Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > التراث والتغيير الاجتماعي: الإطار النظري وقراءات تأسيسية

التراث والتغيير الاجتماعي: الإطار النظري وقراءات تأسيسية

سماح أحمد فريد*

يمثل هذا الكتاب اجتهاداً علميّاً عظيماً من قبل فريق عمل متخصص في مجال علم الفولكلور والأنثروبولوجيا، ويتميز بتقديمه لبعض القراءات التأسيسية في مجال الدراسات السوسيولوجية الثقافية التي تتخذ من تغير بعض عناصر التراث الاجتماعي الثقافي بؤرة لها. ويتكون المؤلف من أحد عشر فصلاً في ميدان حقل الثقافة، كما تتبدى قيمة هذا الكتاب في ترجمة قيمة لعالم الاجتماع الأمريكي ” إدوارد شيلز”، والتي تمثل مقدمة كتابه الأشهر عن التراث، ولقد دأب المؤلفون المشاركون في تأليف وكتابة هذا الكتاب على تتبع علاقة التراث بالتغير الاجتماعي في عديد من ظواهر التراث الشعبي، والمؤلفون هم على التوالي: محمد الجوهري، حسن حنفي، أحمد زايد، عائشة شكر، السيد عفيفي، أمال عبد الحميد.ويجدر التأكيد هنا على تكريس المؤلفين اهتمامهم على بعض القضايا التي قاموا بمناقشتها وتحليلها في أثناء مناقشة مفهوم التراث وعلاقته بالتغيرات الاجتماعية والثقافية المحلية والعالمية، حيث اضطلع كل واحد منهم بمهمة التأسيس النظري والمعرفي لموضوع هذا البحث الكبير، وذلك من خلال مسح تراث العلم الاجتماعي، فضلا عن الموسوعات العلمية العربية منها والأجنبية لتأصيل مفهوم التراث واستخلاص كل ما يتعلق بهذا المفهوم من أدبيات وقضايا. وفيما يلي عرض لأبرز القضايا التي تضمنتها فصول هذا الكتاب.

مفهوم التراث في أدبيات العلم الاجتماعي:

يعالج الكتاب هنا موضوع التراث، ومشتقات هذا المصطلح، والمصطلحات القريبة منه في كتب التراث الشعبي، كما يبرز أحدث التعريفات السوسيولوجية الذي قدمته موسوعة الفكر الاجتماعي في القرن العشرين نظراً لحياده التام، وتجنب إبراز الطابع الاستاتيكي أو المعياري الشديد للتراث، ويقول روبرت نيسبت في ذلك التعريف: يمثل التراث مكانة خاصة بين العادات، والمواضعات الاجتماعية، والأساليب الشعبية، وأنماط الأذواق التي تمثل العمد الأساسية للثقافات الإنسانية، وهو يتميز عنها جميعا بأن له عمقاً واضحاً في أغوار الماضي، وحوله هالة من التقديس.والسّمة البادية لهذا التعريف أنه يختص بالمستويات الأعلى من المنتجات الثقافية، أو تلك التي استطاعت أن تحرز مكانة أسمى من عناصر الحياة اليومية.

ويناقش الكتاب بعد ذلك وجهة نظر الأنثروبولوجيا الثقافية(الإثنولوجيا) للتراث، وفي هذا الصدد نجد التعريف الأنثروبولوجي الدقيق لمفهوم التراث بشكل أوفي وأكمل في موسوعة علم الإنسان، حيث تقدم شارلوت سيمور سميث أركان التعريف – خاصة من زاوية الأنثروبولوجيا الثقافية المعاصرة، وتقول سميث: “يعنى التراث مجموعة من العناصر أو السمات الثقافية المترابطة، والتي تستمر في البقاء عبر فترة زمنية طويلة نسبيًّا”. وقد تستخدم هنا كلمة التراث في الأنثروبولوجيا بديلا عن أنماط المعتقدات والعادات الاجتماعية، والقيم، والسلوك، والمعرفة، أو الخبرة التي تنتقل من جيل إلى جيل عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية داخل مجتمع معين. وفي المقابل وعلى الجهة الأخرى سعى العديد من علماء الأنثروبولوجيا والفولكلور إلى تمييز أشكال التراث كالتراث الاجتماعي الذي هو نقل أو إحياء أو تأثير مباشر أو غير مباشر على المستوى الأفقي، والتراث التكويني الذي يعد مكملاً للتراث الاجتماعي، ويتضمن كذلك عملية النقل من جيل إلى أخر، أو من مرحلة إلى أخرى، وهذا النوع من التراث في تفاعل مباشر مع التراث الاجتماعي، والتراث المادى الذى يتضمن جميع المنتجات الثقافية المتوارثة، والتراث الأدبي الذي يعتبر من المميزات الخاصة للتراث المادي وقد ظهر مرتبطاً بفن الكتابة.

الموقف من التراث بين التقليدِّين ودعاة التحديث

تطالعنا الكتابات الإثنولوجية المعاصرة حول تعريف النزعة التقليدية للتراث، ويشرحها “هولتكرانس” بقوله: “التقليدية هي الاقتصار العاطفي على التراث أو الاستعداد البشري للولاء للتراث (خاصة المعتقدات التقليدية)، ومن خلال الإيمان بالتراث تكتسب العناصر الثقافية مكانة عناصر التراث الشعبية. وفي مقابل هذه التوجهات التقليدية التي تتبنى أجزاء مهمة من التراث، وتدافع عن كل ما هو موروث، تقف حركات فكرية ودعوات قوية تتصدى للقيم، وتحارب المواقف والنزعات التقليدية، وتدعو في مقابلها إلى التقدم تارة، وإلى التنوير تارة أخرى.وفي مقابل هذين التيارين هناك التيار الوسطى، وهو تيار التجديد الديني الذي وازن ما بين الاحتفاظ بالهوية، وبالقسمات المميزة تاريخيًّا لهذه الأمة، أو بمعنى أعم بالبصمة الحضارية لهذه الأمة، وما بين الانفتاح على الغرب.

بين التراث والتجديد: محاولات التوفيق

مؤدى هذه الفكرة أن المخزون التراثي-في أي مجال- لا يمكن أن يغني وحده بدون تجديد سواء كان إبداعاً أو استعارة من الغير، فلا يوجد مجتمع –كما يؤكد لنا شيلز– يستطيع أن يحيا فقط على مخزونه من الأشياء والمعتقدات والأنماط التي تعرض عليه أو تنتقل إليه من الأجيال السابقة، فالبشر لديهم الكثير مما يتعين عليهم أن يفعلوه مدفوعين إليه دفعاً، فكل فرد يواجه بعض الواجبات والمسؤوليات التي لا يجد لها حلاًّ متاحاً سهلاً. إن قضية الوافد والموروث ليست قضية تضاد أو تناقض أو مواجهة، ولا يمكن أن تكون قضيتنا هي أن يحل الموروث محل الوافد، ويلخص شيلز في كتابه “التراث” هذه العملية بأنها عملية “تضفير” العناصر التراثية مع العناصر غير التراثية(التي يتم إيداعها أو استعارتها). فنجده يؤكد أن لقوة التراث حدودا تحدها، فلا يمكن أن تسير الحياة في أي مجتمع خاضعة كل الخضوع للتراث لأنه لا يوجد مجتمع يستطيع أن يحيا فقط على مخزونه من الأشياء، والمعتقدات، والأنماط التي تفرض عليه، أو تنتقل إليه.والخلاصة أن أي مجتمع إنساني –حتى أكثرها تقليدية-لم يستطع فيه النمط التراثي الفكري والمادي أن يكون هو المكون الوحيد لكافة الأفعال التي تتم ممارستها في زمن معين، فالناس في كل أنواع المجتمعات يسعون من أجل تحقيق بعض الأهداف لأنهم يتوقعون أن يعود عليهم تحقيق تلك الأهداف بالمزايا، وهم يفكرون في تلك الأهداف معرفيا، بمعنى أنهم يفكرون فيها ويحكمون عليها في ضوء ما لديهم من معتقدات عن العلاقات القائمة بين أسباب بعينها ونتائج بعينها، وهم يحاولون بلوغ تلك الغايات بممارسة أفعال يعدونها فعالة في تحقيق تلك الأهداف.

التراث وعلاقته بمشروع الحداثة

يذكر المؤلفون في هذا الصدد أن التراث كيان حي يعاد تشكيله باستمرار في علاقته بمشروع الحداثة، ومن ثم فإنه إذا كانت الحداثة-ثقافة ومنتجات مادية-تختلف باختلاف ظروف الأفراد والجماعات، فإن نفسه المنطق ينطبق على التراث الذي يعاد تشكيله تحت وطأة الحداثة.وتكشف دراسة علاقة الجماعات الاجتماعية المختلفة بالتراث والحداثة أو لنقل بالثقافة الثالثة التي تجمع كليهما في كل واحد، كيف تستخدم الجماعات والأفراد التراث والحداثة كمصدر للتميز، وكذلك كمجال للتراكم الرمزي، وكيف يستخدم التراث أيضاً في صراعات الحياة اليومية، ففي عالم الحياة اليومية، وتحت الظروف التي تتشكل بها الحداثة والتراث في المجتمعات المختلفة – تتحول الثقافة إلى مجرد تعبير عن الحياة المادية، كما تصبح لعبة رمزية في تشكيل الحياة، وتصويراً خالصاً للنظم الاجتماعية في الحياة اليومية.إن أكثر الفئات الاجتماعية تميزاً في المجتمع المصري هي تلك الفئات التي تحافظ على علاقات وثيقة بمركز الثقافة العالمية(المصدر الرئيسي للحداثة)، وبالدولة كأنها وسائط نقل هذه الثقافة، ويتحدد هذا الوضع من خلال فرص الحياة المتاحة أمام هذه الفئات، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية التي تنغمس فيها(وهي في معظمها ترتبط بأنشطة وسيطة تسهم في نقل منتجات الثقافة الحديثة المادية والرمزية)، ومن غير المتوقع أن تتخذ هذه الفئات موقفاً مناوئاً للحداثة بل إن الحداثة بالنسبة لها تعتبر هدفا، حيث تسعى إلى تملك كل عناصر الثقافة الحديثة كالتعليم والرموز الاستهلاكية والأيديولوجية. ولكن هذا السعي نحو اكتساب عناصر الثقافة الحديثة لا يدفع هذه الفئات إلى صدّ التراث أو استبعاده كلية من عالم حياتها، فهي إما أن تحتفظ بنظرة رومانسية نحو التراث كما تفعل الفئة الأشد تعليماً، ويتبدى ذلك في دمج التراث داخل الأنشطة الاقتصادية وأساليب الحياة بأشكال مختلفة. أما الفئة الجديدة والتي تكونت على أثر سياسة الانفتاح الاقتصادي فإنها تستخدم التراث استخداما أدائيا أو وسيليا لتحقيق أهدافها الاقتصادية، وغالباً ما تعتمد على عناصر دينية لتحقيق أهداف اقتصادية أو لدعم موقفها الطبقس الجديد.

والخلاصة، أنه قد خضعت عمليات التحديث إلى أهواء الجماعات والنخب السياسية، واعتمدت على ضرب من التحديث القسري والانتقاء المتعسف، واهتمت بالجوانب التي تغذى الغريزة والطاقة أكثر من الجوانب التي تغذي العقل والروح، وفي ضوء ذلك فإن ما نقل من الحداثة ليس أفضل ما فيها فجاءت حداثة برانية لا تؤدي إلى إحداث تغير جوهري بقدر ما تؤدي إلى تغيرات سطحية وتناقضات متعددة المستويات، ولا تكتمل صورة هذا النمط من الحداثة إلا بنظرة على علاقتها بالتراث، فلأنها كانت برانية وغير عقلانية فإن انصهارها في التراث لم يخلق معه قطيعة، ولكنه أدى إلى إحياء مضامينه عبر مستويات مختلفة بدءا من المستوى السياسي والأيديولوجي وحتى مستوى التفاعلات اليومية العادية، وتعايش الاثنان معا(أي الحديث الوافد والقديم) في ثقافة ثالثة لا هي تراثية ولا هي حداثية. ويقوم التعايش بين التراث والحداثة على آلية تكشف عن تناقض، فالراغبون في الحداثة سلوكاً وفكراً لا يقطعون صلتهم بالتراث، بل إنهم يعيدون إنتاجه بصور شتى، والراغبون في التراث لا يقطعون صلتهم بالحداثة، بل إنهم يعيدون إنتاجه عبر سلوكهم التراثي، أو عبر أدوات نشر خطابهم التراثي، وتظهر هذه الآلية لا في سلوك الأفراد فحسب بل في سلوك الدولة وأجهزتها المختلفة.

الهوية والثراث

إذا كانت الهوية هي الثوابت في الموروث الحضاري فالتراث أعم وأشمل من كل هذا لأن التراث هو كل الموروث سواء كان دينياً أو غير ديني، سواء كان ثابتاً أو قابلاً للتغير والتطور بمرور العصور وبتغير المكان. عندنا في حضارتنا على سبيل المثال علوم الحضارة سواء منها علوم الشرع أو علوم العقل أو علوم التجربة الإنسانية، هذه العلوم تراث، ولكن الهوية هي التي تطبع هذه العلوم. ومن ثم يمكننا أن نأخذ من العلوم الطبيعية من الحضارة الغربية مع الاحتفاظ –أو بشرط الاحتفاظ- بهويتنا الحضارية، فالأخذ غير الواعي عن الغرب يوقعنا في خطر التغريب الذي يقود إلى الاغتراب.

أما فيما يختص بقضية التواصل الثقافي أو التقارب الثقافي العالمي فيمكن أن تأتى ثمراته في شكل وحدة المعرفة، أو تمكيننا من فهم أكثر للشعوب المختلفة. وعن عوامل أزمة الهوية فيجملها الكتاب في عدد من العوامل في مقدمتها ضعف الانتماء إلى الوطن، وإلى اللغة القومية، وكذلك الاهتمام بأخبار الخارج أكثر من الداخل، وتراجع الاهتمام بالأعمال الأدبية والفكرية الكبرى في تراثنا، واستخدام لغة الأجنبي ومفاهيمه عند تناول قضايانا، والاندفاع إلى الهجرة خارج الوطن للعمل أو الرزق، فضلاً عن عودة الامتيازات الأجنبية من جديد.

العولمة والهوية: رؤية أنثروبولوجية

يذكر محمد الجوهري أن الهوية ليست شيئاً إجمالياًّ كلياًّ هلامياًّ، وإنما شيء له عناصر ومقومات، وهو إحساس بكيانات تتصاعد من الأسر إلى الإنسانية، فالإنسان ينتمي بحكم كونه عضواً في المجتمع إلى أشياء (تكوينات أو هويات) عديدة، هي مكونات شبكة العلاقات التي يدخل فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو ينتمي إلى أسرة معينة وإلى طبقة معينة، وإلى قرية أو مدينة، وإلى دين معين، وإلى وطن معين، وأشياء كثيرة. والإنسان قد لا يشعر بالولاء تجاه كل هذه الانتماءات أو لنقل على الأقل قد لا يكون هناك اتساق بين درجة ولائه لكل انتماء من هذه الانتماءات، فقد يشعر بولاء لأسرته وقد يضعف هذا الولاء، وهذه التعددية في مواقف الولاء تطرح عدة إشكاليات في تكوين الهوية.

وفي المقابل من ذلك ليس من الصواب أن نضع العولمة في مواجهة مع الهوية، ونرتب على ذلك القول بأن الِّمراد العولمة يقابله أو يصاحبه تأزم في الهوية الوطنية أو القومية. من المؤكد أن العولمة سوف تصيب الهوية بشكل من أشكال التأزم أو قدر من اضطراب الوعي بتلك الهوية، ولكننا نرى أن علاج هذه الأزمة لا يكون بتأكيد الهوية، ودعمها، وترسيخها، والتشبث بها دون سواها….إلخ، فهذا العلاج قد تكون له آثار جانبية أشد من المرض نفسه، فقد عَلَّمنا التراث الأنثروبولوجي المعاصر أن تأكيد الوعي بالهوية على المستوى القومي سوف ينمى بنفس الإيقاع وربما أشد وأعنف الوعي بالهوية على المستويات الوطنية، وبالمثل فإن تأكيد الوعي بالهوية على المستوى الوطني يصحبه بنفس القوة تأكيد على هويات الأقليات التي يضمها هذا الوطن. وهذا الازدهار في الوعي بالهوية لا يكون متساوقاً بين كافة الكيانات الفرعية المكونة لهذا الوطن، ولكن ربما يزداد حدة أو عنفا لدى بعض الأقليات دون الأخرى. إننا نستطيع أن نتفاعل مع العالم ونحن نملك هويتنا دون خوف أو خجل أو تحقير لهويات الآخرين، كما أَنَّنا ينبغي ألاَّ نقنع باستهلاك هذا التراث الوافد، وإنما ينبغي إعداد خطة وإعادة تصديره، وبذلك نكون أطرافا فاعلين في حركة تبادل عالمي لن تهدأ ولن تتوقف، وسوف تقتلع كل من يقف في وجهها ضعيفاً أو وحيداً. كما أَننا لن نستطيع أن نقدم هذا الإسهام سواء في الاقتصاد أو في الفن أو في الأخلاق إلا بعد أن ننفتح على العالم انفتاحاً تاماً لا وصاية فيه ولا حجر على أي فكر أو فن. فالفنان لن يستطيع أن يبدع فناًّ موسيقياًّ أو سينمائياًّ أو أي فن أصيل يمكن أن يتذوقه الآخرون ويصبح فنا عالميا إلا إذا استمع إلى موسيقات العالم كله، استمع إليها وهو يملك آذانا مدربة وخبيرة بتراثه الموسيقى العربي، وليكن الإبداع الجديد ما يكون.

ويخلص الكاتب في قضية الهوية والعولمة إلى أن الموقف الصحيح من هذه الموجة العاتية يتمثل في استقبالها، والدخول فيها والتفاعل معها، ثم العمل على الإسهام في تطويرها بعد هضمها، ونمارس نحن دورنا في نقلها إلى غيرنا، إلى أرض أرحب مصحوبة برؤية جديدة مهما تكن متواضعة على المستوى التقني والمادي، ولكن لنجتهد في أن تكون متميزة وثرية على المستوى الفكري والإنساني.

آليات الحفاظ على الهوية

يجمع المؤلفون في هذا الصدد على أن أهم ما نسعى إليه هو تنمية الولاء للذات الثقافية الاجتماعية ودعمه والحفاظ عليه، وهذه ليست قضية حماسية أو عاطفية. هذا الولاء يتطلب أولا أن تتهيأ شروط موضوعية خارجية يستطيع أن يعيش في ظلها ويتجدد، يتطلب أن يشيع العدل وأن تتقدس الحرية. معنى ذلك أن مناقشة الهوية الثقافية لا يمكن أن تتم بمعزل عن الظروف الاجتماعية الاقتصادية، والبناء الطبقي الاجتماعي، وأداء المؤسسات لدورها أداء صحيحا ًملائماً لمصالح الفئات والقوى الاجتماعية.

وإذا وضعنا القضية في إطارها الصحيح لرأينا أن مهمة الحفاظ على الهوية هي وظيفة أجهزة التنشئة الاجتماعية والثقافية في كل مجتمع، ولا يمكن لعاقل أن يعتقد أو يطالب الدول الأجنبية أو تحديدا الدول المهيمنة بإعداد برامج ومواد ثقافية وإعلامية وأيديولوجية تتبنى قيمنا وترعى تراثنا لكي تحافظ على هويتنا، إنها تنتج ما تنتجه من وجهة نظر ثقافتها، ووفقا لاعتبارات السوق وأحكامه، وتأتى إلينا المواد الثقافية مطبوعة بطابع الهوية الخاصة لتلك القوى المهيمنة، لذا فلن يمكن أن نصمد تجاه كل هذا دون أن ننفتح على العالم الخارجي ونقوي أنفسنا لكي نصمد أمام هذه العولمة، ويتماثل هذا الموقف نفسه مع هدم الحدود الاقتصادية بأنواعها أمام تدفق السلع، فلن نستطيع أن نستمر في إجراءات الحماية دون تقوية القاعدة الإنتاجية الداخلية ودعم قدرتها على التنافس مع أعتى القوى الاقتصادية، هذه هي أصول اللعبة الجديدة وعلينا الصمود ومواصلة البقاء في ظلها.

********************

*) كاتبة وباحثة من مصر.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий