Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات, أبحاث ودراسات > الحاجات الإنسانية والنظم الحضارية والاجتماعية

الحاجات الإنسانية والنظم الحضارية والاجتماعية

الحاجات

استهلال

أكد العالم الانثربولوجي مالينوفسكي وجود علاقة بين إشباع الحاجات والنظم الحضارية والاجتماعية, فالنظام الاجتماعي هو الوجه الحضاري لإرضاء حاجات الإنسان الأساسية, فالحاجات الجسمية هي حاجات بايولوجية ونفسية ولكي تتم الاستجابة لها بشكل حضاري لا بدّ من أن تنخلق من جديد حاجات تكون طبيعتها حضارية وليس بايولوجية, مثال: الحاجة للطعام نوعاً وكماً هي حاجة بايولوجية, لكن طريقة وأسلوب تهيئة وإعداد الطعام من منشئه إلى مائدة الطعام هي عملية حضارية, وهكذا بقية الحاجات كالتناسل والراحة والأمن والحركة والنمو.

هذا الأمر في تحديد الاحتياجات يتطلب بحثها في مجمل سياق الإنتاج المجتمعي كمحور أساسي للتنمية يتطلب تشخيص الحاجات المشيّعة للاستمرار على وتيرة إشباعها وتلك غير المشيعة لتحقيق إشباعها وذلك ضمن خطّة الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك, لكن بسبب تعقيد المجتمعات يصبح من المتعذر على الإنسان تحقيق ذلك دون الاستعانة بالمؤسسات الاجتماعية وجهود الدولة وذلك لتنوعها وتشعبها وتعدد أوجهها فبعضها مرتبط بحياة الإنسان كالغذاء والصحّة والسكن وبعضها براحته وبعضها بالمعرفة,  كما أنّ حاجات الإنسان ليست ثابتة فهي في حالة نمو دائم وكما وصفها ابن خلدون بأنّ الحضارة تخلق الحاجات والاحتياجات هي التي ينبغي أن تقرر نمط الاستثمارات وتحدد هيكل المستوردات لتكوّن الحاجات أم الاستثمار, كما أن هناك جانب آخر في تحديد ما هو أساسي وضروري وما هو غير أساسي أي كمالي فالتحديد فيه مسالة نسبية تتطلب دراسة يشترك بها كل المعنيين بالنتيجة بمعناها الحضاري الشامل لكي يتم تلمّس هذه الحدود ومتابعة مواكبتها للتغيير الذي يعيشه المجتمع باستمرار لأنّ ما هو غير ضروري أو غير أساسي اليوم قد يكون غداً ضرورياً وأساسياً, فالإشباع يجب أن يتواكب مع التطور والتنمية المستقبلية بالتوافق مع مصالح المجتمع وفيما يلي تغطية تلك الاحتياجات بشيء من التفصيل:

1 – الغذاء

حاجة الإنسان للغذاء حاجة مشتركة بين البشر زماناً ومكاناً وهو ضروري لبقاءه, والبحث عنه تتشابك به عناصر بايولوجية وحضارية واجتماعية, لقد استفاد الإنسان من موارد البيئة المحيطة به لتلبية حاجاته, ولكن توزيع موارد الغذاء تختلف من بيئة لأخرى وتتباين أصناف الغذاء وتتنوع بتنوع الحضارات وتطور المجتمعات, كان الإنسان الأول نباتياً يأكل الأعشاب والفواكه ثمّ بدأ إنسان الاسترالويتكوس يأكل غذاء حيواني –نباتي بدا بالحيوانات الصغيرة ثمّ الكبيرة ولزيادة بروتين اللحوم فقد اختصر غذاؤه إلى الثلثين وأصبح لديه الوقت الكافي للبحث عن غذاء فاتجه لصيد الحيوانات الكبيرة وذلك يحتاج إلى عمل جماعي فظهرت بشكل غير مباشر إستراتيجية العمل الجماعي بالتعاون على الصيد تخطيطاً وتدبيراً وتنظيماً , ولكن عملية الصيد هذه أثرت على إنقاص أعداد الطرائد في رقعة محددة, فأصبح أمام الصيادين أمراً لا خيار غيره هو الهجرة إلى أماكن بها طرائد كثيرة فتحركوا لمسافات شاسعة من شمال إفريقيا ثمّ إلى جاوا ثمّ الصين ثمّ أوروبا فزاد انتشار البشر على رقعة شاسعة وقلت كثافتهم, أما كيف يكتشف الإنسان غذاءه فبالنسبة للنباتات بالتجربة ابتعد عن النباتات السامّة وبالنسبة للحيوانات فإنّه خيرٌ مواسم الصيد من خلال هجرة الحيوانات وقد تعلم الهجرة منها لأنّه عقبها في هجرتها, وكان اعتماده على الطبيعة لتلبية حاجاته البايولوجية مباشرة ثمّ تعلم تهجين الحيوانات مستأنساً بها, ثمّ اكتشف جمع الحبوب من مواردها الطبيعية خاصة القمح, وقد حدثت طفرات جينية متعاقبة عديدة للقمح من كلأ الماعز إلى أن ظهر الشكل الهجين المعروف بقمح الخبز بادئ الأمر كانت تنشره الرياح فيعاد إنباته لكن عندما كبرت سنبلته أصبحت ثقيلة لا تحملها الرياح فتعلم الإنسان حصدها من الطبيعة وبذارها بمناطق سهلية لتظهر الزراعة الاصطناعية بحالتها البدائية الأولى قبل حوالي عشرة آلاف سنة في منطقة الشرق الوسط تحديداً منطقة دجلة والفرات وجزيرة الشام وشرقي المتوسط, ثمّ اكتشف زراعة  الذرة ثمّ باقي الحبوب, مع الزراعة الاصطناعية بدأت مرحلة الاستقرار النسبي للإنسان قرب مزارعه وبدأت حياته تتطلب الإبداع والابتكار لما يساعده في عمله فأبدع في صناعة وسائل بدائية بسيطة كالمنجل والمخرز والإبرة والقدر وغيرها لكن هذه لها من الأهمية بمكان في تطور وارتقاء الإنسان, فغنى البشرية يأتي من تفاعل وتراكم الاختراعات وما الحضارة والثقافة سوى ثمرة الأفكار العديدة التي يبدعها الأفراد بكل وسيلة جديدة تعمل وتوسع قدرة أفراد آخرين وأروع ما ابتكر الإنسان بهذه المرحلة هو المحراث مما تتطلب منه ترويض وتأهيل حيوانات الجر لتجره ثمّ اخترع العجلة ثم المحور بين العجلات ثمّ العربة ثم قلب هذه الأداة لصنع أداة طحن الحبوب(الرحى) ثمّ طورها باستخدام قوّة الحيوانات ثمّ قوة الرياح والمياه ثمّ أصبحت العجلة نموذجاً لكل الحركات الدورانية ثمّ شيّد الأقنية لنقل الماء إلى المزرعة ومنها انبثقت القوانين التي تتحكم بحقوق المياه واتسعت المزارع وابتكر عملية حفظ الحبوب والطعام للمستقبل واستخدم لذلك الأواني الفخارية لأنّها عازلة للحرارة وهو أول إدراك للإنسان وعى فيه المتغيرات الكيمياوية وكيفية استخدامها والسيطرة عليها بصورة مبسطة ويرجح العلماء هذه الحقبة هي فترة الانتقال من الشيوعية البدائية (الوحشية والبربرية) إلى مرحلة العبودية والملكية الخاصة من هذه المرحلة تعدى الغذاء المرحلة البايولوجية إلى المرحلة الحضارية حيث أصبح لكل شعب أنواع معنية من الطعام يستذوقها فيعرف بها وتميزه عن غيره من الشعوب الأخرى, فنوع الغذاء وطرق تحضيره وتناوله والعادات والتقاليد المتبعة في ذلك ارتبط بالتراث الاجتماعي فانتقل بأقنية حضارية من جيل لآخر, فإنسان الشرق له أطعمته وطرقه وتقاليده تختلف عن إنسان الغرب والإنسان العربي يختلف عن الأوربي ولا يفسر ذلك بايولوجياً فالأمور الحضارية المرتبطة بالبيئة لا تفسر بايولوجياً, ومع ازدياد الإنتاج وظهور نظام التخصص والتخزين دخلت تلك الأمور نطاق الانثربولوجيا الاجتماعية  من خلال التوزيع والاستهلاك والتنظيمات الاقتصادية وطرق الإنتاج وطبيعة التموين ومسائل الأمن الغذائي .

خلاصة القول : لقد تدرجت تلبية الحاجة البايولوجية للإنسان من مرحلة قطف الثمار والصيد إلى مرحلة الرعي والزراعة ثمّ إلى مرحلة التصنيع بالحبوب والفيتامينات وانتقل الإنسان من تلبية تلك الحاجة بنفسه وبما توفره له الطبيعة إلى اعتماده في غذاءه وتوفيره على تنظيمات اقتصادية واجتماعية وسياسية واستطاع الإنسان بواسطة تكيفه مع البيئة أن يكوّن طعامه ويخضع تناوله لعادات وتقاليد تتوافق مع المعطيات الموجودة لديه بايولوجياً وحضارياً واجتماعياً.

2 – المأوى

المأوى هو مكان قصده الإنسان لينعم فيه أولاً وقبل كل شيء بالطمأنينة ثمّ بالراحة ثمّ بالاستقرار بوضع أثقاله وأمتعته ثمّ الحماية من ظروف الطبيعة المناخية القاسية, وهذه كلها عوامل أسهمت في ارتقاءه بايولوجياً وحضارياً واجتماعياً, ويعتقد العلماء أنّ البداية في تشكل العائلة والزواج ارتبطت بوجود المأوى, فلا عائلة بدون مأوى ولا ارتقاء بدون تفاعل معطيات الاستقرار المرتبطة بالحماية من الطبيعة, فكان الإنسان بادئ الأمر يلتجأ إلى الكهوف لتحقق له ذلك الإيواء المنشود, ولكن بعد الاستقرار الذي تمثل في الزراعة والذي تطلب منه ثباتاً نسبياً في الأراضي التي تتوفر فيها مصادر المياه حدثت نقله نوعية في حياة الإنسان فانتقل من مرحلة الإيواء بالكهوف إلى مرحلة البناء الهندسي قرب مصادر المياه وبما يحقق له حماية بيئية وأمنية ملائمة.

لقد أبدع الإنسان فكرياً واخترع مادتين للبناء فشيد مأواه من قوالب الطين أو من الحجر, إنّ استغلال مرونة الطين في التحكم بشكل مادة البناء وهندستها عكس ذوق الإنسان في بناء بيته, والذي ساعده كأداة لتنفيذ  ذلك ما بذهنه من ذوق ومرونة يده, فاكتشفت له يده ما وراء الذي تشاهده عينه فأصبحت بذلك أداة ابتكار مكملة للعقل, فبواسطة ذكاءه ومرونة يده وخبرته التجريبية بالكشف والتعلم تمكن من تمييز الخطوط الأسهل لشق الخشب والحجارة, فكشف طبيعة الأشياء وتجاوز القوانين المتحكمة ببنية المادة, ثمّ برع واجتهد في توزيع القوى ومراكز الثقل وتقسيم الضغط وعلاقته بالمسافات, ثمّ تمكن من تمييز أنواع الحجر وقوّة تماسك وشد كل نوع فصمم هذه الأبنية الشاهقة معتمداً على بصيرته في تشخيص قوّة وصلابة نوع الحجر علماً لم يكن يعرف حسابات الإجهادات الحاصلة, إلى أن توصل إلى كيفية تصميم القوس ثمّ من القوس والدعائم صمم القبة, وكان أول من استخدم ذلك هم الإغريق ثم اليونان ثمّ البيرو ثم انتقلت إلى البلاد العربية, واستخدمت الأقواس والقباب أول ما استخدمت في المعابد ثمّ تفنن الإنسان بصناعة القوس من نصف دائرة ثمّ القوس البيضوي ثم تطور إلى نصف القوس أو ما يسمى بالدعائم المعلقة ثمّ الصناعة الإسمنتية المقواة بتسليح الفولاذ لشد تماسكها.

لم يمتلك البنائون أكثر من خزين عقولهم من النماذج والأفكار والابتكارات اجتمعت بالتجربة مع أدوات بسيطة لا تتعدى فرجال وآلة قياس سماكة ومسطرة بشكل T  لقياس المستويين الشاقولي والأفقي, فكانت حرفة البناء بمثابة طلسم يحمله البنائون بعقولهم ومهارة أيديهم, سرها من أسرار المعرفة يقع خارج حدود التعلم المليء بالشكليات التي كانت تلقنه الجامعات حينئذٍ, ثمّ بعد انكشاف سرّ هذه المهنة بالقرن السابع عشر أصبح البنائون يقبلون في جمعياتهم الحرفية أعضاء جدد.

يدخل في بناء المأوى عناصر متنوعة منها: العصر, التطور العملي, والآلات والأدوات المستخدمة, والمناخ, ومواد البناء, وتعدد الخيارات, فيرتب الإنسان منزله حسب ذوقه وحاجاته وراحته النفسية وبذلك فقد تعدى المأوى وظيفته البايولوجية المرتبطة بالراحة والطمأنينة وانتقل إلى وظيفة حضارية كالتفنن بالشكل والنوع والطراز, فأصبح  لكل منطقة فن عمارة خاص بها, ولكل زمن طراز عمارة يسود فيه كما اختلف الريف عن المدينة بنمط السكن .

يعاني الوطن العربي أزمة سكن وحل هذه الأزمة يحتاج إلى تخطيط مبني على بيانات دقيقة تبين معدل النمو الطبيعي السكاني وتوزيعه الجغرافي, معدل الزيجات السنوية وتوزيعها الجغرافي, الهجرة من الريف المدنية وتحديد مدن الجذب ومدن الرفض, حالة المباني في المدن ونسبة الإحلال والاندثار والتجديد بشكل دقيق, مساحة وطبيعة وجيولوجية الأراضي المخصصة للبناء, الطبيعة الفنية لمواد البناء ومصادرها, تكنولوجيا البناء والتشييد المستخدمة, الدراسات والتصاميم مؤسسات التنفيذ حكومية/ خاصة/ تعاون ثمّ التمويل المالي, ثمّ أنّ التخطيط العمراني لا ينبغي أن يكون كادره كلّه مهندسون بل يجب أن يضم علماء اجتماع وعلماء طبيعة المختصين بالدراسات التي تتناول الإنسان وعلاقته بالبيئة الطبيعية والاجتماعية .

3 – الكساء

كان الإنسان الأول يستخدم أوراق الأشجار يلصقها على جسمه مستخدماً الطين ليواري سوئته أو ليتقي الظروف المناخية ثمّ استخدم صوف / وبر/ شعر الحيوانات على طبيعته يلصقه على جسمه لنفس الأغراض, فقد تكيف مع لباس الحيوانات دون أن يتكيف مع طبيعة تكوينه, فقد تفاعل مع المعطيات المادية حوله دون أن يفقد خصائصه كإنسان, ثم اكتشف أنّ قشر سيقان نبات الكتان تتكون منها حيال رفيعة إذا تكسر الساق فعمد إلى تكسير هذه السيقان بالحجارة وعمل خيوط من قشورها وألصقها ببعضها بواسطة الطين وعمل لباس حول جسمه, أعقب ذلك استخدام جلود الحيوانات يربطها ببعضها ولفها حول جسمه, ثمّ باكتشاف المنول استخدمه لغزل وحياكة لباسه, إنّ اكتشافه لخيوط الكتان ألزمه على زراعة هذه النبتة للاستفادة من سيقانها, كما أنّه ألزم بتربية الحيوانات ذات الصوف والشعر للاستفادة منه, ثمّ يتطور المنول وظهور الدولاب أخذ الغزل والنسيج شكله الواضح وتطور الكساء فأصبح لكل منطقة زيها الخاص بما يتلائم وبيئتها من حيث الشكل واللون وطبيعة الخيوط فالمناطق الباردة غير الحارة فأصبح الكساء أصدق صورة لتفاعل الإنسان مع البيئة الطبيعية كما أصبح وسيلة لطلب الزينة والتجميل وتقليداً شعبياً تفننت الشعوب والحضارات في اقتباس ما هو مناسب وملائم لقيمها وعاداتها وتقاليدها, إنّ تفاعل العناصر البيئية والحضارية والاجتماعية بما يتعلق بالكساء نلاحظه يظهر بالأزياء الشعبية وتطورها كما أنّ الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي أوجب تطويراً للكساء ليتوائم مع معطيات الآلة في المجتمع الصناعي فلا تتلائم الملابس الفضفاضة مع العمل قرب الآلة الصناعية والتحرك قربها ومن حولها لذلك جرت تعديلات كثيرة على الأزياء تناسب العصر وطبيعة العمل, أما في الوقت الحاضر فتكاد تتشابه الأزياء في معظم الشعوب والأمم وبما يواكب موضة العصر عدا بعض الأثنيات التي تتمسك بأزيائها الخاصة, ويرتبط أسلوب تلبية حاجات الإنسان للكساء بحضارته عبر الزمان والمكان, وإنّ تطور الأزياء بالوطن العربي يعطي نموذجاً للتفاعل بين البيئة وعناصرها الحضارية والاجتماعية, فالتغيرات على الزي العربي هي من صنع الشعب العربي كلّه تنتقل عبر الأجيال بصورة متوازنة ومدروسة من كل النواحي الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية, فلم تعد الأزياء مرتبطة بالحاجة البايولوجية بل أصبحت تمثل جزء من الشخصية الحضارية, وظهرت مشكلة هي الموائمة بين ما تصنعه دور الأزياء وبين الأصول الحضارية التي رسمت رموزها اتجاهاً لأزياء شعبية تتوائم والبيئة الاجتماعية والجغرافية والعادات والتقاليد, وبشكل عام تظهر لوحة الأزياء الشعبية ارتباطاً بامتداد الحضارات عبر الزمان والمكان, وأحياناً يعطي الزي الشعبي لمجتمع ما صورة الشخصية التي يتغنى بمواصفاتها ذلك المجتمع ويربطه الحنين بتاريخها ومآثرها أيّاً كان موقعها من التاريخ, وأحياناً أخرى نراها أنّها لم تأخذ هذا الشكل اعتباطاً فقد ارتبط كل شيء فيها بسمة من السمات المحببة للناس مثلاً العمامة رمز للوقار والهيبة والتدين والأكمام العريضة سمة من سمات المصلين لكي يسهل الوضوء وعمل الجلباب مفتوح من الأمام لكي لا يعيق ركوب الخيل, وجانب آخر ارتبطت بعض أجزاء كساء الفرد بوظائف كان يستخدمها لأجلها وخير مثال على ذلك العقال العربي فقد كان أداة ربط رجل البعير لكي لا يقوى على الهرب من راكبه ثمّ استخدم أداةً لتثبيته الكوفية ولجماليته بقى استعماله على الكوفية وأخذ ألوان خاصة به, كما لا يغيب عن ذهن الشخص السمات الجمالية للكساء التي يفضيها على مرتديه كلٌ بحسب ملائمة صفاته الجسمية مع طبيعة وألوان وحياكة وخياطة وقصات تلك الأزياء, والخلاصة أنّ للأزياء الشعبية غايات وأهداف ومهام تؤخذ بنظر الاعتبار عند اختبار ألوانها وفصالها وخياطتها وتطريزها بالحلى والنقوش إضافة إلى مهمتها الأساسية وهي التعبير الحضاري للمجتمع.   

4 – الصحة

إنّ الصحة هي مؤشر لحالة من الرفاه والانسعاد والراحة جسمياً وعقلياً واجتماعياً وينبغي أن تحقق الطمأنينة والأمان والشعور بالذات والقدرة على العمل بكلّ أشكاله الملائمة للجنس والعمر, والصحّة من الاحتياجات الأساسية للإنسان ومن حقّ كل مواطن في المجتمع, وتترابط البيئة الاجتماعية والمستوى الثقافي والإمكانية الاقتصادية بعلاقة تبادلية مع صحة الأفراد وسلوكهم فانخفاض المستوى الصحي مرتبط بتدني الإمكانية الاقتصادية للمجتمع ويشكلان حلقة مفرغة تدور بها دول العالم الثالث, ولذلك حددت المنظمات الدولة المختصة ثلاث خصائص وسمات للتمييز بين المجتمعات المتخلفة والمجتمعات المتقدمة وهذه السمات هي: مستوى الدخل, مستوى التغذية, الصحّة, وتترابط هذه الخصائص الثلاثة بما يسمى بقانون (البيئة الدائرية) فالفقير لا يتمكن من شراء حاجاته الغذائية مما يؤدي إلى إصابته بسوء التغذية وذلك يخفض مستواه الصحيّ وتضعف قدرته على العمل فتقل كفائته الإنتاجية فيقل بسبب ذلك دخله مما يزيد في عجزه عن شراء احتياجاته الغذائية الأساسية وهكذا تستمر الحلقة في الدوران, وتعطي دراسات كشف الواقع الصحي لأي مجتمع ومنه مجتمعنا العربي دلالة على اتجاهات التطور فيه, فإنّ مؤشر معدل وفيات الأطفال ومتوسط العمر المتوقع وعدد الأفراد لكل طبيب من مجمل السكان, وعدد المستشفيات بالمدن واستيعابها السريري, والتكنولوجيا الطبية الموجودة بتلك المستشفيات ومؤشر الإصابات بالأمراض ونسبة الاتفاق في المجال الصحي كل هذه الجوانب ترسم الواقع الصحي للمجتمع, يضاف إلى ذلك أن الحالة الصحية تتأثر بعوامل التنمية الاجتماعية وبنوعية البيئة ونوعية الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية.

واستناداً لهذا الفهم فإنّ الاهتمام بالصحة يشمل جملة من المعطيات كالرعاية الصحية الأولية وتكامل الخدمات الوقائية والعلاجية والوعي والتثقيف الصحي ورعاية الأمومة والطفولة وتنظيم الأسرة ومكافحة التلوث البيئي وبالتالي فالرعاية الصحيّة هي وقاية وحماية لتحقيق صحة سليمة للفرد لذلك تقاس صحّة المجتمع بصحّة الفرد فيه.

كما أنّ طبيعة التغيير الاجتماعي الذي حدث في المجتمعات ومنها مجتمعنا العربي وتغير نمط العائلة من ممتدة إلى نووية وخروج المرأة للعمل خارج المنزل أفرز التزامات اجتماعية جديدة ضمن الإطار الصحي فأوجب على الدولة رعاية كبار السن والعاجزين وذوي الاحتياجات الخاصة والأمراض المزمنة واحتضان الطفولة المبكرة مما تطلب إيجاد الملاجئ ومراكز الرعاية والاهتمام بتوفير الأمن الاجتماعي.

النظم التي تلبي الحاجات الإنسانية

لا يمكن أن تلبي حاجات الإنسان التي ذكرناها بشكل عشوائي فقد تجاوز الإنسان ذلك عندما غادر عصر المشاعية البدائية والمرحلة الوحشية وجزء من المرحلة البربرية والتي في نهاياتها انتظمت حياة الإنسان الاجتماعية والاقتصادية بشكل واضح بظهور الملكية والأسرة والنسب والإرث والاستقرار وهذا الأخير حقق للإنسان الراحة الفكرية وأبعد عنه عامل القلق والهواجس التي كانت تسيطر عليه من خوف الانقراض جوعاً, فأصبح اقتصاده يلبي رغباته وربما يفيض منه ما يدفعه لإدخاره للسنين العجاف فقد أظهرت الدراسات أنّ الإنسان منذ بداية استقراره أخذ يفكر بالمستقبل ولم يعيش للحظته قط ودليل ذلك الاكتشافات الأثرية لأواني ومعدات تخزين الغذاء وغيرها, إنّ من أهم وابرز النظم التي تحقق للإنسان احتياجاته هو النظام الاقتصادي فهو محور كل احتياجاته حتى العاطفية منها إذ فرض عليه النظام الاجتماعي أن تكون علاقاته العاطفية والجنسية منضبطة بنظام الزواج وهذا يلزمه أن يهيئ مستلزمات الزواج المادية وهذه لا بدّ من أن تغطيها نفقات اقتصادية, إنّ أهمية أي نظام تظهر في ضوء ما يقوم به من نشاط ومدى ما يضطلع به من وظائف وقد وجد كل نظام في المجتمع البشري ليحقق وظيفة أساسية تحافظ على استمرار الحياة الاجتماعية واستقرارها وبالتالي فإنّ وظيفة النظام هي التي تميز أهميته واعتقد لا يختلف اثنان على أهمية النظام الاقتصادي في الحياة كيف يتقدم على الأنظمة الأخرى بالأهمية, يقول فرويد: أنّ الغذاء والجنس هما الحياة ولا أحد يستطيع أن يضع أحدهما قبل الآخر ففقدان أيّ منهما يسبب انقراض الكائن الحي فإذا اختفى الغذاء مات الكائن الحي جوعاً وإذا اختفى التناسل انقرض جنس ذلك الكائن الحي.

النظم الاقتصادية

إذا نظرنا إلى النظام الاقتصادي وجدنا أهميته تزداد بمرور الوقت في أي مجتمع إنساني سواء كان بدائي بسيط أو صناعي حديث للوفاء بالمتطلبات المعيشية التي لا يمكن توفيرها الا من خلاله, فإنتاج السلع والمواد المختلفة التي تحتاجها الجماعة هي ركن هام في النظام الاقتصادي, والسكن والراحة والاطمئنان يوفرهما النظام الاقتصادي, وهذا الأخير متعدد الأنشطة فهو يشمل الإنتاج والتداول والتبادل والتوزيع والاستهلاك, وهذه جميعها إذا لم تتحقق بأسلوب عادل وصادق وأمين سوف لن تحقق للإنسان ما يتمناه إذ ستشوبها الصراعات والمشاكل.

وعلى هذا الأساس فإنّ علماء الانثربولوجيا عندما يتناولون النظم الاقتصادية ببحوثهم بجميع جوانبها وتفرعاتها آنفاً ولكن جماعة سكانية بدراسة مقارنة, وقد تكون هذه الجماعة عشيرة أو قبيلة أو دولة أو مجتمع بأكمله يخضع لقيادة معينة, وبهذه الحالة لا يعتبر النظام الاقتصادي نظاماً مستقلاً إنما جزءً من النسق الاجتماعي العام, فيسعى الانثربولوجي على تحديد المتغيرات المتعلقة بالنظم الاقتصادية والتعرف على تفاعلها مع بعضها وتفاوتها من مجتمع لآخر, وتزداد الأهمية لذلك عند دراسة هذه النظم في المجتمعات البدائية والبسيطة.

ومن ناحية أخرى عندما يكون النظام الاقتصادي جزءً من البناء الاجتماعي العام للمجتمع ويؤثر فيه وهو كذلك حتماً, فإنّ النظم الاجتماعية الأخرى تلعب دوراً بارزاً في تشكيل النظام الاقتصادي هذا وتحديد معالمه, ولذلك نلاحظ أنّ الجماعات القرابية وفئة السن تمثلان وحدات إنتاجية في المجتمعات البسيطة, كذلك تحدد شبكة القرابة نظم التوزيع, وتنظم الطقوس عمليات الإنتاج والتبادل والاستهلاك, وبذلك لا يمكن وصف الإنسان البدائي بأنّه إنسان اقتصادي لأنّه يوازن بين القيم الاقتصادية والقيم الأخرى ويرجح هذه الأخرى والتي تشمل التماسك والفن والجمال وغيرها على القيم الاقتصادية, ولا تقتصر هذه الخاصية على المجتمعات البدائية فحسب وإنما تتعداها لتشمل المجتمعات التقليدية مثل الريفية والبدوية, ولذلك يصعب تحليل النظام الاقتصادي بمعزل عن البناء الاجتماعي الكلّي, ولا يمكن دراسة النظم الاقتصادية على أنّها نظم مستقلة إلا في المجتمعات الرأسمالية الحديثة حصراً, ولهذا السبب نجد أنّ النظريات الاقتصادية الحديثة تكبو عندما نطبقها على المجتمعات البدائية البسيطة, فعندما نقارن بين نشاط اقتصادي في المجتمعات الحديثة والمجتمعات البسيطة سنواجه اختلافاً واضحاً بينهما بالكيف والنوع وليس في الدرجة, ولهذا التباين لن تصدق نظريات النقود ونظرية القيمة وقانون العرض والطلب على المجتمعات البسيطة, ويرجع سبب ذلك الاختلاف الكيفي إلى عوامل عدّة منها مثلاً الاندماج الكلي بين النظم الاقتصادية والنظم الاجتماعية الأخرى, إذ يرمز تبادل السلع إلى واجبات اجتماعية لا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى النظم الاجتماعية الأخرى الأسرية والدينية والسياسية.

لقد اكتشف العالم مالينوفسكي خلال دراساته لبعض المجتمعات ما قبل الاستعمارية (مجتمعات دون رأس (acephalesحتى السلطة فيها تعبر عن نفسها عبر لعبة أداء تبادلية بين الرئيس وبين أعضاء المجموعة الاجتماعية فوجد الزعماء يجمعون الثروات بشبكات من القرابة والعملاء ثمّ يستثمرونه بإقامة أعياد تنافسية تدبيرية تجعل مساعدة مؤيدهم تأخذ طابع رسمي, كما أنّ سكان الكثير من جزر المحيط الهادي يعمدون إلى الاقتصاد التبادلي, خاصة تلك السلع ذات القيمة الاعتبارية عندهم كالأسلحة والأحجار الثمينة وغيرها, ورغم أنّ المجتمعات الحديثة نشاطها الاقتصادي له نظام خاص لكن لا يمنع ذلك من الإجراء التبادلي بين بعض النظم الاجتماعية, إنّ سبب الاختلاف الكيفي في المجتمعات البدائية والبسيطة هو عدم توافر أسس الاقتصاد الحديث فيها, كالإنتاج الضخم والسوق الحديث والتخصص الدقيق في عمليات الإنتاج والتوزيع والمكننة المعقدة, ولا يخلو مجتمع بشري من النظم الاقتصادية مهما كانت درجة تخلفه أو بدائيته فإحساس الإنسان بالجوع يدفعه للبحث عن الطعام ليبقى حيّاً ويمتلك طاقة ضرورية لحركته ونشاطه لكي يجمع طعامه وهكذا.

إنّ النظم الاقتصادية هي الأساليب المستخدمة في إشباع حاجات الإنسان المادية وعلى الرغم من تنوع تلك الأساليب فإنّها تتفق في الشكل العام الذي يتمثل في نشاط يجمع ثلاثة عناصر هي الموارد والأدوات ونشاط الإنسان, فالموارد الأولية الموجودة في البيئة لا تعتبر موارد إلا إذا استغلها الإنسان فالنفط في جزيرة العرب قبل مئة عام كانوا يتضورون جوعاً وهو مخزون تحت أقدامهم ولا يعرفون عنه شيئاً والذي يعرف لا يعلم كيف يستفيد منه.


 

Tags: , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий