Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الثَّقَافَةُ العلميّةُ والقِيَمُ الإنسَانيةُ: مُفارقَاتُ النَّسَقِ العلميِّ-التِّقنيّ د. يوسف تيبس

الثَّقَافَةُ العلميّةُ والقِيَمُ الإنسَانيةُ: مُفارقَاتُ النَّسَقِ العلميِّ-التِّقنيّ د. يوسف تيبس

العلم وحده قادر على حل مشكلات الجوع والفقر والجهل،

والخرافات والعادات والتقاليد البالية، والثروات الآيلة إلى النضوب،

والبلدان الغنية التي تتضور شعوبها جوعاً

وهل هناك من يجرؤ على تجاهل العلم؟

فنحن نلتمس العون منه في كل أمر

ولا وجود في المستقبل إلا للعلم، ولكل من يناصر العلم“.

جواهر لال نهرو

يمثل هذا القول شعاراً لأنصار النزعة العلمانية التي تستقي مبدأها الأول من دعوة رينيه ديكارت (René Descartes) إلى السيطرة وتسخير الطبيعة بواسطة العلم والتقنية.  لقد كانت هذه الرغبة الإنسانية في التحكم وتسخير الطبيعة لصالحه مرتبطة منذ القدم بشعوره بالضعف أمام قواها، وأحياناً جبروتها.  بيد أن سبل تحقيق هذه الرغبة قد تنوعت وفق مستوى التقدم المعرفي والعلمي عبر تاريخ البشرية، فقد كانت في البداية عبر الأسطورة، إذ كان اليونان -مثلاً- يتصورون الآلهة في صورة البشر، تنفعل وتغضب وترحم وتظلم، ومن ثم وجب العلم بها، لذا كان لا بد من وجود الكهنة كوسائط بين الإنسان والآلهة، للتعبير عن رغباتهم ونزواتهم وحكمهم.  باختصار، لقد كانت الآلهة تتدخل لتغيير القوانين الطبيعية.  ثم تحولت الأسطورة إلى خرافة كنتيجة طبيعية لأن الخرافة ممارسة عملية لما كان يحكى شفهياً؛ والغرض الأول لها هو نفسه؛ أي تسخير قوى الطبيعة واتقاء شرها عن طريق السحر والشعوذة.  وعندما بلغت المعرفة العلمية ذروة التقدم وتميزت عن غيرها من المعارف غير العلمية، اعتقد الإنسان بالقدرة الخارقة لهذا النمط المعرفي الذي أثبت فعاليته ونجاعته في مجالات الصناعة والطب وغيرها من المجالات الإنسانية.

وعلى هذا الأساس التطوري، حاول العديد من الإبستمولوجيين والفلاسفة، وضع تحقيب لتطور المعرفة العلمية، فحددوا المراحل ما قبل العلمية والمرحلة العلمية بناء على معايير أو خصائص محددة [أوغست كونت (Auguste Comte)؛ غاستون باشلار (Gaston Bashlard)؛ ميشيل سير (M.Serres)؛ ليون برانشفيك (Léon Brunschvicg)].

وقد يترجم هذا التقديس للعلم ظهور العديد من الحركات والجمعيات الجهوية والدولية،1 التي تدعو إلى نشر الثقافة العلمية وجعلها الدين الجديد للإنسان المعاصر.  والواقع أن هذا التفضيل المبالغ فيه للمعرفة العلمية على باقي الأجناس الأخرى هو نتاج لمعاينة الإنسان للعديد من الإنجازات التي حققها كل من العلم والتكنولوجيا.  لكن إذا كان البعد الإيجابي للمعرفة العلمية لا غبار عليه، فإن الآثار السلبية والوخيمة، وأحياناً الكارثية، لها كذلك لا تحتاج إلى تبيين؛ فما الذي يجعل أنصار النزعة العلمية لا يقدرون هذه الآثار كذلك؟ وما هي خلفية هذا التفضيل؟ يبدو أن أول مفارقة تفرزها ظاهرة الثقافة العلمية هي نتائجها المتناقضة.  فكيف يمكن فهم هذه المفارقة؟ وهل من الممكن تجنبها أو حلها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يتأتى لنا إلا بتجديد معنى، بل ومفهوم المعرفة العلمية، وبالتالي الثقافة العلمية التي تشمل التكنولوجيا وكل أنماط التفكير المجاورة لها.

1. تحديدات أولية

يعرّف أندريه لالاند (André Lalande) العلم قائلاً: “مجموعة من المعارف والبحوث تتمتع بدرجة كافية من الوحدة، والعمومية، وهي قابلة لدفع الناس المهتمين بها إلى نتائج متسقة، التي لا تنتج لا عن الاتفاقات الاعتباطية ولا عن الأذواق أو المصالح الفردية المشتركة بينهم، بل عن العلاقات الموضوعية التي نكتشفها تدريجيا، والتي نؤكدها بمناهج التحقق المحددة”.2

يمكن أن نستخلص من هذا التعريف أن العلم معرفة ذات منهج خاص (الاستنباط أو الاستقراء)، ولأنها تتصف بالدقة والصورية والتحقق والتجريد والصرامة والاتساق والعمومية، فهي معرفة عقلانية؛ أي نتاج للتفكير العقلي الخالص القائم على مبادئ المنطق الرياضي.  وهذه السمات هي التي تغاير المعرفة العلمية عن باقي أنماط المعرفة؛ مثل الأدب، والأسطورة، والدين، وغيرها.  وعموماً، يمكن أن نعتبر العلم إما مجموعة معارف علمية وإما نشاط بحث وإما منهجاً لاكتساب المعرفة، وفي كل هذه الحالات يمثل نشاطاً فكرياً إنسانياً لا ينفك عن الحياة الشخصية أو الاجتماعية للفرد العالم وغير العالم.

لكن إذا كان مبدأ عدم التناقض هو قوام المنطقيات -وبخاصة المنطق الأرسطي- التي تنبني وفقاً لها الأنساق العلمية، فإن العديد من النظريات العلمية الحديثة والمعاصرة، قد خرقت هذا المبدأ كما هو حال النظريات الفيزيائية الثلاث، التي تفسر طبيعة الضوء (النظرية الجسيمية، والنظرية التموجية، ونظرية الكوانتم/الكم)، والتي تعتبر متناقضة وفي الوقت نفسه صحيحة.  نضيف إلى ذلك مفارقات نظرية المجموعات، ومفارقات اللانهاية، وتناقض الهندسات الإقليدية واللاإقليدية؛3 وكذا ما أقره كورت جودل من خلال مبرهنتي عدم الاتساق وعدم التأكد من أنه يستحيل البرهنة على اتساق نسق معين، وأن عدم التأكد هو من طبيعة الأشياء، وهو جزء من هذا الواقع، ولا يمكن تخطي ذلك.

لقد خففت هذه المشاكل التي اعترضت أو انتابت المعرفة العلمية من درجة التقديس والشرف التي كان يتمتع بها العلم،4 فتقلصت بذلك الهوة السحيقة بين الثقافة العلمية الخاصة والثقافة العامية، أو على الأقل غير العلمية؛ وهو التمييز الذي أفرز الحديث عن عقل علمي، وبالتالي عقلانية علمية.5 فكان نتيجة ذلك تهميش وإقصاء، بل أحياناً احتقار الأفراد والمجتمعات غير العلمية، فانتقلت بذلك التراتبية والهرمية العلمية من المستوى العقلي المجرد إلى المستوى الثقافي العام.  فقد أدى التصور الديكارتي للعقلانية، حسب ميشيل فوكو (Michel Foucault)، إلى إقصاء اللاعقلانية.  فارتبط نمط العيش بالعقلانية والإقصاء والتهميش لمعارضيه.

لكن، إذا سلمنا بوجود فعلَيْ التأثير والتأثر بين المعرفة العلمية والثقافة العامية، وجب التساؤل عن كيفية حدوثه وحدوده وآلياته: فإلى أي حد يمكن للمعرفة العلمية أن تتحول إلى ثقافة عامة جماهيرية متداولة؟ وما هي الآثار المترتبة عن شيوع المعرفة العلمية بين أوساط الأشخاص غير المتخصصين؟ بمعنى آخر، ما هي الآثار الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تنتج عن انتشار المعرفة العلمية؟ هل يحدث تداول المعارف العلمية تنميطاً أم تشويشاً وخلخلة في الثقافة المجتمعية؟

يرى هواتهيد أن “وظيفة العقل هي تحديد فن الحياة”،6 وإذا كان العقل هو مصدر المعرفة العلمية بامتياز، وكان فن الحياة هو نمط العيش وأسلوبه، فمعنى ذلك أن المعرفة أو الثقافة العلمية هي التي تشكل نمط المجتمع والفرد ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وقيمياً وجمالياً.  إذن، ماذا تعني الثقافة العلمية؟ هل تعني تلقي واكتساب المعارف العلمية أم تعني الأبعاد السلوكية؛ سواء النفسية أو الاجتماعية أو العقلية الناجمة عن تمثل التفكير العلمي؟ أم تعني النقد الفلسفي للعلم؟

يقول إرنست رينان (Ernest-Renan): «إن تنظيم الإنسانية بشكل علمي هو القصد النهائي للعلم المعاصر، إنه إدعاؤه الجريء والمشروع… إن العلم وحده قادر أن يمنح الإنسان حقائق حيوية دونها لن تكون الحياة مقبولة، ولا المجتمع ممكنا!”.7

يبدو أن رينان يعتقد أن بإمكان العلم معرفة كل شيء وحتى تحديد القيم الإنسانية.  بيد أنه إذا كان من المحتمل قبول الزعم بمعرفة العلم كل شيء، فإنه في المقابل من الصعب التسليم بإمكان وضع العلم للقيم الإنسانية، نظراً لتناقض طبيعتهما.  وحتى نتبيَّن الأمر، وجب تحليل علاقات التأثير المتبادل بينهما.

لقد كان العلم قبل القرن العشرين نتاجاً للصدفة والإبداع الفردي والترف،8 فأصبح اليوم مشروعاً سياسياً ومجتمعياً، بل وأحياناً حضاري، وبالتالي تتبناه المؤسسات السياسية أو الاقتصادية.  إنه باختصار فعل إرادي موجه.  ومن ثم لم يعد أداة لحل المشاكل وإسعاد الإنسان، بل منبع للمشاكل وسبيل لإبداع كائنات صناعية من أجل الاقتصاد والأسلحة والتنمية، ما يجعل العلم عامل قوة اقتصادية وسياسية وثقافية … في العصر الحاضر.9 وبذلك أضحى العلم مشروعاً سياسياً، بحيث أن كل نظام يخلق مؤسساته العلمية (الأكاديميات، المعاهد العلمية، مراكز البحث العلمي، المدارس التعليمية).  يقوم العلم على فكرة النظام والترتيب والمنهج والبساطة والوضوح التي حددها ديكارت كشروط وقواعد لقيادة العقل، وهي أهم الأشياء الغائبة عن الثقافة السائدة المكونة من الأحكام المسبقة والبداهات.  فالعلم يعتمد المفاهيم المجردة والبرهنة، في حين يعتمد العامة على الحس والحدس والصورة والتمثيل.  وهكذا تتصف المعرفة العلمية باليقين والتحقق، وبالتالي فوظيفتها هي الوصف والتفسير والتنبؤ عكس المعرفة العامية التي تنبني على الظن والتخمين والذاتية والأهواء.  ومن ثم، اكتسبت المعرفة العلمية أهمية وسلطة على الناس والأشياء، وسيلتها في ذلك الإقناع والتكنولوجيا.  فالبرهنة هي وسيلة خلق الإجماع والتكنولوجيا وسيلة خلق الإمتاع؛ ومعلوم أن الاقتناع لدى الناس يتحول إلى سلوك لأنه لا فائدة من الفكرة في الذهن إذا لم تتحول إلى مبدأ للسلوك.  وهو ما يخلق التناظر بين الزوجين: علم-تكنولوجيا، والزوج: نظر-عمل.  وحيث أن العلم معرفة نظرية، والتكنولوجيا فعل تطبيقي، فإن العلم يمارس سلطته على الطبيعة والناس من خلال التقنية.  ولعل العلاقة المباشرة بين عامة الناس والتكنولوجيا هي التي دفعتهم إلى الخلط بين العلم والتكنولوجيا والمكافئة بينهما، إذ يقدس العلم من قبل العامة باعتباره فعالية، وليس معرفة نظرية أو أسساً ومبادئ.  وهو ما يفسر التناقض الصارخ بين تطور الجسد ونكوص العقل في المجتمع العربي، إن الأمر يتعلق دائماً بمفهوم النجاح والفعالية في التكنولوجيا وغموض أولويات العلم.

حاصل القول أن العلم دينامية تتفاعل مع مكونات الحياة الاجتماعية؛ سواء الثقافية أم السياسية أم الاقتصادية، وبذلك يمكن أن نربط بين اختراع العلم لوسائل منع الحمل وتقنيات التدبير المنزلي وبين تحرير المرأة؛ وبين صناعة الأسلحة والآلات وظاهرة الاستعمار؛ وبين صناعة الآلات وتحرير الإنسان من العبودية.  وكما كان ينظر إلى المجنون والعجوز المصاب بالخبل أن به مساً من الشيطان فيحكم عليه بالنفي أو الإحراق، ويخضع لأقصى أنواع التعذيب،10 فقد كان ينظر إلى كل الأمراض الغريبة والخطيرة كسخط أو عقاب إلهي، لكن مع ظهور علم النفس والطب النفسي تغير منظور الناس للسلوك الإنساني المرضي، كما غير علم الاجتماع نظرة الأفراد للظواهر الاجتماعية، فاكتسح بذلك العلم منطقة الجهل.  أضف إلى ذلك تغيير المعرفة العلمية والتفسير العلمي لكثير من التصورات الخاطئة لدى الفرد مثل دوران الأرض ودائريتها، كما كان الناس يتحدثون عن موت طبيعي، فأصبح الكثير منهم يسمي سبب الموت هل هو سكتة قلبية أم ذبحة صدرية أم جلطة في الدماغ… باختصار، فقد حول انتشار العلم والتكنولوجيا العالَم إلى مجتمع إنساني عالِم.

2. نشر الثقافة العلمية وتداولها

عرفت مقولة “العلم للجميع” حضوراً مميزاً في المجتمعات الغربية وأصبحت شعاراً قومياً ومهماً وأولوية بارزة في مخططات الدول المتقدمة، وهو الأمر الذي يعبر عنه جواو كاراسا (João Caraça) قائلاً: “إن ضرورة نشر النتائج والوقائع العلمية الأخرى، وإخبار الجمهور بالآراء والتساؤلات العلمية، والحاجة إلى تقييم آثار المشاريع التكنولوجية الكبرى، وبخاصة الحاجة لتحليل التقدم العلمي من حيث نتائجه المستقبلية، أمور ضرورية وملحة وجادة.  فالرأي العام والقطاعات المتخصصة والفاعلون والاقتصاديون والسياسيون … لا يمكن أن يكونوا غرباء ولا متجاهلين لأسئلة العلم الكبرى، من أجل العلم، والمتعلقة بالعلم.  إن توسيع الثقافة العلمية وتعميقها هو مهمة أولية في كل المجتمعات التي ترغب في التمكن من الاستمرار في التقدم”.11 لقد فرض الاختلاف الوحشي بين المعرفة العلمية والمستوى المعرفي للجمهور ضرورة التواصل بين الفئتين، وبالتالي البحث عن واسطة بين هذين المستويين المعرفيين.  لقد انتبهت إلى هذه المسألة الدول المتقدمة فأفردت لذلك برامج ومؤسسات وقنوات إذاعية وتلفزية ومجلات علمية لنقل المعرفة العلمية وتبسيطها،12 علماً منها بأهمية نشر الثقافة العلمية ودورها في بناء الفرد والمجتمع، على الصعيدين الفكري والثقافي، وتهيئه لتقبل المخططات السياسية والاقتصادية وأحياناً الأيديولوجية لأنظمتها.  من هنا نتساءل عن مهمة العلم والعلماء، إذ “نجد أن هناك فرقاً كبيراً بين أسلوب كل من الكاهن والسياسي والعالم.  فالكاهن يقنع أمثاله من البسطاء بأن يتحملوا عبئهم الثقيل، والسياسي يحضهم على التمرد ضد هذا العبء، وأما العالم فيفكر بطريقة تخلصهم منه كلية“.13

وسواء حسنت نية العالم أم ساءت، فإن دوره في المجتمع لا يخرج إما عن التعالي والعزلة، وإما عن التبسيط والنشر؛ أي تعليم وتثقيف الجمهور.  لكن من يمكنه أن ينشر الثقافة العلمية: العالِم أم الفيلسوف؟ وفي ماذا تنحصر عملية النشر هل في إشاعة المعلومات أم تبيان أبعاد العلم ونتائجه في مجالها الثقافي والاجتماعي والأخلاقي والجمالي أي الإنساني؟ لقد حاول العديد من العلماء والفلاسفة القيام بتبسيط المعرفة العلمية ونقلها إلى الجمهور، كما أسسوا جمعيات ومنتديات؛ إما تدافع عن العلم وإما تحذر من ويلاته كما فعل مثلا ألبير آينشتاين (Albert Einstein) وأوبنهايمر وبرتراند راسل  بعد استعمال الولايات المتحدة لنظرية النسبية في ابتكار القنبلة الذرية.  ومن أجل توعية الناس بخطورة العلم تأسست لجنة الفحص العلمي للادعاءات الخارقة (ادعاءات المشعوذين قدرات خارقة)؛ وجمعية الشكاك التي تنتقد العلم الزائف؛ ولجنة أخلاقية العلم.  بيد أن هذا الفعل قد يتوافق مع أيديولوجية سياسة معينة فيتحول إلى جهاز للدفاع عن مصالحها فيفقد موضوعيته وأمانته العلمية، وبخاصة أن العامة تتصف بالسذاجة وغياب الحس النقدي، ما يجعل أحكامها وتقديرها للأمور قائماً على الذاتية والانفعالية، وقد يكفي أفراد مجتمع معين أن يُعلن عن إنشاء أكبر مصنع أو مطار أو أستوديو أو أي شيء يتعلق بالتقنية ليثير هذا الحدث انفعالهم وحماستهم فيغفلون الأبعاد الخفية الكامنة وراء مثل هذه الإنجازات.

إن العلم فهم وتفسير، ما يجعله فكراً وعقلاً، وطالما هناك تطابق بين الفكر واللغة، فلابد من تبليغ الفكر العلمي إما باللغة العلمية ضمن الجماعة العلمية، أو باللغة العادية التي تستلزم تبسيطا وابتذالا بهدف تداول اجتماعي للمفاهيم والاكتشافات العلمية.  قد يدخل هذا الأمر في إطار الحق في المعلومة (الديمقراطية والمواطنة أو نشر المعرفة)؛ في الوقت الذي كان العلم يتوارث قديما بين أفراد مجموعات منغلقة (سرّانية) داخل المدارس أو الأكاديميات أو الأديرة أو الزوايا الدينية. كيف إذن للعلم أن يتحول إلى ثقافة عامية سائدة تتجلى في السلوكات واللغة ونمط التفكير والمعتقدات … والجسد رغم غياب كل وسائل نشر الثقافة العلمية من قبيل ضعف المجلات المتخصصة؛ وقلة المواد المتعلقة بفلسفة العلوم والابستملوجيا في الكليات؟

يشارك الفيلسوف في عملية التقريب التداولي قصد إفهام الفئة غير المتخصصة مضمون الصيغ والقوانين والمفاهيم العلمية.  ومن بينهم نجد رينيه ديكارت (القليل من لا يعرف الكوجيطو الديكارتي)، وجاليليو جاليلي (Galileo) (الكل يعرف دوران الأرض).  والموسوعيون الذين نشروا الأنوار، إذ بسطوا العلوم بمختلف أنواعها للناس، فلم يرغبوا في إظهار كثرة معارفهم، بل دفعوا الناس إلى التفكير كما يقول ألمبيرت.  لكن كيف ننتقل من اللغة الرمزية المتخصصة إلى اللغة الطبيعية المتداولة؟ هل يتم ذلك عن طريق الصورة أم التمثيل؟ وعلى الرغم من أن الأمر صعب إلى حد كبير، فإنه ليس مستحيلاً إذ يكفي أحياناً أن نخبر أو نبلغ الآخرين بالنتيجة وليس بالمضمون ودون وصف دقيق، وقد قام بهذا الفعل العلماء مثل برتراند راسل (Bertrand Russell) وهانز رايشنباخ وميرلوبونتي،14 والعلماء الفلاسفة مثل ألبير آينشتاين (Albert Einstein) وكارل بوبر، وتوماس كوهن (Thomas kuhn) وإيمري لاكاتوش.

وإذا كانت اللغة تلعب دوراً أساسياً في نشر المعرفة العلمية، إلا أنها ليست العامل الوحيد، فقد بينت بعض الدراسات أن التاريخ العلمي قد أجحف بحق بعض النظريات العلمية على الرغم من أهميتها، ما يعني تدخل عوامل أخرى في تقبل كل إبداع علمي، ومن هذه العوامل المكانة الاجتماعية؛ فالمكانة الاجتماعية تلعب دوراً في انتشار الأفكار وأخذها مأخذ الجد من لدن الجماعة الفكرية؛ يقول ستيفن شابن (Steven Shapin): “إن توزيع الثقة يملك الامتداد نفسه الذي للجماعة، وحدوده هي حدود الجماعة”.15 وهو ما يعني أن الانتماء للجماعة؛ سواء أكان عرقياً أم ثقافياً أم دينياً أم سياسياً كالانتماء لحزب أو نسب قد يكون عاملاً حاسماً في المصادقة أو رفض الأفكار العلمية.

ومهما يكن من نبل وراء فعل نشر المعرفة العلمية، فقد نتج عن ذلك استغلال للظاهرة من طرف الساسة ورجال الأعمال والإعلام.  يقول توماس.ف.جييرين (Thomas F. Gyring): “أصبحت الندوة الصحافية جزءاً من العلم، بحيث أصبح الصحافيون مسجلين كحلفاء حيويين في القيام بالاكتشاف العلمي”؛16 وهو ما يستلزم البحث في الاقتضاءات التداولية لانتشار أسلوب العلم والنظر والمعالجة والفهم للأدوات الإعلامية التي يستغلها العلماء (تهافت وسائل الإعلام على نشر نتائج البحث العلمي).

3. الوصل بين الثقافة العلمية

وغير العلمية

يتحدث سنو (C.P.Snow) عن التضاد بين نوعين من الثقافة في العصر الحديث: ثقافة العلم وثقافة الأدب في مقاله الذي حول إلى كتاب: “الثقافتان“.17 فالمجتمع ينحو إلى تقديس التخصص العلمي لدى التلاميذ والطلاب إلى حد أنه لم يعد الآباء يعيرون أي اهتمام لرغبات أبنائهم أو ميولهم، فيطالبونهم كما يطالبون المدارس والمعاهد بتخريج أبنائهم علميين.  أضف إلى هذا أن تقدير الأشخاص أضحى بحسب تخصصهم، فشاع مثلاً في المجتمعات العربية أن أصحاب التخصصات الأدبية أقل ذكاء وفطنة من أصحاب التخصصات العلمية؛ وأن لا فائدة تُذكر مما يكتسبون من معارف، بل إن التوجيه التربوي يتم انطلاقاً من مقدار علامات التحصيل.  والواضح أن هذه النظرة النفعية ناتجة عن التصور الإنتاجي في الاقتصاد الذي يقيم الأمور بمدى مردوديتها الفعلية والعملية.

لقد اعتبر سنو أن المجتمعات الغربية ونظامها التعليمي وحياتها الفكرية تعاني من شرخ بين ثقافتي الآداب والعلوم الإنسانية من جهة، والعلوم الطبيعة من جهة أخرى، وأكد سنو أن هذه الظاهرة تمثل خطراً كبيراً يهدد رفاهية المجتمع الغربي.  ومن ملاحظات سنو في أطروحته هذه أن بين المفكرين في مجالات العلوم الإنسانية وبين علماء الطبيعة شكوكاً عميقة متبادلة وسوء فهم، ما يؤدي إلى نتائج وخيمة على مستقبل تطبيق التكنولوجيا.

وفكرة التمييز والفصل بين العلوم ليست جديدة، فقد قسم ابن رشد الناس إلى ثلاث فئات:18 الخاصة، وأهل الجدل، والجمهور، وهو تصنيف بحسب قدرة الاستيعاب والفهم لديهم.  وخوفاً من سوء الفهم والتشويش على أذهان العامة رفض أن يطلعوا على ما توصل إليه الخاصة؛ أي الفلاسفة والعلماء من نتائج؛ كما حمل مسؤولية ما يقع للناس من خلط وسوء فهم لأهل الجدل؛ أي المتكلمين.  بعبارة أوضح، كان القدماء يؤمنون بأن الثقافة العلمية يجب أن تبقى حكراً على أهلها.  وما على العامة أو الناس سوى الاستفادة من نتائجها التطبيقية كالطب والهندسة والحيل والحساب وغيره؛ وهو الأمر الذي لا يزال معمولاً به إلى حد الآن، إذ يدخل العمل العلمي في إطار الأسرار والألغاز بالنسبة إلى المجتمع في حين بمقدور أيٍّ كان، مهما تدنى مستواه الدراسي أن يشغل أعقد المنتجات التكنولوجية.

هناك تناقض آخر بين الثقافة العلمية والثقافة العامية: الأولى تدعي الموضوعية والحياد، وبالتالي التعالي من أجل تحقيق الكونية، والثانية تتناقض مع اختلاف الثقافات وتعددها.  وهو ما يبين الشرخ والانفصام بين العلوم الدقيقة والعامية: أو لنقل بين الثقافة العالمة والعامية، فما فائدة العلم إذن إذا لم يكن له امتداد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟ يبدو أن هذا السؤال ينطوي على معضلة أو مفارقة مفادها أن طبيعة كل من العلم من جهة والعلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية (العلوم الإنسانية) من جهة أخرى متناقضة؛ والأمر الثاني أن نشر الفكر العلمي بين الناس يستلزم تعلم الناس، بحيث يبلغون درجته أو تبسيطه، ليصبح في متناولهم.  وهو الأمر الذي يعني بكل بساطة أن العلم عقل أو فكر علمي يتميز عن غيره بأوصاف وخصائص محددة، أهمها الصرامة والدقة والمنطقية والبساطة والبرهنة والنظام.  لذا، نقترح أن تكون الفلسفة هي الوسيلة للوصل بينهما من خلال فلسفة العلوم أو الإبستمولوجيا، باعتبارها دراسة لطبيعة المعرفة وامتدادها وتعليلها، أو لنقل إنها الدراسة النقدية لمواضيع العلوم ومناهجها وأسسها؛ كيف ذلك؟ بماذا يمكن أن تنفع الفلسفة العلوم؟ وبماذا يمكن أن ينفع تدريس فلسفة العلوم المواطن؟ وبماذا يمكن أن تنفع الثقافة العلمية الإنسان عموماً والعربي خصوصاً؟

يقول باسكال: “إن الاستهزاء من الفلسفة هو في الحقيقة تفلسف”؛ وهو نفس ما قال به أرسطو (Aristotélēs) وفريدريك إنجلز (Frederich Engels) عندما اعتبرا رفض الفلسفة وعدم الاعتراف بأهميتها هو أسوأ فلسفة.  لا يمكن الحديث عن العلم إلا بالفلسفة حتى عندما نفضل عليها العلم فإننا نتفلسف.  لن ندخل هنا في مناقشة هذه الدعوى، فالأدبيات الفلسفية تكفينا هذا العناء؛ فنحن سنسلم بعلاقتها المتينة والجوهرية بالعلم وكذا بضرورتها له.  فإذا كانت الفلسفة نظرية نقدية للقيم (العدالة، الخير والشر … ذات الطابع المعياري) وتهتم بالحرية وبالغايات وبالمعقول (ما الذي يجب أن نفعله ككائنات تمتلك العقل؛ أي كإنسان؟)، فإن العلم يفسر كيفية حدوث الظواهر (طابع تقريري)؛ فيهتم بعلاقة العلل بالمعلولات وبالحتمية، وبالتالي بما هو عقلاني في المعرفة؛ أي الجانب المفهوم من الواقع.  وهو ما يبين اختلافهما كمجالين معرفيين من حيث الموضوع، وأحياناً من حيث المنهج، لكنهما مترابطان من حيث أن الفلسفة تبدأ عند انتهاء العلم والعكس صحيح، لأنها بحث في مبادئ العلم وأسسه وغايته.  وهكذا لما كانت الفلسفة لا يمكنها أن تعيش دون استشكال، ولما كان العلم يكتسح مجالات التساؤلات الفلسفية، وبالتالي يقلص مجالها المعرفي، ولما كانت المعرفة مجزأة بحسب أنماط الأسئلة التي تضعها، فقد كان من اللازم أن تجد الفلسفة المعاصرة في العلم والتقنية موضوعاً مناسباً للتأمل.  غير أن ربط الفلسفة بإشكال المعرفة العلمية والتقنية لا يعني أن هذه الأخيرة لم تظهر إلا في هذا العصر، بل يعني أن بعدها الإنساني لم يصبح جلياً من خلال آثاره، وبخاصة السلبية منها، إلا في الآونة الأخيرة من هذا القرن.

لكن هل يمكن قياس مستوى الثقافة العلمية؟ وبالتالي هل يوجد معايير لقياس الثقافة العلمية وانتشارها في مجتمع ما؟ هل هو مدى انتشار المعارف والمعلومات؟ أم مدى شيوع التفكير المنطقي بين الناس؟ أم مقدار الابتكارات والاختراعات المتوفرة؟ من البين أن المعيار الأول يقتضي تصوراً تراكمياً للمعرفة؛ ومن ثم، فإن الذي يعرف أكثر هو الأعلم؛ وهو التصور السائد في المجتمعات المتخلفة التي تفتخر بمن يحفظ الدواوين والقواعد والمتون؛ لكن هذا قد يكون شأنه كحمار يحمل أسفاراً.  أما المعيار الثاني، فينبني على اعتبار العلم منهجاً كلياً في التفكير والعيش، أي أسلوباً في الحياة بكل أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.  وأخيراً يقوم المعيار الثالث على فكرة الوفرة التي قد تكون ناتجة عن إمكانيات الاقتناء والاستعمال دون الإبداع، وهو الأمر المتوفر للعديد من البلدان الغنية التي تستهلك دون أن تنتج العلم والتكنولوجيا، ما يعني أن التناقض غير جلي بين التخلف والعلم والتكنولوجيا، إذ يمكن للعلم أن يحضر كأثاث وزينة (إنشاء أكبر الجامعات ومعاهد البحث العلمي مثلاً)، وتحضر التكنولوجيا كترف، لكن تصورهما لا يختلف عن تصور السحر والشعوذة؛ لأنهما مرتبطان بالاستغراب والدهشة والانبهار.19

4. العلم والتكنولوجيا

ارتبط العلم دائماً بالتكنولوجيا باعتبارها مجموعة من الإجراءات العملية القصدية والواعية والقابلة لإعادة الإنتاج والنقل، أساسها مبدأ: “أن كل ما هو ممكن وجب صنعه”، وكذا “تكميل ما ينقص الطبيعة”، ثم “العمل على رفاهية الإنسان”.  لدا، تولي المجتمعات المعاصرة أهمية للعلم وثقة كبرى في المعرفة العلمية وفي النجاح العلمي، ما يخلق مجتمعاً وضعانياً يعتقد أن العلم قادر على معرفة كل شيء، وأن التكنولوجيا يمكن أن تفعل كل شيء من أجل تحقيق سعادة الإنسان.  (هذه كانت في السابق غاية الفلسفة).  لكن التقنية، وإن كانت تقتصد في الجهد وتزيد في راحة الفرد فإن ذلك ليس كافياً لتحقيق سعادة الإنسان.  فكيف إذن يمكن تصور مجتمع علمي وإنساني في الآن نفسه؟ بعبارة أخرى، كيف يمكن للثقافة العلمية أن تكون إنسانية على اعتبار أن العلم لا يستحضر القيم، وأن التكنولوجيا تؤمن بالممكن بغض النظر عن نتائجه على الإنسان؟ يعتبر أغلب العلماء التكنولوجيا وسيلة ولكن من يحدد غايتها؟ إن امتلاكها يمنحنا القوة، ولكن ليس من الضروري أن ترافقها الحكمة.  أضف إلى هذا أن اتصاف كل من العلم والتكنولوجيا بالفعالية والمردودية والقوة والنجاح يخلق نوعاً من المنطق العقلي والاجتماعي والعقلية المبنية على المردودية، وهو الأمر الذي يناقض طبيعة القيم الأخلاقية خاصة والإنسانية عامة.

لقد أصبح العلم المعاصر فلسفة منذ أن ربط لودفيج فيدجينشتاين النشاط الفلسفي بتحليل القول العلمي، وكذا عندما سعت العلوم الطبيعية إلى نقل مناهجها ومفاهيمها إلى العلوم الإنسانية أو العلوم القريبة منها مثل البيولوجيا: إذ نقلت فكرة الحتمية من الفيزياء إلى السلوك الإنساني، ما يتعارض مع خاصية الحرية لديه، وبالتالي القيمة الأخلاقية القائمة على فكرة الاختيار.  كما أن نظرية التطور لتشارلز داروين (Charles Robert Darwin) قد زعزعت الاعتقاد الديني السائد وخلقت نقاشات جمة، بالإضافة إلى أن فكرة التطور لديه جعلت الكون دون معنى، وهي كلها أفكار تناقض المعتقدات أو الأفكار التي كانت  سائدة آنذاك.

كما ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من المباحث التي تسعى إلى فهم ظاهرة العلم في علاقاته بذاته وبالمجتمع والإنسان مثل السوسيولوجيا والسيكولوجيا وعلم اقتصاد العلم والدراسات السلوكية للعلم؛ لكنها كلها علوم تشارك باقي العلوم في المناهج، ما يجعلها عرضة للإخفاق.  وطالما أن العلم هو الخاصية المميزة للحضارة الغربية عن باقي الحضارات، فإن فهمه يعني فهم التأثير، سواء الإيجابي أم السلبي، لهذه الحضارة على باقي الحضارات، ما حول البحث في العلم والتكنولوجيا إلى فلسفة للتاريخ وللحضارات.  ومن أهم أسئلتها الإبستمولوجية نجد مثلاً سؤالاً: “لماذا تقدم الغرب وتأخرت علوم العرب؟”، أو لنقل: “كيف انتقل الإبداع العلمي من العرب إلى الغرب؟”، و”كيف يمكن بناء عقل علمي معاصر؟”.20 يمثل هذا السؤال تعبيراً عن إحباط كبير وشعور بالعجز، ومن ثم فإن البحث فيه يجعل الثقافة العلمية مهمة بجانب البحث العلمي، لأنها تمنح المتعلم الوعي بشروط الإبداع وإدراك العوائق الإبستمولوجية للعقل العلمي.21 وبذلك يمكن اعتبار فلسفة العلوم عوداً على بدء، إذ كان الفيلسوف في السابق عالماً والعالم فيلسوفاً، فيكون النقد الذاتي والموضوعي أمراً جوهرياً في شخص الحكيم.

5. آثار المعرفة العلمية على الثقافة

لقد مثل العلم تحدياً وأحياناً تهديداً لكل أنساق الثقافة، ومن تم تعداها إلى الإنسان ذاته في جميع أبعاده الوجودية والأخلاقية والجمالية.22 فما هي إذن آثار العلم والتكنولوجيا على الثقافات، وبخاصة في مجالات الأخلاق والجماليات والحياة اليومية؟ إذا كان من المسلم به التأثير الإيجابي والسلبي للعلم والتكنولوجيا على الوجود الإنساني، فهل يمكن تقعيد العلم للحفاظ عليه؟ أي تكريس أصالته ضمن الثقافة كي لا يناقض الثقافة نفسها؟

تنبع محبة العلم من محبة الحكمة، وهذه مرغوبة لما تحققه من سعادة وسكينة عندما يحصل الفرد على العلوم النظرية والتطبيقية، لأن الحكمة وحدها قادرة على تجاوز تناقضات الوجود وإخماد نار الحيرة والشك في ذهن الحكيم.  بيد أن هذا القدر من المعرفة لا يتأتى للكثيرين، إذ هو حكر على القلة من الناس؛ وطالما أن العلم نظر وعمل، فإنه يولد القدرة على الفعل ضمن علاقات اجتماعية، فيتحول بذلك إلى ظاهرة ثقافية تمارس سلطة على الناس من خلال بسط أفكار بعينها، أو لنقل بلغة توماس كون (Kuhn, S. T) البارادايم السائد.23 يتجلى الجانب النظري للعلم في مناهجه ومعارفه أو مفاهيمه وقوانينه المجردة، ويتجلى بعده العملي في التكنولوجيا التي تؤثر في نمط الحياة الإنسانية عن طريق الأدوات والآلات أو في التمثلات الفكرية والعلاقات الاجتماعية والأنساق القيمية.  وبذلك، فإن العلم في نظر لادريير 24(Ladriére, J) نسق فعل أكثر منه منهج بحث، لم يكتفِ بتغيير مضمون الثقافة، بل مس أسسها، لأن غايته لم تعد هي فهم الكون، بل إخضاعه وتحويله.  لكن كيف يمكن فهم هذه المفارقة التي مفادها أن العلم نمط من أنماط الثقافة وفي الوقت نفسه هو محركها، بل المهيمن عليها؟ كيف يمكن أن يكون العلم نسقاً منغلقاً على ذاته وفي الوقت نفسه متفاعلاً بل فاعل في باقي الأنساق الثقافية؟

إذا كانت الثقافة هي كل ما يمنح الشكل الخاص لحياة تجمع تاريخي؛ أي مجموعة أنساق التمثلات25 وأنساق التعابير وأنساق الفعل لهذا التجمع، فإنها بذلك تمنح معنى لوجود الأفراد والجماعات.  مفاد ذلك أن تأثير العلم والتكنولوجيا على الثقافة سيلزم عنه، إما تحويل هذه الأنساق وإما تفكيكها واستبدالها.  وهكذا تتجلى آثار العلم على الثقافة في تفكيك التمثلات والقيم السائدة وإدماج ما هو سائد ضمن الثقافة العلمية المهيمنة لتكون عقلية علمية تتلاءم، في غالب الأحيان، مع السياسة السائدة.

لقد نتج عن هيمنة الثقافة العالمة نسقاً يتجاوز التقابلات المألوفة بين الكلي والخاص والمجرد والمحسوس والمعطى والمبني والمجهول والمعيش والنسقي والوجودي؛ وهو النسق الذي سعى إلى تحديد سماته جاك إلول (Ellul, J) في كتابه: النسق التقني،26 الذي يمكن تلخيص أطروحته كالآتي: “لا تكتفي التقنية بأن تكون عاملاً أساسياً أو حاسماً، لقد أصبحت نسقاً، والإنسان في خدمة التقنية أكثر مما هي في خدمته”.  وهو ما يعني أن التقنية تتضمن كل أشكال الثقافة، ومن تم كونت عالماً أحادياً وكلياً ومنغلقاً، إنه نسق وسيط بين الطبيعة والإنسان، لذا فهذا النسق -أي التقني- غريب عن الإنسان من حيث تطوره الفائق الذي تجاوز سيطرة الإنسان وقدرته.  لقد قطع كل صلة بين الإنسان وبين الطبيعة كمادة خام، إلى حد يستحيل معه تحرر الإنسان منه للعودة إلى مجاله الحقيقي.  لم يعد الإنسان خارج نسق التقنية كذات تعمل وتفكر وتتأمل.  لقد كان تحرر الإنسان في البدء يتم بتعالي الإنسان عن طريق الانتصار على الطبيعة باختراع التقنية واصطناعها، لكن الاختراع تحول الآن إلى خضوع للضرورة التكنولوجية.  فعندما يستخدم الإنسان التقنية، فإنه يخدمها كما هو حاله مع التلفاز؛ “إن التلفاز هي شاشة بين الواقع ونحن، في حين أن المشاهد يظن أنها الشاشة التي ينعكس عليها الواقع”.27 فهل يعود هذا إلى الاستعمال السيئ للتقنية؟ يرفض جاك إلول القول المأثور: “إن التقنية ليست قبيحة في ذاتها بل في سوء استعمالها”،28 لأن تطور التقنية مؤسس على مبدأ العلية (السببية)، إذ كل مرحلة تهيئ لتاليتها، ومن ثم لا توجد غاية أخلاقية تقوض مسارها.  هناك استعمال جيد وآخر سيئ للتقنية، لكن هذا الأخير هو زلة تقنية، وليس خطأً أخلاقياً مثال ذلك من يصدم سيارته.

إن السمة الأساسية للنسق التقني هي الانتقال من المجتمع التقني إلى مفهوم النسق التقني، إذ أن كل معالم العصر الحاضر أضحت ثانوية بالنظر إلى التقنية.

أ. خصائص النسق التقني

إن خصائص التقنية هي التي تسمح لنا بفهم كيفية تأثير التقنية علينا وفينا وعبرنا.  وهذه الخصائص هي:

1.الاستقلالية: “استقلالية التقنية تعني أنها لا تقوم، في نهاية المطاف، إلا على ذاتها، وأنها تشق طريقها الخاص، وأنها عامل أول ..”.29 إن خاصية الاستقلالية تدل على أن التقنية تتبع قانونها الخاص، فهي فعل ورد فعل في الوقت نفسه، ما يعلن عن عجز الكائن الحي والسياسي أمامها؛ فقد استبدلت الاصطناعي بالطبيعة الحقيقية (الورد والنباتات)، والأعضاء الاصطناعية بالطبيعية؛ وحوار الإنترنت بالحوار الحقيقي؛ والصور بالوقائع الحقة.

2.الوحدة: هناك ترابط وثيق بين مكونات التقنية؛ فمثلاً ترتبط تربية المواشي باستعمال المضادات الحيوية، وبالتالي ضعف إنتاجية التربية الحيوانية التقليدية؛ والزيادة الاصطناعية في الإنتاج تؤدي إلى تقليص التنوع البيولوجي عن طريق الانتقاء، وهو ما يؤثر سلباً على القطيع، فنحتاج ضرورة إلى أدوية جديدة.  باختصار شديد، إن كل تحول في أحد مجالات التقنية يستلزم تحول باقي المجالات.  وهو ما ينعكس على الحياة الاجتماعية، إذ أن كل شرائحه تصبح ملزمة بمعرفتها.

3. الكونية: إن ظاهرة التقنية هي البحث في كل شيء عن المنهجية الأكثر فعالية بإطلاق؛ أي أنها تسعى إلى الكمال.30 وهو ما يدفع الحضارات والشعوب إلى تبني النمط نفسه من العيش فتستبدل طقوس ورموز متماثلة بطقوسها ورموزها المحلية.  يساعد على ذلك التصدير والاستيراد للمناهج والمفاهيم والأدوات.

4. الكلية: “ما يهم ليس الأجزاء، بل الكل”، فالحاسوب التواصلي -مثلاً- يمثل مكان التقاء عدد كبير من متواليات سببية: في الإبحار بالبوصلة، وفي الرياضيات، والفيزياء والكيمياء وفي البحث الإعلامي، كما أنه رابط بين كل الأنشطة الإنسانية.

لكن ألا توجد مقاومة لهذا الاكتساح العارم للتقنية؟ ثم ألا يمكن التوفيق بين التقنية والفرد والمجتمع؟ يرى إلول أن ذلك يمكن أن يتم من خلال أفعال التعديل والتكييف والانتقال.31 بيد أن الفترة ما بين 1977 و1990، في نظره، مثلت فترة الاختراع الكبير ونهاية المقاومة، فقد “أصبحت التقنية هي الفرجة التي تمنح لنفسها المشروعية”.32 فالربط بين التقنية والفرجة33 جعلها مقبولة، لذا نلاحظ هذا التطوير المتسارع للأجهزة والأدوات من الناحية الجمالية والفرجوية، مثال ذلك الهاتف الخليوي، حيث أضيفت إليه الموسيقى والكاميرا والألعاب … ومن تم أعيد ربط العلم بالخيال والإثارة والعاطفة من جديد بعدما كانوا من طبائع مختلفة.

حاصل القول أن التقنية، في نظر إلول، قد غمرت “سر الإنسان” والحياة والتقاليد؛ فقد أصبح مخجلاً الحديث عن عفوية الحياة في مجتمع استبدل التوتر والإثارة والراحة بالهدوء ولذة المشاعر، إذ لم يعد الغرض هو السباق ضد الساعة، بل توقيفها؛ لم يعد الإنسان يرغب فيما فيه خيره، بل فيما يتطلب أقل جهد وما يفرض عليه أقل معاناة.  و”الوسط المثالي يسعى إلى أن يصبح هو المجال الذي ينعم فيه الإنسان بالراحة المادية، ولكنه ينسى، شيئاً فشيئاً، القيم التي تمنح الثمن الكلي للحياة الإنسانية”.34 فالإنسان في عمقه يحتاج إلى لحظات توقف لكي يعيش وجوده الحقيقي، وهذه هي أهمية الأعياد كطقوس للتوقف الزمني والفرحة.

وإذا كانت المقاومة في النسق التقني قد انعدمت، في نظر إلول، لأنها ارتبطت بالفرجة، ما شل قدرة النقد والاحتجاج لدى الأفراد، فإن مناط ذلك، في نظر هربرت ماركيوز (Herbert Marcuse)، هو كون السيطرة في المجتمع التكنولوجي المعاصر تتلبس طابعاً عقلانياً يدفع كل احتجاج أو معارضة.  ويتجلى هذا الطابع العقلاني في قدرة المجتمع المعاصر الصناعي، بفضل التطور التقني، على استباق كل مطالبة بالتغيير الاجتماعي، وعلى تحقيق هذا التغيير تلقائياً.35 ومن ثم فإن كل محاولة لتغيير هذا الوضع أمر غير عقلاني؛ لأن المجتمع التقني يعمل على الزيادة في الإنتاجية وتوفير الرفاهية لأفراده.  بيد أن هذا المظهر العقلاني مجرد وهم، لأن المجتمع الصناعي لاعقلاني في جوهره، ولأن تطور الإنتاجية يناقض تطور الإنسان، لأنه يقمع تطور الحاجات والمواهب الإنسانية وتفتحها الحر.  كما أن الحاجات التي يحققها المجتمع التكنولوجي للأفراد وهمية من صنع الدعاية والإعلان ووسائل الاتصال، ما يخلق لديهم حرية وهمية أشبه بحرية عبد في الاختيار بين أسياده، أو شعور مسجون بالحرية في ساحة السجن.  هنا يظهر الدور الحاسم للثقافة في المجتمع الصناعي لأنها تزود الفرد بضمير مرتاح وراض، فتخفف بذلك من حدة التناقض بين الواقع الثقافي (الإمكان) والواقع الاجتماعي عن طريق دمج قيم الأول في الثاني وإعادة توزيعها على نطاق واسع عن طريق وسائل الإعلام والعلاقات التجارية.  وهكذا أضحت الثقافة بضاعة؛ سواء تعلق الأمر بالموسيقى أم الأدب والفن … واستبدلت الرغبة الليبيدية بالأيروسية، فأصبح الجنس مجرد نعرة تتطلب التلبية بشكل مباشر وسريع؛ كما تقلص عالم اللغة والتواصل الإنساني، فأضحت وضعية حرفية تستبعد الأفكار والمفاهيم النقدية؛ أي لغة عارية من التوتر والتناقض والتطور والصيرورة.

محصول القول أن التكنولوجيا: “علم تحويل الأشياء (أشياء الطبيعة) إلى أدوات مروضة، مسيطر عليها، يهدف استغلالها لأغراض اجتماعية وحضارية.  إن التكنولوجيا فن غزو الطبيعة وغلبة مقاومتها الخرساء”،36 بيد أن هذه السيطرة قد انتقلت من الثنائية “الإنسان- الطبيعة”، أي تحويل الأشياء إلى أدوات، إلى “الإنسان- الإنسان”، أي تحويل الإنسان إلى أدوات.  بعبارة أوضح لقد تم الانتقال من تحرير الإنسان وأنسنته إلى استعباده وتشييئه.

لكن ما السبيل إلى الخروج أو التخلص من هذا النسق المنغلق الذي يكاد يعدم الوجود الإنساني؟ هل نحتاج إلى ثورة أم إلى تغيير جذريي هادئ؟ إن أي معارضة أو احتجاج يستلزم مجموعة من القيم الممكنة التي تكون مخالفة لعقلانية المجتمع التقني، وتتصف بالمثالية، وبالتالي بالإمكان.  “والطريقة الوحيدة لكي تستعيد هذه القيم شيئاً من الصحة المجردة واللامؤذية تكمن في إلباسها هيبة ميتافيزيقية (الشريعة الإلهية والقانون الطبيعي).  بيد أن هذه الهيبة غير قابلة لأن يقام عليها البرهان، ومن هنا فإنها لا تتمتع بموضوعية حقيقية”.37 وبذلك فالتحرر، في نظر ماركيوز، يكمن في الانقلاب السياسي من أجل إعادة الثنائية الحقيقية للتكنولوجيا: “الإنسان-الطبيعة”؛ أي أن تحرر الإنسان سيكون هو المشروع الحقيقي للعلم والتكنولوجيا.

في مقابل ذلك نجد إلول يرى أن السبيل إلى دفع مساوئ التقنية يكون بمعارضتها بأخلاقيات تقررها حاجة الأفراد والمؤسسات إلى الزهد في جزء من هذه الوسائل، وليس ذلك عجزاً عن استعمالها، وإنما اختيار لبعضها دون بعض؛ ومن ثم يمتنع عن إنتاج التقنية التي لم يتبين آثارها الشاملة والبعيدة بشكل كافٍ ودقيق درءاً للاستلاب والهلاك الذي يمكن أن تجلبه للإنسان.  من الواضح أن اقتراح إلول الزهد في بعض التقنية ينفتح على نوع من القيم التي تنفتح بدورها على الأخلاق الدينية.  إلا أن هذه القيم والنظريات الأخلاقية، في نظر طه عبد الرحمن،38 تقوم على التعقل بدل التخلق الذي يقوم بدوره على الاعتبار، أي “العبور من أحكام النظر إلى أسرار العبر”؛ وعلى التعرف؛ أي “الاعتبار الذي يدفع عن الإنسان آفة الشعور بحال السيادة ويجلب له البصيرة في ترتيب الوقائع على القيم، والتسديد في إدراك هذه القيم”.  وحاصل التخلق والتعرف هو نظرية التعبد.

وإذا كان إلول وماركيوز يتسمان بالتفاؤل فيما يخص مستقبل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، فإن شبينجلير متشائم، إذ يرى أن الحضارة الفاوستية (نسبة إلى فاوست) تتابع قدرها المحتوم؛ أي تسير نحو السيطرة الانتقامية للطبيعة من الإنسان.

ب. النسق العلمي-التقني

والقيم الإنسانية

لقد اقتصرنا فيما سلف من القول على تبيان آثار النسق العلمي على التجمعات الإنسانية في أبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية، وحيث أن هذا الأخير يتشكل أساساً من التمثلات والقيم الأخلاقية والجمالية، فقد أشرنا إلى الأثر التفكيكي والسلبي الذي يمارسه النسق عليها.  بيد أننا بنينا هذا الجزم على مسلمة مفادها وجود تناقض ظاهر بين الطبيعة والنسق العلمي-التقني والقيم الإنسانية، وهو الأمر الذي لا يقبله التفكير الفلسفي باعتباره فكراً يتساءل حول الأسس والمسلمات قبل الإقرارات، لأنه من الممكن جداً أن يكون أساس التمييز والتناقض بين هذه المكونات أمراً واهياً، فيعدو بذلك هذا الإشكال مجرد مغالطة افتعلتها الفلسفة المعاصرة للتقنية.

إن الربط بين مفاهيم “التقنية” و”القيم” و”الإنسان” معناه البحث في أنواع العلاقات الممكنة بينهما، وبالتالي استنباط المقتضيات الدلالية من أجل بناء تصور يحدد العلاقة الأمثل، التي تحفظ للإنسان وجوده، وللعلم والتقنية مشروعيتهما؛ أي يمثل كل منهما مكملاً للآخر سعياً وراء تحقيق التحرر الإنساني وسعادته، عوض أن يدخلا في صراع دائم.

وهكذا تسعفنا وظيفة الفلسفة؛ أي التساؤل حول المقتضيات والبداهات، في التساؤل حول طبيعة كل من التقنية والإنسان والقيم؛ سواء الأخلاقية أم الجمالية، وهكذا نلخص إشكال قولنا في الأسئلة الآتية.

على أي أساس يتم التمييز بين الطبيعة والتقنية؟ وما هي معايير تقييم كل منهما؟ أيهما أفضل بالنسبة للإنسان؟ ما هو نمط الآثار التي تحدتها التقنية على الإنسان عموماً والثقافة خصوصاً؟ هل يمكن الحديث عن حتمية تكنولوجية؟ ما هي حدود التأثير التكنولوجي على الإنسان؟39

1. مقتضيات مفاهيم: الطبيعة والعلمالتقنية والقيمة

يمتد التمييز بين الطبيعة والتقنية أو الصناعة إلى الفلسفات القديمة، إذ يميز أرسطو 40(Aristote) بين الطبيعي (الحيوان، والنبات، والإنسان) الذي هو نتاج الطبيعة، وبين الصناعي باعتباره نشاطاً ناتجاً عن علل غير طبيعية، وبذلك فالطبيعي هو ما لم تنتجه الطبيعة، في حين أن الاصطناعي هو ما ينتجه الإنسان.

وهكذا فالطبيعة مستقلة من حيث العلة عن الإنسان، لكن اعتماد الصناعي على مواد الطبيعة يجعل التمييز بينهما صعباً من حيث التكوين.  غير أنه يمكن النظر إليهما من حيث العلة، إذ تمثل الطبيعة علة أولى، والتقنية علة ثانية، وظيفة الأولى الخلق والثانية الصنع، ما يجعل الإنسان صانعاً وليس مبدعاً.  إن معنى العلة هو مبدأ تنظيم الموجودات، وفي حالة الطبيعة، ستكون مبدأ للحياة والنمو والتطور.41

إن مفهوم المبدأ يقتضي التوجيه نحو غاية معينة، وهو ما أدى إلى إسقاط الغائية، وبالتالي القيمة على الطبيعة.  عماد هذه القيمة مفهوما الزمن والمنطق، فالطبيعة سابقة من حيث الزمن على الصناعة (التقنية)، وسابقة عليها منطقياً من حيث هي علة ذاتها.  كما أن التقنية متوقفة في وجودها على وجود الطبيعة.  هكذا فمفهوما التلو والتبعية يمثلان النقص القيمي بالنسبة للتقنية والشرف والكمال بالنسبة للطبيعة أو الكائن الحي، وبخاصة الإنسان.  لكن كيف يصدر النقص عن الكمال، والقبح عن الحسن؟ بمعنى كيف يمكن لإنسان وهو علة ذاته وموجود من أجل ذاته، أن يصنع ما هو قبيح وخسيس؟!

لقد كان أفلاطون أول من وضع هذا التراتب الهرمي للموجودات، حيث يحتل فيها الأعلى (عالم المثل) مرتبة الشرف والحقيقة والثبات، ويحتل فيها الأدنى (عالم الطبيعة) مرتبة الزيف والوهم والدنس.  وحيث أن الفن أو التقنية هي مجرد محاكاة للطبيعة المحسوسة، وهذه ليست سوى نسخة مزيفة، فيلزم عن ذلك أن التقنية، مهما بلغ إتقانها، هي زيف.42 أما أرسطو فقد اعتبرها تكميلاً للطبيعة، طالما أن “اليد هي أداة الأدوات”، غير أن الاعتراف باختلاف الكائن الطبيعي عن الاصطناعي لا يلزم بالضرورة الاختلاف القيمي، وبالتالي الخلقي.43 فكيف إذن تم الانتقال من الوجود إلى الوجوب، فاعتبرت الطبيعة خيرة والتقنية شريرة أو قبيحة أو خطيرة؟ إن الجواب يكمن في الخلفية الكوسمولوجية أو الميتافيزيقية للطبيعة، ذلك أن اعتبار الطبيعة نظاماً من الكائنات الحية، وهذه لها روح؛ أي مبدأ الحياة، يلزم عنه إسناد حق الوجود والحياة لهذه الموجودات، وهي بذلك تخالف الموضوع التقني المجرد من صفة الوجود.

وعلى هذا الأساس ينبني مفهوم المجال الحيوي44 الذي يتصف بالنظام والتناسق، ما يكسبه معنى وحقاً، فتكون التقنية بالنسبة إليه فعلاً إنسانياً يخترق النظام ويزعزع التوازن، فينتج عنه التغيير والتخريب والتدنيس.  هكذا يستبدل هذا التصور الثنائية طاهراً وخالصاً/مدنساً بالثنائية الطبيعة /التقنية.

لقد عملت هذه الخلفية الكوسمولوجية عماداً أخلاقياً مثلاً لتقنين النشاط الجنسي بالنسبة للكنيسة، وذلك تبعاً للاستدلال التالي:

> الوظيفة الطبيعية للأعضاء التناسلية هي الإنجاب.

> كل نشاط جنسي يجب أن يقصد الإنجاب فقط.

> إذن، يحرم الاستمناء أو الجنسية المثلية أو الزنا.

> كما يجب أن يمارس الجنس تبعاً لاستعمال زمني محدد.

ما جعل القانون الطبيعي يتحول إلى معيار أخلاقي؛ أي واجباً ينظم المؤسسة الاجتماعية.

هكذا نرى أن الخلفية الكوسمولوجية لمفهوم الطبيعة تمثل قاعدة للتصور الأخلاقي لكل من الطبيعية والثقافة، وهو ما يتجلى في قيمتي: الحق والواجب، أي باختصار الإلزام والالتزام الأخلاقي.

2. من التقبيح إلى النبذ

لم يقف حد التقويم السلبي للتقنية عند استهجانها وتقبيحها، بل وصل تهويلها إلى مداه، فتحول إلى ترهيب؛ ويعود هذا الشعور بالخوف من التقنية إلى اعتبارها هدامة وتخريبية.

3. الأسطورة والحقيقة

يسوق أفلاطون في محاورة “بروتاغوراس” أسطورة بروميطي (Prométhée) (المستبصر)، التي مفادها أن إبيميطي (Epiméthée) (الغبي) قد كلف بتوزيع خصائص الحياة والدفاع عن النفس على الكائنات الحية، فحاول توزيع الوسائل بشكل عادل وفقاً لطبيعة الموجودات من حيث صفة النقص، لكنه نسي الإنسان.  فاضطر لسرقة النار من هيفاسطوس (Héphaïstos) ومن أثينا (Athéna).

هكذا يمكن أن نستخلص من هذه الأسطورة أن التقنية هي تكملة لنقص، وأن النار هي أساس التقنية الإنسانية،45 لكنها تحمل في ذاتها صفتين مذمومتين، أولهما أنها تحرق فهي خطيرة؛ وثانيهما أنها مسروقة من الآلهة، ما يمنحها صفة المنافسة الإنسانية للأفعال الإلهية أي “الصنع”.

لكن ماذا يفعل الإنسان بالنار؟ يصنع بها الأدوات طبعاً، لكن لماذا؟ ليس من أجل تعويض نقص فحسب، بل كذلك للسيطرة على الطبيعة46 وليس معرفتها، وهذا ما يجعل التقني أشبه بالساحر، لأن غايتهما هي السيطرة وتسخير قوى الطبيعة.  ذلك لأن الحيوان يولد مزوداً بأدوات عيشه، في حين أن الإنسان يصنعها تبعاً لظروف عيشه، وهذه علة تطور الأدوات التكنولوجية وتعقدها لدى الإنسان، وثباتها لدى الحيوان، غير أن انتقال الإنسان من فكرة التعويض “اليد أداة الأدوات” إلى فكرة السيطرة “اليد أداة التسيير”، مثّل أول انحراف في السلوك الإنساني من الطبيعي إلى التكنولوجي.  ذلك أنه لم يفترض أن يخرج فعله عن مقصوده إلى نقيضه، كأن تتجاوزه التقنية أو تسيطر عليه،47 أو أن تثور الطبيعة ضد فعله، وبالتالي تنقلب عليه.  تلك هي المقارنة التي تضعها أمامنا التقنية، إذ أن الإنسان يسعى إلى السيطرة على الطبيعة، كما يرغب في تجاوزها والتعالي عليها بواسطة التقنية، غير أن التطور المذهل لهذه الأخيرة جعلها تنفلت منه، فلم يعد يتحكم بها.  تخلق التقنية نوعاً من الشعور بعدم الاطمئنان الناتج عن الخوف من إثارة قوى يصعب السيطرة عليها، وأساس هذا الخوف هو شعار التقنية “كل شيء جائز وممكن وجب صنعه”، لأن من بين الإمكانات ما يثير الاضطراب أو الضرر.  كما أن مقتضى هذا الشعار أنه من المكن أن ننتقل مما نريد صنعه إلى ما نقدر على صنعه، سواء أكان مرغوباً أم غير مرغوب.  وهذا الأمر يبين أن التقنية ليست دائماً نتيجة لحاجات الإنسان، بل نتيجة لتطبيقات العلم المختلفة، ما يجعلها في كثير من أنشطتها نسقاً مستقلاً عن الإرادة الإنسانية.48 ونظراً لأن التقنية تتصف بالغياب والحضور، في الحياة اليومية فقد ظهر الشعور بالخوف من مكننة الحياة الإنسانية.  ولنضرب لذلك مثالاً من الهندسة الوراثية، ذلك أن إعمال التقنية البيولوجية من أجل تحسين أنواع النباتات كان وراء اكتشاف الشفرات الوراثية، وبالتالي إقحام جينات من نوع ما في آخر، فنتج عن ذلك خرق الحدود بين الأنواع، وتغير حاد في خصائصها.  النتيجة الحتمية هي عدم إمكان التنبؤ بنتائج الاختراعات التقنية.49

إن المفارقة السالفة الذكر لا تعود إلى الرغبة في السيطرة فحسب، بل إلى تحول الإنسان من صانع إلى خالق، وبالتالي منافسته للطبيعة.  وبذلك، لم يعد صراعه مع الطبيعة ناتجاً عن رغبة في أنسنة الطبيعة، بل عن تأليه ذاته، والطبيعة لا ترضى بغير ذاتها إلهاً.  لذا، فعوض أن تكون التقنية أنسنة للإنسان، تحولت إلى عنصر تشييء للإنسان، فجردته من إنسانيته.

4. مظاهر التشييء في المجتمع التقني

لقد سبقت الإشارة إلى أن غاية التقنية هي السيطرة على الطبيعة على أساس الفعالية والنجاح اللذين تتمتع بهما، لكن ما يقوم به التقني أشبه بعمل الساحر الذي لا يتمكن من هذه السيطرة، إلا بالتخلي عن ذاته؛ وهو أمر يناقض به مبتغى الحكيم أو العارف الذي يحصل على الطمأنينة والسيطرة على الذات بتخليه عن الأشياء.  إن هذه المفارقة هي أساس إشكالنا المركزي، فليست التقنية سوى مصدر شقاء الإنسان المعاصر، وليس الحديث عن القيم سوى بحث عن توافق وانسجام مع الذات والآخر والآلة في وقت واحد.

يمكن أن تنقسم الآثار السلبية للتقنية على الإنسان إلى فعلي: التشييء؛ أي تجريد الإنسان من خصائصه الجوهرية التي تمثل قوام وجوده، والسلب؛ أي حرمانه من ذاته فيصبح غريباً عنها.  وينجز هذان الفعلان عن طريق الحط من قيمة الإنسان ووجوده؛ سواء الثقافي أم البيئي، أو عن طريق التبعية الكلية للآلة.

هكذا نجد كارل ماركس (Marx, K) ينتقد بعنف آثار الثورة الصناعية على الفرد والمجتمع ويلخصها في التشييء، فسواء تعلق الأمر بتقسيم العمل، بناء على حضور الآلة أم بانتشار التقنية المعاصرة في كل مجالات الحياة الإنسانية، فإن النتيجة هي التوازي بين الإنتاج الصناعي وإنتاج الناس (La masse).50 وذلك لأن الفرد يفقد الحاجة إلى التفكير والتأمل عندما يكون أمام الآلة؛ بمعنى أنه يفقد قدرته على الإبداع والخلق، فيتحول بذلك إلى آلة الآلة، بل هو مجرد قطع من دواليب اشتغالها (Rouage de la machine)، إنها جدلية العبد والسيد؛ إذ أصبح العبد سيد السيد، وبذلك فالآلة في المجتمع الصناعي أداة استلاب وهدم، وقد تُصبح سيدة سيدها.

يبدو من خلال تصور ماركس أن التقنية تهدد الوجود الإنساني، وليس فقط أنماط الحياة الإنسانية، في بعده الأخلاقي والجمالي.  لكن أين تتجلى الأسس التخريبية للتكنولوجيا، هل في أسسها النظرية (العلم) أم في طبيعتها التطبيقية (التقنية)؟

يرى الكثير من الفلاسفة الحداثيين أن الحديث عن التقنية يستلزم الحديث عن طبيعة العلم، وكذا بعده الثقافي.  فالعلم جزء من المعرفة له خصوصية منهجية وغاية مختلفة، فما يميز العلم هو حدود مجالاته وتحديد مناهجه وغاياته.  فالعلم نظرية تتكون من معارف محددة ومناهج بحث معروفة، غايتها فك شفرة العالم من أجل السيطرة عليه.  وهذا الجزء الأخير من التعريف هو الذي يبين بعده العملي أي التطبيق، ونقصد به التقنية، ما ينقل الممارسة العلمية من الفئة إلى الجمهور، ومن المختبر إلى الشرائح الاجتماعية، التي قد تكون جاهلة بكل الأسس العلمية للتقنية.

إن هذا البعد التقني للعلم هو الذي غير غاية العلم من مجرد الفهم والكشف إلى السيطرة والخلق، وبالتالي التحويل، سواء تعلق الأمر بالمادة أو بالتمثلات الاجتماعية أو بالمظاهر الثقافية أو الأنظمة السياسية.51 إلى الحد الذي يمكن أن يصبح العلم، عن طريق التقنية، ثقافة عالمية.

إن حجتنا على تأثير العلم والتكنولوجيا في المجتمع هو التغير الذي مس أغلب مستويات العيش، سواء تعلق الأمر باليومي الخاص أو العام، والمجال، واللغة،52 وقد أطلق جاك لادريير (-J. Ladrière) على عملية التغير هذه فعل “التعرية”،53 كما حدد آثار العلم والتكنولوجيا على الثقافات في تفكيك البنيات وإعادة البنينة،54 “بحيث يتم تفكيك التمثلات والقيم التقليدية؛ وإدماج مستمر لها ضمن الثقافة المهيمنة، أي ضمن الذهنية العلمية التي تدعم الفئة الحاكمة، وكذا ضمن مقتضيات المعرفة العلمية”.55 وعموماً، فإن أهم نتائج العقلنة العلمية للتقنية تتجلى أولاً في المكننة، وثانياً في أخطار التشكيل الأحادي للإنسان، وثالثاً في التغير العميق للإنتاج الاقتصادي وللحياة الاجتماعية.

5. العلمالتقنية والبعد الأخلاقي56

إذا كانت التقنية هي كل نشاط يستخدم وسائل من أجل تحقيق غاية ما، فإن المهم فيها سيكون هو الفعالية والوسائل، وليس الغايات، لذا لم يفكر مخترعو القنبلة الذرية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في غايتها الأخلاقية، بل تركوا ذلك للفلسفة والأخلاق.  كما أن الطبيب وهو يعالج المريض لا يفكر سوى في أحسن الطرق لا في إبرائه، ولا يفكر في جودة أو خيرية هذه الغاية (المداواة)، مثلاً: هل شفاء هذا المريض هو أمر في صالحه أم في صالح الأمة؟

لقد سبقت الإشارة إلى أن الحيوان يولد مزوداً بأدواته، في حين أن الإنسان يتعلمها ويصنعها، ويحسنها عبر الزمن، معنى ذلك أن التقنية تعوض الغريزة لدى الحيوان.  غير أن الفرق بينهما هو أن التقنية تتصف بالتحسن والتقدم، أما الغريزة فتتصف بالثبات، وهذا التمييز يفرز مفارقة عجيبة مفادها أن الحيوان يعمل طبقاً لغريزته (كما هو حال النحل والعنكبوت) وبإتقان، في حين أن الإنسان يعمل بتعارض مع طبيعته عن طريق التقنية وبسببها، لكنه لا يفعل سوى أن يلبي حاجاته الغريزية.  فتصبح بذلك الحيوانية غاية التقنية الإنسانية، ولا أدل على ذلك توجيه التقنية نحو إثارة غريزة الاستهلاك.

أضف إلى ذلك أن التقنية عبارة عن نسق، له قواعده وتنظيماته الخاصة، ما يفسر صعوبة بل أحياناً استحالة زرع نسق تقني في مجتمع لا تتوفر فيه مقومات هذا النسق، سواء أكان مجتمعاً تقليدياً أم محافظاً، ومناط ذلك أن التقنية تحمل تاريخها في ذاتها، وهذا الأمر هو الذي يفسر التناقض في بعض المجتمعات بين حضور أحدث التقنيات واستمرار البنيات الاجتماعية التقليدية، كم يفسر لماذا لا يتم الاعتناء بالاختراعات في مثل هذه المجتمعات.  إن ما يهم في التقنية هو نجاح الفعل وليس الوسائل التي تحققه، كما هو الحال بالنسبة للنجاح في الدراسة الذي ينسينا قيمة الغش.

حاصل القول أن التقنية ليست فعلاً واعياً يفكر في ذاته، والوعي الذاتي شرط ضروري للوعي الأخلاقي، ومن ثم لا يحدد غاياته، فالحضارة التقنية هي حضارة الوسائل، إذ المال والاستهلاك هما القيمتان الوحيدتان.

إن الربط بين العلم-التقنية والقيمة هو ربط بين أمرين من طبيعتين مختلفتين، فالتقنية تنتمي إلى مجال الواقع وما هو مجزوم بوجوده، في حين تنتمي القيمة إلى مجال الوجوب، لأنها قاعدة أو معيار يقود سلوكنا نحو ما يجب فعله.  وطالما أن الخير هو القيمة الأخلاقية الأسمى، فإن الغاية من القيم الأخلاقية هي توجيه السلوك نحو الخير، وتجنب الشر، ويقتضي القول بالقيم الأخلاقية الحرية والمسؤولية والواجب، إذ لا يمكن الاختيار بين أفعال متنوعة، إلا إذا كان الفرد حراً، وهذه الحرية هي التي تجعله مسؤولاً عن نتائج أفعاله، ما يعني أن الواجب هو اختيار الفعل الأفضل أخلاقياً، خاصته الأساسية هي إمكانية التنفيذ والإنجاز.  لكنه يتميز بالعسر لأنه يتناقض مع نزوعات أخرى، مثل اللذة والمصلحة.57 والحال أن التناقض أو خرق الواجب يؤدي إلى الشعور بالندم أو العتاب الذاتي.  وهكذا يمكن أن نميز بين فعل الواجب وفعل اللذة عن طريق فعلي الأمر والنهي، فإذا كانت صيغة اللذة هي “افعل”، فإن صيغة الواجب هي “لا تفعل”.  فعدم إنجاز الأمر لا يؤدي إلى الندم، في حين أن عدم الانتهاء يجلب الندم، فأساس طلب الفعل هو تحقيق اللذة والمصلحة، أما أساس طلب عدم الفعل على وجه الوجوب فغرضه التحذير من خطر أو أذى، ومن ثم فخرقه سيؤدي إلى الندم لا محالة.  يبدو أن طلب الفعل على وجه الوجوب هو الاستهلاك، وهنا يظهر البعد الاقتصادي والاجتماعي، وبخاصة السياسي للتقنية.

لكن كيف يمكن فهم هذه التناقضات في السلوكات الاجتماعية؟ بمعنى كيف يستساغ معرفة الناس بخطورة التقنية، وآثارها السلبية، ومع ذلك ينهال المجتمع المعاصر على استهلاك كل منتجاتها؟ إلى حد تحولت هذه الأخيرة إلى أساس وجودهم ومستواهم المعيشي؟ ما أشبه هذا القول بالتساؤل حول عدم إقلاع المدخن أو المدمن عن إدمانه على الرغم من علمه بالأذى الذي يلحقه به!

إن الحالتين متشابهتان؛ ذلك أن الألم يمكن أن يتحول إلى لذة، كما أن القواعد الأخلاقية تنشأ من وعينا الخاص المحشو بالقواعد الاجتماعية58 التي تكونت عن طريق التربية، وبذلك فإن التقنية كبعد ثقافي تتوجه إلى هدم أسس الثقافة من أجل أن تعوضها بثقافة تدفع إلى الاستهلاك، وأهم أداة تستعملها في ذلك هي الإعلام، وبخاصة الإشهار.

لكن كيف تستعمل التقنية اللذة كغاية مرغوبة؟ وهل فعلاً تحقق التقنية للإنسان لذة حقيقة؟ لا يمكن الجواب عن هذا إلا من خلال تصور أبيقور للذة.

حاصل القول أن الفلسفات الكلاسيكية، قد مثلت ركائز أيديولوجية (سياسية أو دينية) من أجل تبرير سلوكات أو تمثلات مثل رفض الجنسية المثلية، أو بتبرير لا مساواة الأجناس، أو تبرير لامساواة المرأة والرجل، أو تبرير التراتب الطبقي، إنها تصورات تقدس الطبيعة، وتعتبرها مصدر القيم الأخلاقية، وعليه مثلت إسقاطاً إنسانياً وتشكلاً كاذباً، لمفاهيم ذات طابع إنساني، وبذلك كانت فلسفة الأنوار والفلسفة الحديثة ثورة على هذا التصور، فاعتبرت الطبيعة دون معنى لأنها دون غاية، إنها عالم مادي غفل، ما يفسح المجال أمام حرية الإنسان في خلق قيمه الخاصة واختيارها.  فهل يقتضي هذا اعتبار الطبيعة مملكة للفوضى والعنف والاعتباطية؟ إن مثل هذا التصور لا يفضل سابقة لأن العنف واللانظام ليسا قيماً لا أخلاقية.59 إن الطابع المزدوج للوجود الإنساني: متجذر في الطبيعة (خاضع لقوانينها)، ومتعالٍ عليها وخالق لحاجيات جديدة؛ هو ما يدل على هذا التناقض بين سلوك الإنسان وقيمه، إذ يتراوح في بحثه عن غايات وجوده بين ذاته وبين الطبيعة، إنها عملية تحرر مستمرة ودائمة، كان أحد تمظهراتها إبداع أدوات تقنية، وآلات تكنولوجية، وتقنيات تكميلية وتجميلية.  لقد مثلت التقنية في بدايتها تعالياً ووساطة بين الإنسان والطبيعة، تحولت إلى أنوثة،60 وبالتالي إلى ما يحقق اللذة، وبخاصة على مستوى الحس.

إن جل أفعال الإنسان لا تسعى إلى الإشباع المباشر كالأكل والشرب والجنس، وإنما إلى الإشباع غير المباشر، ما يدل على تحرر الإنسان من الطبيعة، وبالتالي خلقه لقيمة الخاصة، حتى يتسنى له العيش مع الآخرين في انسجام.

ولنبين الآن العلاقة بين التقويم الأخلاقي والتقنية، وتقصد بذلك هل التقنية قبيحة في ذاتها، أم أنها مجرد إسقاطات إنسانية مثلها في ذلك مثل الطبيعة؟ لقد سبقت الإشارة إلى أن التقنية وسائل وغاية، وبالتالي صناعة ونشاط أو قوة، وهو ما يعني التمييز بين الأدوات كوجود، وكفعالية، وهذه الأخيرة، هي التي تعطي للتقنية بعدها الاجتماعي والإنساني، ذلك أن التقنية من الطبيعة، ولكن مجال تطبيقها هو الإنسان أولاً والطبيعة ثانياً.  لذا، يرجع البعض تقبيح التقنية إلى سوء استعمالها من طرف الإنسان في الإنسان.  إذن، وجب التمييز بين التقنية والتطبيق التقني، وبالتالي بين التقنية والعالم الصناعي أو الرأسمالية، وهو تمييز يُمكننا من تجنب مخاطرها عن طريق الوعي بنتائجها العمياء.

فلماذا لا تقترن التقنية بالأخلاق؟61 أليست التقنية هي ما يميز الإنسان عن الحيوان ويعليه عن الطبيعة ويساعده على التقدم؟! وبالتالي يُصبح عامل أنسنة الإنسان ضداً على تشييئه واستلابه.

بيد أن هذا الأمر يسقطنا في المطلب نفسه، ألا وهو أنسنة التقنية (الإسقاط الإنساني)، ما يناقض طبيعة التقنية؛ أي وجودها خارج مجال الأخلاق (amorale).  هكذا نكون أمام مفارقة، إذ كيف نعتبر التقنية تشييئاً للإنسان وهي التي عملت على أنسنته؟ ذلك أن مفهوم التقدم والتطور الإنساني، بل تاريخ المعرفة يقوم على مدى تطور الأدوات التقنية وتقنيات التواصل.

لقد مثلت العصا امتداداً لفعل اليد، والكتلة زيادة في قوة الحركة اليدوية، والنار أساساً لتحويل الأدوات والطبيعة، كما مثلت مصدراً لأنماط التعبير (الضوء)، وبذلك تساهم التقنية في خلق عالم إنساني، ووسط أكثر ملاءمة لرغبات الإنسان وتطلعاته.

حاصل القول أن افتراض خيرية الطبيعة وشرانية التقنية أمر متهافت، لأنه لا يخرج عن أحد الأمرين، فإما أن الطبيعة خالصة ونقية، وبالتالي تمثل مصدراً للقيمة الأخلاقية، وإما أنها لا توجد طبيعة خالصة، ومن ثم يتحول كل شيء إلى تقنية.  وهما أمران يؤديان إلى النتيجة نفسها، أي عدم قبح التقنية في ذاتها، ذلك أن البعد التاريخي هو الذي أزال عن الطبيعة نقاءها فأصبح التاريخ هو صيرورة النشاط الإنساني، أي عمليات التحويل التي تطرأ على الطبيعة.  أكثر من هذا وذاك، أن فكرة تقديس وتعظيم الطبيعة لم تظهر إلا في القرن 18 مع النزعة الرومانسية، في حين كانت تعتبر قبيحة.62 إن هذا التنوع والاختلاف في التصورات لمفهوم الطبيعة دفع البعض إلى اعتبار الطبيعة مجرد تصور وليس وجوداً حقيقاً، وبالتالي لماذا لا نعتبرها “كل شيء مادي” في مقابل التقني أو الاصطناعي الذي ينتج دون عون “الطبيعة”، فيمثل قوة خلق المظاهر.  وهو تطور يخلص التقنية من شياطينها.63 هكذا يقر ديكارت بأن الموجودات الطبيعية والآلات متماثلة، والفرق بينهما هو مصدرهما؛ أي المبدع (الإله/الإنسان).64 ومن ثم لا اختلاف بينهما من حيث الجوهر أو الاشتغال، لأنهما يخضعان للقوانين نفسها.  فالطبيعة مجرد آلة؛ أي تراكم من المادة والحركة، والعكس صحيح؛ أي أن الآلة طبيعية لأنها جزء من الطبيعة، وعليه فكلاهما يقوم على التفسير نفسه.

محصول القول أن التمييز بين الطبيعي والاصطناعي أو التقني أمر مفتعل، لأن المواضيع الاصطناعية طبيعية، ولا معنى لفكرة الطبيعة، إلا إذا أرجعنا الأمر إلى خلفية أيديولوجية أو فلسفية ميتافيزيقية؛ ذلك أن المعنى الوحيد الذي يمكن أن نرجعه إليها هو قيمة ما تخبرنا به عن الإنسان نفسه، إنها الطبيعة الإنسانية.  ولعل هذه هي العلة في توارد الحديث والتأمل في الطبيعة كلما ظهرت أزمة إنسانية.  فيكون بذلك التأمل في الطبيعة ونقيضها هو تعبير عن عدم الرضا والشعور بالإحباط قبالة شروط العيش الإنساني أو الحضارة؛ وبالتالي رغبة في تحقيق وضع أفضل مما هو كائن، سيكون في هذا السياق، هو عدم الرضا عن نتائج التقنية في وضعها الراهن.  بعبارة أوضح، إن التأمل في علاقة التقنية بالقيم الإنسانية يخفي نقداً للحداثة وأسسها النظرية والعلمية.

إن التغزل بمحاسن الطبيعة يعني رفض منجزات الإنسان، وبخس أفعاله، لأنه قتل السعادة في مهدها، فاستبدل قيم الشر والكذب والدنس والشقاء، بقيم الخير والصدق والنقاء والجمال والسعادة.

د. يوسف تيبس

أستاذ المنطق والفلسفة المعاصرة،

جامعة محمد بن عبد الله، فاسالمغرب

الهوامش

1 أهم هذه الحركات: الحركة الدولية للهواية العلمية والتقنية (Mouvement international pour le loisir scientifique et technique-MILSET).  وهي حركة تأسست سنة 1987، وتشمل في عضويتها إلى حد الآن 46 دولة، تساهم في تطوير الثقافة العلمية؛ شعارها: “إن الثقافة العلمية والتكنولوجية هي المفتاح لفهم العالم والتأثير فيه؛ وعلى هذه المعرفة أن تثري وتنمي منظورنا الإنسانيوكل تأخير، جماعي أو فردي، في تحمل هذا الواجب لا يمكن إلا أن يؤدي إلى نتائج سلبية فيما يخص مستقبلنا“.  في مقابل هذا التصور العلماني، نجد الخرافة والأسطورة وعلم التنجيم والعلوم الإنسانية والمعتقدات الدينية والنتائج المرعبة وغير الإنسانية للعلم كسلاح الدمار الشامل.

2 André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Édit., PUF, Collection: Quadridge, Paris 2006.

3 لقد حاول بعض الإبستمولوجيين حل لغز هذه الظاهرة بإرجاعها إلى طبيعة العقل العلمي، باعتباره عقلاً جدلياً قائماً على النفي، كما هو حال غاستون باشلار، وكارل بوبر.  للاستزادة يمكن الرجوع إلى مقالنا: “تاريخية العلم: النفي محرك المعرفة العلمية” المجلد 35 العدد1 تموز-أيلول 2006.

4 تجدر الإشارة إلى أن اعتقاد العديد من الفلاسفة والعلماء في علو درجة المعرفة العلمية قد جعلها معياراً لدحض باقي المعارف المزيفة، كما ادعت ذلك النزعة الوضعية المنطقية.  كما أن التراتب قد طال المعارف العلمية ذاتها، إذ تم في أغلب الأحيان اعتبار الرياضيات العلم الملكي (أوغست كونت) أو الفيزياء (كارناب).  وقد وجه ميشيل سير نقداً لاذعاً لفكرة تصنيف العلوم وتراتبها لأنها تنبني على خلفية سياسية أو دينية؛ راجع:

Serres, M., [1972] Interférence, Hermès II. éd. Minuit Coll. critique, Paris.

5 العقل العلمي الجديد (باشلار) والعقل العلمي الجديد-الجديد (م.سير).

6 هربرت ماركيوز.  الإنسان ذو البعد الواحد، ص:240.

7 Ernest, Renan & Annie Petit, L’avenir de la science, édit. Flammarion, Paris 1995, p:37.

8 Ladriére, J., Les Enjeux de la Rationalité: le Défi de la science et de la Technologie aux cultures, éd. Aubier-Montaigne/Unesco, Mayenne 1977, p:27.

9 يمكن أن نأخذ على سبيل المثال الصراع الدائم الآن بين الولايات المتحدة وإيران أو كوريا الشمالية حول مسألة امتلاك أسلحة الدمار الشامل.

10 – Michel Foucault, Histoire de la folie à l’âge classique. Folie et déraison, Gallimard, coll. «Tel», Paris, 1961, p: 583.

– Michel Foucault, Surveiller et punir. Naissance de la prison, Gallimard, Paris, 1975, p: 32ج8.

– Michel Foucault, L’archéologie du savoir, Gallimard, coll. «Bibliothèque des Sciences humaines», Paris, 1969, p: 288.

11 João Caraça, Science et communication, Éd., PUF, collection, que sais-je?  Paris 1999, p:25.

12 يمكن على سبيل المثال لا الحصر ذكر برنامج 2061 الأميركي، الذي يدعمه الاتحاد الأميركي لتقدم العلوم (American Association for the Advancement of Science – AAAS)، ويهدف إلى رفع مستوى الثقافة العلمية بين الأميركيين وبناء مواطن أميركي جديد بحلول العام 2061؛ وأيضاً برنامج الوكالة اليابانية للعلوم والتقنية (Japan Science and Technology Agency)، الذي يهدف إلى زيادة الوعي العلمي والتقني لدى عامة الناس، وبخاصة الأطفال والناشئة، والذي يتضمن مهرجانات علمية وإنشاء مكتبات فيديو علمية وبناء متاحف علمية.  بالإضافة إلى قنوات متخصصة لتبسيط العلوم، مثل قناة “الاكتشاف” (Discovery)، والقناة التعليمية (Learning)، وقناة وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” (NASA Channel).

13 ماكس بيروتز.  ضرورة العلم: دراسات في العلم والعلماء، ترجمة: وائل أتاسي وبسام معصراني، سلسلة عالم المعرفة، عدد 245، الكويت 1999، ص:17.

14 Merleau-Ponty,J, «Science et Doxa. Qu’est ce que la vulgarisation?», in Philosophie et Sciences, Annales de l’institut de Philosophie et de Sciences morales (éditées par Hottois Gilbert), Université de Bruxelles 1987, pp:9-23.

15 Steven Shapin, A Social History of Truth: Civility and Science in Seventeenth Century England, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1994, p:36.

16 Thomas F. Gyring, Cultural Boundaries of Science: Credibility on the Line, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1999, p:200.

17 C. P. Snow, The Two Cultures, Cambridge University Press, Cambridge, 1998.

وهذا الكتاب هو في الأصل محاضرته الشهيرة التي ألقاها في جامعة كامبردج ببريطانيا العام 1959، حيث قدم سنو رأياً أصبح من أدبيات الفكر الغربي المعاصر، وهو ما أطلق عليه اسم إشكالية الثقافتين.

18 أبو الوليد بن رشد (1978).  فصل المقال، بيروت: طبعة دار الآفاق الجديدة، ص:27.

يقترح بوبر كذلك نظرية ميتافيزيقية مفادها وجود ثلاثة عوالم مختلفة من حيث المكونات، يقول في ذلك: “يمكننا أن نميز بين العوالم أو الأكوان الثلاثة الآتية: أولاً: عالم الموضوعات الفيزيائية، أو الوقائع الفزيائية؛ ثانياً: عالم حالات الشعور أو الحالات العقلية، أو أحياناً الميول السلوكية للفعل؛ وثالثاً: عالم المحتويات الموضوعية للفكر، وبخاصة العلمية والشعرية والفنية”. وعلى الرغم من تشابه العالم الثالث، حسب بوبر، مع نظرية المثل الأفلاطونية، والروح المطلقة والموضوعية لهيجل، فإنه يختلف عنهما في جوانب مهمة.  في مقابل ذلك يماثل هذا العالم الثالث كثيراً عالم “فريجه” المكون من المحتويات الموضوعية للفكر.  إنه عالم يتألف من المشاكل والحلول المتمثلة في التخمينات والنظريات والحجج والكتب؛ وبذلك فإنه عالم يتجاوز العالم الثاني، عالم الإبستمولوجيا الذاتية المرتبطة بالحالات النفسية، وبأفعال: “أعتقد” أو “أعرف” التي اهتم بها “فلاسفة الاعتقاد” حسب كارل بوبر.  ويتصف العالم الثالث (العالم الموضوعي)؛ أي عالم المكتبات والكتب، باستقلاليته وبتأثيره على العالمين الثاني والثالث؛ فالكتاب يظل كتاباً ولو لم يكتبه أو يقرأه أحد، إلى الحد الذي يمكن القول معه إن الحاسوب بإمكانه أن يعوض الإنسان (مثلاً جدول اللوغاريتم).  نتيجة ذلك أن هذا العالم دون ذات عارفة لأنه يضع مشاكله التي قد يعجز الإنسان عن حلها، بل إن بعض خصائصه قد تظل مجهولة لدى الإنسان.  والدليل على هذا، في نظر بوبر، أنه من الناذر أن يفهم إنسان كتاباً إذا قرأه، وإن فهِمه فيمكن أن يسيء فهمَه أو تأويله؛ لذا فإن شرط انتماء كتاب للعالم الثالث هو أن يكون مبدئياً قابلاً للتفكيك أو الفهم والمعرفة ليس إلا.  لأن مكونات هذا العالم هي النظريات والمشاكل ومواقف المشاكل والحجج التي هي من إنتاج الإنسان، وإن استعصت في كثير من جوانبها على فهمه.

Cf., Popper, K.R. Objective Knowledge, An Evolutionary Approach, 2nd ed. Oxford University Press, New York, 1979. P:106.

19 يجب التنبيه إلى أن المجتمع العربي لا يدخل في حيز المجتمعات ذات النزعة العلمية، بل في إطار المجتمعات التكنولوجانية، التي تعشق استعمال التقنية بغض النظر عن أي فلسفة للتقنية.  فالتعامل مع التكنولوجيا ثقافة وممارسة العلم ثقافة أخرى مختلفة، وهو التمييز الذي يغيب عن المجتمع العربي.

20 يمكن أن نذكر مثلاً دور النزعة التجريبية في تنقية العقول من الخرافات.  عندما تم انتقادها أيديولوجيا من طرف الماركسيين العرب أغفلوا دورها التاريخي في تقديس العلم ومحاربة العلوم والأفكار الزائفة، وهو الدور الذي لم يتم إلى حد الآن في ثقافتنا الراهنة التي ما زالت تعيش انفصاماً بين العلم والخرافة.

21 Bachelard, G., [1938] La Formation de L’Esprit Scientifique, P U F. Paris.

22 Ladriére, J., Les Enjeux de la Rationalité : le Défi de la science et de la Technologie aux cultures, P:9.

23 Kuhn, S. T., The Structure of Scientific Revolutions (1962), 2nd ed., The University of Chicago Press, Chicago and London, 1970.

24 Ladriére, J., Les Enjeux de la Rationalité: le Défi de la science et de la Technologie aux cultures, P:28-29.

25 يعرف لادريير أنساق التمثلات كالآتي: «هي المجموعات المفاهيمية والرمزية التي تحاول من خلالها الجماعات المكونة للتجمعات أن تؤول ذاتها، وأن تؤول العالم الذي توجد فيه، وكذا المناهج التي تعمل عن طريقها على توسيع معارفها وأفعالها».

26 Ellul, J., Le Système Technicien, éd., Calmann-Lévy, Paris 1977.

27 Jacques Piveteau, cité in Jacques Ellul, Le Bluff technologique, Hachette, 1988, p:395.

28 Ellul, J., La Technique ou L’Enjeu du Siècle, A. Colin, Paris, 1954, p:90.

29 Ellul, J., Le Système Technicien, p:137.

30 الشعار الأوحد للاختراعات هو “أفضل أو أحسن”، وبذلك تم ربط الأرقام القياسية بالإشهار والإعلانات؛ وهو الأمر الذي لم يكن موجودا في الحضارة الإغريقية إذ كان الأهم هو الأول والأخير، ولا يهم تحطيم الأرقام القياسية.

31 Ellul, J., Le Bluff Technologique, Hachette, Paris 1988, p. 34.

32 Ibid., p. 34-35.

33 هذا ما يعبر عنه جاي ديبور في كتابه: مجتمع الفرجة قائلاً: “إن الفرجة ليست مجموعة من الصور، ولكنها علاقة اجتماعية بين الأشخاص الخاضعين للإعلام عن طريق الصور”.

Debord, Guy, La Société du Spectacle, Buchet/Chastel, Paris, 1972, p.10.

34 René Dubos, L’Homme et l’adaptation au milieu, Payot, Paris 1973, p.264.

35 هربرت ماركيوز (1969).  الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة: جورج طرابيشي، الطبعة الأولى، بيروت، ص:28.

36 هربرت ماركيوز.  الإنسان ذو البعد الواحد، ص:18.

37 المصدر السابق، ص:184.

38 طه، عبد الرحمن (2000).  سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، ص:131-130.

39 لقد تعددت وتنوعت الجوانب التي اهتم بها فلاسفة التقنية، إذ عمد بعضهم إلى دراسة طبيعة التقنية وأثرها على السلوكات الاجتماعية (ج إلول، وهريرت ماركيوز)، وسعى الآخرون إلى تحديد أثرها على الثقافة عموماً والقيم الأخلاقية والجمالية خصوصاً (جاك لادريير) وسعى هايدجر إلى تبيان دورها في تحديد الوجود الإنساني.

40 Aristote, Physique, II, 1.

41 نشير هنا إلى أن الإنسان قد يتدخل في هذه الصيرورة، بالعناية أو المساعدة، لكنه لا يمثل بذلك مبدأ نموها.

42 يعلي بعض الفلاسفة، كجون لوك، من قيمة العمل اليدوي؛ في حين يحتقره غيره أمثال الفارابي وشبينجلر، نظراً لأن التقنية والعمل في نظر الأخير من خصائص العبد، لذا تثير القرف.  وهذا هو دافع الناس نفسياً إلى أن يصبحوا أسياداً.  ومن ثم تكون الرغبة في السيطرة على الطبيعة (سيداً عليها) عن طريق التقنية، هي مجرد مغالطة أساسها زعم العبيد أنهم أسياد.

43 يمكن في هذا الصدد اعتماد مبدأ هيوم “لا وجوب من الوجود”.

44 Biosphère.

45 لقد مثلت هذه الفكرة أساساً لشريط سينمائي رائع هو “حرب النار” (la guerre du feu) لمخرجه (J.J.Anault)، وهي فكرة يتفق حولها كثير من فلاسفة التقنية، إذ يمكن اعتبار النار أساساً لكل التقنيات الإنسانية، بل للعلاقات الاجتماعية ولظهور اللغة (راجع: J.ladriére، المرجع المذكور).

46 مثل هذا المبدأ أكبر أيديولوجيا علمية أعلنها ديكارت (رينيه ديكارت، مقالة في الطريق، ترجمة: جميل صليبا، بيروت، 1970، ص:196.)

47 يمثل Frankensteim المخلوق الذي يصبح سيد خالقه.  كما تنطبق عليه أسطورة الفنان الذي رسم تمثالاً فأعجب به فطلب من الإله أن يزرع فيه الروح، ولما أصبح كائناً حياً أحبه الفنان فعذبه.

48 cf., Ellul, J., Le Système Technicien, éd., Calmann-Lévy, Paris 1977.

49 هناك نقاش كبير حول أسباب الفيروسات المسببة لبعض الأمراض مثل (Iboila) و(SIDA)، وهو ما تحاول مناقشته أفلام مثل: (VIRUS) و(X Files)، التي تفترض أن هذه الأمراض قد تكون نتيجة لبعض التجارب في حقل البيولوجيا الكيميائية (الأسلحة البيولوجية).

50 -cf., Marx, K., Le capital, livre I, Partie , II , trad. J. Roy. ED. Sociales.

يمكن من أجل توضيح الأمر مشاهدة  الشريط السينمائي لتشارلي شابلن (les temps Modernes).

51 يمكن في هذا الصدد الرجوع إلى الدراسة القيمة لهربرت ماركيوز في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد.

52 يمكن هنا أن نسوق الكثير من الأمثلة، على العبارات أو الأمثال الشعبية التي تتضمن ألفاظاً أو أسماء لأدوات، أو آلات تقنية.

53 -J. Ladrière, Les Enjeux de la Rationalité: le Défi de la science et de la Technologie aux cultures, éd. Aubier-Montaigne/Unesco, Mayenne 1977.

54 Déstructuration / restructuration.

55 يقول إرنست رينان:”إن غاية المجتمع هي أكبر كمال ممكن للكل.  والدولة ليست لا مؤسسة أمن، كما يريد لها سميث، ولا مكتباً خيرياً أو مستشفى، كما يريد لها الاشتراكيون، إنها آلة للتقدم”.

Ernest, Renan & Annie Petit, L’avenir de la science, édit. Flammarion, Paris 1995, p:378.

56 يقول ديدرو: “من النادر أن نضحي بالأخلاق من أجل التقنية”، لكن العصر الحاضر شعاره من النادر أن تضحي بالتقنية من أجل الأخلاق”.

57 – يبدو أن الأسس الجوهرية التي تقوم عليها التقنية هي اللذة والمصلحة وليس فقط الجودة أو الإتقان، وهذا هو أساس التناقض بين التقنية والقيم الأخلاقية لأن هذه الأخيرة تتجاوز اللذة والمصلحة إلى الخير.

58 يرى دوركهايم أن التربية هي التي تشكل وعينا الأخلاقي، ومن ثم فالقواعد الأخلاقية ذات مصدر اجتماعي يتم استنباطها من طرف الفرد، فتتحول إلى موجهات السلوك.  غير أن هذا لا ينطبق سوى على التقاليد والعادات والأخلاق الاجتماعية مثل “لا تكن كسولاً” التي تدخل في إطار (Mœurs / Moralité)، وهذه سياقية ونفعية وحسية، وهو ما يفسر تناقضات الأمثال الشعبية مثلاً “الصبر مفتاح الفرج”.  أما الأخلاق النظرية (Ethiques) من مثل “لا تقتل” فتجاوز سياقات الاستعمال، لأنها قيم نظرية مطلقة.

59 إن الفعل اللاأخلاقي (Immoral) هو فعل واعٍ يختار فعل الشر، في حين أن الطبيعة لا تقصد ذلك، إنها (amoral) إنها خارج مجال الأخلاق، فكيف يمكنها أن تمنح الإنسان قاعدة قيمية.

60 يبدو أن الغاية القصوى للحضارة هي “الأنوثة” التي ترمز إلى النعومة، في حين يرمز الرجل إلى الخشونة، ذلك أن كل ما يصنع يضع النعومة غاية قصوى لمنتوجه، وهو ما يعبر عنه عادة بـ: (le confort).  هكذا يمكن أن أعلن أن “الحضارة أنثى”.

61 لقد حاول بعض الفلاسفة ورجال العلم تأسيس ما يسمى “اللجان الأخلاقية”، التي وظيفتها وضع قيم وقواعد أخلاقية لتوجيه العلم والتكنولوجيا.

62 ينطبق هذا حالياً على المجتمع المغربي مثلاً الذي يفضل الحياة المدنية على البادية، ويشتكي من الوحل، وغياب الكهرباء.

63 تتبنى هذا التصور النزعة الاصطناعية (Articialisme) التي تسعى إلى تخليص الاصطناعي من دلالاته الإنسانية، وهي نزعة تقترب من النزعة الميكانيكية لديكارت، والنزعة الذرية للوكريس (Lucrèce).

64 رينيه ديكارت، مبادئ الفلسفة، ج.4، الفقرة 403.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

2 تعليقان к “الثَّقَافَةُ العلميّةُ والقِيَمُ الإنسَانيةُ: مُفارقَاتُ النَّسَقِ العلميِّ-التِّقنيّ د. يوسف تيبس”

  1. شكرا جزيلا موصولا بالمحبة الخالصة لأستاذنا الكبير “يوسف تيبس” الذي يحمل في جل كتاباته هما وجوديا وإنسانيا، ويعمل جاهدا على محاولة النهوض بالأمة العربية ثقافيا، فكريا،علميا، من خلال التدريس والتأليف معا…
    حينما خلق الرب الإنسان وجعل بين يديه وتحت تصرفه كل المخلوقات الأخرى، كان ذلك بهدف عبادته وطاعته، لكن الإنسان لم يفعل سوى عكس ذلك…ألن يكون من المحتمل أن تتصرف التقنية اتجاه الإنسان، بنفس ما تصرف به هذا الأخير اتجاه خالقه/مبدعه ؟؟ ألا يحتمل أن تكون للتقنية خطيئة، مثلما هي للإنسان؟؟؟
    إن هذا التساؤل المجازي يحاول أن يكشف عن إمكانية خروج التقنية عن السيطرة، وبالتالي تسفك في الأرض والإنسان كما لم يسفك هو نفسه فيها من قبل…تبعا لهذا السياق يتحدث هايدغر في حوار له مع مجلة “Der spiegel” قائلا: ” كل شيء يتحرك ويعمل. ما هو مخيف هو هذا التحرك […] وما هو مخيف هو أن التقنية تقتلع الإنسان من الأرض وتقطع جذوره.” من هنا ألا تعتقد -أستاذي العزيز- أن هناك أسبابا منطقية لتخوف الفلاسفة من هذه التقنية، التي أصبحت ذات بعد أنطولوحي في الحياة المعاشة يوميا وفقا لهايدغر نفسه ؟ من جهة ثانية وارتباطا بالثقافة العلمية، أليس من الملاحظ أن التقنية لا تساهم في نشر الثقافة العلمية بقدر ما تساهم في نشر الخمول والكسل والجهل ؟
    ذكرت أيها -الأستاذ الكريم- في سياق هذا النص أن K.Marx يهاجم التقنية ويعتبرها تهديدا للوجود الإنساني، وإن سمحت لي أريد أن أتكلم عن ماركس من خلال نظرته إلى البنية الاقتصادية/الفكرية للمجتمع، إذ يعتبر أن البنية التحتية (الاقتصادية) هي الأساس الأول والدعامة الرئيسية لأي مجتمع متماسك، وأن هذه البنية هي التي من شأنها أن تبلور وتطور البنية الفوقية(الفكرية، والعلمية، والسياسية..). لكن كما هو جلي، المجتمع العربي يفتقد تمام الافتقاد إلى البنيتين معا -رغم كل ما بذل ويبذل من مجهودات- فهل سينتظر القيام بنهضة اقتصادية حقيقية حتى يتمكن لنا أن نحصل على ثقافة علمية، أم أن هناك إمكانية للاستعاض عن هذا التصور المادي الماركسي، واستبداله بآخر قد يكون أكثر مأمولية ورجاء، مع العلم أن تقدما علميا ما رهين بتحقيق تقدم ضخم على المستوى الاقتصادي، حتى إن تعلق الأمر باستهلاك ثقافة علمية فقط، وليس إبداعها وخلقها ؟؟
    شكرا جزيلا مرة أخرى

  2. يوسف تيبس قال:

    الأخ العزيز محمد غمري
    لا أملك إلا أنم أتمنى كثرة القراء مثلك لأن ذلك شرط ضروري وحاسم في تقدم الإبداع والخلق والابتكار. ما أحوجنا إلى من ينظر مثلك بعقل فيما نكتب.

    شكرا لك أنت


Оставить комментарий