بكتابة أسماء بالحناء لكن بطريقة مختلفة شيئا ما, حيث يكتب اسم المرأة أو الرجل الهدف متبوعا باسم الأم فنقرأ مثلا:”خلد ولد فاطنة ” أو”أمينة بنت مليكة” وهذا له علاقة بمعتقدات تتعلق بالسحر.فالشخص والاسم يمثلان شخصا واحدا, ما يقع على الاسم أو الصورة يمكن تحقيقه على الشخص ذاته سواء كان الشيء ايجابيا أو سلبيا, وهذا مايؤكده أورنست كريس- 1952 KRIS,- في دراسته للأصول الأنتروبولوجية للكاريكاتير,فيؤكد على العلاقة بين الفعل الممارس على الصورة والفعل المراد تحقيقه على الشخص ذاته في الممارسات الأولى للسحر عند الشعوب البدائية والتي مازالت الشعوب المتحضرة في القرن الواحد والعشرين تقوم بها كحرق مجسمات الأعداء أو رايات البلدان المعادية.
بالإضافة إلى الماء والأشجار كمظاهر للإحيائية المرتبطة بالأولياء نورد مثالا آخر يوظف فيه عنصر طبيعي آخر وهو النار وخصوصا في الممارسات المرتبطة بالسحر. فالنار مرتبطة معرفيا ودينيا بالجن والشياطين وقوى الشر وهي تستعمل إما لشر أو دفع الشر والقضاء عليه. في للا يطو يستعمل النساء النار ل”طبخ ” توب خاص بالزوج في قدر أسود على “كانون” يتكون من أحجار, ويطبخ التوب ب “الماء القاطع” أوجافيل “. يكون الهدف من هذا الطقس هو التحكم في الرجل و استمالة قلبه للمرأة.
تتوفر هذه الطقوس على دلالات رمزية واضحة. قد لا تعترف النساء الممارسات برمزيتها وتتمسك بتأثيراتها ومعانيها الواقعية, لكن على ما يبدو أن الخط الفاصل بين الرمز والواقع قد اختفى مع مرور الزمن وأعتبر هذا الخلط نتيجة لتأثير المعتقدات الإحيائية, فإسقاط القداسة على أشياء طبيعية عادية جعل منها أشياء مقدسة ومن قداستها الرمزية شيئا واقعا مؤثرا.
من الأمثلة الأخرى المعبرة عن هذا الخلط بين الرمز والواقع طقس يمارس خارج المدينة بمكان يوجد على بعد 4 كيلومترات جنوب شاطئ الحوزية يسمى حجرة بيبور.يزور المكان رجال ونساء على السواء بهدف إبطال مفعول السحر حيث تستعمل النار والبخور وأمواج البحر لتحقيق ذلك, مع العلم انه لا يوجد أي ضريح بالمكان ولا أي حجر محدد يمارس في محيطه هذا الطقس, فليس هناك سوى صخور البحر التي تغير مكانها من وقت لآخر بفعل المد والجزر. في هذا المكان الاتصال بالطبيعة يتم بطريقة مباشرة وبدون وسطاء.
نلاحظ أن الطقوس مرتبطة بالضرورة بأحد عناصر الطبيعة: ماء البئر, تراب, شج, أمواج البحر, نار وغيرها, كما نلاحظ أن هناك اعتقاد جازم في واقعية الطقوس وآثارها الفعلية ولا يمكن تمثل رمزيتها إلا كأثر جانبي لقراءة من الدرجة الثانية. هذا الارتباط بين هذه الطقوس والطبيعة يدل على أن الإحيائية كنموذج لفكر أسطوري وبدائي مازالت تحتفظ ببعض المواقع في اللاوعي الجمعي وتخترق بعض ممارساتنا التعبدية والحياتية وإن أخذن أشكالا ومفاهيم “دينية”.

4-نوعية الطقوس وعلاقتها بالسوسيو مجال:
الطقوس كفعل اجتماعي وثقافي لها بنية ووظيفة ترتبط طبيعتهما بالمجال الذي تتم فيه.يمكن تقسيم هذه الطقوس الى :
1- طقوس مقبولة دينيا: هي طقوس الزيارة “الشرعية” التي تشترط الإعتراف بإنسانية الولي وموته الفعلي والأمر بالدعاء له, وهذا النوع من الزيارة قليل وليست له شعبية, وهناك من علماء السلفية من يدخل زيارة الأضرحة في باب البدعة .
2- طقوس مسكوت عنها دينيا: خصوصا من طرف الدين الرسمي المدعوم من طرف الدولة كإقامة احتفالات ليلة القدر ببعض الأضرحة بآزمور كسيدي وعدود أو إقامة مواسم صغيرة داخل أو في محيط بعض الأضرحة كمولاي بوشعيب وسيدي قاسم وسيد المكي الشرقاوي بالمدينة القديمة, بالإضافة إلى تلك الخرجات التي تقوم بها فرق حمادشة وعيساوة من زواياها والتجول داخل المدينة القديمة بمناسبة عيد المولد النبوي
3-طقوس مرفوضة من طرف الاتجاهات السلفية: لكنها تبقى مسكوت عنها من طرف السلطة السياسية ومقبولة اجتماعيا أو على الأقل لا تحارب بطرق فعلية, وهي تلك الطقوس التي تتم بهدف تحقيق نفع صحي أو اجتماعي مقبول من طرف الرجل والمرأة على السواء كالقضاء على العقم أو تسهيل زواج البنت أو الشفاء من مرض ما.
4-طقوس مرفوضة دينيا واجتماعيا وخصوصا تلك التي لها علاقة بالسحر.
الملاحظة الأولى التي يمكن تسجيلها عن علاقة الظاهرة يالسوسيو مجال هو كثرة الأضرحة وهذا راجع الى عوامل تاريخية وجغرافية منها انتشارزوايا التصوف الطرقي ورباطات الجهاد الحربي ضد الأجانب والمذهبي ضد ما يصفونهم بالمبتدعة أمثال البورغواطيين وتواجد شخصيات صوفية وتاريخية مشهورة كمولاي بوشعيب بالإضافة إلى موقع آزمور الجغرافي التي يغري بالاستقرار.
هذه العلاقة لها جذور تاريخية لكن ما يهمنا في إطار المقاربة الخاصة بهذا العرض هو دراسة هذه العلاقة في بعدها الحاضر حيث نلاحظ توزيعا دالا للأضرحة,فمولاي بوشعيب يوجد في ربوة عالية وبارزة تشرف على المدينة كلها التي تحمل إسمه وتتشرف باحتضان قبره. يوجد بجانب الضريح مقبرة المدينة التي جعلت منه مركزا يتجمع حوله الأموات كذلك ولهذا دلالة في الثقافة الشعبية حيث يوصي بعض الناس بدفن جثتهم وسط ضريح أو بالقرب منه.
نظرا لتميز الزيارة إلى مولاي بوشعيب من الناحية الكمية وكذلك النوعية فقد انتشر حول الضريح نشاط اقتصادي يشمل التجارة المرتبطة بهذا النوع من السياحة “الدينية” كمحلات بيع التمر والحناء والشمع وبعض الأواني والديكورات المصنوعة من الفخار, كما يشمل نشاط فندقي غير مهيكل يستفيد منه السكان المجاورين للضريح.
بالنسبة لعلاقة سكان المدينة بهذا الضريح, فلم يعد يزوره إلا النساء إما بهدف محدد أو بدون هدف, كمكان للاستراحة ولالتقاء النساء في فضاء غير خاضع لمعايير الثقافة الرسمية و خارج سلطة الرجل. بالنسبة لباقي السكان فإن مولاي بوشعيب يقع خارج اهتمامهم ويبقى مجرد رمز تاريخي يوظف في خطابات سياسية أو ثقافية.
بالنسبة لباقي الأضرحة التي توجد داخل مدينة آزمور فإنها تنتشر بطريقة يمكن تفسيرها بمعطيات تاريخية تتعلق بحياة المرابطين والأولياء الذين دفنوا بها, لكن ما يهمنا هو احتفاظ هذه الأماكن بتواجدها رغم أن معظمها مهجور أو مقفل, في إشارة دالة على تقلص دورها في حياة الناس إلى مجرد آثار لثقافة انتهى دورها ولم تعد قادرة على تقديم حلول لمشاكل أصبح اليوم حلها بيد مؤسسات أخرى أكثر تنظيما وعقلانية.
لعل ما يثير الدارس لعلاقة الظاهرة بالسوسيو مجال هو تواجد بعض الأضرحة والطقوس دون غيرها خارج المدينة كضريح للا عائشة البحرية وللايطو وحجرة بيبور . .إن وجود هذه الفضاءات على هامش المدينة يحمل دلالات على موقعها في الثقافة الشعبية وعلاقتها بباقي الأنظمة الرمزية التي تكون المجتمع وبالسلط التي تتصارع حولها.
إن الوظائف التي أسندها الناس لهذه الفضاءات هي في علاقة ضرورية وجدلية مع البنية الاجتماعية للمجتمع التقليدي الذي لم يكن وليس بإمكانه منع الزيارات والطقوس التي تمارس داخل هذه الفضاءات لارتباطها بمفاهيم دينية وذاكرة تاريخية, فكان على الأقل بإمكانه دفع الممارسات التي فيها حرج أو تناف صريح مع الدين الرسمي إلى خارج المركز. .إن اختيار النساء لهذه الفضاءات لممارسات نسبيا مرفوضة دينيا أو اجتماعيا هو ناتج عن استبطان هذه الفئة للحرج أو المنع الذي يطال هذه الممارسات من طرف السلطة الاجتماعية الذكورية المهيمنة التي لا ترى في هذه الممارسات سوى انحراف عن العرف والدين وليست كأعراض لظلم اجتماعي يطال المرأة في غياب أي مؤسسات تدافع عن حقوقها .
توجد للاعائشة البحرية على مصب أم الربيع الذي يبعد عن المدينة بحوالي أربع كيلومترات في مكان خال على حافة الغابة.قد يكون الدافع للزيارة هو دفع “لعكس” للحصول على زوج أو عمل لكن ما يمكن ملاحظته هو التحول الذي بدأ يطرأ على الممارسات داخل فضاء الضريح فأصبح عدد الذين يمارسون تلك الطقوس يتقلص وأصبح البعد الاجتماعي أكثر حضورا حيث يقوم الناس بالتعارف والاستجمام والأكل وقضاء وقت ممتع على الشاطئ. يرجع هذا الأمر إلى ارتفاع نسبة الوعي لدى الفتيات وإدراكهن للأسباب الدنيوية المادية لعدم الزواج كقلة الاختلاط بالناس وعدم التنقل وتغيير السياقات الاجتماعية للتعارف وغيرها من الأسباب المرتبطة بذلك.
إن للتغير الثقافي وتغير البنية الاجتماعية أثر في الوظيفة التي اسندت قديما لهذا الفضاء وأصبح الطابع الدنيوي المحايث هو الغالب على الممارسات والطقوس, وأصبحت الطقوس مجرد غطاء أو مبرر للزيارة بالنسبة لأكثرية الوافدين على المكان.
بالنسبة لللايطو فهي أكثر بعدا عن الأنظار وراء الغابة ووسط الحقول بجانب مقبرة قديمة.لاحظت من خلال زيارتي لهذا المكان أن الرجل غير مرغوب فيه في هذا المكان فهو فضاء خاص للنساء فقط كما أن التصوير ممنوع. كان خطاب المرأة المحافظة على المكان خطابا اجتماعيا تبريريا من الدرجة الأولى, فالنساء اللواتي تأتين لهذا المكان تعرضن معظمهن لظلم الرجل أو لهجره ونظرا لطول المسطرة القانونية ولقلة القوانين التي تحمي المرأة من هذا الظلم فإن الالتجاء لللا يطو أسرع وأحسن ما يوجد على أرض الواقع.
لم يكن بالمكان أي امرأة لكن عند مغادرتنا وجدنا ثلاثة نساء بالطريق قادمات للزيارة تتوسطهن امرأة أصغر سنا تضع لثاما على وجهها بهدف إخفاء هويتها, وعلى ما يبدو فهي المرأة المتضررة والمعنية بهذه الزيارة.
إن البعد المكاني عن المدينة والحرج الواضح على الزائرات ووجود خطاب تبريري جد متطور يدل على علاقة جد متميزة لهذا المكان بالمجتمع الذي يرفض هذا النوع من الممارسات ويحاربها بخطاب مضاد يحقر المرأة التي تلجأ إلى هذه الممارسات ويلوث سمعتها لكنه لا يتخذ أي خطوات فعلية لإزالتها, ربما لأن السلطة السياسية لا تريد ذلك وتعتبره كمتنفس لفئة اجتماعية عير مسيسة أو ربما بسبب تعاطف خفي للرجل مع المرأة الأم أو الأخت أو البنت.
نفس الشيء ينطبق على حجرة بيبور من حيث البعد المكاني لكن الطقوس التي تمارس بهذا المكان يشترك فيها الرجل و المرأة, وهي طقوس تهدف إلى إبطال مفعول السحر, الأمر الذي يجعل من سمعة المكان أقل سوءا من للايطو.
إن علاقة الطقوس الخاصة بهذه الظاهرة بالسوسيو مجال لها دلالات متعددة تخص بالأساس تلك العلاقة الجدلية بين البنيات الاجتماعية والثقافة, فوضعية المرأة في مجتمع ديني تقليدي تغلب عليه القيم الذكورية وانتشار الأمية والفكر الغيبي الممزوج ببعض المعتقدات الدينية وغياب التفكير العلمي والعقلاني وغياب مؤسسات اجتماعية تضمن الحقوق للجميع, ساهمت بشكل كبير في تطور هذه الطقوس, باعتبارها ثقافة ونموذج تواصلي داخل المجتمع, وفي تنظيمها وتراتبيتها داخل الفضاء الاجتماعي العام. بناءا على حتمية هذه العلاقة بين البنية والوظيفة نؤكد على أن الوظائف التي تلعبها الأضرحة في حياة الناس ستتغير مع تغير البنيات التي تدعمها, فانتشار العقلانية وانتشار حركات الإصلاح الديني وتكون المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تضمن للمرأة حقوقها في العمل والعدل والمساواة مع الرجل سيغير حتما من وظائف الأضرحة التي ستتكيف مع الطبيعة الجديدة للسوسيو مجال وقد تتحول إلى مجرد أماكن للسياحة أو للذكرى وقد لا تحتاج المرأة إلى للايطو للحصول على حقوقها ولا على مولاي بوشعيب للحصول على الولد.

5- سيميولوجية الألوان
اللون حمال دلالات متعددة حسب السياق والفضاء المستعمل فيه, فضاء الأضرحة يحتاج إلى دعامات دلالية ذات طبيعة رمزية كاللون التي يميز كساء القبر والأعلام التي ترفع فوق الضريح. يكسى القبرغالبا بثوب لونه أخضر ويرفع علم أبيض فوق الضريح. بالرجوع إلى تاريخ الإسلام نجد أن اللون الأبيض هو سنة نبوية كما أن اللون الأخضر كان يميز ثياب الأشراف –أبناء الحسين- ومن المعروف تاريخيا أن السادة قبل الإسلام وحتى بعده كانوا يلبسون اللون الأسود لكنهم تخلوا عنه عندما أصبح الأسود اللون المفضل للكهنوت المسيحي.
إن استعمال اللون الأبيض و الأخضر هو تقليد يشهد بالأصول الدينية لظاهرة لأولياء وبالتأكيد على طابع القداسة والنسب الشريف للولي. ما يثير الاهتمام حقا هو استعمال ألوان أخرى كالأصفر والأحمر وحتى الأسود للدلالة على تواجد ممارسات جانبية أو خدمات يمكن الاستفادة منها بالقرب من الضريح وهي في معظمها شعوذة كما هو الحال بللا عائشة البحرية.

6- زيارة الأضرحة والمرأة:

من الناحية الكمية نجد أن المرأة هي الزبون الأول للأضرحة وهذا يجعلنا نتساءل عن سبب هذا التميز العددي للمرأة كزائرة ومترددة باستمرار على هذه الفضاءات.أشرنا في ما سبق إلى بعض العوامل التي لها علاقة بالبنية الاجتماعية وبعلاقات السلطة المتواجدة داخلها, فالمرأة رغم تفوقها العددي فهي تنتمي إلى أقلية نوعية أو لنقل إلى شريحة اجتماعية مسيطر عليها من طرف سلطة أخرى مهيمنة وهي سلطة الرجل التي تعتبر المرأة عنصرا ضعيفا تابعا ولا حق له في إبداء الرأي. وقد ساهم في دعم هذه الأكليشيهات والصور الذهنية المسبقة حول المرأة ثقافة قديمة تكونت منذ القدم وتعددت مصادرها ولا مجال هنا لتعدادها, وعاشت المرأة داخل هذه الصور واستبطنتها لضعفها وعدم قدرتها على منازعة سلطة الرجل وأصبحت تتصرف وفق هذا التصور الذكوري للمرأة كشخص ضعيف يلجأ إلى الكيد والسحر ويلجأ إلى قوى غيبية للإستغاثة وطلب العون. قد يطرح هذا الأمر إشكالية الحدود الفاصلة بين الثقافة والطبيعة –1945, MERLEAU-Ponty – , وأكاد أؤمن بأن هذه الصورة هي في أصلها ثقافية وليست طبيعية بيولوجية, فالإنسان المقهور في نظام اجتماعي معين يستبطن ضعفه ويبرره أحيانا حتى يتمكن من العيش داخل هذا النظام وحتى يتجنب الصراع المباشر – 1994, EAGLTON-. قهر المرأة بدأ منذ فجر التاريخ واستمر بدرجات متفاوتة حسب الأنظمة الاجتماعية والمعتقدات الدينية وتحول الضعف الناتج عن هذا القهر إلى طبيعة بشرية وهذا ما تحاول الحركات النسائية أن تحوله إلى مجرد ثقافة مفروضة من طرف المجتمع الذكوري.–كتابات نوال السعداوي وغيرها-

هذا الفهم الخاص لعلاقة المرأة بالأضرحة يجعلنا نضع الظاهرة في إطار ها الاجتماعي والثقافي النسبي و نفسرها من داخل البنية الاجتماعية بسلطها وعلاقاتها المتعددة. تعتبر زيارة المرأة للأضرحة نموذجا للتعبير والتواصل النسائي فهي تلجأ إلى فضاء تضعف فيه سلطة الثقافة الرسمية وتتقوى فيه سلطة المرأة. لكن الوسائل المتاحة للتعبير وللتواصل جد محدودة, فتكتفي المرأة باعترافات وعلاقات محدودة وتلتجئ معظمهن إلى التواصل مع قوى غيبية تعتقد النساء أنها أكثر قوة من الرجل والنظام الاجتماعي الذي يقهرها و أنها قادرة على مساعدتها.
قد يرى بعض الباحثين في الظاهرة تدينا خاصا بالنساء أو على الأقل روحانية نسائية خاصة, وقد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما, لكن , وبالإضافة إلى ذلك, فالأمر كما يبدو لي هو تعبير عن رد فعل اجتماعي لشريحة اجتماعية مقهورة ومسيطر عليها ومحرومة من التعبير والمطالبة بحقوقها..إن القهر وغياب قنوات الحوار وغياب المؤسسات التمثيلية يجعل من سلوك المرأة هذا سلوكا سياسيا سلبيا أو نوعا من أنواع المقاومة السلبية ويربط زيارة النساء للأضرحة ببنية القهر التي تعيش فيها وبالحاجة الى فضاء أكثر حرية وتواصلا.

7– مستقبل الظاهرة:
في ختام هذا العرض أعتقد أن الظاهرة تعتمد في وجودها على شروط موضوعية ثقافية واجتماعية, تتغير بتغيرها. إن تحسن وضع المرأة الاجتماعي والاقتصادي سوف يقلل من حاجتها إلى اللجوء إلى الأضرحة, فوجود الفضاءات الحرة والمؤسسات الاجتماعية والسياسية سيجعلها في غنى عن هذا الفضاء وعن الوسائل المحدودة والغير الواقعية التي يوفرها.كما أن انتشار الطب سيلغي تدريجيا الوظائف الطبية للأضرحة, وانتشار الأحزاب السياسية سيقلص من الدور السياسي للشرفاء والمرابطين ويجعل من انتماءاتهم للأولياء مجرد امتيازات فخرية لا تأثير لها على الواقع السياسي.
إن تغير البنية الاجتماعية المتسارع قد يغير من الوظائف التي يسندها الناس للأضرحة لكن تأثيرها على الخيال الشعبي والنفسية الخاصة ببعض الشرائح الاجتماعية كالنساء سيبقى محدودا ويبقى القضاء على تلك الطقوس والاعتقادات الإحيائية رهين بسيطرة العقل وكلما ضعف هذا الأخير برزت تلك المعتقدات ولو في أشكال مختلفة, فحتى المجتمعات الأكثر عقلانية لم تستطع التخلص بطريقة نهائية من هذه المعتقدات.

المراجع

1-مدينة آزمور وضواحيها ,من سلسلة مدن وقبائل المغرب,ترجمة وتعليق محمد الشياظمي والحاجي السباعي,مطابع سلا,1987.
2- عبد الهادي التازي,”آزمور مولاي بوشعيب من خلال التاريخ المحلي والدولي”,المناهل,عدد 35,اصدار لوزارة الشؤون الثقافية,الرباط,1986, ص 87-119
3ابن الزيات, التشوف الى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي ,تحقيق أحمد توفيق,منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ,الرباط,1980, ص187-192

Références :
1-AOUATTAH Ali, « Anthropologie du pèlerinage et de la sainteté dans le maraboutisme marocain », IBLA, 1995, t.58, n°175, p. 31-54.
2-EAGLTON, Terry, Ideology,London and New York, Longman, 1994.
3-KRIS, Ernst, Psychoanalytic Explorations In Art, New York International Universities Press, 1952.
4–MERLEAU-Ponty, Phénoménologie de la perception, Gallimard, 1945, (voir p.220)
املي أن تعم الاستفادة فكما استفدنا نريد لكم الاستفادة و دعواتكم معنا

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий