Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > التعدد الإثني والاندماج الوطني في موريتانيا

التعدد الإثني والاندماج الوطني في موريتانيا

التعدد الإثني والاندماج الوطني في موريتانيا
كتـب المقال ahmed
السبت, 24 أبريل 2010 20:28
د/ النان ولد المامي
مقدمة
إن التعدد الإثني في موريتانيا شكل عاملا أساسيا من عوامل الجدل السياسي غير المحسوم على الساحة السياسية الوطنية، لما له من تأثيرات متعددة الأوجه على الاستقرار في البلاد بل وحتى وحدتها واندماجها الوطني.
وهذه الورقة لا تسعى إلى الدخول في تعقيدات المسألة الوطنية من زاوية الإشكاليات التي تطرحها ولا تتعرض لتفصيلات الجدل حولها كما لا تسعى إلى تقديم حلول جاهزة لعقدها.
إن مسألة الاندماج الوطني طرحت وتطرح تعقيدات من طبيعتها هي أولا، أي أنها حقيقية وليست اصطناعية، وأنها تتأثر، سلبا وإيجابا، بعوامل خارجية من غير طبيعتها لأن التعدد وهو واقع حال جماعتنا الوطنية لا يتنافى بالضرورة مع التعايش والاندماج كما أنه قد يكون محركا ومحفزا إلى الاختلاف والتصارع.
إننا نسعى إلى تقديم صيغة للاندماج الوطني تغاير الانصهار والذوبان بين المكونات الإثنية الوطنية، لكنها تضمن تجاوز حالة التجاور والتماس التي حكمت تاريخ التعايش بينها عبر الزمن، والذي نرى أن الدولة آن لها أن تفرضه على مكوناتها بتأسيسه على أطر وهياكل مستقرة، ثابتة وصلبة.
ومن أجل ذلك سيتجه هذا البحث إلى الخوض في الأطر والمفاهيم النظرية التي تناولت التعدد الإثني والاستفادة من تطبيقاتها في إجراء المقارنات، لوضع أنساق فكرية تتأسس عليها مخرجات الدراسة وعلى ذلك فإن البحث سيحاول تسليط الضوء على الإشكاليات التي تطرحها مفاهيم مثل الجماعة الوطنية، الأقلية، الإثنية، ويحاول إبراز العلاقة بينها في ضوء ما توصل إليه البحث العلمي في الميدان. كما يتناول البحث تلك العلاقة في سياق الاندماج الوطني اعتمادا على عوامل ارتكازه، مع إعطائه أهمية خاصة للمرتكزين الإثني والثقافي لما لهما من دور ريادي في صون ذلك الاندماج أو بالتفريط فيه. وكل ذلك في ضوء فكرة رئيسية تحدد في أن مسألة الاندماج الوطني تتحكم فيها معطيات رئيسية منها ما يتعلق بالأقليات ومطالبها، ومنها ما يتعلق بالنظام السياسي ودوره في حياة الجماعة الوطنية، ومنها ما يتعلق بالأجنبي وتأثيراته.
وتلك المعطيات تدور وتتأثر بمجموعة من المدخلات لا يمكن اختصارها في واحد أو اثنين إلا أن الواحد منها قد يلعب الدور المحوري لبقيتها وهذا ما تفترض هذه الدراسة. وهنا نرى أن المسألة الثقافية ،وفي بعدها اللغوي تحديدا، تقوم به لما لها من علاقة وارتباط بالأدوار الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والجماعات.
ولمعالجة إشكاليات هذا البحث تم توزيعه إلى محورين، يتناول الأول الإطار المفاهيمي ويدرس مفهومي الأقلية والإثنية في ضوء الواقع الموريتاني، ويبحث المحور الثاني في أبعاد ومرتكزات الاندماج الوطني في ضوء التجارب العالمية والإفريقية خصوصا.
المحور الأول: الإطار ألمفاهيمي
أولا:في مفهوم الأقليات
الأقلية مفهوم متغير الدلالة حسب الظرف الزماني السياسي، ومنه يستمد شخصيته وأبعاده الاجتماعية التي عادة ما تبدأ من المساواة لتنتهي إلى الانفصال وتكوين الدولة المستقلة. فالأقليات ليست دائما على ذات المستوى من حيث القوة أو من حيث التطور الاجتماعي.
و مفهوم الأقلية لا يرتبط بمصير جزء صغير من الجماعة (أي سكان الدولة) إنما فيه يكمن مفهوم كامل للجماعة وعلى ذلك يكون تعريف الأقلية أو تحديدها هو تعريف للأغلبية وتحديد لها، وهو ما يجعلها ترتبط بأوثق الصلات بوحدة الدولة وتماسكها السكاني.
إن الأقلية تعني تلك الجماعة التي تتسم بسمات طبيعية إثنية أو ثقافية كاللغة والدين أو القومية أو العرق أو القبيلة وتفرعاتها. وهذا المفهوم ليس حصريا لوجود استخدامات أخرى، قد لا تكون لها علاقة بالجماعات الإثنية كاستخدامها السياسي (أحزاب الأغلبية وأحزاب الأقلية)، أو الاستخدام الاقتصادي كالأقلية المستحوذة على القسم الأعظم من الثروة الوطنية أو الدخل القومي.
إن الميزة الإثنية أو الطبيعية أو الثقافية لمفهوم الأقلية هي التي نريد الوقوف عليها في مقابل بقية السكان ضمن إطار الجماعة الوطنية.
والأقلية مفهوم مرن وديناميكي يصعب تحديده، فهو يتغير باستمرار بفعل عوامل عديدة كالاندماج والانصهار ضمن الأغلبية العددية، أو الهجرة والارتحال إلى مناطق أخرى، أو بفعل التهجير القسري، أو الانفصال عن الدولة لتكوين أخرى، أو الاندماج في ثالثة.
ولعامل الزمن (تعاقب الأجيال) تأثير كبير في وضع الأقليات، خاصة الأقليات قليلة العدد أو تلك المنتشرة بصورة غير منتظمة جغرافيا على طول الإقليم دون أن تتركز في بقعة جغرافية محددة.
وجدير بالذكر أنه لا يوجد معيار واحد يتفق عليه الباحثون لتحديد مفهوم الأقلية فبعضهم أخذ بالمعيار الكمي وآخرون أخذوا معيارا يستند إلى وجهة نظر سوسيولوجية بتأكيدهم على معيار (الأهمية) في تحديدها أو تمييزها إلا أن آخرون أخذوا معايير مثل: المشاعر أو المصلحة.
واستنادا إلى المعيار الأول تعرف الأقلية على أنها جماعة من السكان تختلف عن الجماعة الأكبر في سمة واحدة أو أكثر من السمات ذات الخلفية الإثنية كاللغة، الثقافة، الدين، وينتج عن ذلك عادة معاملة تفضيلية لصالح الجماعة الأكبر بمعنى خضوع الأقلية لمعاملة تمييزية، وهذا ما اتجهت إليه الموسوعة الأمريكية في تعريفها للأقلية.
واللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات في العام 1977 أخذت هي الأخرى بمعيار العدد فعرفت الأقلية بأنها “مجموعة أقل عددا بالنسبة إلى باقي السكان في الدولة التي ينتمون إليها وتمتلك هذه المجموعة خصائص ثقافية طبيعية أو تاريخية أو دين أو لغة تختلف عن باقي السكان”.
وهذا يتناقض مع المعيار السوسيولوجي الذي يرى أن الأغلبية العددية غير الفاعلة تعد في وضع أقلية، مثل السود في بعض الولايات المتحدة الأمريكية.
أما الدكتورة نيفين مسعد فقد استخدمت مفهوم الجماعة المسيطرة تأسيسا لمعيار جديد هو معيار الموقع من السلطة السياسية.
وعلى ذلك، ونظرا لتعدد التعريفات رأى البعض أن مفهوم الأقلية لا بد أن يراعي:
– بلوغ عدد أفراد الجماعة رقما كافيا (مما يعني أن ليس كل مجموعة هي أقلية) إذ أن الأقلية التي لا تتجاوز نسبتها 16% مثلا لا تضر بحالة التجانس.
– وجود روابط مشتركة إثنية أو لغوية أو دينية..الخ.
– الوعي بطبيعة الروابط القائمة بين أفراد هذه الأقلية.
إن وجود الأقليات في الدولة هو ظاهرة طبيعية، لا تكاد تخلو منها دولة في العالم، بيد أن ما يجعل منها ظاهرة مرضية إنما هي المطالب غير الاعتيادية لبعض الأقليات بما يتعارض ووحدة الدولة وأمنها الوطني من جهة،و/أو سوء إدارة النظام السياسي، سواء كان أقرب إلى الأغلبية أو كان من الأقلية، للمشكلات التي تستجد عن وضع الأقليات و/ أو بفعل تدخل خارجي يسعى إلى تحقيق مصالح غير مشروعة.
نعم إن مشكلة الأقليات أو الجماعات الإثنية حسب الباحثين ليست مشكلة عالمثالثية وإنما هناك العديد من دول العالم المتقدم التي عرفت وتعرف الصراعات الإثنية منها على سبيل المثال: فرنسا ومشكلات الباسك وكورسيكا وغيرها، وهي مجموعات لم تنصهر حتى الآن بشكل تام في بوتقة الثقافة الفرنسية. وفي بلجيكا حيث الصراع بين الجماعتين الرئيسيتين: الوالون الناطقون بالفرنسية والقاطنون في الجنوب، والفلامينج الناطقين بالدوتشية والقاطنون في الشمال. علما بأن الحالة البلجيكية تطرح إشكالية سيطرة الأقلية على السلطة والاقتصاد (الفلامينج). وهناك إيرلندا، استراليا، اسبانيا…الخ.
إلا أن الظاهرة لا تطرح نفسها بالحدة والقوة ذاتها كما في دول الجنوب، و التي فيها تتفاوت حدتها أيضا رغم أنه في عمومها، تجد ظروفا مواتية للرفع من درجة حدتها من ذلك:
– التفاوت الاجتماعي الاقتصادي الملحوظ بين الجماعات الإثنية المختلفة مما يؤدي إلى تباين في درجة تأثيرها السياسي الشيء الذي قد يقود إلى الاحتقان ومن ثم الانفجار. وهو وضع لا بد من مراعاته في اية معالجة جدية للمسألة الوطنية في البلاد، فهي تتقدم على ما عداها، إذ حيث يوجد الفقر والمرض والفاقة، تسود قيم الكراهية والبغضاء، وتتدعم الأرضية الصالحة للجريمة الفردية والمنظمة بكل صورها بما فيها تلك التي تتبلور حول مطالب وتطلعات ذات بعد سياسي اجتماعي، يجعلها ترتبط بمسائل الوحدة الوطنية والأمن الوطني والاستقرار السياسي.
– ومشكلة الأقليات وخطورتها تتناسب عكسيا مع تقدم المجتمع وتطوره وتتصل بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة أكثر من اتصالها بنسبة الأقليات في المجتمع.و لا يبدو أن للحداثة دورا كبيرا في انحسارها رغم تأثيراتها الإيجابية في التخفيف من حدتها.
– لا يوجد تطابق بين حدود الدولة السياسية في أكثر الأحوال مع حدود الجماعات الإثنية. فالدول قد تضم عدة جماعات إثنية دون أن تكون واحدة منها مشكلة لأغلبية كما أن الجماعة الإثنية الواحدة قد تتوزع على أكثر من دولة واحدة. وهذا الوضع الأخير توجد نماذجه في الدول الإفريقية خاصة في حالات مثل قبائل الهوسا، الباكونكو، الفولان، الوولف وغيرهم.
لقد بدأ اهتمام الدارسين لمشكل الأقليات يتركز منذ منتصف القرن العشرين وقد اتجه الباحثون إلى التأكيد على أن التنوع اللغوي أو الديني أو العرقي أو القومي لا يمثل في حد ذاته خطرا على الاستقرار السياسي للدولة المعنية، وإنما يفعل ذلك تسييس هذا التنوع واتخاذه سندا لمطالب معينة، لأن مثل هذا التسييس يضع الدولة أمام أحد خيارين أحدهما: الاستجابة لهذه المطالب التي قد تكون فاتحة لاستنزاف مواردها، والآخر إهمال هذه المطالب وتعريض استقرارها السياسي للخطر إذا فكرت في انتزاعها بالقوة.
ثانيا:الجماعات الإثنية
يرتبط تعريف الجماعات الإثنية بمجموعة من العلوم المترابطة ذات الصلة المباشرة:
أ ـ الأثنوغرافيا: وهي الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة، ومجموعة التقاليد، والعادات، والقيم والأدوات، والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة. فموضوعها إذن “الوصف الدقيق والمترابط لثقافات المجتمعات الإنسانية” ويسميها البعض الآنتربولوجيا الوصفية.
ب ـ الإتنولوجيا: “علم الأعراق البشرية” أو “علم الأجناس” و”علم الشعوب” عند الجغرافيين وهي علم يهتم بالدراسة التحليلية والمقارنة للمادة الاثنوغرافية بهدف الوصول إلى تصورات نظرية أو تعميمات بصدد مختلف النظم الاجتماعية الإنسانية من حيث أصولها وتنوعها. فمهمة هذا العلم “تصنيف الشعوب على أساس خصائصها ومميزاتها السلالية والثقافية، وتفسير توزيعها في الوقت الحاضر أو في الماضي كنتيجة لتحرك هذه الشعوب واختلاطها وانتشار الثقافات”. وتجد الإثنولوجيا مادة بحثها الأساسية في مادة الإثنوغرافيا.
ج ـ الانتربولوجيا: إذا كانت الاثنوغرافيا والاثنولوجيا تتكاملان فإنهما تشكلان مجالين للدراسات العامة للانتربولوجيا، والتي هي “ذلك النسق المعرفي والمنهجي لدراسة الإنسان طبيعيا واجتماعيا وحضاريا”. وهذا التعريف يحسم ويحدد تخصصات فروع الانتربولوجيا في ثلاثة رئيسية: ـ الانتربولوجيا الطبيعية والاجتماعية والثقافية.
وعلى ذلك فالانتربولوجيا تمتاز بالنظرة الشمولية في دراسة الإنسان وهدف الانتربولوجيا هو تقديم فهم متكامل ومترابط عن الإنسان وحياته ونتاجه الحضاري في الماضي والحاضر، ومن ثم تكون لها القدرة أيضا على استقراء أنماط الحياة المستقبلية. ولعل من المفيد هنا القول بأن الانتربولوجيا الاجتماعية تدرس السلوك الاجتماعي الذي يتخذ في العادة، شكل نظم اجتماعية كالعائلة ونسق القرابة، والتنظيم السياسي والإجراءات القانونية والعبادات الدينية وغيرها، كما تدرس العلاقة بين هذه النظم سواء في المجتمعات المعاصرة أو التاريخية.
أما الانتربولوجيا الثقافية فهي تعنى بالأساليب التي يستخدمها الإنسان، وعاداته وتقاليده وأنظمته وقيمه، والطرق التي يفسر بها العالم الطبيعي والإنساني.
وإذا كانت هذه هي الحقول المعرفية التي شكلت المجال العلمي لدراسة المجموعات الإثنية والتي لا شك في تعرضها للمفهوم نفسه من حيث التعريف، فإننا ودون والخوض في السياق التاريخي لنشوء هذا المصطلح نشير إلى أن من أقدم وأهم استخداماته ما ورد في وثيقة إعلان حقوق شعوب روسيا التي أعلنتها الثورة الروسية 1917، ضمن المبادئ النظرية التي تنظم العلاقات بين القوميات المختلفة في الاتحاد السوفيتي حيث وردت الإشارة على المجموعات الإثننية تمييزا لها عن الأقليات القومية.
ورغم أن الإثنية مفهوم غير محسوم فقد أطلقت للتعبير عن جماعة فرعية أو أقلية مثلما استخدمت للدلالة على جماعة أساسية أو أمة، بل إن المفهوم اتسع ليشمل كل أشكال التمايز وعلى ذلك فإنه مفهوم تدرجي النطاق يبدأ من القبيلة وينتهي بالأمة.
إن مفهوم الأثنية يرتبط بالظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمع مثل طبيعة النظام، المهن، الطبقات الاجتماعية، ظروف العمل والتطور الاقتصادي، العادات والأعراف الاجتماعية، الثقافة. وعلى ذلك فهو مفهوم غير ثابت ومعقد. فقد يستخدم للدلالة على المجموعات أو الوحدات الصغرى بتعبير آخر قد يرادف الأقلية ضمن أية جماعة وطنية سواء قامت على معيار العرق أو الدين أو غيرها. وقد تستخدم بمعنى تمايز أو اختلاف الجماعات بعضها عن بعض بالخواص الطبيعية أو الثقافية عندما تكون الإثنية جماعة، أغلبية كانت أم أقلية، في إطار الجماعة الوطنية.
والإثنية مفهوم مرن وغير دقيق الاستخدام إذ قد يقصد به المجموعة اللغوية كما هو الحال بالنسبة لقبائل الهوسا في نيجيريا والنيجر، وقد يفهم فهما عرقيا كما الحال مع سكان إفريقيا من غير أبنائها الأصليين وقد يكون قبليا.
والإثنية من حيث الوظيفة قد تكون خلاقة ومحررة، وقد تكون مدمرة عشوائية مكبلة للإنسان وفي ذلك يقول أحدهم “إن المجموعات الإثنية التي تخشى من أن تغمر بواسطة المجموعات المسيطرة: قوى الحداثة، سلطة الدولة المركزية..الخ، تسييس نفسها ديالكتيكيا عن طريق تسخير نفس القوى التي أنتجتها، وذلك لمقاومة المصير المخاف .. وبإمكان الإثنية أن تكون أيضا شكوكية عدائية غير مرنة وحاسمة اتجاه العالم الخارجي .. إنها أي الأقلية قابلة أن تكون قوة مبدعة أو قوة مدمرة”.
والموسوعة الأمريكية فقد اعتبرت الإثنية جماعة تتميز عن غيرها إما بالعرق أو القومية أو الدين أو اللغة أو المولد أو الدولة القومية. ولم تقترن الإثنية بهذا التعريف بعدد معين وإنما هي جماعة بشرية تتسم بصفات معينة.
وفي تعريف قاموسي آخر يرى “أن السمة الإثنية إنما هي السمة الطبيعية التي تتسم بها جماعة ما إزاء غيرها داخل المجتمع الواحد وهذه السمة قد تكون اللغة أو الثقافة أو الدين”.
وعموما إن غالبية الباحثين الذين تصدوا لتحديد وضع الجماعة الإثنية تطابقت أو ترادفت تعريفاتهم مع تعريف الأقلية إلا أن ذلك لم يمنع من النظر إلى الإثنية من منظور سياسي وعلى ذلك اطلق عليها “الوعي الإثني” أو “التسييس الإثني” أو “الوطنية الإثنية” .. الخ.
والإثنية المسيسة هي جماعة يتوفر لديها إحساس خاص بالتضامن، ولديها أيضا إدراك لوجودها وخصوصيتها، كما تمتلك شعورا بالاعتزاز بالذات، ومجموعة من القيم والرموز المشتركة، وهدفها كمجموعة إثنية له طابع سياسي ويدور حول الدولة” وهي لذلك تختلف في مسبباتها كما تختلف في مطالبيها وغاياتها بل وتختلف في حدتها ودرجة احتقانها.
و عموما فإن الباحثين الانتربولوجيين وبفعل عوامل ومؤثرات عديدة قل استخدامهم المعيار الذي يوزع البشر إلى أعراق وأجناس لما في ذلك من مخاطر وضع الفواصل والحواجز بين بني الإنسان مما قد يسببه من نزعات عدائية ترتكز على محركات الاستعلاء والاستكبار من جهة، وبفعل عدم إمكانية استمرار هذا الاعتقاد نتيجة للتواصل بين الشعوب وانهيار أسطورة العرق أو الجنس الخالص. ولأن الاشتراك في العرق في حد ذاته لا ينفي الاختلاف ولا يحقق التجانس، لأن بمقدوره أن يضم جميع مظاهر التنوع، كالقومية والدين والثقافة..إلخ.
وعلى ذلك فإننا نشير إلى أن العديد من الدراسات والأبحاث تتحدث في وضعية كوضعية موريتانيا عن أقلية زنجية لأغراض مقابلتها مع أغلبية عربية أو ” عربية بربرية” وتارة عن أقلية سوداء معارضة لأغلبية بيضاء أو “بيظان”. وهذا مما لا نجد له من سند إلا في ضوء ذلك التمييز التقليدي الذي يصنف البشر إلى أعراق وأجناس وحتى في هذه لا يساعد أو على الأصح لا يوحي إلى تجانس أو تماثل مثلما هو حاصل في المجموعة الأخرى ذلك أن النسبة الأكبر من ساكنة إفريقيا هم من الزنوج، وندر من يشاطرهم دولها، إلا أننا نجد أن أكثر النزاعات، كما ونوعا، والتي كان مصدرها أو الباعث الأساس فيها هو اللاتجانس، هو ما عرفته دول تلك القارة.
إذن فالحديث عن الوضعية في موريتانيا لا يمكن إلا أن يكون عن تعدد إثني لأن البولارية والسونونكية والوولفية إثنيات لكل منها لغتها وعاداتها وحتى نظمها الاجتماعية، وذلك ما يصدق على وصف هذه الإثنيات بأنها أقلية واحدة لأنها في الواقع أقليات حتى من المنظور الإثني السياسي فإن هذه الإثنيات لم تستطع ،ولن تستطيع، التعبير عن نفس المطالب الذاتية.وإن وحدتها ظاهريا ظروف ومعطيات معينة. فاعتبار هذه الأٌقليات أقلية واحدة معارضة لواقعها لدليل على خوف أو هاجس غير مبرر من لغة الأرقام مثل ما هو نزوع إلى خلط مقصود، ودمج سياسي قسري لمكونات وقوميات لا يميزها عن المجموعة العربية إلا ما يميزها هي فيما بينها.
فهذه المجموعات تشترك في الكثير من العناصر الثقافية، ليس اصطناعا ولا قسرا وإنما واقعا، وهذا ما يجب التأكيد عليه وإبرازه لأنه عامل لحمة وتقوية لأواصر التقارب والتعايش وفي ذلك ما يجمعها بالمجموعة العربية ولعلي هنا أشير فقط إلى أنه حتى في إطار النظم والأنساق الاجتماعية الداخلية الخاصة بكل جماعة إثنية نجد ذلك التشابك والتقارب فمثلا نجد أن الطبقة الأرستقراطية تتوزع عند البولار إلى شريحتين تتقاسمان قمة الهرم الاجتماعي فالرنمبى مثلا تتوزع إلى التورودو الذين يحتكرون وظيفة التعليم الديني الشيء الذي انعكس على وضعيتهم السياسية والاقتصادية وهم الفاعلون الرئيسيون في الميدان وهناك شريحة ثانية اهتمت بقضايا الدفاع والشؤون العسكرية وهي التي تعرف ب”صوبي” وهذا ما لا يختلف إطلاقا مع وضعية الطبقة الأرستقراطية في المجموعة العربية( حيث يوجد عرب وزوايا) وإذا كان من اختلاف فلا يمس الجوهر.
المحور الثاني: مرتكزات الاندماج الوطني
إن جوهر الوحدة الوطنية لا يمكن الوصول إليه وإدراك ماهيته ما لم ترتسم الأبعاد التي يقوم عليها، والتي تتمثل في خمسة مقومات لا يمكن أن تنجز بدونها:
1ـ المرتكز الإثني للاندماج الوطني :
إن الوضع الذي ورثته الدولة الوطنية في إفريقيا من الاستعمار جعلت البعد الإثني يأخذ طابعا خاصا بفعل تقسيم المجموعات القبلية إلى عدة دول أو احتواء الدولة الواحدة اثنيات دون رابطة الشعور بالانتماء إلى جماعة وطنية سياسية واحدة.
إن التعدد الإثني داخل الجماعة الوطنية الواحدة لا بد أن يثير مشكلة الخصوصية أو الهوية إزاء الغير من الجماعات الوطنية الأخرى، فوجود الجماعات الإثنية (أغلبية أو أقلية) بثقافاتها السياسية وقيمها قد يؤدي إلى التناقض والصراع.
وهنا تكون الدولة أمام تحد يتعلق بتكوين شعور مشترك بين أفراد المجتمع الواحد بحيث يدركون أنهم مميزون عن غيرهم من المجتمعات الأخرى، إذ يجب أن يتوصل الناس في الدولة الجديدة إلى إقرار كون إقليمهم الوطني هو وطنهم الحقيقي كما يجب أن يشعروا كأفراد بأن هويتهم الشخصية محددة جزئيا بانتمائهم إلى بلادهم المحددة إقليميا.
وعليه يمكن القول أن البعدين الإثني والثقافي يلعبان دورا كبيرا في تحديد هوية أية جماعة بشرية. ففي افريقيا عموما ومنها بلادنا تتراوح الأشكال التقليدية للهوية فيها ما بين القبيلة أو الجماعة الدينية أو اللغوية وغيرها وهي بذلك تتعارض أو تتناقض مع الشعور والإحساس بالهوية الوطنية أو القومية. ولا بد هنا من ادارك أن بناء الدولة الحديثة يجب أن يتخطى أطر الجماعات الإثنية والمحلية إلى بناء مؤسسات وأطر وطنية شاملة.
وبناء هذه الأطر الشاملة لا يعني بالضرورة القضاء على خصوصية الجماعات الإثنية الفرعية (الأقليات ضمن إطار الجماعة الوطنية الشاملة) بل إبقائها ولكن ضمن إطار الوحدة الوطنية الشاملة التي تضم عموم الجماعة الوطنية.
وفي بلادنا لا بد من ملاحظة غياب هذا الشعور المتأسس على قواعد صلبة، ولعل أول محاولة لوضع هكذا قواعد، لتتمكن الجماعة من تمييز نفسها، جاءت ملخصة في شعار” همزة الوصل” التي من المؤكد أن ليس لها من معنى إلا وصلها لطرفي محيطها وذلك يعني أنه لا دلالة لها هي في حد ذاتها سوى المساعدة على إعطاء معاني تجميعية للموصولين. ذلك أن الناتج لم يكن إلا حاصل جمع مكوناته، أي أن موريتانيا الدولة لم تكن إلا تجميعا لمكوناتها الإثنية، هذه المكونات التي لم تشهد عبر تاريخها احتكاكات على أساس التمايز الإثني ولعل ذلك يعود إلى أن المشترك ما كان يتحدد بالإقليم الواحد،الذي على الجميع استغلاله والإفادة منه بشكل متساوي، بل كان لكل إثنية لكي لا أقول كل قبيلة إقليمها او أراضيها ولها وحدها استغلالها وأي تجاوز عليها كان مدعاة للتقاتل، كما لم يكن يتحدد بالسلطة المشتركة لغيابها. وإنما كان المشترك يتحدد بالمعتقد الديني الذي منه استفاد الناس على الأقل في تنظيم علاقاتهم ومن خلاله ضمنوا نوعا من الأمن والاستقرار. وهو أيضا الذي يميز تلك المكونات عن غيرها خاصة من الذين لا تشتركون معهم في الديانة. ولعل هذا ما يبرر ذلك التجاذب الذي ظهر بظهور الإرهاصات الأولى للدولة الوطنية وتزايد وتيرته نوعا وكما بترسخ الوليد الجديد.
إننا لا بد أن ندفع بواقعنا الاجتماعي والسياسي إلى إيجاد حل أدنى من الاتفاق على الأهداف العامة أو الجماعية، مما يعني خلق مؤسسات فعالة، والتواضع إلى مبادئ أو قيم يتباها كل أفراد المجتمع حتى لا يظل المجتمع موزعا على جماعات ذات أصول مختلفة تحتفظ كل منها بلغتها وقيمها وأساليب حياتها الخاصة، وتحل علاقات التفاعل بينها محل علاقات التماس والتجاور.
إن خلق هذه الجماعة الوطنية الشاملة هو الكفيل بالوصول بمجتمعنا إلى درجة عالية من التلاحم والاندماج بين عناصره، وقتها ستبدو الأقليات الإثنية بمثابة جماعات فرعية أي أنها ستكون جزءا من الجماعة الوطنية الكبرى “عموم سكان الدولة” التي تنبثق منها المؤسسات الكبرى خاصة السياسية وعلى رأسها الدولة والنظام السياسي. وهذه المؤسسات ستمثل الصيغ التنظيمية لكل ما هو مشترك بين أفراد الجماعة الوطنية الشاملة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يتم خلق الانسجام داخل الجماعة الوطنية عندنا وهي بتعددها الإثني الذي يرتبط بتعدد لغوي وبدرجة أقل تعدد ثقافي بحكم تأثير الدين الإسلامي الذي خفف إن لم نقل أزال الاختلاف الثقافي؟.
إن خلق هكذا انسجام لن يكون سهلا، إلا أنه على الإطلاق ليس مستحيلا، خاصة في ضوء تجارب قارتنا في هذا الميدان، رغم الفارق، إذ أن درجة اللاتجانس هي أقل بكثير عندنا من السواد الأعظم من دول تلك القارة. وهنا سنجد في تنزانيا وأوغندا مثالا حيث استطاعتا تطوير وإشاعة ثقافة وطنية شاملة نابعة من واقعها الخاص.
ولعل من المفيد التذكير بما خلص إليه الباحثون في مجال الجماعات الوطنية الإفريقية حتى نتمكن من عقد المقارنات والتأسيس العلمي لأي تصور يمكن أن تتبناه جماعتنا الوطنية حيث صنف الباحثون تلك الجماعات إلى:
i.الجماعات الوطنية المتجانسة: وهي التي تنتمي إلى مجموعة إثنية واحدة لغوية كانت أم قومية أم دينية أم عرقية إلى درجة عدم وجود جماعات فرعية أو أنها من القلة بحيث لا تثير مشكلات ذات شأن على صعيد الوحدة الوطنية.
وهنا يرى سعد الدين إبراهيم بأن التجانس يفترض أن لا تزيد نسبة الأقلية عن 15%. ومثال الدول المتجانسة في إفريقيا هي: مصر، ليبيا، تونس، الصومال، لوسوتو.. إذ أن موسوعة العالم الثالث تؤكد أن درجة التجانس في تونس تصل إلى 84% و98% منهم مسلمون.
ii.الجماعة الوطنية القطبية “الوسطى”: تتكون من مجموعتين متقاربتين في التأثير،وقد تكون ثمة أقليات أخرى اقل تأثيرا مثل: رواندا، بروندي، جيبوتي.
iii. الجماعة الوطنية التعددية: وهي تلك الجماعة التي تتكون من ثلاث جماعات أثنية فأكثر مع وجود نوع من الاتفاق العام على ثقافة وقيم وطنية عليا. ومن أمثلتها: زايير، تنزنيا، السينغال، السودان..الخ. فتنزانيا مثلا تضم أكثر من 120 وحدة إثنية عدا الأقليات الوافدة إليها، وتتعايش فيها أكثر من 100 لغة محلية. وقد اعتمدت هذه الدولة اللغة السواحلية لغة رسمية لأهميتها في البلاد. وفي تنزانيا تتعدد أيضا الديانات فهناك المسيحية والإسلام والوثنية ولا تتجاوز درجة التجانس فيها 7% بالمقارنة مع كوريا.
والتعدد في حد ذاته لا يعد شرا مثلما لا يعد خيرا. ولتحديد المجتمع ألتعددي يرى البعض أنه مجتمع ليس له مطلب اجتماعي واحد. فكل جماعة تبدي اهتماما بمطالبها الخاصة ويزداد ذلك سوء إذا ما ارتبط التعدد الإثني بالتمايز الاجتماعي أو الطبقي مما يؤدي إلى منع تكون أية إرادة جماعية الشيء الذي سيكون له أثر سلبي على استقرار ووحدة الجماعة الوطنية.
iv.الجماعة الوطنية المتشرذمة: وتعد أسوء الحالات التي تكون فيها الجماعة الوطنية حيث لا توجد قيم أساسية ويغيب الحوار المفتوح بين أعضائها، وفيها يكون الولاء للجزء دون الكل، وتشهد تعددا للنظم التشريعية والتعليمية مما يعني اختلاف وتنوع الإطارات المرجعية.
والجماعات الإثنية في هذا النوع من الجماعات الوطنية تعيش متماسة مع بعضها البعض ضمن دولة واحدة دون أن تتفاعل أو تتحاور بما يخلق ثقافة عامة مشتركة أو قيم محددة جامعة ومن أمثلتها: أثيوبيا، نيجيريا.. الخ.
ونحن إذ نعتبر بلادنا في ضوء هذا التصنيف جزءا من الجماعات الوطنية فإننا نؤشر بأنه رغم الغياب الواضح لتلك المرجعيات والكليات التي يجب أن يحتكم إليها أفراد الجماعة الوطنية أي ما سمي بالثقافة الوطنية الشاملة، فإن البلاد في ظل عدم نكرانها لهذا التعدد قد استطاعت الاستفادة منه رغم لحظات الاختناق التي تحدث بين الفينة والأخرى. وهنا نعتقد أن خطابا سائدا يتحاشى الخوض في مكنونات المسألة الاجتماعية لا نراه يسلك طريقا مستقيما وآمنا، حريصا على الحفاظ على تماسك ووحدة هذه الجماعة الوطنية.
ونذكر أن غالبية الدراسات والأبحاث التي تعرضت لهذا الموضوع سواء كانت بالفرنسية أو بالعربية فإنها اتجهت إلى التعبير بلغة أرقام عن واقع الإثنيات في بلادنا مستندة في ذلك إلى معطيات أولية تخمينية أو تقديرية وفي أفضل الحالات لا تكتسي الطابع الموضوعي لأن هكذا معطيات لا يمكن أن تتوفر إلا بجهد مؤسسي رسمي. وهو ما لم يتحقق لحد الآن.
وتجدر الإشارة في هذا السياق أن كل المهتمين من أحزاب وجماعات سياسية ، بما فيهم القوميين العرب، وهذا من المآخذ التي تحسب عليهم لم يبذلوا أي جهد في هذا الاتجاه، إذ لا توجد دراسة موجهة لهذا الغرض وحتى لا توجد وثيقة تعطي تقديرات قد تنسب لهم.كما إن الوثائق التي تتناول هذه القضايا الوطنية ،بطريقة تعكس المطالب بشكل يعبر عن الرؤية الواضحة ،بقطع النظر عما إذا كنا متفقين أو مختلفين معها، إذا ما استثنينا الحركة القومية في تلك الأقليات أو بعض الأطراف في الحركة القومية العربية في الآونة الأخيرة،لم تتوفر.
وفي وضع كهذا اتجه الكثير من الباحثين والكتاب إلى إعطاء نسب يسود اعتقاد غالب لدينا أنها لا تستند إلا على تقدير متواضع لأصحابها. وهو ما دفع البعض، في محاولة لا تنقصها الجدية، إلى محاولة استنطاق بعض الأرقام وتتبعها عله يصل من خلال استقرائها إلى وضع نسب تقديرية لحجم المكونات الإثنية مؤسسة مثلا على نسبة التعيينات في الحكومة أو الوظائف العامة. وعموما فإن هذه النسب تراوحت ما بين 13% إلى 20% في أقصى حالاتها.
إن للغة الأرقام في عالم اليوم مصداقية كبيرة، خاصة في القضايا التي يثور حولها الجدل. لكن هذه الأرقام قد لا تكون الوسيلة الوحيدة ولا الأمثل للحسم وغيابها هو تمييع للدولة ومؤسساتها بل حتى تضييع لجنسيتها إذ لا تصور أن دولة في القرن الواحد والعشرين لا تمتلك رقما دقيقا لعدد سكانها في الوقت الذي نجد فيه بعض البلدان ومنها الإفريقية يتم الإعلان فيها عن زيادة الساكنة كل يوم إن لم نقل كل ساعة فتلك من مقتضيات الشفافية وما يفرضه الحق في الوصول إلى المعلومة.
فلغة الأرقام لم تكن معيارا من أهم المعايير لتعريف مكونات الجماعة الوطنية المرتب للحقوق فحسب ،بل هي ابلغ مقدمة ضرورية للاعتراف المتبادل، حتى ولو لم تكن بالضرورة هي عنصر الحسم. فكثيرا ما يحدث التوافق والانسجام حول القضايا عكس منطقها إذا ما توفرت لذلك الشروط اللازمة.
2- المرتكز الثقافي للاندماج الوطني:
يتداخل البعد الثقافي مع البعد الإثني، وذلك ما يعطيه أهميته لأن لكل جماعة إثنية ثقافتها وما نقصده من هذا البعد هو ذاك المتعلق بالجانب السياسي أو الوطني أي الثقافة السياسية التي هي جزء من الثقافة عموما.
إن من الصعوبة بمكان تعريف الثقافة لأنها ذات أبعاد معقدة ومتداخلة، وتتداخل مع مفاهيم ومصطلحات أخرى كالحضارة، والمدنية، والايدولوجيا، والرسالة، فتعريفها يصطدم بصعوبات.
ودون الخوض في التفاصيل وتتبع مختلف التعريفات فإننا نشير إلى ذلك الذي يرى أنها “مجموعة القيم المادية والروحية التي يفرزها المجتمع ويتفاعل معها الإنسان في حياته اليومية” وهو تعريف انصرف إليه الإجماع العالمي الحديث تقريبا، ذلك أن إعلان مكسيكو الصادر عن منظمة الثقافة والتربية والعلوم رأى أن الثقافة “بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل: الفنون، الآداب، وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات”.
إن ما تقدم يسمح لنا بالقول أن لكل جماعة وطنية ثقافة مشتركة واحدة قد تتعدد مستوياتها الداخلية (ثقافات فرعية) وتتباين مع تعدد وتباين الوظائف الاجتماعية لأفراد تلك الجماعة وهنا يقول جوزيف افرانكل أن البشرية تعيش حالة من التباين الثقافي “فليس منا من لا يرتبط بثقافة قومه، ومن ثم بتصوره لعالمه السياسي من ثنايا تلك الثقافة، وباعتباره يمثل النموذج الأمثل في هذا المجال”.
إن الخصوصية الثقافية والتي يتم التعبير عنها بالثقافات الفرعية، هي التي تنعكس في ثقافات خاصة بالجماعات الإثنية والإقليمية والاجتماعية المختلفة.
أما الثقافة السياسية فهي من طبيعة الثقافة، وجزء منها، ورغم مشاكل وصعوبات تعريفها فإننا نجد أن غبرييل آلموند يشير إلى أهمية الثقافة السياسية كعامل ديناميكي في تحريك المؤسسات من جانب، وإلى دور التنشئة السياسية في تحديد مسارات الثقافة السياسية من جانب آخر.
والثقافة السياسية تمثل نسقا من القيم والاتجاهات والمعتقدات السياسية، وعلى أساس هذا المركب الثقافي العقلي والنفسي يمكن تفسير كيف تتشكل وتعمل المؤسسات السياسية مع تأكيدنا على أن هذه القيم والاتجاهات ليست فطرية وإنما يكتسبها أفراد المجتمع في غمار عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية. ومن ذلك يبرز دور خاصية عدم الثبات في القيم والمبادئ والأهداف التي تنبني عليها الثقافة السياسية وذلك كي تتكيف مع طوارئها ومستجداتها المصاحبة لكل ما يحدث في المجتمع من تغير. فعلى سبيل المثال هل من المناسب اليوم على المنادين بالعربية أداة للتعليم والإدارة، أن يطالبوا المكونات الأخرى بالعودة إلى ستينيات أو خمسينيات القرن الماضي، لمناقشة بأي حرف ستكتب لغاتهم، في الوقت الذي لم يعد فيه من المناسب المحافظة على لغة أجنبية كوسيط بين مكونات وطنية.
ويرى لوسيان باي أن الثقافة السياسية إنما هي مجموعة من الاتجاهات والمعتقدات التي تعطي نظاما ومعنى للعملية السياسية وتقدم القواعد المستقرة التي تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسي. وتلخيصا يرى الباحثون أنه بالإمكان تحديد السمات الخاصة بالثقافة السياسية أو الوطنية في:
ـ إنها كمحصلة تعبير عن عناصر غير مادية.
ـ أنها جزء من الثقافة العامة للجماعة الوطنية
– يساهم في تشكيلها كل من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والميراث التاريخي والإطار الطبيعي والتنشئة الاجتماعية والسياسية ونمط الحكم والسياسة.
– لا تعرف الثقافة السياسية ثباتا مطلقا إذ أنها تتعرض للتغير حتى ولو كان طفيفا أو بطيئا.
– إن وجودها لا ينفي وجود ثقافات فرعية أو ثانوية.
– هي واقعة أو ظاهرة اجتماعية وبذلك فهي تتطور مع تطور الجماعة وتتحول معها.
– إنها ليست مؤسسات، رغم ارتباطها بالنظام السياسي، لا تأخذ طابعا مؤسساتيا.
فهي إذن الثقافة السياسية المسيطرة لسيادتها بين أفراد الجماعة الوطنية (أغلبية وأقلية) وهي الثقافة الوطنية تمييزا لها عن الثقافات الفرعية والتي عادة ما تكون ثقافة أقليات أو جماعات إثنية صغيرة.
وتأسيسا على ذلك ستتمحور هذه الثقافة حول جملة من المعطيات ضمانة للتميز والتمايز عن الآخر، الذين يعدان شأن بل وجوهرة كل هوية، وتحديدا وصونا للشخصية الوطنية التي لا بد لكل الموريتانيين أن يلتقوا حولها تفاعلا وتعاضدا قبل أن يعود كل واحد منهم إلى الذات الفرعية، المصونة إثراء وإغناء لحياة الجماعة الوطنية. ولا بد أن تكون محركات ذلك وضماناته الأساسية القضاء على كل الهواجس المتبادلة، بحيث تدرك الأقليات الإثنية أن التعدد في موريتانيا لن يكون مستهدفا مثل ما لم يستهدف في أي يوم من الأيام بدليل تعايش العرب حملة الرسالة ومن عرّبوا من “بربر” مع هذه الأقليات الإثنية اليوم دون أن يفرض عليهم التعريب. ذلك أن التعريب ،وإن كانت الصيغة الصرفية للمفردة توحي إلى نوع من القهر والإجبار المرافق لتحول أناس من أصولهم إلى العرب، إلا أنه لم يحدث إلا في البلاد ومع الشعوب التي كانت على استعداد ذاتي لتقبله دون إكراه، وبالتأكيد أيضا أن الاختلاف الإثني ومن ثم الثقافي لم يحل بين هذه الأقليات وقادة العلم والرأي فيها من التعاطي مع الإسلام ولغته وثقافته.
والتعريب في العقود الماضية التي شهدت تأسيس الدولة الوطنية لم يكن يستهدف إذابة مكونات المجموعة الوطنية من غير العرب، بل كان يعمل على أن يجعل من اللغة العربية لغة تعليم وإدارة، وهي اللغة الوطنية الوحيدة القادرة لحد الساعة على ذلك.
وفي المقابل طمأنة الأغلبية أن مطالب الأقلية لا يمكن إلا أن تكون نابعة من مصالح ذاتية داخلية مستهدفة تعزيز اللحمة وتقوية التواصل بين المجموعات الوطنية بعيدا عن الولاءات الخارجية ودعوات التفتيت والانفصال.
وهنا لا بد أن ترتكز ثقافتنا السياسية الشاملة على مجموعة من المبادئ والأهداف التي تدور حول ديننا الإسلامي الحنيف وقيمنا الثقافية، وأوعيتها الأساسية- لغاتنا الوطنية- وأنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية تضمن للجميع حقوقه في إطار من التآخي والوئام الاجتماعي.
3- المرتكز السياسي للاندماج الوطني:
ويقصد به درجة التفاعل أو التلاحم أو الاندماج، أو عدم ذلك كله، بين النظام السياسي أو القيادة السياسية وبين مجموع أعضاء الجماعة الوطنية سواء كان هؤلاء من الأغلبية أو الأقلية، ذلك أن تحقق مثل هذا التفاعل أمر لا بد منه على طريق استكمال مقومات أية وحدة وطنية ناجحة.
ولا شك أن ذلك الوضع يشكل نتيجة لا بد لها من مقدمة أساسية وهي اقتناع الجماعة الوطنية (أغلبية وأقلية) بشرعية النظام السياسي كجهاز لاتخاذ القرارات الملزمة للأفراد. فكلما اتسع مدى الشرعية كان بالإمكان سيادة قيم سياسية تضغط باتجاه الامتثال لقرارات السلطة السياسية والعكس يجعل منها في نظر الجماعة أداة للقمع والتسلط.
إن الاندماج بين السلطة أو القيادة والقاعدة يعني وجود التفاعل المستمر بين القيادة الحاكمة والمجتمع المحكوم بصرف النظر عما قد يوجد بينهما من اختلافات أو انقسامات عرقية، دينية، لغوية، أو جماعية.
إن التفاعلات الخاصة بالنظام السياسي تعكس مدى تنظيم النظام السياسي ككل أي المجتمع السياسي، لأن تلك التفاعلات هي نظام علاقات متفاعلة تشير إلى علاقات شاغلي الأدوار بأجهزة الحكومة، وإلى علاقات الجماعات ببعضها، وإلى علاقات شاغلي الأدوار من المواطنين النشطين في المجتمع.
ولعل مما يثير الأزمة أو المشكلة ويعوق نمط التفاعلات توفر جملة من العوامل والظروف في أكثر بلدان العالم ومنها بلادنا:
أـ غياب أو ضعف التنظيمات الوسيطة التي يمكنها تأمين القنوات اللازمة لاستيعاب مطالب الجماعات والقوى ونقصد بتلك التنظيمات الأحزاب، جماعات المصالح، النقابات، التنظيمات المهنية والاجتماعية، فهذه التنظيمات هي صاحبة الدور الفاعل في بيان شرعية النظام السياسي في تمثيله لمصالح الجماعة الوطنية أو في كونه يشكل أداة قمع وقهر. والواقع السياسي في بلادنا يظهر الحاجة الملحة إلى طرح السؤال، هل أن هذه الجماعات الإثنية راضية بالنظام القائم فعلا؟ وهل تريد هذه المكونات الديمقراطية “غير الموصوفة” كنظام للحكم تقبل بآلياته وتتحمل مآلات نتائجه؟ مثلما يطرح الاستفهام حول درجة تماسك أعضاء الجماعة الوطنية؟ أي هل هناك إدراك فعلي لحاجة هذه الإثنيات لبعضها البعض؟ وهل ما يطرح من قضايا على الساحة السياسية يتحدد بالحدود الوطنية أم أن له أبعاده الإقليمية والدولية بتعبير آخر ما دور الأجنبي في ذلك؟ ولا شك أن العودة إلى برامج وسلوكيات تلك التنظيمات الوسيطة سيظهر لنا مدى الاختلاف أو لنقل التعارض في الإجابة على هذه الأسئلة، رغم أن الواقع لا يزال مشجعا على الإجابة الإيجابية على كل هذه التساؤلات. إذ هناك العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع وحاولت أن تصوغ خلاصات تؤكد الانسجام والوحدة رغم ما يبرز من حين لآخر سواء في البرامج أو في المسلكيات مما يثير الشك حول ذلك الانسجام.
ب ـ ضعف وسائل الاتصال بين القيادة بمفهوم النظام أو الحكم والجماهير.. فإذا كانت الثورة التي عرفتها وسائل الاتصال قد حدت من أهمية هذا العامل إلا أن هناك جانبا يبقى على قدر كبير من الأهمية وهو ذلك المتمثل في عدم قدرة أبناء الجماعة الوطنية الواحدة لاستيعاب اللغة التي تنقل مخرجات النظام السياسي. ولعل هذا ما يأخذ صورة واضحة في بلادنا حيث صعوبة التواصل والتفاعل بين الإدارة والمواطن خاصة وأن اللغة المستخدمة هي لغة نخبة، لا يشكل من يستوعبونها نسبة تبرر الاستمرار في استخدامها، وذلك إدراكا منا لدرجة ارتفاع نسبة الأمية في البلاد أولا ولقلة المتعلمين باللغات الوطنية أحرى بلغة أجنبية ثانيا.
ج ـ التباين الثقافي الحاد بين أفراد النخبة السياسية والاجتماعية الحديثة وبين معظم أعضاء الجماعة الوطنية (ثقافة عصرية عند النخب وأخرى تقليدية شعبية) ويتجسد ذلك عندما يحدث التعارض بين الولاء للجماعة المحلية أو الفرعية بحكم الثقافة التقليدية وبين الولاء للجماعة الوطنية ككل بحكم الثقافة الوطنية الشاملة.
إن الثقافة الوطنية تنطوي على معتقدات متعلقة بنشاط وأداء الحكومة في كثير من مجالات الحياة الاجتماعية حيث يدرك الفرد أن بمقدوره أن يعبر عن مطالبه وأن الحكومة يمكن أن تستجيب لها. وعلى ذلك سوف لن يكون من المصلحة تبني القيادات السياسية الحاكمة لسياسات تقوم على الولاءات التقليدية الضيقة بما يكرس مصالح الجماعات الإثنية التي تنتمي إليها تلك القيادات.
4 – المرتكز الإقليمي للاندماج الوطني:
يلعب الإقليم دورا مهما في استكمال مقومات الوحدة، لأنه لا بد لكل جماعة وطنية من رقعة جغرافية معينة، وكلما كان الإقليم موحدا وأكثر تماسكا ساعد على إقامة علاقات أوثق بين أعضاء الجماعة.
فعالم الانتربولوجيا السياسية بالانديه يرى أن رابطة الإقليم لها دور أقوى من رابطة القرابة العشائرية أو الأسرية في تحديد معالم الجماعة الوطنية، ومن ثم الكيان السياسي الذي تتأطر به تلك الجماعة. فالوحدة الإقليمية للدولة إذن تعد عاملا لا غنى عنه في تحديد أبعاد وهوية الجماعة الوطنية إزاء الغير من الجماعات الوطنية الأخرى.
وعموما فإن البعد الإقليمي للوحدة الوطنية يقصد منه ذلك التحقق أو عدمه للتفاعل والتلاحم ومن ثم الاندماج بين الأجزاء المختلفة لإقليم الجماعة الوطنية الواحدة.
5 ـ البعد الوظيفي للوحدة الوطنية:
إن البعد الوظيفي لا يتجسد في وجود أو عدم وجود تنمية متوازنة، بين جميع مناطق وأقاليم الدولة وبين مختلف الجماعات الإثنية (الأغلبية العددية أو الأقليات) فحسب وإنما في وجود تفاعل أو تلاحم قائم على أساس المشترك الاقتصادي الوظيفي الفعال والمتداخل بين الأغلبية العددية وبين الجماعات الإثنية الأخرى (الأقليات) بما يخلق مصلحة أساسية مشتركة، تؤدي إلى تعمق تلاحمهما وشعورهما بأهمية مثل هذا التفاعل.
وهنا لابد من النظر إلى الخريطة التنموية في البلاد وتحسس مواطن الإخفاق، وحتى نستكشف تلك المناطق التي تئن تحت وطأة النسيان والتجاهل في جنوب البلاد وشرقها، كيما يدرك أبناؤها قيمة التواصل والانتماء إلى بلد واحد.
الخاتمة
نخلص من هذا البحث إلى الملاحظات التالية:
– أن التعدد الإثني واقع مجتمعي راسخ في موريتانيا لم تواجه تاريخيا محاولات جدية للقضاء عليه أو نكرانه. وذلك بفعل القبول المتبادل بين الإثنيات التي عاشت على الإقليم الذي سيشهد قيام الدولة الوطنية.
– إن الدولة الوطنية ومنذ تأسيسها لم تبذل الجهد اللازم لبناء تجربة للاندماج الوطني تنطلق من التشخيص الموضوعي للواقع الاجتماعي لتضع الحلول لإشكالياته. إذ أنها وإلى اليوم تراوح سلوكها إزاءه بين انتهاج “لسياسة النعامة” و “سياسة الهروب إلى الأمام”.
– إن مسألة التعايش السلمي والاندماج الوطني لا يمكن التعويل فيها على تجربة التعايش التاريخية لمكونات الجماعة الوطنية لاختلاف ظروفها ومعطياتها.
– إن غياب كتابة التاريخ الوطني وفق رؤية موضوعية تعزز الصلات وتوثق الروابط، تبقى أحد المعوقات الأساسية لقراءة موضوعية للمسألة الوطنية.
– لا بد من إدراك تام إن مسألة الاندماج الوطني، قضية تتعدد فيها الأدوار رغم الوحدة في الهدف. ونظرا لتنوع الفاعلين على صعيدها لا بد لأي معالجة أن تبتعد عن المؤثرات الخارجية لما لذلك من قطع للطريق أمام محاولات الدس والتفخيخ، لأن الأجنبي لا يؤدي الدور إلا ليأخذ مقابلا.
إعداد: د/ النان ولد المامي

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий