Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي

الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي

نورس محمد قدور
الحوار المتمدن – العدد: 2436 – 2008 / 10 / 16
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

” ليست هناك ثقافة” و “الثقافة” وسيلة للاضطهاد والتمييز ضد الآخرين و” والمدارس النظرية الانثروبولوجية تنشأ وتضمحل عاكسة التيارات الفكرية السائدة في زمنها…” هذه هي رسالة المؤلف ( آدم كوبر) في كتابه الذي صدر معرّبا عن سلسلة عالم المعرفة العدد 349-2008 بعنوان ” الثقافة : التفسير الانثروبولوجي”.وتعزيزا لرؤيته ينقل عن فريد انغليز ” وفي حين يدعي أنصار الحضارة الغربية تفوق تراثها العظيم، يحتفي دعاة تعدد الثقافات بتنوع اميركا ويناصرون ثقافات المهمشين والاقليات والمنشقين والمستعمرين (بفتح الميم).ورفضت الثقافة المؤسسة لأنها قمعية ،أما ثقافات الأقليات فتمكن الضعفاء : فتلك ثقافات أصيلة ، تتحدث عن أناس حقيقيين،وتحافظ على التنوع والخيار، وتغذي المعارضة” . وآدم كوبر هو انثر وبولوجي بريطاني ووعمل استاذا للانثربولوجيا في جامعة ماكيراري في كمبالا،وجامعة كلية لندن.وترجمته الأستاذة تراجي فتحي توفيق وراجعته الدكتورة ليلى الموسوي. فصول هذا الكتاب ثرية بالمعلومات عن تاريخ اللفظة والمفهوم،وبحث مهم عن كيفية تشكل المفاهيم والمصطلحات ،فيبحث كوبر في دلالة لفظتي”culture”ثقافة و”حضارة “civilization اللغات الفرنسية والالمانية والانجليزية عبر العصور الحديثة والمعاصرة ،ثم يتتبعها فاحصا أعمال فيفر والياس وويليامز عبر فرنسا وألمانيا وبريطانيا على الترتيب ثم يناقش الانثربولوجيا في الولايات المتحدة الامريكية ويقدم استنتاجه النهائي في الفصول الافتتاحية للكتاب اذ يذهب الى انه من الاجدر بالانثربولوجي أن يتجنب هذه اللفظة “شديدة المرجعية” كلية ويدعوه الى التحدث عن مقصده بوضوح سواء أكان المعرفة ،أو العقيدة ،أوالفن،اوالتنكنولوجيا ،أو العادات ، وحتى الايديولوجيات .وكانت فصول الكتاب بالترتيب كالتالي:الفصل الاول:الثقافة والحضارة (المفكرون الفرنسيون والالمان والانجليز1930-1958)
الفصل الثاني: تفسير علم الاجتماع تالكوت بارسونز والانثربولوجيون الامريكيون
الفصل الثالث:كليفورد جيرتز (الثقافة كعقيدةوكأوبرا ضخمة)
الفصل الرابع : ديفيد شنايدر (علم الاحياء كثقافة )
الفصل الخامس:مارشال سالينز:التاريخ كثقافة
الفصل السادس : عالم جديد وشجاع
الفصل السابع والأخير : الثقافة والاختلاف والهوية.
وعلى الرغم من ان الكتاب لا يتناول تاريخ الفكر العربي,فان من المهم للقاريء العربي ان يقرا التغيرات الفكرية في سياقها التاريخي, ويقارن تاثير مدها وجزرها في الفكر العربي الحديث والمعاصر, فالتشابه كبير جدا, اذ يحفز كل فصل في الكتاب القاريء على التامل في الوضع العربي المعاصر ومشاريعه الفكري.ولسوف اقدم مشروع المؤلف الذي يتبناه في عرضه التاريخي الثري لحركة المدارس الانثروبولوجية الغربية ورؤيتهم حول الثقافة من خلال عرضي لفصول الكتاب.
مقدمة
حروب الثقافة:
الاكاديميات الامريكية تشن الحروب الثقافية .والسياسيون يحرضون على الثورة الثقافية .اذا يبدو ان هناك حاجة الى احداث تغير ثقافي مزلزل لحل مشكلات الفقر وتعاطي المخدرات والجريمة واللاشرعية والتنافس الصناعي.وهناك حديث عن الفروق الثقافية بين الجنسين وبين الاجيال وبين فرق كرة القدم ،فعندما يفشل الاندماج بين شركتين يفسر ذلك بأن ثقافتيهما لم تكونا منسجمتين.
في يومنا هذا الكل مندفع نحو الثقافة .فالبنسبة الى علماء الانثربولوجيا مثلت الثقافة يوما مصطلحا من مصطلحات الفن .والآن يحاججهم السكان الاصليون بالثقافة أيضا ،فقد كتب مارشال سالينز ان” اللفظة cultureالانجليزية في حد ذاتها دارجة الآن على كل لسان ،فالسكان الاصليون في التبت وهاواي وقبيلة أوجييبوي وكواكيوتل والاسكيمو والقزق والمنغوليون ،كلهم اكتشفوا أن لديهم ثقافة”
فمواطنوا كايابوي الذين لايتحدثون سوى لغة واحدة ويعيشون في الغابات الاستوائية بامريكا الشمالية يستخدمون اللفظة البرتغالية cultura لوصف طقوسهم التقليدية ،ويصف موريس غودلييه حالة عامل مهاجر عندما يعود الى شعبه –البارويا- في غينيا الجديدة ،ويطالب قائلا :”يجب أن نبحث عن القوة في موروثنا وان نبني انفسنا على اساس ما يطلق عليه البيض ثقافة”كما يصرح شاب آخر من غينيا الجديدة لاحد الانثربولوجيين قائلا :”لو انه ليس لدينا ثقافة خاصة بنا لاصبحنا مثل البيض”وربما يعتمد مستقبل العالم باسره على الثقافة ففي عام 1993 اعلن صامويل هنتنغتون في مقال أشبه بالنبوءة في مجلة شؤون خارجية ان مرحلة جديدة من تاريخ العالم قد بدأت .وفي هذه المرحلة لن تكون “المصادر الرئيسية للصراع اقتصادية أو ايدلوجية في المقام الاول.”لكن الانقسامات العميقة بين ابناء الجنس البشري والمصدر المهيمن على الصراع ستكون ذات طابع ثقافي”.وغني عن القول ان الثقافة تعني شيئا مختلفا بالنسبة الى الباحثين في مجال السوق في لندن ،أو رجل أعمال عملاق في اليابان ،أو الفلاحين في غينيا الجديدة ،أورجل دين راديكالي في طهران فضلا عن صامويل هنتنغتون.وعلى الرغم من ذلك هناك تشابه مألوف بين تصورهم لهذه المفاهيم .ففي معناها الاكثر عمومية الثقافة هي ببساطة أسلوب لتناول الهويات الجمعية. وعادة ما تستخدم الثقافة أيضا بمعنى اخر ،وذلك في الاشارة الى الفنون الرفيعة التي يستمتع بها قلة من المترفين .لكنها ليست –ببساطة- انجازا خصوصيا،فسعادة ورخاء الامة بأسرها يكونان على المحك اذا هدد الفن والمعرفة.فالثقافة الرفيعة يمكن تصويرها كوسيلة للهيمنة ومن حيل الطبقية .وبالنسبة الى اتباع الفكر الماركسي ،فان للثقافة موقعها في صراع الطبقات الاكثر شمولية.
وعادة ما تكون النظرية الثقافية الفرنسية والالمانية والبريطانية معرفة تعريفا فضفاضا.البديل أيضا معرّف تعريفا فضفاضا ،فالخطابات التنويرية والرومانسية والكلاسيكية تحتل مكانة مميزة .هذه التصنيفات الجاهزة والفضفاضة للتراكيب المعقدة تفك ويعاد تشكيلها في انساق جديدة بانتظام ، فتتبنى ،ويعلن موتها،ويعاد احياؤها،وتعاد تسميتها،ويعاد تجديدها ،وتعرّض بشكل عام الى العديد من التحولات الهيكلية . ففي التقليد الفرنسي ،تمثل الحضارةعلى انها انجاز انساني تقدمي وتراكمي مميز.وان الفرد الفرنسي “يعرّف بسذاجة ثقافته الخاصة بالحضارة أو الثقافة العالمية ” وبالتأكيد ،فالفرنسي يسلّم عن طيب خاطر بأن الأشياء لا تجري وفق منطق العقل اذ يتعين على العقل أن يكافح ضد التقاليد والخرافات والرغبات الغريزية .ولكن الفرنسي مطمئن الى اعتقاده ان الانتصار الحضارة التام لهو أمر مؤكد.تشكلت هذه العقيدة العلمانية في فرنسا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ،ضد ما كان يعتبره الفلاسفة قوى الانفعالية واللاعقلانية،والتي كان أكبر ممثل لها الكنيسة الكاثولوكية والنظام القديم،ومع استحواذ هذه العقيدة على باقي أوربا ،نبعت أكبر معارضة أيديولوجية لها من قبل المفكرين الألمان ،وعلى الأغلب الوزراء البروتستانت ،الذين حرضوا على مساندة الموروث الوطني ضد الحضارة الكونية.والقيم الروحية ضد المادية،والفنون والحرف ضد العلم والتكنولوجيا :أي باختصار الثقافة ضد الحضارة.وان الاختلافات الثقافية أمر طبيعي .فلا توجد طبيعة انسانية مشتركة .كتب دوميستر المعارض الثوري الفرنسي : ” لقد رأيت فرنسيين وايطاليين وروس ،ولكن بالنسبة الى الانسان فانني أعلن أنني لم أقابله في حياتي ،اذا كان موجودا ،فهو غير معروف بالنسبة إلي”
الثقافة والحضارة: المفكرون الفرنسيون والالمان والانجليز(1930-1958) :
ذهب المؤرخ لوسيان فيفر Lucien feboreالى انه “لكي نعيد بناء تاريخ اللفظة الفرنسية civilisation(حضارة )،
سيكون من الضروري اعادة تركيب مراحل أعمق الثورات تأثيرا ،والتي مرت خلالها الروح الفرنسية منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا”. أشار عالم الاجتماع الألماني نوربرت الياس الى انه على الرغم من ان نظريات الثقافة والحضارة عرفت (بالالفاظ نفسها) منذ منتصف القرن الثامن عشر،فانهما لم تصبحا موضع اهتمام عام الا في لحظات تاريخية بعينها،عندما “يجدّ أمر في الوضع الراهن للمجتمع تعبيرا عنه ببلورة الماضي وتجسيده في الكلمات”. وكان فيفر قد بدأ مقاله “بأن الوقت الذي ينقضي في اكتشاف أصل لفظة لا يضيع هباء أبدا” وقد ألهم نموذجه في ما بعد الدارسين الفرنسيين التوسع في بحثه هذا ففي عام 1954 لاحظ اللغوي اميل بينفنست أن البحث الدؤوب أرجع أول استخدام لمصطلح الحضارة للفزيوقراطي ميرابو ،وفي عام 1957 كان هذا الاستخدام بمعنى
Policeأي مطيع للقانون.وكتب أليوت :”اننا قد نذهب ابعد من ذلك ونتساءل عما اذا كان ما نطلق عليه ثقافة وما نطلق عليه دين لشعب ما ليسا وجهين مختلفيين لامر واحد ،أي ان الثقافة – بشكل جوهري –تجسيدا لدين شعب ما” “يمكننا أيضا أن نتعلم احترام كل ثقافة اخرى ككل متكامل ،مهما بدت أدنى من ثقافتنا ،أومهما كنا محقين في أن نستهجن بعض سماتها ..”لذا فان الحديث عن ثقافة عالمية عامة لهو مفهوم رهيب:”ان ثقافة عالمية هي ببساطة ثقافة موحدة لن تكون ثقافة على الاطلاق ،بل ستنتج عنها انسانية منزوعة الانسانية” وفي وجهة نظر ويليامز انطلق الخطاب الانجليزي بشأن الثقافة بدءا من الشعراء الرومانسيين ،خصوصا بليك وووردزورث وشيلي وكيتز وبينما أقر بأنه يمكن العثور على كثير من موضوعاتهم في كتابات روسّو وجوته وشيلر وشاتوبريان ،أصر ويليامز على وجود طابع انجليزي خاص بتفكيرهم تشكل بتفاعل الشعراء مع الثورة الصناعية.واتخذوا عبارة شيلي شعارآ لهم “الشعر ومبدأ الذات ،اللذان يعد المال التجسيد المرئي لهما ،هما الرب و الماموث بالنسبة الى العالم”. اما المفهوم الالماني للثقافة فهو كان في باديء الامر مشابها جدا للفكرة الفرنسية عن الحضارة, ولكن مع مرور الوقت حدث تمييز بين الزخرف الخارجي للحضارة والواقع الروحي الداخلى للثقافة. فعلى سبيل المثال, اقترح الكسندر فون هامبولت انه قد يكون للقبيلة الوحشية حضارة, بمعنى النظام السياسي, من دون مستوى عال من “الثقافة الروحية” والعكس صحيح طبعا. ومع ذلك يذهب كوبر الى ان كلا من التراث الفكري الانجليزي والالماني مشكلة فلسفة مشابهة. ويتساءل هل يتفق التقدير النسبي للفروق بين الثقافات مع ” المفهوم القديم عن الحضارة الانسانية العامة؟ وبقي السؤال معلقا في الهواء من دون اجابة.

تفسير علم الاجتماع:تالكوت بارسونز والانثربولوجيون الامريكيون:
كان ينظر الى التراث المثالي على انه رد على هذه الفرضيات النفعية .فقد نفى المثاليون وجود قوانين عامة تحكم السلوك البشري، فلكل فترة تاريخية قوانينها الخاصة ،ولكل ثقافة دينامياتها الخاصة .فان الثقافة تشكل الأفراد تبعا لغاياتهم. وكانت المانية موطن المثالية ،وحدد بارسونز أصل نشأتها في مذهب الثنائية الخاص بكانت ،وتطلبت نظرية كانت فصل الطبيعة البيولوجية عن الحياة الروحية ،وحذر المثاليون من الفرضيات الاختزالية والتقريرية في دراسة الروح-العقل .وفي عام 1946 اسس باسونز قسما مشتركا بين التخصصات الاكاديمية للعلاقات الاجتماعية في هارفارد،حيث جمع علماء الاجتماع والنفس والانثربولوجيا معا تحت قيادته .وكان الشيء الذي يدور في خاطره هو احداث هزة في العلوم الاجتماعية باقرار تقسيم منطقي للعمل وارساء دعائم بيروقراطية اكاديمية أكثر تنظيما وفعالية .فيتعامل علم النفس مع الفرد والطبيعة البشرية والصفات المميزة لها.ويتولى علم الاجتماع امر النظم الاجتماعية ،ويبقى ما أطلق عليه بارسونز حينها النظام الثقافي. وكتب تايلور:”ان الثقافة أو الحضارة – بمعناها الاثنوغرافي العام- هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والاخلاقيات والقانون والعرف ،واي قدرات او عادات اخرى يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع”. ان الثقافة هي ما قاله تايلور :”الميراث غير البيولوجي للجنس البشري .واذ ما نظر المرء الى المدى الكامل للتقدم الثقافي البشري ،فانه سيجد تقدما علمانيا”.وقد قالت بنديكت صاحبة كتاب انماط الثقافة:”ان تاريخ الفرد ،اولا وقبل أي شيء ،لهو تكيف مع الانماط والمعايير المتوارثة تقليديا في مجتمعه .ومنذ لحظة ميلاده تشكل الاعراف التي يولد في ظلها ،خبرته وسلوكه .وبحلول الوقت الذي يستطيع فيه التكلم،فانه يكون قد غدا المخلوق الصغير لثقافته ،وبحلول الوقت الذي يصير فيه كبيرا وقادر على المشاركة في انشطتها ،فان عاداتها تصبح عاداته ،ومعتقداتها معتقداته،ومستحيلاتها مستحيلاته…..”. وقد لاحظت مارغريت التي غدت انجح المروجين لدراسات “الثقافة والشخصية” ان بواس خلال هذا الوقت:”شعر أن قدرا كافيا من العمل قد خصص لتوضيح أن الشعوب يقتبس بعضها من بعض، وأنه ليس هناك مجتمع يتطور في عزلة ،بل كان يتأثر باستمرار في تطوره بالشعوب والثقافات الأخرى ،والمستويات المختلفة الاخرى من التكنولوجيا .وقرر ان الوقت حان للتعامل مع مجموعة المشكلات التي تربط تطور الافراد بما كان مميزا في الثقافة لتي نشأوا فيها”.

كليفورد جيرتز: الثقافة كعقيدة وكأوبرا ضخمة:
كتب جيرتز ببلاغة كبيرة عن فكرة خاصة بالثقافة ،وكان قد وضع فكرة جديدة للثقافة محل التطبيق .ويستطيع المرء تتبع مسار الفكرة الانثربولوجية بشأن ثقافة في النصف الثاني من القرن العشرين من خلال قراءة كتبه ومقالاته.وقد عمل جيرتز وزوجته ومجموعة من طلاب الدراسات العليا على نحو متقطع في المغرب خلال الفترة من 1965-1971 ،وقد اعتمد جيرتز على هذه الخبرة في اعداد دراسة مقارنة عن الاسلام في جاوه والمغرب ،تحت عنوان:”الاسلام تحت الملاحظة”.كما كتب جيرتز في العام 1973 –زيادة كبيرة في الاهتمام – ليس فقط بالانثربولوجيا ،بل أيضا في الدراسات الاجتماعية بصفة عامة ،بدورالاشكال الرمزية في حياة الانسان.وقد قدم سلسلة من التعريفات المترابطة الى حد ما .فالثقافة هي “نظام تراتبي من المعاني والرموز …يعرّف الافراد من خلالها عالمهم،ويعبرون عن مشاعرهم،ويصدرون أحكامهم”و”هي نمط متوارث تاريخيا للمعاني المجسدة في الاشكال الرمزية من خلال الوسائل التي يتواصل بها الافراد ويخلدون ويطورون معرفتهم للحياة ومواقفهم حيالها هي”مجموعة من الادوات الرمزية للسيطرة على السلوك”. لقد احتفي بجيرتز ،بوصفه واضع نظريات، وليس من الانثربولوجيين فقط ،بل أيضا من المؤرخين المفكرين وعلماء الادب .وعندما اجتمع في العام 1977مجموعة من المؤرخين االمفكرين الامريكيين البارزين لمناقشة “الاتجاهات الجديدة” في حقلهم،أعلن عن جيرتز –الغائب جسديا- “هو الأب الروحي للمؤتمر”وفي عام 1990،
أعلن روبرت دارنتون أنه على وجه العموم :”تقدم الانثربولوجيا للمؤرخ ما أخفقت دراسة عقلية في تقدمه ،وهو مفهوم مترابط للثقافة” وأشار الى انه عمليا الانثربولوجيا التي قدمها جيرتز. وردا على ذلك في اطار الانثربولوجيا ،هناك وجهتا نظر نقديتان عامتان ردا على النهج الفكري لجيرتز .وترى احدهما انه قد تخلى عن الطريق القويم عندما تحول عن اهتمامه بالتاريخ الاجتماعي والتغيير الاقتصادي والثورة السياسية ،وبدأ في التعامل مع الثقافة على انها المحرك الرئيس للشؤون الانسانية ،وفي النهاية ،على انها حقل دراسة كاف في حد ذاته .ويعترض اتباع هذا الرأي على الدور المهيمن الذي ينسبه جيرتز الى الثقافة.وهم يجادلون بان النماذج الثقافية تعمل أغراضا سياسية لجماهير بعينها من الانصار.ولاتستوعب الثقافة أو-الايدلوجيا- ببساطة بل يناضل من أجلها.وتتمثل وجهة النظر الاخرى في ان جيرتز سلك الطريق القويم الا انه توقف قبل الوصول الى النهاية .ويفضل أحد الطرفين جيرتز الاول ،بينما يفضل الطرف الآخر جيرتز الناضج.فقد صقل جيرتز وحدد تعريف الثقافة وصارت تعني له شيئا ما يشبه كثيرا ثقافة القدماء من المختصين بالعلوم الانسانية :أي خلاصة القيم التي تحكم أي مجتمع ،والتي تتجسد أكمل صورها في الشعائر العقائدية وفن الصفوة الرفيع .وتتمثل رسالة جيرتز في أن الثقافة هي العنصر الاساسي في تعريف الطبيعة البشرية ،والقوة المهيمنة في التاريخ “فالثقافة الرفيعة هي التي تحكم”.وقال في معرض كلمة ألقاها في كلية بيل للحقوق في العام 1981:”سأستمتع بتراكمات الثقافة ،وأمعن في عمليات الاستدلال المنطقي وأغوص بقوة في النظم الرمزية .وهذا لا يجعل العالم يختفي وانما يجلبه الى داخل مجال الرؤية ”

ديفيد شنايدر (علم الأحياء كثقافة):
في العام 1973 اختار تالكوت بارسونز كلا من كليفورد جيرتز وديفيد شنايدر بوصفهما أنثربولوجيين متقدميين وواعدين في مدرسة الانثربولوجيا الجديدة ،لكن بينما انتهى الأمر بكليفورد جيرتز كأنثربولوجي يعمل ضمن اطار المؤسسة ،ظل ديفيد شنايدر دائما ضد المؤسسة ،مستقلا ،مشاكسا،ومثيراللمشكلات نوعا ما ،باحثا عما يصدم التقليديين،وغير مهادن لزملائه ولا لنفسه .ومع ذلك فان شنايدر هو الذي ظل أخلص الجميع – وان كان بطريقته الغريبة- للتوجه البارسونزي.ولد شنايدر في العام 1918 في بروكلين ،وتوفي في العام 1995 في سانتا كروز في كاليفورنيا ،لم يكن فقط الفوضوي والمؤمن بما بعد الحداثة الوحيد في الولاية ،بل ربما كان الوحيد الذي تمنى لو عادت أفكار بارسونز لتسود من جديد. التحق شنايدر بالبرنامج التمهيدي للطب في كلية نيويورك للزراعة في كورنل،الذي كان في الواقع للطلبة الفقراء .وعندما أدرك أنه لن يتمكن من مقرر الكيمياء العضوية ،سجل في مقرر في علم اجتماع الريف ،اذ كان يقال ان الجميع في مقدورهم الحصول على درجة امتياز .وكانت هناك ميزة غير متوقعة ،مقدمة لعلم الأنثربولوجيا على يدي آر.لوريستون شارب،انتقل شنايدر- الذي تحول بسهولة عن البكتريا الزراعية ،وغدا رجلا متزوجا الآن – الى جامعة بيل كطالب دراسات عليا في الانثربولوجيا .كانت بيل قد أسست معهدها الخاص للعلوم الاجتماعية ،الذي يجمع عددا من التخصصات المختلفة ،تحت اسم “كلية العلاقات الانسانية” لكن على العكس من البارسونزيين في هارفارد ،التزم أعضاؤها عموما بمذهب وضعي أطلقوا عليه”المذهب السلوكي”وكان جورج بيتر مردوخ ،الذي ساد قسم الانثربولوجيا شديد الايمان بالأرقام ،الا أن عدم قدرة شنايدر على تعلم الحساب في المدرسة جعلته لا يستطيع اجتياز أبسط اختبارات القدرات لعلم الاحصاء .كذلك كان مردوخ رجلا نبيلا من مقاطعة نيوانجلند،وهو الطراز الذي ينفر منه شنايدر .وقد ذكر شنايدرانه “لايحب (مردوخ)،ولا يقدر على مسايرته،ولا يحب انثربولوجيته”وما كاد يحصل على عرض عمل مناسب،حتى أعلم مردوخ بانسحابه من الدراسة .”وفي أول لفتة انسانية شهدتها منه ،هبّ مردوخ واقفا من مكتبه،ووضع يديه فوق كتفي بشيء من الغرابة وقال:أعلم أنك ستنجح في شيء ما يا ديفيد،ولكن ليس في الانثربولوجيا ،أليس كذلك؟ فأجبي :نعم يا سيدي فقد اعتزلت الانثربولوجيا للأبد”!. وقد دبر لي تلك الوظيفة الانثروبولوجي الانجليزي اللطيف في جامعة بيل (جيوفري غورر)عن طريق ميد. كان مقر الوظيفة في واشنطن في قسم الدراسات الاستطلاعية ،وهي هيئة تابعة لوزارة الزراعة . ولكن سرعان ما تورط في مشكلات ” لم أكن لبقا حين كنت أخبر رايلي أنه لايفقه شيئا…” ،وبعد أن أنهى تجنيده في صفوف الجيش ،حيث عمل ككاتب(وسرعان ما تورط في المشكلات مرة اخرى).وقرر بعد تسريحه من الجيش العودة الى الدراسة الاكاديمية ثانية .وساعدته مارغريت ميد في العثور على مكان في قسم كلوكهون في هارفاد.ونشر شنايدر كتابا قليل الصفحات ،والذي حوى بيانه الرسمي :”صلات القرابة الامريكية :تفسير ثقافي” في سنة 1968 قدم نفسه كموال قديم لبارسونز وكأنثربولوجي ،تلخص هدفه في تقديم تفسير ثقافي لصلات القرابة كمنظومة رموز: ” يدور الكتاب حول الرموز التي هي صلات القرابة الامريكية ” ولم يكن من شأنه – كعضو ملتزم في قسم الانثربولوجيا في حزب بارسونز- معالجة القضايا الاجتماعية.لذلك لم يبد شنايدر أي اهتمام بمسائل مثل معدلات الزواج أو الطلاق أو االمواليد أو تركيب الأسرة أو الاختلافات الاقليمية أو الطبقية.ما الرمز الجوهري لصلات القرابة الامريكية ؟ أعلن شنايدر أن هذا الرمز هو”الاتصال الجنسي” وكانت هذه الفرضية مثيرة للدهشة وربما صادمة أيضا. وتذهب الفرضية الى ان الاتصال الجنسي يرمز الى الحب ،و”الحب هو كل ما تدور حوله صلات القرابة الامريكية”.لكن ببساطة هذه الفرضية مضللة.ليس فقط لانه من الواضح أن هناك مفهومين مختلفين تماما عن الحب،ولكن يتضح أن الحب ذاته هو تعبير رمزي.
” ان رمز الحب هو الذي يجمع ما بين الحب الناتج من الزواج والحب الناتج من صلة الدم معا.ويربطهما معا من خلال رمز الاتصال الجنسي” ويبدو ان الحب هو جوهر صلات القرابة وفي الوقت نفسه رمز لشيء آخر.اذن،وأخيرا ما الحب ؟ يؤكد شنايدر أن “الحب يمكن ترجمته ،بحرية ،كتلاحم دائم ومستفيض”.وبالفعل حاول عدد من الانثربولوجيين الاجتماعيين البريطانين ،بناء على تراث دوركايم ،ريفرز،ورادكليف،وبراون،أن يبنوا رؤية لصلات القرابة لاتعتمد على هذه الافتراضات .لكن ان لم تكن صلات القرابة معرفة عالميا بصلات الدم ومحددة بحساب سلالة النسب ،فما هي اذن بالضبط؟ اثار هذا السؤال الحساس جدالا حيا في عقد الستينات والسبعينيات من القرن العشرين .فأكد الفيلسوف – الانثربولوجي ارنست غيلنر أن صلات القرابة منسجمة بشكل طبيعي مع العلاقات البيولوجية ،واندفع عدد من زملائه ليكذبوه.وأثيرت أنواع عديدة من ممارسات صلات القرابة الغريبة من أجل استعراض أن صلات القرابة لا تعتمد كونيا على البيولوجيا ،ولا حتى على فهم مشترك للتكاثر والتحدر البشري وقد أكد بعض الخبراء أنه يجب اعتبار صلات القرابة كايدلوجيا ،وخطاب،ولغة يمكن من خلالها مناقشة الجدل السياسي والاقتصادي.

مارشال سالينز(التاريخ كثقافة):
أحرزت النسبية الثقافية تقدما ملحوظا في مجال الانثربولوجيا الامريكية ابان الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ، ولم يتمكن أي من مؤيدي الأنثربولوجيا الرمزية من الاستحواذ على المجال لانفسهم .فأسس جوليان ستيوارد و ليسلي وايت مراكز للنظرية التطورية في جامعتي ميتشغان وكولومبيا .(ثم انتقل ستيوارد من ميتشيغان الى كولومبيا ،حيث كان يحاضر خلال الفترة من 1946-1952،وحل وايت محله في آن أربور).وحول هذين القائدين التفت حلقة من العلماء الشباب،وكان كثير منهم من المجندين السابقين، بمن فيهم مارفين هاريس،وسيدني مينتز،ورويرابابوت ،وايلمان سيرفس،واريك وولف.وكان مارشال سالينز العضو الاحدث سنا في دائرة التطوريين الجدد ،ومثل كثير من زملائه تنقل ما بين جامعة كولومبيا ،حيث حصل على درجة الدكتوراه في العام 1954،وجامعة ميتشغان حيث عمل عضوا في هيئة التدريس خلال الفترة من 1957 الى 1973.كما نظر أعضاء الفريق لانفسهم على انهم يشكلون حزبا انثربولوجيا تطوريا محاضرا ومستعدا للقتال.وكانوا يشعرون أن بواس قد أضل الانثربولوجيا الامريكية .وشرح سالينز أن الماديين سيتعاملون مع الثقافة على انها مجموعة من الادوات ،أي تكنولوجيا للاستغلال المنطقي للطبيعة. وترتب على ذلك امكان تقسيم تاريخ الانسانية الى سلسلة متوالية من المراحل التي شهدت تقدما تكنولوجيا وتغيرات في انماط الانتاج نتجت عن ذلك التقدم.وكان هذا مفهوم تايلور ،وايضا ماركس في مراحله الاولى.أجرى سالينز عددا من دراسات حالة حول ممارسة الاساطير في بولينيزيا في الفترة الاولى من الاتصال الاوربي،ووضع تصورا لعمل اتخذ شكله النهائي في ثلاثة مجلدات ،ويحمل عنوان “الاله الآفل”أو تاريخ جزر ساندويتش كثقافة .وكانت دراسة الحالة الخاصة التي منحها أقصى اهتمامه-واثارت الاهتمام الاكبر –تتعلق بالزيارة التي قام بها كابتن كوك الى هاواي خلال الفترة من 1778 الى 1779 ووفاة كوك هناك والتغييرات الثورية التي تبعت ذلك.ويستند تفسير سالينز لمصرع كوك الى ادعاء مفاده أن اهالي هاواي قاموا بتعريف كوك على انه الههم لونو.وكانت هذه فكرة راسخة جدا على الرغم من ان المصادر المتاحة كانت عرضة للتأويلات المتضاربة ،فقد رفضها على أقل تقدير عالم واحد مبجل متخصص في بولينزيا ،هو سير بيتر باك.لكن معظم المؤرخين اتفقوا على ان كوك كان يعامل –الى حد ما-على انه تجسيد للونو.
وكتب سالينز يقول ان هدفه يتمثل في “زخم مفهوم التاريخ بالخبرة الانثربولوجية للثقافة”.وهو يعتقد أنه قد حرر التاريخ أخيرا من اخفاقه في فهم الثقافة ،والبنيوية من اخفاقها في التكيف مع التاريخ، والنظرية الاجتماعية بصفة عامة من انقساماتها الثنائية الزائفة بين الفكرة والفعل ،والثقافة والبنية الاجتماعية،والبنية والحدث.وكان سالينز في بداياته الاولى يطمح الى اصلاح الانثربولوجيا الامريكية بتقديم نظرية ملهمة جديدة مستقاة من ماركس. وحاول سالينز الناضج اصلاح اوجه القصور في نموذج ماركس بالاعتماد على كلود ليفي شتراوس(البنيوي المعروف) .بعبارة اخرى ،قبل سالينز في النصف الاول من حياته المهنية الحجج المناهضة للحتمية الثقافية .وفي باريس ،قبل بالحجج المناهضة للمذهب المادي الجدلي وطورها .وربما كان على صواب في كل من هذين الآمرين ،وعلى أي حال يمكن فهم سالينز على أفضل وجه كاحدى أهم الشخصيات في الجدال الرئيس الكبير الذي هيمن على الانثربولوجيا الامريكية.

عالم جديد شجاع:
شيري أورينر تقول “ان انثربولوجيا السبعينيات من القرن العشرين كانت أكثر ارتباطا بوضوح وشفافية بأحداث العالم الواقعي منها بالعصور السابقة …فقد ظهرت الحركات الاجتماعية الراديكالية على نطاق واسع .فأولا جاءت الثقافة المضادة ،ثم الحركة المناهضة للحرب ،ثم بعد مرور فترة وجيزة ،الحركة النسوية ،ولم تؤثر هذه الحركات في العالم الاكاديمي فقط ،بل تأصلت في أجزاء مهمة منه.وتعرض كل ما كان جزءا من النظام القائم الى الشك والنقد”.كما نشرت شيري اورتنر في العام 1984 مقالا مؤثرا تحت عنوان “النظرية في الانثربولوجيا منذ الستينات” تتبّعت النهج الفكري للانثربولوجيا الامريكية الحديثة . فقد عبث الجيل الذي دخل المجال بعد الحرب العالمية الثانية بكل من النزعة الوظيفية البريطانية والبنيوية الفرنسية ،الا انهم عادوا مجددا الى موضوعات اكثر تقليدية تتعلق “بالثقافة” بدلا من “المجتمع” كما انهم انقسموا أيضا بين الحزبين الانثربولوجيين القديمين والكبيرين ،أي والنسبيين،اللذين أعيدت تسميتهما في الستينات من القرن العشرين ب”الايكولوجيا الثقافية” وب”الانثربولوجيا الرمزية” على الترتيب. وفي العام 1988 نشر جيمس كليفورد –المحرر المشارك ل”كتابة الثقافة”اصدارا يحمل عنوان “مأزق الثقافة” وهو سلسلة مترابطة من المقالات التي ظهرت في بادىء الامر خلال الفترة من 1979 الى 1986،وينتسب كليفورد الى برنامج تاريخ الادراك متعدد التخصصات في جامعة كاليفورنيا – سانتا كروز،وهو ليس انثربولوجيا وانما مجرد “مؤرخ وناقد للانثربولوجيا”على حد قوله.ويقرأ كليفورد،الذي هو منظر أدبي ومفكر ومؤرخ في آن واحد ،ما بين سطور النصوص الاثنوغرافية للقرن العشرين ،ويجد أن ما تكشف عنه ليس طبيعة الثقافات الاخرى ،كما تتظاهر بذلك ،انما بالأحرى ما يصفه بأزمة الثقافة .ويدور كليفورد حول هذا المفهوم من عدة نقاط مختلفة ، الا ان الافتراض الرئيس يمكن اختصاره في ان العالم قد تغير.فصار الغرب يتضمن سائر العوالم الصغيرة للبقية،وتعرض بدوره للوجود الزاخم من المهاجرين ،وتمر الثقافة ومن ثم الهوية بحالة تغير مستمر ،فهما ليستا مستقرتين وممنوحتين وانما على حالة من السيولة وتبنيان عن وعي الى حد ما .فلم يعد بالامكان أخذهما كأمور مسلم بها.والمصطلحات الثلاثة لحجة كليفورد ،المتداخلة بعضها مع بعض على نحو يتعذر تفكيكه هي “الثقافة”و”الهوية” وتدوينهما في “اثنوغرافيا”.فالثقافة والهوية في حالة تغير مستمر .وبالتالي تتعرض الاثنوغرافية لازمة ، ويجب اعادة بناء أساسها النظري.ادرك الانثربولوجيين هذه التغييرات (التي يصفها كليفورد بصفات متنوعة مثل تحولات ما بعد الحرب العالمية الأولى،وما بعد الاستعمار ،وما بعد الحداثة )بعد فوات الأوان.واخيرا تخلى عن الخيال المتعلق بالوحدة الثقافية الواحدة .فتعلم الاثنوغرافيون أن الحدود الثقافية ليست أكيدة وانها عرضة للتفاوض،وان كل الاختلافات الثقافية مفندة من الداخل .ومع ذلك يعتقد كليفورد أنه على الرغم من أن علينا التخلي عن افتراض ان أي ثقافة هي وحدة متكاملة صامدة،يعتنق قيمها الجميع،الا انه يجب أن نتمسك بمفهوم الثقافة نفسه.فيقول:”الثقافة هي فكرة شديدة التوفيقية لا أستطيع الاستغناء عنها بعد”.
بينما يعد كليفورد ناقدا للكتابة الاثنوغرافية فان ريناتو روزالدو هو اثنوغرافي شهير، كما أنه يولي اهتماما أكبر بنوع المعرفة التي يمكن اكتسابها في الميدان. وفي كتابه “الثقافة والحقيقة”الذي صدر في العام 1989 ،يرفض أيضا الخضوع للسلطة العلمية،الا انه يحث بدلا من ذلك على أمانة التجربة. وقد فسر له أفراد قبيلة الغونوت – الذين عمل ضمنهم كاثنوغرافي – السبب الذي اعتادوا لأجله الخروج لاصطياد الرؤوس ،اذ انها الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الغضب الذي يعقب الشعور بالفجيعة.ودوّن روزالدو بالطبع هذا التفسير الثقافي في دفتر مفكرته ،الا انه حاول بعد ذلك الكشف عن تفسير اجتماعي أكثر اقناعا لصيد الرؤوس .ولم يدرك ما تعنيه الفجيعة والشعور بالغضب لدى صائدي الرؤوس من الغونوت سوى عندما فقد زوجته في حادث مأساوي بينما كانا يشاركان في العمل الميداني في الفلبين ، فقبل تفسيرهم للدافع وراء صيد الرؤوس. ويتمثل المغزى من هذه القصة (الحزن وغضب وصائد الرؤوس) في ان البصيرة تنبع من التجربة الشخصية (وكما يقال الالم يولّد الابداع ، فقد ابدع هؤلاء ما يفرغ طاقات الغضب والكبت عندهم بهذه العادة الا وهي صيد الرؤوس ) فلا يستطيع المرء ادراك التجربة التي يمر بها الآخرون سوى عندما يعاني من امر مماثل.ويجب ان تستند الاثنوغرافيا الجيدة الى التعاطف. فان الاثنوغرافي الذي يصف الحداد ،يتعين عليه توضيح ما اذا كان هو أيضا عانى من فقد عزيز عليه .فالمشاعر مهمة .وينتقد روزالدو ايه.ار.رادكليف-براون احد الاباء المؤسسين للانثربولوجيا الاجتماعية البريطانية .على تحليله التقليدي للنحيب الشعائري في جزر اندامان.فوفقا لرادكليف – براون ينوح الانديمانيون في مراسم العزاء ،ويؤول براون النحيب على انه عمل رمزي ،أي تقليد متعارف عليه. ويعترض روزالدو على ان مثل هذا التحليل يتجاهل ويقلل من قيمة المشاعر العاطفية للانديمانيين في تكيفهم مع الاحداث المأساوية.

الثقافة والاختلاف والهوية:
يحتد الانثربولوجيون جدا هذه الايام عندما يناقشون موضوع الثقافة- وهو امر يدعو الى الدهشة عند النظرة الاولى- ان انثربولوجيا الثقافة قصة ناجحة الى حد ما .فبينما تلاشت أغلب المفاهيم الرصينة من خطاب العلوم الاجتماعية ،ما يزال حتى الشخص ما بعد الحداثي يتحدث من دون تكلف عن الثقافة(من خلال الاقتباسات اذا اقتضت الضرورة ،لكن ما يزال يقارن مصير الشخصية،|أو البنية الاجتماعية،أو الطبقة،وأخيرا الجنوسة). ويقول تيرنر” ان التعددية الثقافية على خلاف الانثربولوجيا ،هي بصفة أساس حركة تدعو الى التغيير” وحاول تالكوت بارسونز وكلايد كلوكهون وألفريد كروبر دعم علم موضوعي للثقافة في الخمسينيات من القرن العشرين،وفي الجيل التالي دفع كليفورد جيرتز بالادعاءات الرامية الى وضع علم تفسير فكري منفصل للثقافة.وعلى الرغم من أن مايكلز يولي انتباها خاصا للمصادر الادبية فانه يوضح أن حجة الجوهريين في هذا الصدد قد طرحها الانثربولوجيان ادوار سايبر وميلفيل هيرسكوفيتش .فعندما وصف سايبر أحد الهنود الامريكيين ” بانه انسلخ من الحضن الدافىء لاحدى الثقافات الى الهواء البارد لوجود متشرذم” فانه كان يفترض ان المرء يولد بثقافة ما ،حتى اذا لم تكن لديه ثقافة.ويعلق مايكلز على ذلك بقوله :”اذا كانت ثقافة الهندي تتطابق ببساطة مع سلوكه ولاترتبط باي حال من الاحوال بعرقه،عندئذ فانه لن يستطيع ابدا الانسلاخ من حضنها الدافىء .وكي تفقد احدى الثقافات ،فلا بد
أن تكون قابلة للانفصال عن السلوك الفعلي للمرء،وكي تكون قابلة فعليا للانفصال عن السلوك الفعلي للمرء ،يجب ان تكون راسخة في العرق .ان نقد سايبر للعرق وفق الثقافة لهو بالفعل استمرار للعرق من خلال الثقافة”.
يقول مايكلز ان” المفهوم الحديث للثقافة ليس انتقادا للعنصرية” وأضاف قائلا “انه شكل من أشكال العنصرية . وفي واقع الامر ،فانه مع تزايد الشكوك حول بيولوجيا العرق ،أصبح الشكل المهيمن للعنصرية على أقل تقدير في أوساط المثقفين” والحجة نفسها تنسحب على الهوية ” ان ما يعيب الهوية الثقافية من دون اللجوء الى الهوية العنصرية (في تمظهرها الحالي)المرفوضة هو انها لا مغزى لها”.
ويقترح ليفي شتراوس :أن معظم الناس يصرون على تفردهم عن الآخرين وينزعون الى النظر الى أعراف الآخرين على أنها بشعة ومخزية ،والى حامليها على أنهم ليسوا بشرا بالكامل. وقد أرسل الاسبان البعثات مباشرة بعد اكتشاف امريكا لتأكد مما اذا كان السكان الاصليون لهم أرواح أم لا ، في حين كان السكان الاصليون أنفسهم منهمكين في اغراق السجناء البيض لمعرفة ما اذا كانت جثثهم عرضة للتعفن أم لا.وقد يكون هذا الاعتقاد في الاختلاف والتفوق وهما نافعا،الا انه يظل مع ذلك مجرد وهم .فأي همجي “هو في المقام الاول انسان يؤمن بالهمجية” وحث ليفي شتراوس الانثربولوجيين على توضيح أن الاختلافات بين الاشخاص لا تقاس بمقياس واحد،لان القيم متغيرات ثقافية،وعلى التأكد في الوقت نفسه أن الاختلافات البشرية تقوم على اساس مشترك .

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий