Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الثقافة الجزائرية.. البنية والأساس

الثقافة الجزائرية.. البنية والأساس

ابراهيم سعدي*

تعتمد هذه الدراسة على منطلقين، أحدهما يؤكد على الطابع الكلي للثقافة الجزائرية والثاني على وجود تفاعل بين مختلف مقومات هذه الثقافة. وهي نظرة مستوحاة من تصور تايلر الذي يرى، كما جاء في كتابه المعروف ” الثقافة البدائية” بأن الثقافة هي ” ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقيدة و الفن والأخلاق والقانون العادات، والقدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع”. البنية
يمكن تقسيم الثقافة الجزائرية إلى مجالين كبيرين:- المجال التقليدي – المجال الحديث
والمجال التقليدي يتمثل في الثقافة الموروثة عن الماضي، أي التي يشملها مفهوم التراث والتي يمكن تقسيمها من ناحيتها إلى المركبات التالية:
– الدين: العبادات والمعتقدات وقواعد السلوك العامة.
– التراث المكتوب: ويشمل الشعر وعلوم الدين، واللغة، والتصوف، والرحلات، والتاريخ….

– التراث المادي: ويمكن أن نذكر بهذا الصدد الفن المعماري المتمثل في القصور والمساجد والمدن و في فن الزخرفة والتجميل، وفي الصناعات اليدوية، والنحاسية، والفخارية، والجلدية، والخشبية، وفي الحلي والطرز، وفي فن الطهي.
– التراث الترفيهي والرمزي: ويبدو ذلك في الشعر، والسير، والمغازي، و الحكايات، والأمثال، واللهجات، و كذا الفولكلور من رقص وغناء، والألعاب أيضا.
أما المجال الحديث في الثقافة فهو يتشكل من القطاعات التي تبلورت نتيجة الاحتكاك بحضارة العصر، أي بالحضارة الغربية أساسا – و هي تتمثل في ما يلي: – المسرح.- السينما.- الفنون التشكيلية.- القصة و الرواية. – الأوبيرات.
– الإنتاج الفكري و المعرفي الأكاديمي.

لكن إلى جانب هذه الأشكال الجديدة من الثقافة، تم تطوير أشكال أخرى كانت متداولة من قبل في المجتمع الجزائري، كما حدث مثلا في مجال الشعر، حيث حدث الانتقال من العمودي إلى الحر، أو من الرقص الفولكلوري إلى البالي و إن كان التطور هنا محدودا. وهكذا تبدو الثقافة الجزائرية تركيبا من مكونات التراث و انجازات الحاضر. و هذه الظاهرة التي تكشف عن الطابع الدينامي للثقافات ليست خاصية ثقافية جزائرية خالصة، فتشكل ثقافة من مكونات ماضية وأخرى حديثة سمة عامة في كل ثقافة، مع اختلاف في الدرجة بحسب التطور العام للمجتمع.

وإذا كانت مكونات الثقافة التقليدية الجزائرية لا تزال تساهم في تشكيل المشهد الثقافي الوطني الراهن كما يتجلى ذلك في الفنون اليدوية كالصناعات التقليدية، و النحاسية، والفخارية، والجلدية والطرز والحلي وفي فن الفلكلور وفي فن الطهي إلخ… فإن البعض منها قد كف عن الاستمرار كإنتاج ثقافي متجدد، من ذلك الشعر الغنائي النسائي التقليدي الذي كان يتداول في الأعياد والحفلات ” الولادة، الختان، الحج، الزواج”، إذ حلت محلهم وسائل احتفالية حديثة مثل ترازستور و الاسطوانات و الكاسيت… كما نجد أن أشكال القص الشعبي ” السير، المغازي، و الحكايات الخرافية” قد توقفت بسبب ظهور أشكال عصرية للحكي تعتمد على الكتابة كالرواية و القصة و إلى دور الوسائل السمعية – البصرية في العصر الحديث في تلبية الحاجات الثقافية للمجتمع.

وهذا يعنى أن انتقال المجتمع الجزائري من مجتمع يغلب عليه الطابع الشفوي في مجال الإنتاج الثقافي إلى مجتمع أصبحت فيه الكتابة والوسائل السمعية – البصرية أدوات ثقافية شائعة، قد أفقد الحاجة إلى الحكاية التقليدية المرتبطة في الواقع بمرحلة معينة من تطور المجتمع. و في هذه الناحية لا يختلف أيضا المجتمع الجزائري عن غيره من المجتمعات الأخرى.

ومن مظاهر التراث الذي توقف إعادة إنتاجها أو يكاد نجد الفن المعماري الجزائري ذا الطابع الإسلامي. فقد توقفت خصوصية العمران الجزائري عند حدود ما هو موروث في هذا المجال، و المتمثل في القصور و المساجد و المعالم الأثرية و في الخصوصيات العمرانية لبعض المدن، مثل غرداية و القصبة.

فسواء تعلق الأمر بالبناءات الفردية أو الجماعية أو العمومية لا نجد استثمارا أو تطويرا يحيل إلى الموروث الحضاري الجزائري. كما تكشف السكنات الفخمة في الأحياء الراقية عن عدم تأصل الذوق المعماري للبرجوازية المحلية في الثقافة الوطنية. مثلما تكشف المباني السكنية و الجماعية عن غياب أي اجتهاد معماري وأي بعد جمالي و أي مرجعية ثقافية وطنية.

و يمكن أن نلاحظ من جهة أخرى بأن مكونات الثقافة التقليدية التي لا تزال تساهم في تشكيل المشهد الثقافي الوطني الراهن لم تبق على حالها بالضرورة. فإذا نظرنا بهذا الصدد إلى فن الرقص، فإننا نجد بأنه قد تجرد من بعض وظائفه التي كانت في كثير من الحالات ذات صبغة دينية، على أساس أنها كانت مرتبطة بممارسات روحية تحيل إلى الطرق الصوفية. ذلك هو مثلا شأن رقصة ” العبداوي” التي هي رقصة منتشرة في منطقة الأوراس كانت تقام على شرف أحد الأولياء.

نفس الشيء يمكن أن يقال عن رقصة ” القرقابو” المنتشرة في جنوب غرب البلاد، والتي كانت في الأصل تؤدى في إطار طقوس صوفية شعبية. و هذا يعني أن الرقصات الشعبية قد فقدت دلالاتها الروحية الأصلية واستمرت فقط كتعبير فني، أي كفرجة وأداة تسلية ووسيلة لحفظ الذاكرة الجمعية. إن العديد من الرقصات الفولكلورية الجزائرية كانت في الأصل تعبيرا عن بعض أنماط الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع. فرقصة ” التوارق” مثلا، وهي رقصة ذات طابع قتالي تحيل إلى حياة الحرب التي كان يعيشها المجتمع التارقي في السابق، حولها تطور مجتمعها إلى رقصة ذات طابع فولكلوري، تسرد التاريخ و تحفظ الذاكرة الجمعية. والشيء نفسه تقريبا يمكن أن يقال عن رقصة ” العلاوي” المرتبطة بحياة القتال التي كانت تميز فرق الخيالة، و المنتشرة في نواحي عديدة من غرب البلاد، و العائدة إلى عهد الحاج محي الدين، والد الأمير عبد القادر. و هي على هذا الأساس قطعة حية من التاريخ.

وقد كانت الصناعات الفخارية في الأصل تستخدم لأغراض الحياة اليومية، أما اليوم فإنها تستعمل بالأساس لأغراض الزينة و التعبير عن الهوية. إذن استمرار مكونات الثقافة التقليدية في الراهن الثقافي الوطني لا يعني بالضرورة أن هذه المكونات لا تزال تمارس وظائفها، تماما كما في السابق. وهذا يدل على أن سنة التطور شملت أيضا مكونات الثقافة التقليدية، وذلك بأن تكيفت هذه المكونات على نحو صارت وظيفتها حاضرا غير الوظيفة التي كانت تؤديها ماضيا.

غير أن التغير لم يقتصر فقط على الوظيفة، بل امتدت أيضا إلى الانجاز. فإذا نظرنا إلى الفنون اليدوية، أي إلى الصناعات التقليدية النحاسية والفخارية و في الحلي و الطرز و غير ذلك، لا نجدها مجرد اجترار و تكرار لما كان يقوم به الأجداد، بل فيها بعض التعديل و التجديد. لكن التطور في مجال الثقافة التقليدية لا يذهب إلى حد الانفصال عن الأصل أو النموذج، بل هو لا يتعدى الأجزاء و التفاصيل في الحقيقة.

ولا ريب أن الدين كمكون من مكونات التراث هو الأكثر حضورا و تأثيرا في المشهد الثقافي الوطني الراهن، بيد أنه اتخذ في الحاضر بدوره أشكالا اجتماعية غير تلك التي عرفها المجتمع الجزائري في الماضي. فإذا كان الطابع الصوفي و الطرقي هو السمة المركزية للممارسة الدينية في المجتمع الجزائري إبان العهد التركي، فإن الأمر يختلف اليوم بعدما ساد مبدأ العودة إلى المراجع المؤسسة للدين كنتيجة للحركة التي قادها عبد الحميد بن باديس، و بعدما حدث توظيف الدين بهذا القدر أو ذاك في أطر تنظيمية جديدة كالأحزاب و الجمعيات.

إن الثقافة التقليدية الجزائرية هي في جانب هام منها ثقافة شعبية. ومن هنا كانت متصلة بدرجة أولى بعبقرية الجماعة على خلاف الثقافة الجزائرية الحديثة التي هي نتاج عبقريات فردية. أضف إلى ذلك أن التراث الشعبي يغلب عليه طابع التكرار، و إن كان ذلك نسبيا كما سبق القول. أما الثقافة الجزائرية الحديثة فهي أكثر قابلية على التغير و التطور. فبينما نجد الشعر الفصيح أو المدرسي قد انتقل من العمودي إلى الحر، نجد الشعر الشفوي أو الشعبي لا يزال من ناحيته يعتمد على نفس الركائز القديمة. و يمكن القول كذلك، رغم ما في هذا القول من تعميم، بأن التراث، بما في ذلك التراث الشعبي، هو عنصر الثبات و التواصل مع الماضي في الثقافة الجزائرية، بينما الحديثة منها تمثل عنصر التغيير و التطور والتفاعل مع العصر.

و من هنا كان عنصر العالمية أكثر حضورا في الثقافة الجزائرية الحديثة منه في التراث سواء المدرسي منه أو الشعبي. ويمكن أن نلاحظ من جهة أخرى أن التراث الشعبي يحمل طابع الخصوصيات الجهوية على خلاف الثقافة الجزائرية الحديثة التي تحمل الطابع الوطني.

غير أن ما سبق لا يعني بأن الثقافة الحديثة والتراث الشعبي في الثقافة الجزائرية يشكلان مجالين منفصلين تمام الانفصال كما يؤكد ذلك علي الكنز في كتابه ” حول الأزمة”. الحقيقة أننا نجد تفاعلا بينهما في مختلف مجالات الإبداع، فإذا أخذنا الرواية نجد أن الكتاب الجزائريين قد استلهموا التراث الشعبي في أعمالهم مثلما فعل الطاهر وطار في ” الحوات و القصر” و عبد الحميد بن هدوقة في “الجازية و الدراويش ” و عز الدين ميهوبي في مسرحيته الشعرية ” حيزية” وبوليفة في الأوبيرات التي تحمل نفس العنوان. و يذكر الباحث عبد الحميد بورايو بأن ” التراث الشعبي ” كان ” و لا يزال مصدرا ثريا يغرف منه الكتاب والشعراء ” .

ويتحدث بهذا الصدد عما احتوته رواية “ريح الجنوب ” لعبد الحميد بن هدوقة من تراث يتمثل في ” التقاليد بجوانبها المادية والروحية و السلوكية كالصناعات التقليدية التي تتمثل في الأدوات والأواني واللباس و المسكن.. والإعتقادات التي تتمثل في أفكار الناس حول الكون والإنسان و الموت و الحياة و ما وراء الحياة .. والعادات الاجتماعية التي تتمثل في مراسيم الميلاد والزواج والاحتفالات والأعياد والمناسبات العامة .. والفنون كالأغاني والموسيقى والرقص والرسم والشعر والأمثال، إلخ ..” و يضيف بورايو بأن رواية ” اللاز” للطاهر وطار احتوت من ناحيتها ستة عشر مثلا شعبيا ” قامت بدورها في تطوير الحدث الروائي، وفي الكشف عن ذهنيات الشخصيات، وفي إغناء التجربة الحياتية لأفراد الرواية، وفي الدلالة على البيئة المحلية..”
وإذا أخذنا بعين الحسبان أن العامية عنصر من عناصر الثقافة الوطنية تبين لنا مدى التفاعل والتعامل بين التراث والحداثة في الثقافة الجزائرية. ذلك أن العامية هي لغة المسرح و السينما و فن الطرب بمختلف أنواعه تقريبا.

و قد دخلت العامية في الأدب أيضا كما يظهر ذلك في رواية جيلالي خلاص ” زهور الأزمنة المتوحشة” التي يقوم فيها الحوار على الدارجة. وكذلك في رواية فضيلة الفاروق ” مزاج مراهقة” حيث نجد استعمال اللهجة الشاوية في الحوار على مدى امتداد النص تقريبا.

وفي الفن التشكيلي نجد محمد راسم يستثمر في أعماله ليس فقط التراث الشعري الكلاسيكي ” المدرسي”، الجزائري و العربي، بل الشعبي منه أيضا. فقد كان يستوحي موضوعاته من قصائد عنترة و أبي نواس ومحمد العيد آل خليفة، و لكن أيضا من قصائد مأخوذة من التراث الشعبي، مثل قصيدة ابن مسيب التي مطلعها : ” احلفت لا نسيتك يا ليلة البارح”.

كل هذا يجعل من الممكن الحديث عن تأثير التراث الشعبي في الثقافة الجزائرية الحديثة، مثلما يمكن الحديث عن تأثير للثقافة المدرسية في الثقافة الشفوية، أي الشعبية. ففي دراسة كتبها أحمد الأمين يتحدث عن تشابه في الخصائص و المقومات بين نقائض ابن يوسف وابن قيطون وبين النقائض الكلاسيكية التي قامت بين جرير و الفرزدق أو بين جرير و الأخطل في عصر بني أمية. كما يوضح أن هؤلاء ” القوالين” كانوا يحفظون المدائح الدينية الفصيحة و على رأسها ” بانت سعاد ” لكعب بن زهير، و ” البردة” للبصيري. ويتفق أحمد الأمين و الدكتور بسايح في القول بأن الشعر الشعبي والشعر الكلاسيكي يشتركان في الأغراض. وهذا كله يعني أن بين الشعر الكلاسيكي والشعر الشعبي في الثقافة الجزائرية لا يوجد فقط غير الاختلاف، بل بوجد بينهما أيضا تفاعل وترابط. و الحقيقة أن هذا الرأي يمكن تعميمه على مختلف مكونات الثقافة الجزائرية.

الأساس
مثل أي ثقافة في العالم، كانت الثقافة الجزائرية نتاج تجربة مجتمعها عبر التاريخ، و هذه التجربة بدورها كانت نتاج موقعها الجغرافي، فموقع الجزائر من حيث قربها من قارة أوروبا و كونها معبر إلى الشرق وإلى قارة أفريقيا، أمر جعلها في مختلف المراحل تاريخها هدفا لغيرها من الدول والشعوب. وكان من نتائج ذلك أن تلقت عدة مؤثرات ثقافية. وتبين الرسوم والأشكال المنحوتة على الصخور تاسيلي نجار في الهغار التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، تبين قدم الفعل الثقافي في هذه الأرض و وجود حضارات لا تزال غير معروفة على النحو الكافي إلى اليوم.

وتروي الآثار المتواجدة عبر الوطن و بعض المدن كالقصبة و غرداية و تلمسان وبجاية وكذلك الوضع اللغوي السائد اليوم، وغير ذلك من الشواهد، تجربة المجتمع الجزائري في تاريخه الطويل ومن خلال ذلك تشكل ثقافته. فالثقافة لا تنفصل عن التاريخ، بل هي في وجه من الوجوه تعبير عنه، وربما هي أكثر ما يستمر و يبقى من التاريخ. ويمكن القول بأن التجارب التاريخية التي كان لها أكبر الأثر ثقافيا على الجزائر، هي الفتح الإسلامي والاستعمار الفرنسي وثورة أول نوفمبر 1954.

بيد أنه لا بد من الإشارة إلى أن الاستعمار الروماني للجزائر افرز بدوره ثقافة كانت من نتاج أبناء هذه الأرض، لكنهم استعملوا كالعادة في التعبير عنها لغة الآخر، لغة الوافد، اللاتينية في ذلك العهد. و من أشهر هؤلاء القديس أوغسطين، صاحب ” الاعترافات ” وكتاب ” مدينة الله” الذي كان له أبلغ الأثر في العالم المسيحي، و أبوليوس، مؤلف ” الحمار الذهبي” الذي يعتبر أول نص روائي ظهر في التاريخ. و كان له بدوره أثر كبير في الحركة الأدبية في العالم المسيحي. غير أن اعتماد المفكرين المحليين في ذلك العهد على لغة المحتل، و خصوصا غياب أصحاب الأرض، واقعا وتجربة، في نصوصهم أمر حال بهذا القدر أو ذاك دون إمكانية تبنيهم وإدراجهم من غير تحفظ في النسيج الثقافي الوطني و في ذاكرته و وجدانه.

بل نجد مفكرا مثل رضا مالك يقول عن القديس أوغسطين بأن ” ما كان يهم بالنسبة لامبريالية روما، وحتى بالنسبة للشعب النوميدي أيضا، هو أن مؤلف الاعترافات كان يقدم تزكية نشطة لجلادي وطنه.” غير أن هذا التقييم قاله مالك في الفترة المتميزة بالعداء للامبريالية. أما في عهد العولمة و القطب الأوحد، فإن الجزائر، و لأول مرة في تاريخها، نظمت من خلال المجلس الإسلامي الأعلى في عام 2001 ملتقى دوليا حول القديس أوغسطين، حضر جلسته الافتتاحية الرئيس بوتفليقة الذي كان قد سبق له، في خطاب ألقاه بمناسبة زيارته لايطاليا أن أعاد الاعتبار لشخصيات كان مسكوتا عنها، في المرحلة السابقة، ظهرت في الجزائر قبل مجيء الإسلام مثل ترطوليان ويوبا الثاني …

ومن خلال تاريخ الجزائر الطويل تشكل الوجدان الثقافي للمجتمع الجزائري على أسس ثلاث: الأمازيغي- العربي- الإسلامي.

الأساس الأمازيغي
يتضمن الأساس الأمازيغي للثقافة الوطنية على بعض أقدم المعالم الثقافية التي ترعرعت على هذه الأرض، وهي ” تتمثل الآن في الصناعات التقليدية والشعبية المنتشرة في أنحاء عديدة من الأرض الجزائرية الواسعة” . ويؤكد ابراهيم مردوخ ب” ان العناصر الزخرفية ذات الطابع الهندسي المستعملة في تزيين الصناعات الفخارية و في تجميل المصوغات الفضية المصنوعة في كل من بلاد القبائل والأوراس والصحراء، هي نفسها في الزرابي المصنوعة في وادي ميزاب وفي جبال عمور ونمامشة، أو الأوراس، وكذلك في المصنوعات الجلدية لقبائل توارق بالهغار وفي تزيين البيوت الريفية هنا وهناك في الجزائر أو في تجميل الوجه واليدين للعروس عند البربر” .

و يوضح ابراهيم مردوخ أن هذه العناصر الزخرفية تشبه كتابة تفناغ المستعملة عند التوارق بالهغار في أقصى الحنوب الجزائري. كما يشير إلى التشابه بين هذه العناصر الزخرفية البربرية و بين فن تاسيلي في آخر أيامه. فالمسلمون ” لم يسمعوا إلى القضاء على الثقافة المحلية، وهكذا استمر ولا يزال إلى اليوم الفن البربري المأخوذ على الأرجح من الحضارات المتوسطية القديمة. وقد أخذ كذلك استعارات واسعة من الحضارة العربية”.

وبالنظر إلى أن الثقافة الأدبية الأمازيغية كانت شفوية بالدرجة الأولى، رغم وجود كتابة تيفناغ في الجنوب، فلا نعرف غير الشيء القليل عنها قبل القرن السادس عشر. فإذا كانت لا تزال هناك إلى اليوم شواهد عن الفن البربري القديم، فإن ما وصلنا في مجال التراث الأدبي لاسيما الشعري منه، لا يذهب إلى ما أبعد من القرن السادس عشر الميلادي. ونجد هذا الشعر الذي وصلنا متأثرا بالروح الإسلامية كما تبلورت في ذلك الوقت في المجتمع الجزائري، لهذا لا نلفاه يختلف عن التراث الناطق بالعربية في ما يخص الصبغة الصوفية و تمجيد الأولياء، و استلهام مآثر الرسول و بطولات علي عمر. كما نجدهما يشتركان في بعض السمات الأخرى كارتباط الشعر والغناء، ومعرفتهما لظاهرة الشعراء الجوالين ووجود السير الهلالية باللغتين… وهذا يعني أن غني وتنوع التراث الجزائري لا بمنع كونه واحد في صميمه. والراجح أن ذلك يعود إلى وحدة التجربة الروحية و الاجتماعية للمجتمع الجزائري.

لكن هذا يصح بالدرجة الأولى في مجال التراث، ذلك أن الأمازيغية تتجه اليوم، حسب ما يبدو، نحو التشكل كثقافة مستقلة عن العربية، كما يدل على ذلك اختيار الكتابة بالأحرف اللاتينية. و من المعلوم أن لغة الكتابة المشتركة بين الجزائريين قبل العهد الكولونيالي كانت العربية، وأول تدوين للشعر الأمازيغي كان بالأحرف العربية، و عنوان المؤلف هو ” المرسل” . ومع دخول الأمازيغية عهد الكتابة، بدأت تلج مجالات ثقافية حديثة كالرواية والسينما والمسرح. فإلى أي مدى سوف يؤثر تحول الأمازيغية إلى لغة مكتوبة على الثقافة الأمازيغية و الجزائرية ككل؟ ربما سيكون اعتماد الأمازيغية في الوقت الراهن على الفرنسية عائقا في طريق تطورها.

ذلك أن كتابة لغة ما لا يكفي لتطورها، إذا لم تستقل عن اللغات الأخرى ولم تستثمر نفسها في مختلف مجالات المعرفة والفكر و الإبداع و لم تعتمد نفسها كأداة تواصل بين الناطقين بها.

الأساس العربي
الطابع العربي للثقافة الجزائرية ناتج عن دخول الإسلام هذه الأرض، فكون العربية هي لغة القرآن أعطى لها نفوذا و كسب لها تقدير سكان البلاد، فكتبوا بها في مختلف مجالات الفكر و المعرفة و الإبداع. أما التراث الشعبي، بما في ذلك اللهجات العربية، فيبدو أنه مرتبط بمجيء العنصر العربي من خلال زحف بني هلال في القرن الخامس الهجري ” 11 م”. لقد كان لهذا الاجتياح أثره من الناحية الديمغرافية وبالتالي من الناحية الثقافية أيضا. غير أن الاستعمار الفرنسي، الذي كان استعمارا استيطانيا، أضعف الأساس العربي للثقافة الجزائرية، لاسيما الكلاسيكية منها.

فقد انتهى الأمر بالجزائريين إلى أن ينتجوا في ميادين عديدة ثقافة مكتوبة بالفرنسية، مما انجر عنه انتهاء العربية كلغة وحيدة في مجال الكتابة و افتقار المثقفين الجزائريين إلى لغة مشتركة فيما بينهم. وقد بلغ تقهقر العربية في العهد الكولونيالي حدا اعتبرت فيه لغة أجنبية بمقتضى قانون 1938، و هذا ما يبرز أهمية الدور الذي قامت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كحركة مقاومة ثقافية. و كان من نتائج ثورة أول نوفمبر 1954 عودة العربية بعد الاستقلال كلغة وطنية و رسمية. لكن الفرنسية استمرت في إنتاج ثقافة جزائرية غير عربية على نطاق واسع.

إذن، إذا كان التراث المكتوب قد اتسم بوحدته اللغوية، فإن الأمر ليس كذلك في الثقافة الجزائرية الحديثة. و ربما هذا ما يفسر كون الثقافة الجزائرية لم تعد اليوم تنتج التواصل التآلف داخل المجتمع الجزائري. و يمكن اعتبار مشكلة النشر ومشكلة المقروئية في الرواية و الشعر و الصراع اللغوي بين الفرنكفونية و العربية وأيضا بينها و بين الأمازيغية و انعكاس كل ذلك على مسألة الهوية الوطنية، كوجه من أوجه أزمة الثقافة العربية في الجزائر.

الأساس الإسلامي
إنه الأساس المشترك بين الأساسين الآخرين، الأمازيغي والعربي، فالإسلام يمثل المرجعية الدينية في التراث الجزائري سواء في الحكاية الشعبية بمختلف أنواعها أو في مجال الشعر، الكلاسيكي منه و الشفوي. فهذه المرجعية هي نفسها في أعمال سي محند ومحند، ومصطفى أوقاسي أو عند ابن مسيب وابن قنون. كما نجد في كلا الفضاءين أنواعا تحيل مباشرة إلى موضوعات ذات صبغة دينية كما في نوع “ثاقسيط” و”الذكر” القبائليين أو في “المغازي” أو في المديح العربيين.

رغم هذا لا يمكن نعت الثقافة الجزائرية بالإسلامية في مجملها، فالثقافة الجزائرية كغيرها من ثقافات العالم، قد عرفت مثلا شعر الغزل وفن الرقص، و لكن لا يمكن نسبتهما إلى الإسلام. صحيح أنه على صعيد التراث الشعبي المتصل بالممارسات الطرقية هناك في بعض الحالات توظيف للرقص في الأداءات الصوفية، كما في رقصة ” القرقابو” أو عند بعض الطرق الصوفية كالعيساوية و الشاذلية، و لكن إذا كان ذلك يضفي عليها نوعا من الدلالة الدينية، فإنه لا يجعل منها بالضرورة رقصة ” إسلامية”.

والثقافة الجزائرية من حيث أن أحد أسسها هو الإسلام أمر جعلها تشبه ثقافات البلدان الإسلامية الأخرى من حيث ارتكاز تراثها المكتوب على علوم الدين “التفسير، الفقه، علم الكلام، الأصول، التصوف”، إلى جانب الشعر وعلوم اللغة، و كذلك من حيث أنه لم يعرف التصوير و النحت و المسرح.

ورغم أن الثقافة الجزائرية الحديثة لا تزال تنتج ثقافة يمكن وصفها بالإسلامية في بعض جوانبها كما في مجال المنمنمات والزخرفة والخط العربي وفي مجالات أخرى بالطبع، فإن ارتباطها بالدين أقل بكثير مما كان عليه في الماضي. فاتصال الثقافة الجزائرية بثقافات العصر قد أدى إلى توسيع مجالها إلى ميادين أخرى يبدو فيها العامل الديني ضعيفا إن لم يكن معدوما، كما هو الشأن مثلا في الرواية والمسرح والأوبرات أو الفنون التشكيلية. وربما لا يزال عامل الدين يمارس دوره هنا كذلك، ولكن كعامل رقابة وليس كعامل إلهام. و يبدو أن عودة الإسلام ثقافيا مرتبط بعودته سياسيا، كما دل على ذلك انتشار الكتاب الديني في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات في القرن الماضي، أيام صعود الإسلام السياسي.

وربما يمكن القول بأن قابلية تأثير الإسلام اليوم تتجلى على مستوى السلوك الفردي والإيديولوجي والسياسي أكثر منه في مجال الثقافة. على الأقل في الرواية والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، وهي المجالات التي كانت على الدوام بهذا القدر أو ذاك خارج نطاق نفوذ الدين.

الثقافة و الهوية
الثقافة ليست ظاهرة معزولة خالية من أي فعالية اجتماعية أو سياسية، بل هي أساس الهوية، و لهذا كانت مشكلة الهوية في الجزائر شديدة الارتباط بالإشكالية الثقافية. فمن بين أسباب الأزمة التي مست المجتمع الجزائري الطابع الأحادي للتصورات السائدة في مجال الثقافة: التأكيد على الإسلام فقط، أو على العروبة وحدها أو على الأمازيغية لا غير. هذه النظرة هي التي أسست لهوية ناقصة تقوم على الإقصاء، تفرز العنف و عدم التواصل و الانسجام داخل المجتمع. بيد أن هذا لا يعني تزكية الرؤية التي تنظر إلى الثقافة الجزائرية كثقافات قائمة بذاتها، فقد رأينا مدى التداخل و التفاعل بين مختلف مكونات الثقافة الوطنية.

ثم إن الرؤية القائلة بتعددية الثقافات هي رؤية عاجزة عن إيجاد أساس للهوية الوطنية التي بدونها لا يمكن أن توجد المواطنة، لأن هذه النظرة في الحقيقة لا تصلح إلا لتأسيس مرجعية جهوية، إثنية، ورجعية في نهاية المطاف، أو للتعدد في الهويات، مما قد يلقي البلاد في متاهات مستقبلية مفتوحة على كل المخاطر. إن تصور الثقافة الجزائرية كثقافة مشتركة بين جميع الجزائريين يبدو أمرا لا مناص منه لتأسيس ديمقراطية غير قائمة على اعتبارات الخصوصية الثقافية التي تعيد إنتاج التفرقة و النزاعات الجهوية. و بقدر ما يتطلب هذا الاستبعاد النظرة الأحادية والإقصائية في مجال الثقافة، بقدر ما يقتضي كذلك رفض النظرة النخبوية والشعبوية على حد سواء.

_________________

الهوامش و المراجع

– عبد الحميد بورايو، توظيف التراث الشعبي في بناء الرواية الجزائرية، مجلة آمال، السنة العاشرة، العدد 51-52 ، 1980، ص 8.
2 – نفس المرجع، ص 9.
3- نفس المرجع، ص 12.
4 – أحمد الأمين، الشعر الشعبي في سيدي خالد، مجلة آمال، السنة العاشرة، العدد 53، 1981، ص 27-33.
5- Rédha Malek , Tradition et révomutio, Bouchène,p.55.
6 – ابراهيم مردوخ، الحركة التشكيلية المعاصرة بالجزائر،المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988، ص 7.
7- نفس المرجع، ص 7-8.
8- Mohamed Khedda, Eléments pour un art nouveau , UNAP, p21

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий