Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > التيمات الثقافية والهوية في المغرب العربي- ترجمة: محمد أسليــم

التيمات الثقافية والهوية في المغرب العربي- ترجمة: محمد أسليــم

لا نزعم الإحاطة بمجموع مشاكل الحياة الثقافية في المغرب العربي، ومع ذلك فقد ارتأينا من المفيد أن نتناول هنا بعض جوانبها الدالة لأنها تحيل على الهوية وتمثل، لهذا السبب، نقطا حساسة في فترة التحول الراهن. وسنكتفي هنا ببعض القضايا، وهي: مسألة العلاقة بالجسـد أو «الصحة العقليـة»، «مشكلـة المرأة»، ثم الأغنية والمسـرح.

العلاقـة بالجسـد أو مشكـلة المجنـون

سواء تحدثنا عن العلاقة بالجسد أو الصحة العقلية أو صورة المجنون، فالأمر هنا يتعلق بمشكل دَرَسَتْهُ الأنثروبولوجيا الحالية بكيفية جيدة. والمشكل المطروح هو مشكل الضابط (أو المعيار) (La norme) والهامش(La marge)، هو معرفة إلى أي حد يمكن لفرد من الأفراد أن يعبر عن ارتجالية رغبته خارج الإطار المعترف به كإطار سوي من لدن الوسط الذي يعيش فيه. ومن هذا المشكل تنحدر مشكلة أخرى تتمثل في نوع العلاج الواجب تخصيصه للفرد الذي لا يدخل في إطار الهوية التي يحددها المجتمع: أيجب التنقيص منه، أي إخفاؤه وعزله، أم يجب على العكس تركه حرا طليقا باعتباره فردا هامشيا يشهد، من خلال وضعه كمقصي، على كلية قدرة الضابط الاجتماعي؟ ومهما يكن من أمر، فإنه يجب إيجاد «علـة» لهامشيته، وتفسيرها، واقتراح علاج لـ«مرضـ»ـه إن تم اعتباره مرضا. هكذا، نلاحظ كيف يمثل هذا المشكل المكان المتميز للكشف عن الهوية في أي مجتمع من المجتمعات.

لقد شكل وضع المجنون موضوعا لعدد من الدراسات خارج الغرب، وفي المغرب العربي على الخصوص[1]. ولنكتف هنا بالتذكير بأن سجل القيم القديمة يعتبر المجنون عادة فردا مملوكا أو ممسوسا (Possédé)، أي تملكه أرواح يمكن أن تمنحه قدرات خارقة للعادة. ولذا، فهو يحظى باحترام وسطه ولا يولد أي شعـور بالإثـم الفردي أو الاجتماعي. وإذا تم التفكيـر في «التطبيب»، فذلك يكون في إطار استشارة اختصاصي، هـو الطالب أو الفقيه، أو القيام برقصة جماعية لتخليص المريض من الأرواح (حضرة أو جذبة Transe). وهذه الطقوس واسعة الانتشار، وممارستها تتم غالبا في إطار الزوايا. ورغم أن الأرثذكسية الإسلامية تركن إلى التفسير الأساسي نفسه، تفسير المرض العقلي باعتباره مسا من الجـن، فإنها تشجب الممارسات الخفية وتوصي بتخليص المملوك بقراءة القرآن لا غير. إلا أن الأشكال العقلانية العصرية لهذه الأرتذكسية تقترب من رد المرض العقلي إلى المرض الشائع الذي يتطلب، كسائر الأمراض، عون الله وممارسة المعرفة البشرية. أما الممارسة العصرية، ممارسة مستشفى الأمراض العقلية الذي تـرسخ جيـدا في المغـرب العـربي، فتغفـل كـل خصوصية ثقافية حتى – بـل وأساسـا – عندما يزاولها أطباء مغاربيـون، وتطمح إلى أن تكون مقاربة علمية للمرض الذي يتعين معالجته في جذره، أي باعتباره اختلالا عضويا معينا يمكن مداواته بعقاقيـر كيميائية.

هكذا يُستخدَم في حل مشكل الجنون منظورٌ شعبىٌّ يمكن نعته بالسحري، وتصور إسلامي أرثذكسي، ونظرة عقلانية غربية. والفرد الذي يجد نفسه منساقا إلى «العلاج»، أي الذي يسميه محيطه مجنونا أو مريضا، يضطر في الغالب إلى تجريب ثلاثة علاجات، إذ يقوده الفشل المتكرر لمستشفى الأمراض العقلية إلى زيارة طالب (فقيـه) أو إحدى الجماعات التي تمارس طقوس الصرع عن طريق الحضرة. إنها ممارسات ثلاث تحيل على ثلاثة ضوابط ثقافية كما تحيل غالبا على ثلاث لغات، هي: لغة السحر الطبيعي الشعبي الذي يسمى غالبا (سحراً) إسلاميا، ولغة الأرثذكسية الإسلامية كما يحددها العلماء والفقهاء الحضريون، ثم لغة «العلم العصري» الذي ينظر إليه باعتباره عالما للأجنبي الغربـي.

«مشكـــل المـــرأة»

يحضر هذا المشكل بقوة في الراهنية لأنه يعكس التطور العميق الذي يشهده المجتمع الحالي. وهو مشكل أساسي لأنه يمس تعريف هوية الرجل نفسه ويطرح – بما يؤسسه من تمييز (بين الذكـر والأنثى) – مسألة الجنس محيلا على وضع هذا الأخير في صلته بطبيعة المجتمع، وعلى الدور المناط به في تحديـد الضابط. ذلك أنه إن كان يوجد مكان لمعاينة الانتقال من النظام الطبيعي إلى النظام الثقافي، فذلك الفضاء بالتأكيد هو الجنس لأن ما من مجتمع إلا ويرى التحكمَ في القوى الغامضة والمبهمة أمراً ضرورياً. والكلمة هي التي تضطلع في البداية بمهمة إيقاف هذا السيل الجارف من أجل احتوائه داخل أشكال الرمزي. وبذلك فالعلاقة بالكلمة في هذا المجال علاقة مضبوطة جـــدا.

يوجد في المجتمع البدوي أو القروي وضع محدد للجنس – منه ينحدر وضع اجتماعي للمرأة – مختلف عن ذلك الذي نجده في الحاضرة الإسلامية، إذ تشارك فيه المرأة بقوة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وهو يرتبط في العمق بتصورات طبيعية للخصوبة رغم تغطيتها بحجاب الممارسة الإسلامية. وليس من باب العبث أن يكرس الإسلام الأرثذكسي نفسه في كل العصور – وحديثا جدا في الحركة الإصلاحية – لمناهضة هذه الممارسات «المتأخرة» و«الخرافيـة» (كما يدعوها غالبا) التي تستعيد بها المرأة – فيما يبدو – هوية خاصة بها وقدرة غامضة في الوقت معا. وأقل ما تدل عليه هذه الإدانات هو أن الممنوع المزدوج الذي تلقي به العقلانية الإسلامية أو عقلانية العلم على «أنوثـة الأصـول» هذه لا يؤدي بالتأكيد سوى إلى إذكاء عمق حيويتها. ففي المغرب العربي، عندما تفلت قوة الحياة النسوية من الانكسار داخل عزلة المدن وفردانيتها، فإنها تغور في أساس من الكلمات والحركات مختلف عن ذلك النموذج الذي اختاره فقيه الإسلام للمرأة. وتجليات هذا الأساس في الاجتماعات النسوية تضمن للجسد تعبيرا تحريريا لا تعرف المجتمعات الغـربية نظيرا لـه.

ويبدو هذا الوضع الذي يحاول النموذج الإسلامي فرضه على المرأة محددا لها مكانة سلبية وخاضعة وملزما إياها على الامتثال له في الحياة الاجتماعية، يبدو بمثابة الضابط الذي يريد الرجل أن يفرضه على المرأة لاحتواء طفح النظام الطبيعي الذي يراه يتفجر فيها، وربما أيضا لتحاشي ما يثيره فيه ذلك الطفح من خوف عميق. وقد صار الحجاب رمزا لذلك لأنه يحيل على نظرة للمرأة تجعل منها شيئا مخجلا أوخطيرا يجب إخفاؤه. والمشكل هنا يكمن في أن ما كتب من أدب غزير حول المرأة المغاربية لم يحاول تحديد الدور الذي أناطه النظام الرمزي الإسلامي بالجنس في علاقته بالرقابة الواجب ممارستها على الحياة الاجتماعية. ومن المؤكد أن هذا الدور مختلف جدا عن نظيره في النظام المسيحي الذي تبناه المجتمع اللائكي الغربي. وإذا كانت الدراسات التي شرعت في معالجة هذا المشكل في الغرب تختلـف في تفسيـره فهي، على الأقـل، تجمـع على الاعتـراف بالـدور الرئيسي الذي تلعبه الرقابة الجنسية في تركيبة المجتمع ككل. حقا، يبدو في الوقت الراهن أن التصور الإسلامي للجنس متمركزٌ بشدة حول الشرف فيما يتمحور نظيره الغربي حول النقد، لكن يتعين فهم كيفية تشكل آثار السلطة في النظاميـن.

أما نموذج المرأة الذي يقترحه الضابط الغربي وتنشره بكيفية واسعة الأجهزة المؤسساتية لـ«التطور»، فيتضمن بحثا عن تحرر اجتماعي يترتب عنه وضع جديد للمرأة مختلف عن الوضع السائد في المغرب العربي. ويعتبـر الصـدى الـذي يلقـاه هذا النموذج في المغرب العربي عاملا حاسما في التوترات القائمة حاليا حـول موضـوع المـرأة.

هكذا يعرف سياق المغرب العربي ثلاث هويات للمرأة، وهي هويات حاضرة في الواقع واللغة معا. ويبدو في الوقت الراهن أن صورة المرأة الغربية هي القوة الأشد تحريكا لأنها ترتبط بسياق التحرر والمُتْعِية (Hédonisme). غير أنه من الصعب تفسير ذلك: هل يتأتى تأثيـر تلك الصورة في المرأة المغاربية من جاذبيتها أم من الأصداء العميقة التي توقظها في ذلك «العمق الطبيعي التقليدي» الذي لا زال يحتفظ بكل حضوره إما على شكل ممارسات من صميم عالم النساء أو ميولات كبتها الممنوع الثقافي الإسلامي؟

الموسيقـى والغنـاء أو الكلمـة المغنَّاة

للموسيقى والغناء ميزة تفتقر إليها الكتابة، وتتمثل في ترميم هذا البعد «الشعبي» الذي غالبا ما تنتصب في وجهه الضرورات والأوامر الثقافية. بالإضافة إلى ذلك، فهما يحيلان مباشرة على أنماط التعبير اللغوي الثلاثة، وهي: اللهجة، واللغة العربية، ثم الفرنسية.

لن نتوقف عند الدور الذي تلعبه الموسيقى الغربية بين صفوف الشباب المغاربي. فتأثيرها يمكن تبينه من خلال ما تصادفه من انتقادات لدى الشرائح الشعبية التي ترى في اجتياح هذه الإيقاعات المرتجفة والكلمات التي ترافقها تشبعا بالحضارة الغربية في جانبها الأكثر لا أخلاقية: جانب انحطاط القيم وعدم الاكتراث بالأخلاق.

وما يسمى في الغرب موسيقى عربية يغطي، في الواقع، أشكالا متعددة يمكن تصنيفها إلى تيارين هاميـن: الأول يدعى طربا شعبيا، يستخدم أدوات كالناي والطبلة أو الطارة، ويستعمل كلمات دارجة، وهو ذو مرجعية بدوية وقروية. أما الثاني فهو على العكس حضري، يسمى أحيانا طربا كلاسيكيا (الأندلسي أو الملحون)، ويستعمل أدوات أخرى كالعود والكمان أو الرباب، ويرتكز على إيقاعات متنوعة، كما يستخدم في أغانيه اللغة العربية الكلاسيكية أو لغة حضرية منمقـة.

ومما تجدر ملاحظته في بريد قراء الصحيفة الجزائرية الجزائـر الجمهوريـة Alger Républicain، خلال النقاش الذي فتحته سنة 1969 حول اللغة المستعملة في برامج الإذاعة والتلفزة ونوع الموسيقى التي يليق بثها فيهما، أن المراسلين قد نظموا اقتراحاتهم تلقائيا حول أقطاب ثلاثة: قطب الموسيقى الغربية، واللغة الفرنسية أو الإنجليزية مع إعطاء حرية معينة (البنات اللواتي يرقصن التويست). ثم قطب الموسيقى العربية (المصرية) التي اعتبروها صعبة، مما يفصح عن وجود ضرب من الخلط في أذهانهم بين العربية الكلاسيكية والعربية المصرية من جهة، وبين الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى المصرية، من جهة ثانية. أقول اعتبروها صعبة وذات مرجعية خارجية تحدد، حسب الحالات، تارة في الأمة العربية الكبرى، وتارة في أمة أجنبية – هي مصر – ينظرون إليها باعتبارها أمة تسعى إلى الهيمنة. أما القطب الثالث والأخير، فهو قطب الموسيقى المسماة موسيقى شعبية أو وطنية، ويقرن المراسلون المطالبة بها ببث البرامج باللغة التي يتكلم بها الشعب، العربية أو البربرية، وبإرادة إثبات وتأكيد ما يحسون به باعتباره شيئا من صميم البـلاد.

وإذا كانت الموسيقى تشكل عالما تتعايش فيه تمثلات متعددة للهوية، فإن التعبير الشفهي يتيح للمرء أن يسمع فيه استيعابا مباشرا للعالم الراهن ومشاكله الشديدة الاختلاف عن مضامين الخطابات الرسمية المحلية حول الدولة أو الإسلام. وعلى سبيل المثال الدال – وهو ليس الوحيد – يجب ذكر مجموعة المغنين المغاربة التي تسمى «ناس الغيـوان»[2]. فهؤلاء المغنون الذين ينحدرون من أوساط شعبية بمدينة الدار البيضاء، وتلقوا تكوينهم في تجربة المسرح الشعبي، يعالجون في قصائدهم الشهيرة (مثل قصيدة «الصينية» أو «فين غادي بيا خويا؟» [إلى أين أنت سائر بي يا أخي؟] موضوع الاضطراب العميق الذي فرضه الغرب على المجتمع المغاربي، والتدمير البطيء الذي تشهده العلاقات الأكثر حميمية، والذي يرتبط بتفكك الاقتصاد والحياة الاجتماعية القديمين. كما يعالجون موضوع فقدان امتلاك عالم لم يكن عالما للتقنية المتخلفة فحسب، بل وكذلك عالما لسيادة قيم الشرف على قيم النقـد (Argent). والارتباك الذي أحس به النظام خلال مدة معينة، حيث منع إذاعة أغاني هذه المجموعة مدة عامين، يدل بما فيه الكفاية عما كانت تمثله هذه المجموعة. غير أن فنهم يكشف بالخصوص عن جانب كامن في تأكيد الذات. واللغة نفسها التي يستعملونها، وهي عربية دارجة عتيقة في بعض الأحيان وتعود بعض تراكيبها إلى الرافض المغاربي القديم عبد الـرحمان المجذوب الذي عاش في القرن XVI م (ج. سيل – ميلي وب. خليفة، 1966)، تلك اللغة تشهد على ثقـافة حقة عرفت كيف تحافظ على إيقاعاتها وشفراتها ولغتها خارج كل تطبيـع لغـوي أو إيديولـوجي.

ويعتبـر تكاثـر فـرق غنائية شابة في مجموع أنحاء المغرب العربي، تتأرجح بين الأقطاب الثلاثة للتعبيـر الثقافي، دليلا يشهـد على دينامية ملحوظة جدا لا سيما أن الأغنية الشعبية تظل في غياب فرصة التعبير السياسي – بسبب الممنوع الثقافي المرتبط بالقمع الذي يمارسه المكتوب واحتكار وسائل الإعلام والممنوع السياسي الذي تمارسه الرقابة – تظل المرآة التي يجد فيها مجموع سكان المغرب العربي صورة انشغالاتهم الجوهريـة.

المسـرح أو الكلمـة الملعوبــة

يوجد إنتاج مسرحي باللغات الثلاث. وهنا أيضا يمكن أن نتبين، من خلال اللغة المختارة، إحالات على الأمكنة الثلاثة المختلفة للهوية المغاربيـة.

أن يختار مؤلف ما العربية الكلاسيكية لكتابة نص مسرحي، فذلك ينطوي على اختيار سجل وتأثير نوعي جدا. ذلك أن اللغة الكلاسيكية تقتضي تكلفا في التعبير لا يتلاءم مع تلقائية الحركة، وذلك حتى عندما يتعلق الأمر بمسرحيات تعرض على شاشة التلفزة. والإحالة في هذه اللغة تتم طبعا إلى مقدس الإسلام أو ملحمة التاريخ العربي، وهما فضاءان يجد المغاربي نفسه دائما معنيا بهما في العمق ما لم يحل غموض اللغة بينه وبين النفاذ إليهما .

لقد احتل التعبير المسرحي باللغة الفرنسية مكانة هامة في المغرب العربي لمدة طويلة. فإلى جانب المسرح الكلاسيكي الذي كان يمثل «المسرحيات الكبرى» تطور مسرح آخر ذو توجه تقدمي وشعبي مستوحى في الغالب من المسرح الغربي الجديد كمسرح برتولد بريشت. وقد قام الإنتاج المسرحي هنا إما بإعادة تمثيل مسرحيات بريشت أو بإبداع مسرحيات جديدة تستوحي الواقع المغاربي.

إلا أن منطق التوجه الفني لهذا التيار نفسه فضل عموما للمسرح أن يعبر باللغة الدارجة، لأن اللهجة تظل أداة التعبير المفضلة بالنظر إلى أنها تتيح التعبير بتلقائية وحيوية، كما تتيح للمعيش الجمعي أن يقتحم الخشبة فضلا عن أنها تتيح بمفردها النفاذ إلى حساسية المتفرج وإحداث أصداء عميقة فيها وردود فعل غير متوقعة في أغلب الأحيان. ثم إن اللهجة تملك بالخصوص، من خلال سحر الكلمة والحركة، القدرة على الربط المفاجئ بين راهنية ساخنة وماض متجذر بعمق.

وكما ذكر المؤلف التونسي عز الدين المدني[3]، فاللغة المتكلمة التي تُعْرَضُ في الغالب باعتبارها مجرد زي خارجي إنما تخفي، في الحقيقة، مستويات مختلفة، بدءا من اللغة اليومية ووصولا إلى أشكال – قديمة في بعض الأحيان – أكثـر صنعة وتكلفا. أشكال لا تكون دائما في متناول المستمع العادي، غير أنها تظل مع ذلك محملة بقدرة إيحائية شديدة. وقد قادت عز الدين المدني أبحاثه في هذا الاتجاه إلى كتابة مسرحية خرافـة رأس الغـول وعرضها في تونس سنة 1969 في ذكرى جهاد الإمام علي ضد كفار اليمن. فقد استوحى التقليد الشعبي للحكايات الملحمية كما تروج في «الأدب الأصفر» – هذه الكتب الصغيرة التي تطبع في أوراق صفراء وتباع في الأسواق بأثمنة زهيدة – أو كما يحكيها في الأسواق القصاصون الشعبيون (المداحون)، فأخرج مسرحيا هـذه الحقيقـة الواقعيـة التاريخيـة والمتعالية عن الزمان، في الوقت معا، المتعلقة بالكفاح ضد الظلم مرموز إليه بشخصية الإمام علي العجيبة، أي بالجد الروحي للشيعة. ومن خلال لعب المؤلف على النص والإخراج توصل إلى وضع المتفرج أمام حرية الرجوع إلى الظلم الأبدي أو الظلم المجسد في الوضعية التاريخية التي يعيش فيها. وقد أحالت حركية الإمام علي المستوحاة مباشرة من التمثلات الشعبية، كما تصورها الرسوم الشهيرة على الزجاج، هذا المتفرج أيضا على الحساسية الفنية التي سبق له أن تشبع بها. وقد حفرت اللغة نفسها، من خلال تأرجحها بين الكلام العادي اليومي واللغة الأكثر طقوسية متمثلة في حديث القصاصين الشعبيين، حفرت في الراهن كلمات لكي تستوفي الأساس المنسي للرمزي الخاص بالثقافة الشعبية.

ومما سبق نلمس أيَّ استحضار للهوية يمكن أن يتحقق في المسرح أو الأغنية من خلال هذا التعمق في التقليد الشفهي الذي يعيد إلى اللغة الأم السمات المنسية لماض يشكـل مصـدر خصب لها على الدوام. ومن المحقق، كما يتضح ذلك من خلال النجاح الذي يلقاه هذا المسرح وهذه الأغنية، أن ما يتم استحضاره هنا إنما هو هوية حية مختلفة بالتأكيد عن التقليد الغربي، بل وكذلك عن التقليد العربي الإسلامي «المثقف».

لقد تطرقنا هنا إلى مجالات ثقافية مختلفة دون أن نسعى إلى الإحاطة بالحقل الذي تغطيه تلك المجالات، لأن قصدنا ينحصر في التقاط الأبعاد الثلاثة التي ندرسها وهي تشتغل داخل ذلك الحقل. ونلاحظ أنها حاضرة فيه، ويمكن التعرف عليها انطلاقا من معالم لغوية. غير أن تحديد الحقل الثقافي والفاعلين المتواجدين فيه لا يتيح التعرف على اللعبة. قد يصعب تصور دينامية بنيوية معينة تبرز العمل انطلاقا من طبيعة الفاعليـن. غير أنه من الهام معرفة قواعد اللعبة، ولذلك يجب التساؤل عن الفئات الاجتماعية التي تتخذها هذه الضوابط مرجعا وعن القوى السياسية التي تهيمن على الساحة، أي التساؤل – في حالة المغرب العربي – عن السياق الكلي لبناء الدولة وإرساء سلطتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامــــش

[1] – يمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى الأبحاث الآتية:

XANTHAKOU, M.

1978 (a) «Le fou du village en Péloponèse», Ethnopsychiatrica, N° 1 et 2.

1978 (b) «Les images de la folie en Péloponèse», Peuples Méditérranéenns, N°3.

EL KHAYAT, G.

1978, «Tradition et modernité dans la psychiatrie marocaine», Ethnopsychiatrica, N° 1.

[2] – لقد استوحينا هذه التأملات من حصص عديدة خصصناها لهذا الموضوع في إطار الحلقات الدراسية الخاصة بأنثروبولوجيا المغرب العربي خلال الموسم الجامعي 1978 – 1979 (مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس). وقد نشط تلك الحصص سعيد عاطف، ومحمد درنوني، وبوجمعة زولف. كما استوحيناها من بحث محمد درنوني (1979).

[3] – نحيل هنا على تقديم عز الدين المدني لمسرحيته خـرافة رأس الغـول خلال إحدى حلقات البحث الخاصة بأنثروبولوجيا العالم العربي، الموسم الجامعي 1978 – 1979.

العلم الثقافي، ع: 807، السبت 9 يناير 1993

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий