Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الثقافة والهوية- دوني كوش

الثقافة والهوية- دوني كوش

في الوقت الذي يشهد فيه مفهوم الثقافة،  منذ فترة،  نجاحاً خارج دائرة العلوم الاجتماعية الضيقة، نجد مفهوماً آخر هو مفهوم” الهوية” –وهو غالبا ما يرتبط بالأول-  يشيع استخدامه تدريجياً لدرجة جعلت بعض المحللين يرون فيه أثراً من آثار الموضة[ غاليسو، 1987].لكن ما الذي تعنيه “موضة” الهويات هذه،  وهي الغريبة في جزء كبير منها عن تطور البحث العلمي  لاسيما ذلك المعني بالهوية؟.

غالباً ما تحيلنا التساؤلات الكبرى المثارة اليوم حول الهوية إلى مسألة الثقافة.فنحن نرمي إلى رؤية الأشياء الثقافية حيثما نظرنا، كما نريد أن يحظى كل منا بهويته.وندين الأزمات الثقافية كما ندين أزمات الهوية.فهل يعني هذا أنه علينا وضع تطور هذه الإشكالية في إطار الضعف الذي يشهده نموذج الدولة-الأمة؟وفي مدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية وفي شكل معين من أشكال عولمة الاقتصاد؟وبشكل أكثر دقة نقول: إن الشكل الهوياتي الحديث هو امتداد لظاهرة تمجيد الاختلاف التي انبثقت في السبعينات كنتيجة للتحركات الإيديولوجية المتنوعة، أي المتناقضة، سواء كالت المديح للمجتمع المتعدد الثقافات من جهة أو نتيجة لمقولة “ليبق كل منا في بيته محافظاً على هويته” من جانب آخر؟

ومع ذلك، حتى لو ارتبط مفهوما الثقافة والهوية الثقافية بمصير واحد، فليس من السهل خلط أحدهما بالآخر.إذ يمكن للثقافة أن تعمل بدون وعي للهوية، بينما يمكن لاستراتيجيات الهوية أن تعالج الثقافة أو تغيرها، وبالتالي لا يبقى هناك شيء مشترك مع ما كانت عليه في السابق.تنشأ الثقافة،  في جزء كبير منها،  عن عملية لاواعية.أما الهوية فتحيل إلى معيار انتماء يجب أن يكون واعياً، لأنها،  أي الهوية تقوم على تعارضات رمزية.

في مجال العلوم الاجتماعية يتميز مفهوم الهوية الثقافية بغموضه وتعدد معانيه.ونظرا لحداثة هذا المفهوم،  فقد شهد  عدداً من التعاريف والتأويلات المكرورة:وتحولت فكرة الهوية الثقافية إلى مفهوم في الولايات المتحدة خلال الخمسينات .وكان فريق البحث في علم النفس الاجتماعي مشغولاًً آنذاك بإيجاد أداة مناسبة تسمح بإيضاح  المشاكل الناجمة عن اندماج المهاجرين.هذه المقاربة التي كانت ترى في الهوية الثقافية محدداً ثابتاً لسلوك الأفراد،  قد تجاوزها الزمن لحساب مفاهيم،  إلى حد ما ديناميكية لا تجعل من الهوية معطى مستقلاً عن السياق العلائقي.

ومسألة الهوية الثقافية تحيل منطقياً، وللوهلة الأولى، إلى المسألة الأوسع وهي مسألة الهوية الاجتماعية التي تعد الهوية الثقافية إحدى مكوناتها.

علم النفس الاجتماعي يرى في الهوية أداة تسمح بالتفكير في العلاقة المفصلية بين السيكولوجي والاجتماعي عند الفرد.إنها تعبر عن محصلة مختلف التفاعلات المتبادلة بين الفرد مع محيطه الاجتماعي القريب والبعيد.والهوية الاجتماعية للفرد تتميز بمجموع انتماءاته في المنظومة الاجتماعية:كالانتماء إلى طبقة جنسية أو عمرية أو اجتماعية أو مفاهيمية الخ.والهوية تتيح للفرد التعرف على نفسه في المنظومة الاجتماعية وتمكن المجتمع من التعرف عليه.

لكن الهوية الاجتماعية لا ترتبط بالأفراد فحسب، فكل جماعة تتمتع بهوية تتعلق بتعريفها الاجتماعي،  وهو تعريف يسمح بتحديد موقعها في المجموع الاجتماعي.

الهوية الاجتماعية هي احتواء وإبعاد في الوقت نفسه:إنها تحدد هوية المجموعة(المجموعة تضم أعضاء متشابهين فيما بينهم بشكل من الأشكال).في هذا المنظور تبرز الهوية الثقافية باعتبارها صيغة تحديد فئوي للتمييز بين نحن/هم، وهو تمييز قائم على الاختلاف الثقافي.

المفاهيم الموضوعية والذاتية للهوية الثقافية

ثمة علاقة وثيقة بين المفهوم الذي نتصوره عن الثقافة وبين مفهومنا للهوية الثقافية. أولئك الذين يماهون الثقافة بـ”طبيعة ثانية” تأتينا بالوراثة ولا يمكننا الهروب منها،  يرون في الهوية معطى من شأنه أن يحدد الفرد بشكل نهائي ويطبعه بطابعه بشكل لا يقبل الجدل تقريباً في هذا المنظور،  يمكن للهوية أن تحيل بالضرورة إلى المجموعة الأصلية التي ينتمي إليها الفرد “والأصل” أو الجذور التي وفقاً للتصور العادي،  هو أساس الهوية الثقافية أي ما يحدد الفرد بشكل أكيد وأصيل.هذا التصور شبه الوراثي للهوية، والذي يستخدم كعماد لإيديولوجيات التجذر enracinement  يقود إلى جعل الانتماء الثقافي طبيعياً.بعبارة أخرى قد تكون الهوية سابقة على الفرد الذي لا يسعه إلا الانضواء فيها، وإلا سيعد هامشياً أو “منبت الجذور”.إذا نظرنا إلى الهوية على هذا النحو فإنها تبدو بمثابة جوهر قابل للتطور بمعزل عن سلطة الفرد أو المجموع.

إن إشكالية الأصل المطبقة على الهوية الثقافية يمكن أن تؤدي إلى جعل الأفراد والجماعات عنصريين وبما أن الهوية،  كما تقول بعض الأطروحات المتطرفة،  محفورة في الإرث الوراثي [انظر بشكل خاص فان دنبرغ 1981] وبما أن الفرد بطبيعة وراثتهِ البيولوجية يولد مع العناصر المكونة للهوية العرقية والثقافية ومنها الصفات النمطية الظاهرية phéntypiques والمزايا النفسية الناشئة عن (العقلية) و(العبقرية) الخاصة بالشعب الذي ينتمي إليه الفرد فإن الهوية ترتكز بالتالي على شعور غريزي بالانتماء إلى حد ما. وتعد الهوية شرطاً ملازماً للفرد وتحدده بشكل ثابت ونهائي.

في الدراسة الثقافوية  culturaliste نحن لا نستند إلى الإرث البيولوجي الذي لا نعده حاسماً بل على الإرث الثقافي.وعلى هذا فإن النتيجة تكون نفسها تقريباً لأن  الفرد، تبعاً لهذه المقاربة، مضطر إلى استبطان النماذج الثقافية المفروضة عليه لأنه لا يستطيع إلا التماهي بجماعته الأصلية.وهنا أيضاً تعرّف الهوية على أنها سابقة في وجودها على وجود الفرد. وتبرز الهوية الثقافية ملازمة للثقافة الخاصة.وبالتالي فإننا نسعى إلى وضع قائمة بالخصائص الثقافية التي يمكن أن تشكّل حاملاً للهوية الجماعية.وسنبذل جهدنا لتحديد الثوابت الثقافية التي تسمح بتحديد جوهر الجماعة،  أي هويتها “الأساسية” الثابتة تقريباً.

هناك نظريات أخرى حول الهوية الثقافية توصف بالنظريات “الأوّلية”  وهي ترى أن الهوية العرقية- الثقافية هي هوية أولية “أساسية” لأن الانتماء للمجموعة العرقية هو أول الانتماءات الاجتماعية وأكثرها جوهرية.ففيها تنعقد أكثر الروابط تحديداً لأن الأمر يتعلق بروابط قائمة على السلالة المشتركة (انظر خصوصاً غيرتس، 1963).في كنف الجماعة يتم تقاسم أعمق المشاعر  والتضامنات وأكثرها قدرة على  تحديد هيكل الجماعة.وبهذا التعريف تبدو الهوية الثقافية بمثابة ملكية أساسية لازمة للجماعة لأن هذه الجماعة تقوم بنقلها عبر أفرادها وإليهم دون الرجوع إلى الجماعات الأخرى.ويكون اكتساب الهوية بمثابة تحصيل حاصل لأن الأمر يبدأ به.

ما يربط هذه النظريات ببعضها هو المفهوم الموضوعي نفسه حول الهوية الثقافية.وفي كل الأحوال، فإن الأمر يتعلق بتحديد الهوية والقيام بوصفها انطلاقاً مما هو مشترك (الوراثة والسلالة) واللغة والثقافة والدين وعلم النفس الجماعي(الشخصية الأساسية) والارتباط بأرض معينة الخ.ويرى الموضوعيون أن الجماعة التي تفتقر إلى لغة خاصة بها آو إلى ثقافة أو أرض تختص بها، أي كما يقول البعض، الجماعة التي لا تملك نمطاً ظاهرياً خاصاً بها لا يمكنها أن تكون جماعة عرقية-ثقافية ولا يمكنها المطالبة بهوية ثقافية أصيلة.

لقد لاقت تعريفات الهوية هذه نقداً شديداً من قبل المدافعين عن المفهوم الذاتي لظاهرة الهوية.فهم يرون أنه لا يمكن اختزال الهوية ببعدها الاستنسابي attributive  وهي ليست هوية مكتسبة بشكل نهائي.والنظر إلى تلك الظاهرة على هذا النحو يعني عدها بمثابة ظاهرة سكونية جامدة تحيل إلى جماعة محددة بشكل ثابت.وهي نفسها غير قابلة للتغير. ويرى “الذاتيون”أن الهوية العرقية-الثقافية ليست سوى شعور بالانتماء أو التماهي في جماعة خيالية إلى حد ما.وما يهم هذه التحليلات هو التصورات التي يكونها الأفراد عن الواقع الاجتماعي وعن انقساماته.

غير أن وجهة النظر الذاتية المتطرفة تؤدي إلى اختزال الهوية إلى مجرد مسألة اختيار فردي عشوائي بحيث يكون أيّ منا حراً في تماهياته.إن مثل هذه الهوية الخاصة، وفقاً لوجهة النظر السابقة، يمكن تحليلها باعتبارها تكوناً استيهامياً محضاً نشأ عن خيال بعض الإيديولوجيين الذين يتلاعبون بجماهير ساذجة إلى حد ما أثناء بحثهم عن غايات يمكن الإقرار بها.إذا كان للمقاربة الذاتية من فضيلة فهي تلك التي توضح الطابع المتغير للهوية، لكن هذه المقاربة اتجهت كثيراً إلى التركيز على المظهر المؤقت للهوية في الوقت الذي لا يندر فيه أن تكون الهويات ثابتة نسبياً.

المفهوم العلائقي والظرفي

إن اعتماد مقاربة موضوعية بحتة أو ذاتية بحتة يعني أن نضع أنفسنا في طريق مسدودة.والبرهنة بمعزل عن السياق العلائقي لبحث مسألة الهوية الذي يعتبر وحده هو القادر على تفسير السبب  في ترسخ هوية معينة في فترة معينة وكبتها في فترة أخرى.

إذا كانت الهوية فعلاً اجتماعيا بنّاء وناشئة عن التصور وليست مُعطى، فهي ليست وهماً يتعلق بمجرد ذاتية الفاعلين الاجتماعيين.إن  تكوين الهوية يتم داخل الأطر الاجتماعية التي تحدد موقع الفاعلين وتوجّه تصوراتهم وخياراتهم.ومن جانب آخر،  فإن تكون الهوية ليس وهماً  لأنه يتمتع بفاعلية اجتماعية وله آثار اجتماعية حقيقية.

الهوية بناء يتكون ضمن علاقة تضع إحدى المجموعات في مقابل مجموعات أخرى على تماس معها وعلينا هنا أن نسجل ديننا لما قام به بارث(1969) من عمل طليعي حيث عدّ مفهوم الهوية هذا بمثابة تجل علائقي يسمح بتجاوز خيار الموضوعية/الذاتية.وهو يرى أن البحث معني بفهم ظاهرة الهوية في نظام العلاقات القائمة بين الجماعات الاجتماعية.وهو يعد الهوية شكلاً من أشكال التقسيم إلى فئات، وهو التقسيم الذي  تستخدمه  المجموعات  من أجل تنظيم التبادلات فيما بينها.ما يهمنا في تحديد  هوية معينة ليس وضع كشف لمجموع السمات الثقافية المميزة لتلك الهوية بل البحث في هذه السمات التي يستخدمها أعضاء المجموعة لتأكيد التميز الثقافي والمحافظة عليه.وبعبارة أخرى فإن اختلاف الهوية ليس نتيجة مباشرة للاختلاف الثقافي.الثقافة الخاصة لا تنتج بذاتها هوية  متميزة لأن هذه الهوية لا يمكن أن تنشأ عن الأفعال المتبادلة بين الجماعات وعن طرائق التمييز التي تستخدمها في علاقاتها.

وبالنتيجة،  يرى بارث، أن أفراد المجموعة لا يمكن إدراكهم على أنهم محددين بشكل مطلق من خلال انتمائهم العرقي-الثقافي لأنهم هم الممثلون الذين ينسبون الدلالة إلى هذا الانتماء تبعاً للحالة العلائقية التي يجدون أنفسهم فيها.وهذا يعني أن الهوية تتشكل ويعاد تشكيلها باستمرار من خلال التبادلات الاجتماعية.هذا المفهوم الديناميكي للهوية يتعارض مع المفهوم الذي يجعل منها صفة أصلية ودائمة غير قادرة على التطور.وبالتالي فإننا إزاء تغير جذري في الإشكالية التي  تضع دراسة العلاقة في مركز التحليل، وليس البحث عن جوهر مفترض يحدد الهوية.

ليس هناك هوية في حد ذاتها ومن أجل ذاتها فقط.وبعبارة أخرى،  الهوية والغيرية شريكان تربط بينهما علاقة جدلية.والتماثل يوازي الاختلاف، طالما أن الهوية هي محصلة عملية مطابقة  في كنف حالة علائقية.، وطالما أنها أيضاً نسبية لأنها تتطور بتطور الحالة العلائقية فلا شك أنه من الأفضل أن نأخذ بمفهوم  التماثل  باعتباره مفهوما عمليا للتحليل بدلاً من مفهوم الهوية (غاليسو، 1987).

يمكن للتماثل أن يعمل كتأكيد للهوية أو تعيين لها assignation .الهوية دائما عبارة عن حل وسط، ويمكن القول  أنها عملية تفاوض بين “هوية ذاتية” تتحدد بذاتها و”هوية متعددة” أو هوية “خارجية” يحددها الآخرون[سيمون، 1979، ص 24]. يمكن للهوية المتعددة أن تقود إلى تماثلات متناقضة، ففي أمريكا اللاتينية على سبيل المثال، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،  كان يشار إلى المهاجرين السوريين واللبنانيين، وغالبيتهم من المسيحيين الذين هربوا من ظلم الإمبراطورية العثمانية، كان يشار إليهم(ولا يزالون) على أنهم أتراك لأنهم دخلوا بجوازات سفر تركية.في الوقت الذي كانوا فيه يرفضون أن يكونوا أتراكاً.وكذلك الأمر بالنسبة لليهود الشرقيين الذين هاجروا  إلى أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها.

وفقاً للحالة العلائقية، لاسيما علاقة القوة بين مجموعات التماس-التي يمكن أن تكون علاقة قوى رمزية- يمكن أن تتمتع الهوية الذاتية)الفردية) بشرعية  أكبر من الهويةا لجماعية. وهذه الهوية الجماعية أو المتعددة  تكون  في حالة هيمنة مميزة، تترجم من خلال الآثار التي تعاني منها مجموعات الأقليات.وغالباً ما تؤدي في هذه الحالة إلى ما سميناه ب”الهوية السلبية”.و نظراً لأن الأغلبية تعرّف الأقلية على أنها مختلفة بالنسبة للمرجعية التي تشكلها هذه الأغلبية فإن الأقلية لا ترى في نفسها إلا اختلافاً سلبياً.وغالباً ما نرى أيضاً لدى الأقليات  ظواهر عادية عند الخاضعين مثل احتقار الذات، مرتبطة بقبول صورة الذات التي كونها الآخرون عنهم واستبطانها.عندها تبرز الهوية السلبية كهوية تدعو للخجل وتكون مكبوتة إلى حد ما وهو أمر غالباً ما يتبدى على شكل محاولة لإلغاء العلامات الخارجية للاختلاف السلبي.

ومع هذا يمكن لتغير حالة العلاقات القائمة بين الأعراق أن يبدل بشكل عميق الصورة السلبية التي تكونت عن مجموعة معينة.وهذا ما حدث للهومونغ homong  الذين لجؤوا من لاوس إلى فرنسا في السبعينات.في لاوس، حيث كانوا يشكلون أقلية عرقية مهمّشة جداً وكان يطلق عليهم اسم ميو من قبل الأغلبية المسماة اللاو الذين ترادف كلمة ميو عندهم كلمة “متوحش” أو “متخلف”.وما أن وصلت تلك الأقلية إلى فرنسا حتى فرضت نفسها على المستوى الوطني تحت اسم همومونغ Hmong الذي يعني بلغة تلك الأقلية “إنسان”، كما فرضت صورة إيجابية لأبنائها كمشاركين  مثل  غيرهم من لاجئي جنوب شرق آسيا وأصبحوا نموذجاً ل”الأجنبي الجديد” القادر على التكيف والتعامل مع الآخرين.وحصل أبناء هذه الأقلية على فائدة رمزية أخرى من هذا المنفى المؤلم في واقعه الجوهري وهي أنهم أصبحوا مساوين اجتماعياً للاويين والصينيين اللاووسيين الذين لم يكونوا يكنون لهم في لاوس سوى الاحتقار[حسون، 1988]

ومن هنا فإن الهوية تشكل رهان صراعات طبقية.إذ لا تملك المجموعات كلها قوة التماثل نفسها لأن  قوة التماثل هذه ترتبط بالوضعية التي نحتلها في منظومة العلاقات التي تربط المجموعات فيما بينها.ولا تملك المجموعات السلطة كلها لتسمي نفسها وتسمي غيرها.هناك مقالة  كلاسيكية لبورديو عنوانها “الهوية والتصور” يقول فيها إن من يملك السلطة الشرعية،  أي السلطة التي تمنحها القوة هو القادر على فرض تعريفه لنفسه ولغيره.ومجمل تعريفات الهوية يعمل كمنظومة تصنيف تحدد المواقع المتتالية لكل مجموعة.والسلطة الشرعية تملك القوة الرمزية  لجعل الآخرين يعترفون بمقولاتها المتعلقة بتصور الواقع الاجتماعي وبمبادئها حول تقسيم العالم الاجتماعي على أنها مبررة، ومن هنا قدرتها على تشكيل الجماعات وتفكيكها.

وعلى هذا فإن الجماعة المهيمنة في الولايات المتحدة الأميركية المسماة  wasp (البيض الأنجلوساكسون البروتستانتيون) تقوم بتصنيف الأميركيين الآخرين في فئة “المجموعات العرقية” أو في فئة “المجموعات السلالية”.إلى الفئة الأولى ينتمي المنحدرون من مهاجرين أوربيين من غير الواسب، وإلى الثانية ينتمي الأميركان “الملونون”(سود، صينيون، يابانيون، بورتوريكيون، مكسيكيون الخ).وفقاً لهذا التعريف،  فإن “العرقيين” هم الآخرون الذين يبتعدون بشكل أو بآخر، عن مرجعية الهوية الأميركية، أما الواسب فيفلتون بعملية سحرية اجتماعية من هذا التصنيف العرقي والسلالي، إنهم خارج  أي تصنيف، أي “خارج الفئة” وبالتالي فهم فوق المصنّفين كلهم.

إذاً فالقدرة على التصنيف تؤدي إلى عرقنة ethnisation المجموعات التابعة (الأدنى بينهم) فهم يصنّفون انطلاقاً من خصائص ثقافية خارجية تعد ملازمة لهم وشبه ثابتة.وهذا ما يشكل ذريعة لتهميشهم أي لجعلهم أقليّة: إن شدة اختلافهم تمنعهم من المشاركة في قيادة المجتمع.بل هو تأكيد هوية شرعية هي هوية المجموعة المهيمنة وقد يتطور الأمر ليتحول إلى سياسة فصل عرقي للجماعات الأقليّاتيّة المحكوم عليها،  نوعاً ما،  بأن تراوح في مكانها وهو المكان الذي وضعت فيه وفقاً لتصنيفها.

وإذا ما فهمت الهوية على أنها رهان صراع فإنها تبدو قضية إشكالية.وبالتالي علينا ألا ننتظر من العلوم الاجتماعية  أن تقدم تعريفاً صحيحاً غير قابل للنقض، لهذه الهوية الثقافية أو تلك.ولا يقع على عاتق علم الاجتماع أو علم الإناسة أو التاريخ أو أي فرع معرفي آخر أن يحدد التعريف الدقيق للهوية  البروتانية[منطقة في شمال فرنسا-المترجم] أو الهوية  القبائلية على سبيل المثال.وليس من شأن العلوم الاجتماعية أن تقرر الطابع الأصيل أو غير الأصيل لهذه الهوية الثقافية أو تلك(باسم أي مبدأ من مبادئ  الأصالة تقوم بهذا الأمر؟).إن دور رجل العلم يقع في موقع آخر هو تفسير عمليات التصنيف دون الحكم عليها، ومن واجبه توضيح المنطق الاجتماعي الذي يقود الأفراد والجماعات  إلى تحديد (تصنيف، منح هوية) أو وضع جماعة في فئة معينة وتصنيفها بهذه الطريقة وليس بطريقة أخرى.

الهوية شأن من شؤون الدولة

مع نشوء الدول-الأمم الحديثة أصبحت الهوية شأناً من شؤون الدولة التي تدير قضية الهوية وتضع لها القواعد والضوابط.يقول منطق الدولة-الأمة أن تكون صارمة  شيئاً فشيئاً في موضوع الهوية لأن الدولة الحديثة تسعى إلى توحيد الهوية mono-identification  فإما أنها لا تعترف إلا بهوية ثقافية واحدة لتحديد الهوية الوطنية(مثل فرنسا) أو أنها،  بعد قبولها لنوع معين من التعددية الثقافية في كنف الأمة، تقوم بتحديد هوية مرجعية تكون الهوية الوحيدة الشرعية فعلاً مثل الولايات المتحدة الأميركية.الهوية الوطنية المتعصبة هي دولة إيديولوجية تقوم على استبعاد الاختلافات الثقافية، ويقوم منطقها المتطرف على منطق “التطهير العرقي·“.

في المجتمعات الحديثة تقوم الدولة بالتدقيق  في هوية المواطنين لدرجة أنها تقوم في بعض الأحيان بصناعة بطاقات هوية “غير قابلة للتزوير”.وتضاءلت حرية الأفراد تدريجياً في القيام بتحديد هويتهم.وبعض الدول التي تضم أعراقاً متعددة تفرض على رعاياها ذكر الهوية العرقية-الثقافية أو الدينية على بطاقة الهوية في الوقت الذي لا يعترف البعض بهذا التصنيف..حين يقوم نزاع بين مختلف مكونات الأمة يمكن لهذا الفرز(التصنيف) أن يؤدي إلى نتائج مأساوية كما حدث في النزاع اللبناني والنزاع الراوندي.

إن النزوع إلى توحيد الهوية في هوية مخصصة يشهد توسعاً كبيراً في عدد كبير من المجتمعات المعاصرة.وتحولت الهوية الجماعية إلى نزعة فردية سواء على صعيد الذات أم على صعيد الآخرين.وتكثر التعميمات المفرطة حينما يتعلق الأمر بالآخرين.فأداة التعريف التخصيصية تسمح باختزال الجماعة إلى شخصية ثقافية وحيدة غالباً ما تعرض بشكل يقلل من شأن الإنسان كقولنا :” العربي هو كذا وكذا..”و”الأفارقة هم كذا وكذا..”·

الدولة-الأمة الحديثة تبدو أكثر صرامة في مفهومها وضبطها للهوية من المجتمعات التقليدية.وعلى عكس الفكرة المسبقة،  فإن الهويات العرقية-الثقافية في تلك المجتمعات لم تكن محددة بشكل نهائي.وقد وُصفت تلك المجتمعات ب”المجتمعات ذات الهوية المرنة”[أمسيل، 1990]وهذه المجتمعات تفرد مكانة واسعة للجديد وللابتكار الاجتماعي. لأن ظاهرتي الانصهار والانقسام العرقيتين تشيع فيها ولا تقتضي بالضرورة حدوث نزاعات حادة.

لكن علينا ألا نعتقد بأن عمل الدولة لا يستجر أي رد فعل من قبل الأقليات التي أُنكرت هويتها أو تم التقليل من شأنها.وتنامي المطالبة بالهوية الذي نلاحظه في كثير من الدول المعاصرة هو نتيجة لبيروقراطية السلطة ومركزيتها.ولا يمكن لتمجيد الهوية الوطنية إلا أن يجر إلى محاولة تخريب رمزية ضد تلقين الهوية،  كما يقول بيير بورديو:

” إن الأفراد والجماعات يستثمرون كينونتهم الاجتماعية كلها في صراعات التصنيف، وكل ما يحدد الهوية التي يكونونها عن أنفسهم، وكل ما لا يمكن التفكير فيه والذي من خلاله يتشكلون ك”نحن” في مقابل “هم” و”الآخرون” ويتمسكون بهذا الذي لا يمكن التفكير فيه عن طريق التحام شبه جسدي.وهو ما يفسر القوة التعبوية الاستثنائية لكل ما يمس الهوية[1980، ص69، الحاشية 20].

لا تنطوي جهود الأقليات كلها على استعادة ملكية هوية معينة –هوية نوعية غالباً ما تمنحها الجماعة المهيمنة- بل على استعادة ملكية الوسائل التي تسمح بتحديد هوية تلك الأقليات بنفسها وفقاً لمعاييرها الخاصة بها.عندها يكون الأمر بالنسبة لهذه الأقليات هو تحويل الهوية المتعددة، التي غالباً ما تكون هوية سلبية، إلى هوية إيجابية.في المرحلة الأولى يتبدى التمرد ضد الوصم stigmatisation  من خلال قلب معنى الوصمة كما في المثال الشهير : الأسود جميل.ثم في مرحلة ثانية، تقوم جهود تلك الأقلية على فرض تعريف للهوية مستقل بقدر الإمكان(مثل السود الأميركيين حيث نرى بروز المطالبة بهوية “أفرو أميركية” أو السود المسلمون أو العبرانيون السود).

إن الإحساس بالظلم الاجتماعي  يؤدي بأعضاء مجموعة هي ضحية التمييز إلى شعور قوي بالانتماء إلى الجماعة وإلى التماهي بها.وقد أصبح التماهي بهذه الجماعة قوياً لدرجة أن تضامن الجميع أضحى ضرورياً من أجل الحصول على الاعتراف.ومع  هذا يبقى خطر الانتقال من هوية مرفوضة أو لا حظوة لها إلى هوية حصرية  كأولئك الذين ينتمون إلى الجماعة المهيمنة والتي ينبغي على كل فرد أن يتعرف على نفسه من خلالها بشكل مطلق. وإلا عومل هذا الفرد المعتبر كأحد أعضاء الأقلية معاملة الخائن.هذا السجن في هوية عرقية-ثقافية الذي يمحو في بعض الحالات كل الهويات الاجتماعية الأخرى للفرد لا يمكن إلا أن يكوّن هوية مناضلة من أجله طالما أنه يفضي إلى إنكار فرديته كما يقول جورج ديفيرو:

«حينما تقوم الهوية العرقية المستثمَرة فوقياً hyperinvestie  بطمس الهويات الأخرى للطبقة، فهي لا تعود أداة أو علبة أدوات، بل تصبح عبارة عن قميص قسري·.الواقع إن تحقيق قابلية الاختلاف الجماعية  differencialité collective من خلال الهوية أل hyperinvestie أو الهوية ال hyperactualisé يمكن أن تؤدي إلى طمس قابلية الاختلاف الفردية[…]

حينما يحقق المرء هويته العرقية الموظفة بمغالاة فهو يسعى تدريجياً إلى التقليل من شأن هويته الفردية الخاصة به بل وحتى إنكارها.ومع هذا فإن الاختلاف المتميز وظيفياً لإنسان بالنسبة إلى الآخرين كلهم هو الذي يجعل منه إنساناً  مشابهاً للآخرين بسبب تلك الدرجة العالية من الاختلاف التي يتمتع بها. وهذا ما يسمح لـه بأن يعزو لنفسه “هوية إنسانية” وبالتالي هوية شخصية
[ 1972، ص 162-163].

الهوية ذات الأبعاد المتعددة

طالما أن الهوية تنتج عن بناء اجتماعي فإنها تكتسب طابع  التعقيد الاجتماعي.وإذا أردنا اختزال الهوية الثقافية إلى تعريف بسيط”صافي” فهذا يعني أننا لا نأبه بتنوع المجموعة الاجتماعية.ليس هناك جماعة أو فرد لا يسبق له أن يكون حبيس هوية ذات بعد واحد.الهوية تتميز بطابعها المتقلب الذي يمكن أن يخضع لتأويلات واستخدامات مختلفة.

إذا شئنا اعتبار الهوية بمثابة كتلة واحدة  monolithique فهذا يمنع فهم ظواهر الهوية المختلطة الشائعة في المجتمعات كلها.و”الهوية المزدوجة” المزعومة للشباب المنحدرين من الهجرة تنشأ في الواقع من هوية مختلطة[غيرو، 1987].وعلى عكس ما تؤكد التحليلات، فإن هؤلاء الشباب لا يحملون هويتين تتواجهان فيما بينهما ؛تلك الهوية التي يشعر حاملهما بالتمزق بينهما، وهو الأمر الذي يفسر ضيق هؤلاء الشباب بموضوع الهوية  وعدم استقرارهم النفسي و/أو الاجتماعي..هذا التصور الإقصائي الواضح  يعود إلى عدم القدرة على التفكير بالاختلاط الثقافي.ويمكن تفسيره أيضاً بالخوف الوسواسي من الولاء المزدوج الذي تحركه الإيديولوجية الوطنية(القومية).الواقع إن الفرد يصنع هويته الوحيدة انطلاقاً من انتماءاته الاجتماعية(الجنس والعمر والطبقة الاجتماعية والجماعة الثقافية) من خلال  إجراء عملية تركيب ذكية.وبالتالي فهو يحصل على هوية تلفيقية وليست مزدوجة، إذا كان المقصود جمع هويتين في شخص واحد.وكما قلنا سابقاً فإن هذه “الصناعة” لا يمكن أن تتم إلا وفق إطار علاقة نوعية لحالة خاصة.

واللجوء إلى مفهوم “الهوية المزدوجة” يندرج في إطار جهود التصنيف المذكورة سابقاً.والمفهوم “السلبي” للهوية يسمح بالتقليل من شأن بعض الجماعات من الناحية الاجتماعية، لا سيما السكان المنحدرين من الهجرة.وعلى العكس، فإن  من يريد رد الاعتبار لهذه المجموعات  تراه يبني، خطأ،  خطاباً يشيد بالهوية المزدوجة باعتبارها تغني الهوية.لكن مهما كان التصور، إيجابياً أم سلبياً، ل”الهوية المزدوجة” المفترضة  فإن مصدر الهويتين ناتج عن الخطأ التحليلي نفسه.

إن اللقاءات بين الشعوب والهجرات العالمية ضاعفت ظواهر الهوية التلفيقية التي غالباً ما تتجاوز نتائجها التوقعات، لا سيما حين تكون قائمة على مفهوم خاص بالهوية.وكمثال على هذا،  نرى أنه في المغرب التقليدي لم يكن نادراً وصف أعضاء العائلات اليهودية الموجودة منذ قرون ب”اليهود العرب” وهما عبارتان قلما تبدوان اليوم متوافقتين بسبب تصاعد الاتجاهات القومية.

في سياق آخر، هو سياق البيرو الحالية، هناك بيروفيون  لا يمانعون من وصفهم بالصينيين.وهم المنحدر ون من المهاجرين الصينيين الذين وصلوا إلى البيرو في القرن التاسع عشر بعد إلغاء نظام الرق.وهم يشعرون اليوم بأنهم بيروفيون تماماً  مع المحافظة على تعلقهم بهويتهم الصينية.وهو أمر لا يدعو إلى الاستغراب في البيرو، وهو البلد الذي انتخب منذ فترة قريبة وأعاد انتخاب أحد أبناء المهاجرين اليابانيين (من الجيل الثاني) لرئاسة الجمهورية.ولم تر غالبية البيروفيين (حتى الذين لم يصوتوا لـه) في هذا الانتخاب تهديداً للهوية الوطنية.

الواقع أن الفرد يدمج في ذاته،  بشكل تركيبي،  تعددية المرجعيات الخاصة بالهوية المرتبطة بتاريخ هذا الفرد.الهوية الثقافية تحيل إلى مجموعات ثقافية  مرجعية لا تتوافق حدودها.والفرد يعي أنه يحمل هوية  ذات هندسة متغيرة تبعاً لأبعاد المجموعة التي يرجع إليها في هذه الحالة العلائقية أو تلك.فالفرد،  على سبيل المثال، يعرف نفسه تبعاً للحالة،  على أنه من (رين) أو من بروتانيا(أي أنه بروتاني غالي) أو فرنسي أو  حتى أوربي. ويمكن القول إن الهوية  تعمل على طريقة  دمية الأولاد (في مسرح العرائس) حيث تتداخل الواحدة  منها في الأخريات[ سيمون، 1979، ص 31].لكن حتى لو كانت الهوية متعددة الأبعاد فإنها لا تفقد وحدتها.

هذه الهوية ذات الأبعاد المتعددة،  لا تسبب أية مشكلة، وهي مقبولة.المشكلة بالنسبة للبعض هي “الهوية المزدوجة” التي يقع قطبا مرجعيتها على المستوى نفسه.ومع هذا فلا نرى سبباً في أن القدرة على دمج عدة مرجعيات خاصة بالهوية في هوية واحدة  يمنعها من العمل في هذه الحالة، إلا إذا قامت سلطة مهيمنة بمنعها باسم الهوية الخاصة.

حتى في حال دمج مرجعيتين  للهوية لهما المستوى نفسه في هوية واحدة فإن المستويين  نادراً ما يكونا متساويين  لأنهما يحيلان إلى مستويات تكاد لا تكون دائماً متساوية في إطار حالة معينة.

الاستراتيجيات المتعلقة بالهوية

إذا كان من الصعب حصر الهوية وتحديدها،  فهذا يعود إلى طابعها الديناميكي المتعدد الأبعاد، وهو ما يضفي المرونة عليها كما أنّ الهوية تشهد تنوعات وتخضع لإعادة صياغات وتداولات.

يلجأ بعض المؤلفين إلى استخدام مفهوم “استراتيجية الهوية” لكي يشيروا إلى البعد المتغير للهوية الذي لا يعد أبداً حلاً نهائياً .في هذا المنظور تبدو الهوية بمثابة وسيلة لبلوغ هدف معين.وبالتالي فهي ليست مطلقة بل نسبية.ويشير مفهوم الاستراتيجية إلى أن الفرد، باعتباره ممثلاً اجتماعياً، لا يفتقر إلى شيء من هامش المناورة.وتبعاً لتقديره للحالة فهو يستخدم مصادره المتعلقة بالهوية بشكل استراتيجي.وطالما أن الهوية تشكل رهاناً لصراعات” التصنيف” الاجتماعية الهادفة  إلى إعادة إنتاج أو إلى قلب علاقات السيطرة، فإن الهوية تتكون من خلال استراتيجيات الممثلين الاجتماعيين

مع هذا فإن اللجوء إلى مفهوم الاستراتيجية لا ينبغي أن يقود إلى الظن بأن الممثلين الاجتماعيين يتمتعون بحرية كاملة  في تحديد هويتهم  بما يتفق مع مصالحهم المادية والرمزية الآنية.لابد للاستراتيجيات من أن تأخذ الحالة الاجتماعية بعين الاعتبار،  وكذلك علاقة القوة القائمة بين الجماعات ومناورات الآخرين وغير ذلك.فإذا كانت الهوية، عبر مرونتها، قابلة للتجيير(أي تستخدم كوسيلة)-كما يقول ديفيرو  Devereux فهي “أداة” بل “علبة أدوات”-، فلا يمكن للجماعات والأفراد أن يفعلوا ما يحلو لهم فيما يتعلق بالهوية:لأن الهوية هي دائماً ناتج  تحديد شخصية معينة يفرضها الآخرون على المرء وعلى التحديد الذي يؤكده الإنسان بنفسه.

هناك نمط أقصى من استراتيجية تحديد الشخصية ينطوي على طمس الهوية التي يزعمها الفرد للهروب من التمييز ومن المنفى أو حتى من المذبحة .هناك حالة تاريخية فريدة تمثل هذه الاستراتيجية هي حالة  الماران.والماران  Maranes  هم يهود شبه الجزيرة الإيبيرية الذين تحولوا ظاهرياً إلى الكاثوليكية في القرن الخامس عشر للتخلص من الاضطهاد والإبعاد، لكنهم ظلوا أوفياء لعقيدة أجدادهم وحافظوا على عدد من الطقوس التقليدية بشكل سري.وبذلك استطاعت الهوية اليهودية الانتقال بشكل سري إلى كل عائلة عبر القرون من جيل إلى جيل حتى تمكنت  من الترسخ من جديد بشكل علني.

وسواء أكانت الهوية شعاراً أم سمة فيمكن تجييرها في العلاقات القائمة بين الجماعات الاجتماعية.الهوية لا توجد في حد ذاتها بمعزل عن استراتيجيات التأكيد الهوياتي للمثلين الاجتماعيين الذين هم نتاج الصراعات الاجتماعية  والسياسية وعمادها في الوقت نفسه[ بيل 1975].والتركيز على الطابع الاستراتيجي الأساسي للهوية يسمح بتجاوز القضية الزائفة المتعلقة بالصدق العلمي لتأكيدات الهوية.

إن الطابع الاستراتيجي للهوية الذي لا يقتضي بالضرورة،  كما يقول بورديو، وعياً كاملاً بالغايات التي يسعى الأفراد إليها يتميز في أنه يسمح بتوضيح ظواهر اختفاء الهويات وظهورها،  وهي ظواهر كثيراً ما تثير تعليقات قابلة للجدل لأنها غالباً ما تتميز بشيء من النزعة الذاتية.فما سمي خلال السبعينات ب”اليقظة الهندية” سواء في أمريكا الشمالية أو أمريكا الجنوبية لا يمكن عده مجرد انبعاث لهوية شهدت كسوفاً وبقيت ثابتة (بعضهم يتحدث بشكل غير مناسب، عن “حالة سبات” لوصف مثل هذه الظاهرة).الواقع أن الأمر يتعلق بإعادة خلق استراتيجي لهوية جماعية في سياق جديد تماماً هو سياق صعود حركات المطالبة التي تقوم بهاالأقليات العرقية في الولايات المتحدة اليوم..

وبشكل أعم يمكن لمفهوم الاستراتيجية  أن يفسر تنوعات الهوية وهو ما يمكن تسميته بانتقالات الهوية.وهذا المفهوم يبين نسبية ظواهر التحقق حيث تنبني الهوية وتتفكك ويعاد بناؤها تبعاً للحالات.إنها دائمة الحركة، وكل تغير اجتماعي يقودها إلى إعادة صياغة نفسها بشكل مختلف.

في دراسة مثيرة قام موران (1990) بتحليل إعادات تشكل هوية الهاييتيين المهاجرين في نيويورك.الجيل الأول الذي ينتمي إلى موجة الهجرة الكبرى الأولى(في الستينات) والمنحدرة من النخبة الخلاسية في هاييتي اختارت الاندماج في الأمة الأميركية مع محافظتها على اختلافها عن السود الأميركيين للتخلص من الإبعاد الاجتماعي  مستفيدة من كل ما من شأنه الإيحاء بشيء من البياض و”التميز”.أما موجة الهجرة الثانية ( في السبعينات) المكونة أساساً من عائلات الطبقة الوسطى (ذات اللون الأسود) فقد اختارت بعد أن صعب عليها الاندماج، استراتيجية أخرى وهي استراتيجية تأكيد الهوية الهاييتية من أجل تجنب الاختلاط بالأمريكيين السود؛لذلك لجأت  إلى التكلم المنتظم باللغة الفرنسية أمام الملأ، وبذلت جهداً لاكتساب الاعتراف بها كمجموعة عرقية نوعية.أما الشباب الهاييتيين،  لاسيما أبناء  الجيل الثاني الذين أحسوا بموجة  التقليل الاجتماعي من قيمة هويتهم الهاييتية التي اشتدت حدتها في الولايات المتحدة  خلال  التسعينات بسبب مأساة  boat people  القوارب الهاييتية التي جنحت عند شواطئ فلوريدا،  وبسبب تصنيف طائفتهم على أنها ” مجموعة خطيرة” تسبب انتشار الإيدز فقد كبتوا هذه الهوية  وطالبوا بهوية عبر وطنية كاريبية،  منتهزين فرصة كون نيويورك قد أصبحت أول مدينة كاريبية في العالم بسبب هجرة الكاريبيين إليها.

(حدود) الهوية

المثال السابق يبين بوضوح  أن اكتساب الهوية هو اختلاف في الوقت نفسه.يرى بارث(1969)  أن الأهم في عملية اكتساب الهوية هو إرادة وضع حد بين “هم”و”نحن” وبالتالي إقامة ما يسميه ب”الحد” والحفاظ عليه.وبشكل أدق، فإن الحد الموضوع ينجم عن اتفاق بين  ذلك الحد  الذي تزعم الجماعة بأنها وضعته لنفسها وبين الحد الذي يريد الآخرون وضعه لها.طبعاً الحد المقصود هنا هو الحد الاجتماعي الرمزي.ويمكن أن يكون لهذا الحد، في بعض الحالات، ما يقابله من الأرض.لكن ليس هذا هو المهم.

إن ما يفصل بين مجموعتين عرقيتين-ثقافيتين ليس الاختلاف الثقافي  كما يتصور الثقافويون خطأ.إذ يمكن للجماعة أن تعمل تماماً وفي كنفها شيء من التعددية الثقافية.ويعود السبب في هذا الفصل، أي وضع ” الحد”،  إلى إرادة الجماعة في التميز واستخدامها لبعض السمات الثقافية كمحددات لهويتها النوعية.ومن شأن الجماعات القريبة من بعضها ثقافياً أن تعدّ نفسها غريبة تماماً عن بعضها بعض بل ومتعادية حينما تختلف حول عنصر منعزل في المجموعة الثقافية.

إن تحليل بارث يتيح التخلص من الخلط الشائع بين “الثقافة” و”الهوية”.والتطبع بطابع ثقافة معينة لا يقتضي امتلاك هوية خاصة بشكل آلي.الهوية العرقية-الثقافية تستخدم الثقافة لكنها نادراَ ما تستخدم الثقافة كلها.ويمكن للثقافة نفسها أن تجيّر بشكل مختلف، أي متعارض في الاستراتيجيات المختلفة لاكتساب الهوية.

على عكس قناعة واسعة الانتشار،  فإن العلاقات التي تدوم فترة طويلة بين المجموعات العرقية لا تؤدي بالضرورة إلى الإلغاء المتدرج للاختلافات الثقافية.بل غالباً ما تنتظم  هذه العلاقات بشكل تحافظ معه على الاختلاف الثقافي.بل أحياناً تزيد هذا الاختلاف عن طريق لعبة الدفاع( الرمزي) عن حدود الهوية.لكن هذا لا يعني أن “الحدود” لا تتبدل.يعتبر بارث  أن الحد يشكل فرزاً اجتماعياً يمكن تجديده باستمرار من خلال التبادلات.وكل تغير يصيب الحالة الاقتصادية أو السياسية من شأنه التسبب في انزياحات الحدود.ودراسة هذه الانزياحات ضرورية إذا رمنا تفسير تنوعات الهوية.وبالتالي فإن تحليل الهوية لا يمكن أن يكتفي بمقاربة تزامنية،  بل عليه أيضاً  أن يخضع لمقاربة تطورية.

وبالتالي ليس هناك هوية ثقافية بذاتها لها تعريف ثابت.وينبغي على التحليل العلمي أن يكف عن زعمه في إيجاد تعريف صحيح للهويات الخاصة التي يقوم بدراستها.المسألة ليست معرفة من هم “الكورسيكيون “بالفعل” على سبيل المثال، بل هي معرفة دلالة اللجوء إلى اكتساب الهوية “الكورسيكية”.وإذا اتفقنا على أن الهوية هي بناء اجتماعي فإن السؤال الملائم الوحيد الذي يجب طرحه هو :”كيف ولماذا وبواسطة من، وفي وقت ما وفي سياق معين حصلت،  واحتفظ بها،  أو أصبحت عرضة للنقاش والجدل،  إحدى الهويات الخاصة.


  • · دولة الكيان الصهيوني في فلسطين أكبر مثال على هذا(المترجم)
  • · المقارنة غير صحيحة(المترجم)
  • · القميص الذي يلبسونه للمجانين حين اقتيادهم إلى المشفى[م]

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий