Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > التراتبات الاجتماعية والتراتبات الثقافية- دوني كوش

التراتبات الاجتماعية والتراتبات الثقافية- دوني كوش

إذا لم تكن الثقافة معطى وميراثاً ينتقل على حاله من جيل لجيل فذلك لأنها إنتاج تاريخي، أي أنها بناء يندرج في سجل التاريخ، وبشكل أدق، في تاريخ المجموعات الاجتماعية فيما بينها.ولكي يتسنى لنا تحليل منظومة ثقافية معينة، لا بد من تحليل الوضع الاجتماعي-التاريخي الذي ينتج هذه المنظومة كما هو عليه حالها[ بالاندييه، 1955].

إن ما يعدّ أولياً، من الناحية التاريخية، هو الاحتكاك   contact،  أما الثانوي فهو عملية التمييز التي تنتج عنها الاختلافات الثقافية.يمكن أن يخطر ببال أية مجموعة بشرية في حالة معينة،  الدفاع عن خصوصيتها من خلال محاولتها (الاقتناع) وإقناع الآخرين بأن نموذجها الثقافي هو نموذج أصيل وخاص بها.وأن عملية التمييز تدفع إلى تقويم وتقوية مثل هذه المجموعة من الاختلافات الثقافية أكثر من مجموعة أخرى تنشأ من طبيعة الحالة.

تنشأ الثقافات من علاقات اجتماعية تكون دائماً غير متكافئة.هناك إذا منذ البداية تراتب فعلي بين الثقافات ناتج عن التراتب الاجتماعي.والظن بعدم وجود تراتب بين الثقافات يعني افتراض أنها توجد بمعزل عن بعضها بعض،  لاعلاقة بينها، وهو أمر غير واقعي.إذا كانت الثقافات كلها جديرة بالأهمية نفسها وبالاهتمام نفسه بالنسبة للباحث أو المراقب فهذا لا يسمح باستنتاج أن الثقافات كلها معترف بها اجتماعياًً وتنطوي على القيمة نفسها.بهذا يمكننا الانتقال من المبدأ المنهجي إلى حكم القيمة.

لا بد إذاً من اللجوء إلى تحليل حربي polémologique  للثقافات، لأنها تنبئ عن صراعات وتتطور في حالات التوتر وأحياناً في حالات العنف.ومع ذلك، فلا بد من الابتعاد في هذا النوع من التحليل، عن التأويلات الاختزالية كتلك التي تفترض أن الأقوى يستطيع دائماً فرض نظامه  الثقافي ببساطة على الأضعف.وطالما أنه لا توجد ثقافة حقيقية سوى تلك التي ينتجها الأفراد أو المجموعات التي تحتل مواقع غير متكافئة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن ثقافات مختلف المجموعات تجد نفسها،  إلى حد ما،  في وضع قوة (أو ضعف) إزاء بعضها بعضا.لكن، حتى الأضعف، لا يجد نفسه دائماً،  أعزلاً تماماً في اللعبة الثقافية.

الثقافة المهيمنة والثقافة الخاضعة

القول بأنه حتى المجموعات الخاضعة اجتماعياً ليست مجردة من الموارد الثقافية الخاصة بها،  لاسيما من قدرتها على  إعادة تأويل الانتاجات الثقافية التي تفرض نفسها عليها إلى حد ما، لا يعني العودة إلى تأكيد أن المجموعات كلها متساوية وأن ثقافاتها متكافئة.

في فضاء اجتماعي معين، هناك دائماً تراتب ثقافي.ولم يخطئ كارل ماركس ولا ماكس ويبر حينما أكّدا على أن ثقافة الطبقة المهيمنة  تبقى كذلك باستمرار.وفي قولهما هذا، فهما لا يزعمان حتماً، أن ثقافة الطبقة المهيمنة تتمتع بنوع من التفوق الداخلي(الجوهري)أو حتى بقوة انتشار تكتسبها من “جوهرها” الخاص والذي يجعلها تسيطر “بشكل طبيعي”على الثقافات الأخرى.ويعتبر كل من ماركس وويبر أن القوة النسبية التي تتمتع بها الثقافات المختلفة في التنافس القائم بينها يرتبط مباشرة بالقوة الاجتماعية النسبية للجماعات البشرية التي تشكل حاملاً لها.والبحث عن ثقافة “مهيمنة” أو عن ثقافة”خاضعة”ليس إلا من باب المجاز.إذ ما نراه موجوداً في الواقع، هو عبارة عن جماعات اجتماعية بينها علاقات هيمنة وتبعية إزاء بعضها بعضا.

من هذا المنظور، ليست الثقافة الخاضعة بالضرورة ثقافة مغتربة وتابعة تماماً.إنها ثقافة لم تستطع عبر تطورها، أخذ الثقافة المهيمنة(والعكس صحيح أيضاً وإن كان بدرجة أقل) بعين الاعتبار.لكنها تستطيع إلى حد ما، مقاومة الفرض الثقافي المهيمن.وعلاقات الهيمنة الثقافية، كما يفسرها كل من كلود غرينيون وجان كلود باسرون(1989) لا يمكن فهمها عن طريق تحليل علاقات الهيمنة الاجتماعية نفسه.لأن العلاقات القائمة بين الرموز لا تعمل وفقاً للمنطق نفسه القائم بين المجموعات أو الأفراد.فغالباً ما نلاحظ تغييرات بين آثار(أو الآثار المضادة) الهيمنة الثقافية وبين آثار الهيمنة الاجتماعية.فالثقافة المهيمنة لا تستطيع فرض نفسها أبداً على ثقافة خاضعة كما تفرض مجموعة نفسها على مجموعة أخرى أضعف منها.فالهيمنة الثقافية لا تكون أبداً شاملة ولا تتحقق بشكل نهائي، ولذلك فهي تترافق دائماً بعمل تلقيني لا تكون آثاره دائماً وحيدة الجانب.وتكون هذه الآثار أحياناً “آثاراً حضارية” مخالفة لتوقعات المهيمنين، لأن التعرض للهيمنة لا يعني دائماً القبول بها.

وكما يوصي عالما الاجتماع السابقان، فإن الصرامة المنهجية تفرض دراسة ما تدين به الثقافات الخاضعة باعتبارها ثقافات مجموعات خاضعة، وبالتالي باعتبارها تبني أو تعيد بناء نفسها في وضع الهيمنة.لكن هذا لا يمنع دراستها أيضاً في حد ذاتها، أي باعتبارها منظومات تعمل وفق نوع من التجانس الخاص وإلا فلا داع للحديث عن ثقافة.

الثقافات الشعبية

إن تناول الحديث عن ثقافات الجماعات الخاضعة هو حتماً تعرض للنقاش الدائر حول مفهوم “الثقافة الشعبية”.في فرنسا تأخر تدخل العلوم الاجتماعية نسبياً عن الدخول في هذا النقاش الذي أطلقه في البداية، أي في القرن التاسع عشر، المحللون الأدبيون لأنه كان آنذاك محصورا في النظر إلى الأدب المسمى ب “الشعبي” لا سيما أدب “البيع المتجول”.فيما بعد وسّع دارسو الفلكلور منظور البحث وانصب اهتمامهم على التقاليد الفلاحية.ولم يتطرق الأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع لدراسة هذا المجال إلا منذ فترة قريبة.

لقد عانى مفهوم الثقافة الشعبية،  في بداياته، من بعض الغموض الدلالي نظرا لتعدد معاني حديه.فالمؤلفون الذين يلجؤون إلى هذه العبارة لا يعطون كلهم التعريف نفسه لكلمتي “ثقافة”و/أو “شعبية”، مما جعل النقاش بينهم أمراً صعباً.

ترى العلوم الاجتماعية أنه ينبغي تجنب أطروحتين وحيدتي الجانب ومتعارضتين تماماً.الأطروحة الأولى،  التي يمكن وصفها بالتبسيطية، لا تعترف بأن الثقافة الشعبية تنطوي على ديناميكية أو قدرة إبداعية خاصة بها.وهي لا ترى فيها سوى مشتقات من الثقافة المهيمنة الوحيدة التي يمكن الاعتراف بشرعيتها، والتي من شأنها الارتباط بالثقافة المركزية، أي ثقافة المرجع.وهي ليست سوى ثقافات هامشية أو نسخ مشوهة عن الثقافات الشرعية التي لا تتميز عنها إلا بعملية الإفقار.كما أنها ليست سوى تعبير عن الاغتراب الاجتماعي الذي تعانيه الطبقات الشعبية التي تفتقر إلى أي نوع من أنواع الاستقلال الذاتي.وبالتالي يتم تحليل الفروق  التي تميز الثقافات الشعبية عن ثقافة المرجع من هذا المنظور، على أنها نواقص وتشويهات وعدم فهم.وبعبارة أخرى، ، الثقافة “الحقيقية” الوحيدة هي ثقافة النخب الاجتماعية، على اعتبار أن الثقافات الشعبية ليست سوى منتجات فرعية لم تكتمل بعد.

وفي مقابل هذا المفهوم البائس، هناك أطروحة الحد الأقصى التي تزعم أنها ترى في الثقافات الشعبية ثقافات ينبغي اعتبارها ثقافات مساوية لثقافات النخب إن لم تكن أرفع منها.ويرى القائلون بهذه الأطروحة أن الثقافات الشعبية هي ثقافات أصيلة، وأنها ثقافات مستقلة تماماً ولا تدين بأي شيء لثقافة الطبقات المهيمنة.والأغلبية يقولون بعدم إقامة أية تراتبية بين الثقافتين الشعبية و”المتعلمة”.وبعضهم لا يتوقف عند هذا الحد، فيذهبون في جنوح إيديولوجي شعبوي إلى التأكيد أن الثقافة الشعبية قد تكون أرفع شأناً من ثقافة النخب، لأن حيويتها تكمن في القدرة الإبداعية ل”الشعب” وهي قدرة تفوق قدرة النخب الإبداعية.يتضح في هذه الحالة، أننا نصبح أقرب إلى الصورة الأسطورية للثقافة الشعبية منّا إلى الدراسة الدقيقة للواقع.

لكن الواقع أعقد مما تعرضه هاتان الأطروحتان المتطرفتان.فالثقافات الشعبية تبدو، بعد التحليل، لا تابعة تماماً ولا مستقلة تماماً، ولا هي محاكاة صرف ولا إبداع خالص.وعلى هذا فهي لا تؤكد سوى أن الثقافة الخاصة هي مجموعة من عناصر أصيلة وأخرى مستوردة، ومن اختزالات خاصة واقتراضات.والثقافة الشعبية، مثلها مثل أية ثقافة،  ليست متجانسة، لكن هذا لا يعني أنها تخلو من الانسجام.الثقافات الشعبية تعريفاً، هي ثقافات مجموعات اجتماعية  تابعة.وبالتالي فإنها تتكون في ظروف الهيمنة.بعض علماء الاجتماع الذين يأخذون هذه الظروف بعين الاعتبار، يشيرون إلى كل ما تدين به الثقافة الشعبية للهيمنة الثقافية.فالتابعون يردون على الفرض الثقافي عبر السخرية والتحريض والتباهي الإرادي ب”فساد الذوق”.إن الفلكلور، لا سيما العمالي أو فلكلور “الجندي البسيط” bidasse  يوضح الكثير من أشكال التحول أو اللعب التهكمي إزاء التلقين الثقافي.فالثقافة الشعبية هي،  بهذا المعنى، ثقافة احتجاجية.

إن وجود هذا المظهر في الثقافة الشعبية لايعني بالتأكيد أنه كاف لتعريفها.وإذا ألحينا  على هذا البعد التفاعلي فإننا نخشى الوقوع،  مرة أخرى، في الأطروحة التبسيطية التي تنكر على الثقافة الشعبية أية قدرة إبداعية مستقلة.وكما يشير غرينيون وباسرون فإن الثقافة الشعبية ليست معبأة باستمرار لكي تكون في موقع الدفاع المقاتل.إنها تعمل في حالة الهدوء أيضاً. والغيرية الشعبية كلها لاتجد نفسها في الاحتجاج.ومن جانب آخر، فإن قيم موقف المقاومة الثقافية وممارساته لا تكفي لتأسيس استقلالية ثقافية كافية لكي تنبثق ثقافة أصيلة، بل تضطلع رغماً عنها، بوظائف دامجة نظراً لسهولة استعادتها من قبل المجموعة المهيمنة.

ودون أن ننسى ظرف الهيمنة، علينا، لكي نكون أكثر دقة، أن ننظر إلى الثقافة الشعبية على أنها مجموعة من التصرفات التي “تتماشى مع” تلك الهيمنة وليس باعتبارها نموذج مقاومة منتظم ضد الهيمنة.

لقد قدم ميشيل دو سيرتو هذه الفكرة(1980) وعرّف الثقافة الشعبية على أنها الثقافة “العادية” لأناس عاديين، أي أنها ثقافة تتشكل تبعاً للواقع اليومي ومن خلال النشاطات العادية المتجددة كل يوم.وهو يرى أن الإبداع الشعبي لم يختف،  لكننا لا نجده حيث نبحث عنه في المنتجات التي يمكننا العثور عليها والمحددة بشكل واضح، لأنها متعددة الأشكال ومبعثرة:”فهي تهرب عبر ألف درب ودرب”. ولفهمها علينا  فهم الإدراك العملي للناس العاديين لا سيما في استخدامهم للإنتاج الجماهيري.ويرتبط بالإنتاج المعقلن والمنمّط والتوسعي والمركزي إنتاج يسميه دوسيرتو ب”الاستهلاك”.وهو يرى أن الأمر يتعلق ب”إنتاج” :فإذا كان الإنتاج لا يدل على نفسه بواسطة المنتجات خاصة فإنه يتميز من خلال “أشكال المسايرة”،  أي أشكال استخدام المنتجات التي يفرضها نظام الاقتصاد المهيمن.

بعد أن أعاد سيرتو الاعتبار إلى نشاط الاستهلاك بأوسع معانيه عرّف الثقافة الشعبية على أنها “ثقافة الاستهلاك”التي يصعب الكشف عنها لأنها تتميز بالمراوغة والسرية.من جانب آخر، هذا “الاستهلاك-الإنتاج الثقافي” هو شديد التبعثر كما يثيرنا تغلغله في كل مكان.بتعبير آخر، لا يمكننا معرفة هوية المستهلك أولايمكننا وصفه استناداً إلى المنتجات التي يتمثلها. لذلك علينا البحث عن “المؤلف” الكامن خلف المستهلك:إذ بينه(الذي يستخدمها)وبين المنتجات(مؤشرات النظام الثقافي التي تفرض نفسها عليه)هناك فارق الاستخدام الذي يقوم به.وفي هذا الفارق يقع البحث الجاري حول الثقافات الشعبية.

وبالتالي لابد من تحليل الاستخدامات في حد ذاتها، لأنها فنون حسن التصرف الأصيلة وتنتمي تبعاً للحالة كما يقول دوسيرتو، إلى التدبيرbricolage  أو الاسترجاع أو المخالفة، أي إلى الممارسات المتعددة الأشكال والمتراكبة التي لا تزال مجهولة.وعن طريق هذه المسايرات يسجل المستهلكون معنى للوجود مختلفاً عن المعنى الذي أُسقط على المنتجات المنمّطة.

وذهب الأمر بميشيل دو سيرتو إلى حد القول بوجود تشابه بين هذا النشاط الاستهلاكي اللامبالي وعمليات القطاف التي تتم في المجتمعات التقليدية.المستهلكون والقطافون ينتجون القليل من الناحية المادية، لكنهم ماهرون في الاستفادة من محيطهم.وهذه المهارة هي أيضاً خلاقة من الناحية الثقافية مثلها مثل تلك التي تؤدي إلى منتجات نوعية.هذه المنتجات-السلع تشكل إلى حد ما، الجعبة التي يلجأ من خلالها المستهلكون إلى عمليات ثقافية خاصة بهم.

لمثل هذا التحليل فضيلة بيان ما إذا كانت الثقافة الشعبية مضطرة لأن تكون، ولو جزئياً،  بمثابة ثقافة خاضعة بالمعنى الذي يقول بأنه على  الأفراد الخاضعين  أن “يسايروا” دائماً ما يفرضه المهيمنون أو يرفضونه، لأن هذا لا يمنعها من أن تكون ثقافة قائمة في حد ذاتها على قيم وممارسات أصيلة تعطي معنى للوجود.

ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا يوضح بشكل كاف ثنائية الثقافات الشعبية التي يعدها غرينيون وباسرون ميزة أساسية لها، ويريان أن الثقافة الشعبية هي ثقافة قبول وثقافة رفض في الوقت نفسه، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير الممارسة (العملية نفسها) على أنها تنطوي على منطقين متناقضين.وكمثال على ذلك، فإن عملية التدبير المعروفة لدى الطبقات الشعبية قد تم تحليلها من قبل بعض علماء الاجتماع على أنها  نتيجة  لشكل من أشكال الغربة عن العمل،  لأن العامل مضطر لأن ينجز بنفسه ما لا يستطيع الحصول عليه أو ما يعتقد أنه مجبر للحصول عليه، أو حتى، كما تقول التحليلات الأخرى، لأنه لم يعد يعرف ما يفعله بوقت فراغه سوى أن يجعل منه وقتاً للعمل.لكن باحثين آخرين يرون في التدبير إبداعاً حراً.إذ يبقى الفرد سيد إدارة وقته وتنظيم نشاطه واستخدام المنتج النهائي لتدبيره.لا شك أن هذا الوجه الثاني هو الذي يفسر نجاح التدبير باعتباره وقتاً للفراغ: التدبير يعيد للمرء فضاء من الاستقلال الذاتي في عالم تهيمن عليه القيود.والواقع أن التدبير المنزلي (مثل تنسيق الحديقة أو الخياطة أو الحياكة بالنسبة للنساء المأجورات)يمكن أن يبدد الضجر والعمل المجاني والرغبة في المبادرة والقيود وأن يتسم بطابع الحرية.

إن الإصرار على أن الثقافات الشعبية تدين لكونها ثقافات لمجموعات خاضعة يعني المبالغة في التقليل من شأن استقلالها الذاتي.هذه الثقافات غير المتجانسة، في بعض أوجهها، تتسم بتبعيتها للثقافات المهيمنة، وفي أوجه أخرى تكون،  على العكس، أكثر استقلالية.لأن الجماعات الشعبية ليست في مواجهة دائمة، وفي كل مكان،  مع المجموعة المهيمنة.في الأماكن وفي الأوقات التي يختلي فيها المرء إلى نفسه” فإن نسيان الهيمنة الاجتماعية والرمزية يسمح بقيام نشاط ترميزي أصيل.والواقع أن نسيان الهيمنة هو الذي يمكّن الطبقات الشعبية من القيام بنشاطات ثقافية مستقلة.إن الأماكن والأوقات الناجمة عن المواجهة غير المتكافئة متعددة ومتنوعة مثل: عطلة يوم الأحد، المسكن الذي يرتبه صاحبه على طريقته، وهي أماكن وأوقات الإلفة الاجتماعية بين أفراد متماثلين (المقاهي والألعاب الخ).ويخلص باسرون وغرينيون من هذا إلى أن القدرة على الغيرية الثقافية التي يتمتع بها أضعف الناس هي حتماً الأكثر إنتاجية من الناحية الرمزية بعيداً عن الأكثر قوة، ولهذا فهم يتخلصون من المواجهة والعزلة، حتى حين تتحول إلى تهميش، يمكن أن تكون أحد مصادر الاستقلال الذاتي(النسبي)والإبداع الثقافي.

مفهوم (الثقافة الجماهيرية)

شهد مفهوم “الثقافة الجماهيرية”نجاحاً كبيراً في فترة الستينات،  والسبب في هذا يعود،  جزئياً، إلى عدم دقته الدلالية وإلى الخلط بين مصطلحي “الثقافة” و”الجماهير” من وجهة نظر التقاليد ذات النزعة الإنسانية.ومن المدهش استخدام هذا المفهوم لدعم تحليلات واضحة الاختلاف.

بعض علماء الاجتماع مثل ادغار موران(1962)على سبيل المثال شددوا على صيغة إنتاج تلك الثقافة التي تخضع إلى أنظمة الإنتاج الصناعي الجماهيري.وتزامن تطور وسائل الاتصال الجماهيري مع الإدخال الحاسم إلى حد كبير، لمعايير المردود والريعية في كل ما يتعلق بالإنتاج الثقافي.وأصبح “الإنتاج”يتجه للحلول محل “الإبداع”.

مع ذلك فإن غالبية المؤلفين كرسوا أساس تحليلاتهم لمسألة استهلاك الثقافة التي تنتجها وسائل الاتصال الجماهيري، وبدا عدد لا بأس به من التحليلات أنها خلصت إلى شكل معين من التنميط  uniformisation الثقافي الذي قد يكون هو أيضاً نتيجة لتعميم وسائل الاتصال الجماهيري.في هذا المنظور،  يفترض بوسائل الاتصال أن تسبب اغتراباً ثقافياً ومحق أية قدرة إبداعية لدى الفرد الذي لا يملك الوسائل التي تجنبه الوقوع تحت وطأة الرسالة المنقولة.

الواقع أن مفهوم الجماهير يعاني من عدم الدقة، لأن كلمة “جماهير” تحيل تبعاً لبعض التحليلات، تارة إلى مجموع السكان وطوراً إلى المكون الشعبي لأولئك السكان.وقد ذهب الأمر ببعض من تصدى لهذا المكون إلى حد إدانة ما يظنون أنه “خبل” الجماهير.وهذه الاستنتاجات تنطوي على خطأ مزدوج لأن هناك خلطاً بين “ثقافة من أجل الجماهير” وبين “ثقافة الجماهير“. إذ ليس لأن كتلة من الأفراد تستقبل الرسالة نفسها يعني أن هذه الكتلة تشكل مجموعاً متجانساً.صحيح أنه هناك تنميط للرسالة الإعلامية، لكن هذا لا يسمح باستنتاج تنميط استقبال هذه الرسالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى،  من الخطأ التفكير بأن الأوساط الشعبية قد تكون الأقل مناعة إزاء وسائل الإعلام.إذ بينت بعض الدراسات السوسيولوجية أن تأثير الاتصال الإعلامي يكون أكثر عمقاً لدى الطبقات الوسطى منه لدى الطبقات الشعبية.

لابد من النظر إلى شروط الاستقبال بعين الاعتبار.فقد بين ريشار هوغارت أن قابلية استقبال الرسالة الإعلامية تكون شديدة الانتخابية لدى الطبقات الشعبية، وترتبط هذه القابلية بما يسميه “الانتباه المنحرف” الناجم عن موقف عام ينم عن الحذر والشك بكل ما لا يصدر عن الوسط الشعبي الذي ننتمي إليه:” لا بد من معرفة ما نأخذ منه وما نترك” لا سيما عدم الخلط بين الحياة”الجادة” وبين اللهو الذي لا يؤدي إلى نتيجة(هوغارت، 1957).وبالتالي فإن دراسة الاتصال الجماهيري لا يمكنها الاكتفاء بتحليل الخطابات والصور المبثوثة.ولكي تكون الدراسة كاملة، عليها أن تضاعف اهتمامها بما يفعل المستهلكون بما يستهلكون.إنهم يختصون بتلك الخطابات والصور ويعيدون تأويلها  من أجل منطقهم الثقافي الخاص بهم.هناك مسلسلات تلفزيونية أميركية مثل دالاس، والتي شهدت نجاحاً شبه عالمي، حتى في مدن الصفيح في ليما عاصمة البيرو،  وفي القرى الصحراوية في الجزائر، لم تٌفهم ولم ينظر إليها بالطريقة نفسها للأسباب نفسها هنا وهناك، وفي هذا الوسط الاجتماعي أو ذاك.ومهما كان منتوج البث “عاماً”فإن استقباله لا يمكن أن يكون منمطا لأنه يرتبط بالخصوصيات الثقافية بكل مجموعة، وبالحالة التي تعيشها المجموعة في لحظة الاستقبال.

الثقافة الطبقية

إن ضعف القيمة الاستكشافية لمفهوم الثقافة الجماهيرية وعدم دقة مفهومي الثقافة المهيمنة والثقافة التابعة قاد الباحثين  إلى إعادة نظر موضوعية  في مفهوم الثقافة (أو الثقافة التابعة) الطبقية من خلال الانطلاق-من الآن فصاعداً- من تحقيقات ميدانية تجريبية وليس من خلال الاختزالات الفلسفية كما في بعض التقاليد الماركسية.

لقد بينت عدة دراسات أن منظومات القيم ونماذج السلوك ومبادئ التربية تتنوع بشكل ملموس، من طبقة لأخرى.هذه الاختلافات الثقافية يمكن ملاحظتها حتى في الممارسات اليومية العادية جداً.وبناء عليه فقد بيّن كل من كلود وكريستيان غرينيون  أن هناك أساليب غذائية مختلفة ترتبط بمختلف الطبقات.والتسوق من نفس المتجر الذي قد يعطيك انطباعاً بوجود تجانس في أشكال الاستهلاك، يخفي خلفه خيارات متناقضة.ففي مجال الغذاء تجد أن العادات المرتبطة  بتقاليد مختلف الأوساط الاجتماعية هي شديدة الاستقرار.ولا يعود السبب الأساسي إلى الفروق في القوة الشرائية.لأن الممارسات الغذائية المرتبطة بالأذواق لا تختلف كثيراً عن بعضها  لأنها تحيل إلى صور غير واعية وإلى أشكال التعلم وإلى ذكريات الطفولة.إنك ترى التفاوت الاجتماعي حتى في اختيار الخضار واللحوم والفواكه والحلويات.فهناك لحوم “بورجوازية” مثل لحم الخروف والعجل،  ولحوم “شعبية” مثل لحم الخنزير والأرنب والنقانق الطازجة(في فرنسا).وهناك أيضاً تراتب في الخضار الطازجة تبدأ من أغناها كالأنديف إلى أكثرها فلاحيه مثل الكرّاث،  وأكثرها عمّالية مثل البطاطا.وطريقة الطهي تكشف بدورها عن أذواق الطبقات.وبالتالي فإن الأكل هو شكل يبيّن انتماء الفرد إلى طبقة اجتماعية معينة[ كلود وكريستيان غرينيون، 1980].

ماكس ويبر وانبثاق طبقة المقاولين الرأسماليين

لاشك في أننا ندين لماكس ويبر (1864-1920) في أول محاولة لربط الوقائع الثقافية بالطبقات الاجتماعية.ففي دراسته الأشهر :الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، التي نشرت عام 1905، جهد للبرهنة على أن التصرفات الاقتصادية لطبقة المقاولين الرأسماليين لا يمكن فهمها إلا إذا فهمنا مفهومها للعالم ومنظومة قيمها.وظهور هذه الطبقة في الغرب أولاً ليس من باب المصادفة.لأن السبب في انبثاقها كما يقول ويبر، هو سلسلة من التغيرات الثقافية التي ارتبطت بنشأة المذهب البروتستانتي.

ما يزعم ماكس ويبر دراسته في هذا الكتاب،  ليس أصل الرأسمالية بالمعنى الشائع للكلمة، بل تكوّن ثقافة(وهو يسميها الروح) طبقة جديدة من المقاولين،  خلقت،  بشكل ما من الأشكال، الرأسمالية الحديثة.يقول:

” وبالتالي فإن القضية المركزية في التاريخ العام للحضارة، حتى من وجهة نظر اقتصادية صرف، ليست في نهاية الأمر تحليل تطور النشاط الرأسمالي باعتباره كذلك، يختلف شكلياً تبعاً للحضارة[…] بل تطور رأسمالية الشركة البورجوازية وتنظيمها العقلاني للعمل الحر، أو إذا استخدمنا مصطلحات تاريخ الحضارات، إن قضيتنا ستكون قضية الطبقة البورجوازية    الغربية بما تتمتع به من سمات مميزة[(1905)، 1964، ص 17-18]

بالإضافة إلى البورجوازية التجارية التقليدية الكبرى، فإن الطبقة التي ستقوم بدور حاسم في انطلاقة الرأسمالية الحديثة هي البورجوازية المتوسطة “وهي طبقة تشهد صعوداً كبيراً حيث يتم اختيار المتعهدين بشكل خاص في بداية العصر الصناعي.هذه الطبقة ستجد نفسها في انسجام تام مع منظومة قيم الرأسمالية الحديثة والتي ستساهم في نشرها بشكل فاعل:

“في بداية العصور الحديثة لم يكن المقاولون الرأسماليون المنتمون إلى الطبقة التجارية وحدهم الحاملون أو التلامذة الأساسيون لما نسميه هنا روح الرأسمالية، لكن هذا الدور يعود إلى ثنايا الطبقة الصناعية الوسطى التي تسعى إلى الارتفاع”[1905) 1964، ص 67].

ما يميز هذه الطبقة الوسطى، كما يقول ماكس ويبر، هو “أسلوب الحياة”و”طريقة العيش”، بمعنى آخر، تلك الثقافة التي تقوم على أخلاقيات جديدة تشكل انقطاعاً عن المبادئ التقليدية.ويعرّف هذه الأخلاقيات على أنها “تقشف علماني“.

الأخلاق الرأسمالية تقتضي أخلاق الوعي المهني ورفع شأن العمل كنشاط يجد غايته في ذاته.فالعمل ليس فقط الوسيلة التي نحصل من خلالها على المصادر الضرورية للحياة.العمل يمنح الحياة معناها.وعن طريق العمل الذي أصبح حراً من الآن فصاعداً بفضل إدخال الأجراء يمكن للإنسان الحديث أن يحقق ذاته باعتباره شخصاً حراً ومسؤولاً.

إذا أصبح العمل قيمة مركزية في نمط الحياة الجديد، وهو ما يفترض أن نخصص لـه الجزء الأساسي من طاقتنا ومن وقتنا، فهذا لا يقتضي أن يكون الإثراء الشخصي هو الهدف المنشود.فالإثراء كغاية في حد ذاتها لا يخص روح الرأسمالية الحديثة، وفي المقابل فإن ما نبحث عنه  هو الربح(الذي يقاس بعائدية رأس المال المستَثمَر) وتراكم رأس المال.وهذا ما يفترض من جهة الأفراد شكلاً من أشكال التقشف والتحفظ والرصانة البعيدة عن منطق الإسراف والمباهاة بالمعنى التقليدي للشرف.

لا ينبغي على الأفراد الركون إلى أرباحهم والانجرار وراء المتعة العقيمة لما يملكون.عليهم أن يستخدموا أرباحهم بشكل مفيد اجتماعياً، أي من خلال تحويلها إلى استثمارات.إن الفضائل العلمانية الجديدة المعترف بها هي معنى التوفير والتعفف والجهد هي التي تشكل أساس النظام في المجتمعات الصناعية.

مَن هم أولئك المقاولون الجدد الذين يدخلون شكلاً جديداً من السلوك الاجتماعي والاقتصادي؟ يجيب ماكس ويبر، إنهم بروتستانت طهريون يقومون باستبدال التقشف الديني بتقشف علماني.ولا يمكن فهم روح الرأسمالية إلا بإظهار مصدر إلهامها، أي التقشف البروتستانتي الذي يسبغ عليها شرعيتها بشكل من الأشكال.إن الإصلاح الديني،  لا سيما الاتجاه الكالفيني، قد بث الفكرة القائلة: أن “رسالة ” المسيحي تتحقق في ممارسته اليومية لمهنته بدلاً من قضاء حياته في الدير.والإنسان يساهم من خلال عمله في إظهار مجد الرب، وليس مجد الممارسات السحرية أو الشعوذات.وليس له غير الخضوع لقدرة الرب والقيام على خدمته من خلال سلوكه التقشفي وحماسته للعمل.في هذا المنظور، يمكن إعادة تفسير النجاح المهني على أنه علامة اختيار إلهي.والفرد المتحرر من وصاية الكنيسة هو فقط من يصبح مسؤولاً أمام الله مسؤولية كاملة.

بالتالي فإن ويبر يلاحظ وجود تطابق بين أخلاق الإصلاح البروتستانتي وبين روح الرأسمالية الحديثة.لقد جرت الأمور كما لو أن النزعة الطهرية(البيوريتانية) الكالفينية قد أوجدت بيئة ثقافية ملائمة لتطور الرأسمالية عبر نشر قيم تقشفية مٌعَلمَنَة.وهذا ما يفسر أن من يشكل مبدئيا، طبقة المقاولين الجدد هم أفراد موسومون بطابع البروتستانتية.الأخلاقية البروتستانتية تسمح بفهم المنطق المشترك للتصرفات التي قد تبدو متناقضة:كرغبة الرأسمالي في تكديس الثروات ورفضه التمتع بها.

وعبر” عملية تربوية طويلة ودؤوبة” (المرجع السابق ص63)أثرت الأخلاق البروتستانتية في  مجموعات اجتماعية أخرى، بمن فيها العمال، بل وانتشرت في المجتمع كله.وترافق هذا الانتشار  ب”عقلنة” الحياة الاجتماعية  والنشاط الاقتصادي الخاضعين إلى تنظيمِ أصبح شيئاً فشيئاً منهجياً، أي علمياً يحاول تجاوز النظام العاطفي والانفعالي.

وعلى عكس ما كتبه بعض مناهضي مشروع ويبر، فإن هذا المشروع لم يكن يهدف إلى تفسير الرأسمالية عن طريق النزعة البروتستانتية.كان يريد فقط ملاحظة وفهم القرابة الانتقائية بين الأخلاق البيوريتانية (الطهرية) والروح الرأسمالية”. كما أراد أيضاً البرهنة على أن القضايا الرمزية والإيديولوجية تتمتع باستقلالية ذاتية نسبية ويمكنها ممارسة تأثير حقيقي على تطور الظواهر الاجتماعية والاقتصادية.وبهذا كان يتعارض مع الأطروحة التي كان يصفها ب”التبسيطية” لأنها أطروحة شديدة الجبرية وهي أطروحة “المادية التاريخية” التي تقول بأن الأفكار والقيم والتصورات ليست غير انعكاس أو هي البنية الفوقية لحالات اقتصادية معينة(المرجع السابق، ص 52).

الثقافة العمالية

إن الأبحاث التي جرت حول ثقافات الطبقة، لا سيما في فرنسا، تركزت على الثقافة العمالية حسبما يقول ميشيل بوزون:

لا شك في أن القابلية الاجتماعية لرؤية الطبقة[العمالية] مضافة إلى قابلية الوصول إليها، هي التي تشد الباحثين في العلوم الاجتماعية نحو ما يعتقدون أنه أرض مجهولة[1985، ص46]”

إن تحليل الثقافة العمالية تدين بالكثير إلى أعمال موريس هالبواش السابقة والرائدة لاسيما أطروحته الموسومة: الطبقة العاملة ومستويات العيش المنشورة عام 1913.وهو يعتبر أن حاجات الأفراد التي توجه ممارسا تهم الثقافية تتحدد بعلاقات الإنتاج.وفي تحليله لبنى مجموعة من ميزانيات العائلات العمالية، تراه  يربط بين طبيعة العمل العمالي وبين أشكال الاستهلاك العمالي.

قام الباحث الإنجليزي ريشار هوغارت، وهو من منبت عمالي، بوضع أدق وصف للثقافة العمالية، وأدق التحليلات لعلاقتها بالثقافة البورجوازية”المثقفة”وفي كتابه الذي ظهر عام 1957 وأصبح كلاسيكياً، ثقافة الفقير:دراسة حول أسلوب الطبقات الشعبية في إنجلترا، يدرس إتنوغرافيا(أعراقية) الحياة اليومية في أدق تفاصيلها مظهراً خصوصية الثقافة العمّالية  التي لا تزال موجودة،  على الرغم من التغيرات التي طرأت عليها منذ بداية القرن مثل تغير الشروط المادية لحياة العمال وتطور الاتصال الجماهيري.إن الشعور الذي يعاني منه المرء بانتمائه إلى طائفة لها حياتها وقدرها يقود إلى تقسيم ثنائي أساسي للعالم الاجتماعي إلى “هم” و “نحن” ويتبدى على شكل تقاليدية  conformisme ثقافية، وبشكل أكثر مادية، على شكل خيارات مالية( موازناتية) تعطي الأولوية للخبرات القابلة للاستخدام الجماعي.ومن خلال ذلك تؤدي إلى تعزيز التضامن العائلي.

لم تعد هناك تقريباً مجموعات عمالية بالمعنى الدقيق،  متجمعة في الحي نفسه وتعيش حياة اجتماعية مكثفة مثل التجاور وتجمع السكان كلهم في أوقات منتظمة في الأعياد الجماعية.وأصبحت النزعة الخصوصية الثقافية العمالية سواء من حيث اللغة أو الملبس أو المسكن الخ.أقل وضوحاً، إلا أنها لم تختف تماماً.و”خصخصة” أشكال الحياة العمالية تنامت مع انكفاء واضح في المجال العائلي.لكن هذا التطور الذي تمت دراسته من قبل أوليفييه شوارتز، على وجه الخصوص، لم تعد تدل كثيراً على انحسار المجالات الاجتماعية لصالح المجالات الخاصة، بل على كون المجالات الخاصة تضع اليوم أمام المجالات الاجتماعية تنافساً أقوى.من جانب آخر، يتكون المجال العمالي الخاص وفق معايير نوعية لأن الحياة اليومية تتميز بتوزع جنسي دقيق للأدوار(شوارتز، 1990).وبشكل عام، وكما يشير جان بيير تيراي، فإن التطورات الثقافية التي ترافق دخول العمال فيما اصطلح على تسميته ب”عصر الوفرة” يكشف عن تكييف معايير قديمة أكثر مما يكشف عن اعتماد معايير جديدة مأخوذة من الخارج(تيراي، 1990).

الثقافة البورجوازية

تعدّ الأبحاث الجارية حول الثقافة البورجوازية، بالمعنى الاتنولوجي للكلمة، حديثة العهد في فرنسا قياساً إلى الأبحاث الأخرى.ويعود سبب هذا التأخر إلى عوامل مختلفة أغلبها منهجي.وعلى النقيض من العالم العمالي، فإن البورجوازية تنتج عدة تصورات  عن نفسها، منها الأدبي والسينمائي والصحافي,وبما أنها تسعى إلى  المحافظة على تصورها الخاص فإنها بالمقابل، تحتاط لنفسها بدقة خوفاً من فضول الباحثين ومن تحليلاتهم.ومن جانب آخر، فإن إحدى خصائص البورجوازيين، باعتبارهم أفراداً،  هي أنهم لا يعترفون بأنفسهم على أنهم كذلك، وهم يرفضون بأن يوصفوا بهذه العبارة.ونادراً ما تكون الثقافة البورجوازية ثقافة يعتز بها المرء ويطالب بها.ومن هنا، صعوبة دراستها بشكل تجريبي.

ندين لبياتريكس لوفيتا Béatrix le wita بواحدة من أولى المقاربات الإتنوغرافية حول الثقافة البورجوازية.وقد تركز بحثها أساساً على المدارس الكاثوليكية الخاصة مثل مدرسة سانت ماري في باريس (ضاحية نويي في الدائرة السادسة عشرة) وعلى نساء متحدرات من مثل تلك المؤسسات. ولكي تبين ماهية الثقافة البورجوازية فقد استخلصت ثلاثة عناصر \أساسية تميز هذه الثقافة،  هي: الاهتمام بالتفاصيل، لا سيما تفاصيل الملبس، وب”الأشياء الصغيرة” التي تغير كل شيء، وتشكل “التميّز”؛ومراقبة الذات التي تنشأ عن التقشف والتي اعتبرها ماكس ويبر خاصية أساسية من خصائص البورجوازية الرأسمالية  ،  وأخيرا،  تحويل ممارسات الحياة اليومية إلى طقوس منها طقوس المائدة التي اكتسبت لديها أهمية ملحوظة:

“إن وجبة الطعام التي يعيشها البورجوازي في الحقيقة بشكل واع على أنها وقت مُفَصَّل من أوقات التشارك الاجتماعي، تتركز حولها وتنتقل إليها مجموعة العلامات المميزة للمجموعة العائلية البورجوازية”(لوفيتا، 1988، ص 84).

وتضيف لوفيتا إلى هذه العناصر الثلاثة عنصراً رابعاً لـه أيضا خصوصيته،  وهو استخدام ذاكرة أنسالية عائلية عميقة ودقيقة تحافظ عليها[شجرة العائلة].

في الثمانينات جرت أبحاث استكملت وحددت هذه اللوحة البورجوازية واستخرجت الوظيفة الأساسية للتشارك الاجتماعي(الاستشراك) للمؤسسات الخاصة، وهي غالباً كاثوليكية، والتي تشكل المدرسة اليسوعية نموذجها التاريخي، وهي محطة شديدة الفاعلية بالنسبة للتربية العائلية(سان مارتان، 1900، منشورات فاغيه، 1991).

بورديو ومفهوم الاعتياد habitus

في تحليله للفروق الثقافية التي تضع الجماعات الاجتماعية وجهاً لوجه، سواء في المجتمعات المسماة تقليدية كالمجتمع القبائلي،  على سبيل المثال، والتي خصها بأعمال عدّة أم في المجتمعات المصنّعة، لا يلجأ بورديو إلى المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة إلا في حالات نادرة.وفي كتاباته، يكتسب مفهوم “الثقافة”  عموماً، معنى أضيق وأكثر كلاسيكية ويحيل إلى الأعمال الثقافية ذات القيمة الاجتماعية الناشئة عن  مجالات الفن والأدب.وإذا ما عُدّ بورديو أحد الممثلين الرئيسيين لسوسيولوجيا الثقافة(بالمفهوم الدقيق للعبارة) فذلك لأنه اهتم بتوضيح الآليات الاجتماعية التي تؤدي إلى الإبداع الفني وتلك التي تفسّر مختلف أشكال استهلاك الثقافة(بالمعنى الضيق)وفقاً للجماعات الاجتماعية، على اعتبار أن الممارسات الثقافية ترتبط ارتباطاً وثيقاً، كما تقول تحليلاته، بالتراتب الاجتماعي.

حينما يسعى بورديو إلى دراسة الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي فهو يلجأ إلى مفهوم آخر هو مفهوم الاعتياد habitus.وهو ليس مخترع هذا المصطلح (انظر هيران، 1987)لكنه هو الذي استخدمه استخداماً منتظماً.وفي كتابه المعنى العملي يشرح مطولاً مفهومه الخاص بالاعتياد، وجاء تعريفه  له على النحو التالي:

“الاعتياد هو منظومة الاستعدادات الدائمة والقابلة للتغير، وهو بنى منظمة مستعدة لأن تكون بنى ناظمة،  أي باعتبارها مبادئ مولِّدة ومنظِّمة للممارسات والتصورات التي يمكن تكييفها موضوعياً مع أهدافها دون افتراض الهدف الواعي للغايات والتمكن العاجل من الكليات الضرورية لبلوغ تلك الغايات[..](1980a،  ص88).

الاستعدادات المعنية هنا، تشكلت عبر مجموعة من التكييفات المتعلقة بالصيغ الخاصة لتلك الحياة.وبالتالي فإن الاعتياد هو ما يميز طبقة أو جماعة اجتماعية إزاء طبقات أو جماعات أخرى تتقاسم وإياها الشروط الاجتماعية نفسها.وبمختلف الحالات القائمة في فضاء اجتماعي معين ترتبط أساليب حياة تشكّل التعبير الرمزي للفروق الموجودة موضوعياً في شروط الوجود.

ويقول بورديو إن الاعتياد يقوم كما تقوم الذاكرة الجمعية بإعادة إنتاج مكتسبات السابقين إلى اللاحقين(1980).إذاً فهو يسمح للجماعة بأن “تستمر في كينونتها”وبما أنه عميق الاستبطان ولا يقتضي من وعي الأفراد أن يكون فاعلاً فهو “قادر على خلق وسائل جديدة للقيام بوظائف قديمة، بوجود حالات جديدة.وهو يفسر لماذا يتصرف غالباً،  أعضاء ينتمون إلى الطبقة نفسها بشكل متشابه دون الحاجة إلى التشاور فيما بينهم.

وبالتالي فإن الاعتياد هو ما يسمح للأفراد بالتوجه  في الفضاء الاجتماعي الذي هو فضاؤهم واعتماد ممارسات تتطابق و انتمائهم الاجتماعي.إذا مكنت العادة الفردَ من تكوين استراتيجيات تحريرية فإن هذه الاستراتيجيات توجهها أنظمة لاواعية هي”أنظمة تلقّي وتفكير وفعل(المرجع السابق، ص91).وينشأ عن عمل التربية والاستشراك الفعل الذي يخضع الفرد له”التجارب الأولية” المرتبطة به والتي يكون لها ثقل كبير(ص 90) بالقياس إلى التجارب اللاحقة.

الاعتياد أيضاً هو عملية دمج،  بالمعنى الدقيق، للذاكرة الجمعية.والاستعدادات المستدامة التي تميز الاعتياد هي أيضاً استعدادات جسدية تشكل العادة الجسدية”.وهذه الاستعدادات تكوّن علاقة مع الجسد الذي يمنح أسلوباً خاصاً لكل جماعة.لكن هناك ما هو أكثر من هذا، كما يقول بورديو.العادة الجسدية هي أكثر من مجرد أسلوب خاص، إنها مفهوم للعالم الاجتماعي “المندمج”، إنها أخلاق “مدمجة”.فكل إنسان، من خلال حركاته ووضعياته، ودون وعي منه، ودون أن يتنبه الآخرون بالضرورة إلى أنه يفصح عن العادات العميقة التي تسكنه.وبالتالي تصبح العادات الجسدية، والخصائص الاجتماعية”طبيعية” لأن ما يظهر وما يعاش  على أنه “طبيعي” إنما ينجم في الواقع، عن “الاعتياد”، وتطبيع الاجتماعي هذا هو أحد الآليات التي تؤمّن استمرارية الاعتياد بشكل أكثر فعالية.

إن تجانس عادات المجموعة أو الطبقة التي تكفل تجانس الأذواق هو ما يجعل التفضيلات والممارسات محسوسة ومرئية، وأنها حتمية وتحصيل حاصل(1980، ص 97) .ومع هذا فإن الاعتراف بتجانس العادات لدى طبقة معينة لا يقتضي نفي تنوع “الأساليب الشخصية”، ومع ذلك ينبغي فهم هذه الفروق الفردية،  كما يقول بورديو، على أنها “فروق بنيوية” تتضح من خلالها فرادة الموقع في داخل الطبقة أو المسار(المرجع السابق، ص 101).

إن مفهوم “المسار الاجتماعي”يسمح لبورديو بالإفلات من المفهوم الثبوتي للاعتياد.وهو لا يعتبر الاعتياد منظومة جامدة من الاستعدادات التي من شأنها تحديد تصورات الأفراد وتصرفاتهم بشكل ميكانيكي، كما تؤمّن التكاثر الاجتماعي فحسب.إن الشروط الاجتماعية للحظة الراهنة لا تفسر تماماً الاعتياد القابل للتغير.والمسار الاجتماعي للجماعة أو للفرد،  أي تجربة المرونة(الحركية) الاجتماعية(ارتقاء أو هبوط أو ثبات) الذي راكمته أجيال عدة، يجب أن يؤخذ بالاعتبار من أجل تحليل تنوع العادات.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий