Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الحرف التقليدية ومواترة حذق المهارات عبد الرحمان أيوب

الحرف التقليدية ومواترة حذق المهارات عبد الرحمان أيوب

Iـ المقدمة :

إن موجب هذا العرض شأن اصطلاح «الصناعة التقليدية» (في صيغة المفرد أو في صيغة الجمع) وما يشوبه في الاستعمال السائر اليومي ـ لدى أهل الاختصاص والمتعاملين مع قطاع الإنتاج الصناعي التقليدي على حد السواء ـ من قلة الدقة، من ناحية، ومن خلط، من ناحية ثانية، مع تلك الصناعات المحدثة التي تتطبع ببعض سمات المنتوج التقليدي الأصيل حتى أصبحت تحلّ محله، مسهمة في تقليص حذق معرفته ومواترته من قبل الأجيال اللاحقة.
وإذا تضمن الاصطلاح في لفظ «الصناعة» أو «الصناعات» تلك الحرف أو المهن وما تنتجه من «مواضع الإنتاج» في مختلف المجالات ـ إنتاجا معتمدا بالدرجة الأولى على اليد وما قد يتبعها، متواصلا معها، من استعمال لأدوات أنجزتها اليد نفسها ـ فإنه يفيد من اقتران اللفظ الناعت لها (أي التقليدية) إن هذه الصناعة ضرب مميز من نشاط الإنسان يقوم على اكتساب الخبرة بشأنه في مشاغل الحرف بالمحاكاة والتكرار والإنتاج على غرار النموذج الأسبق، أو بعبارة أخرى يقوم هذا الاكتساب الصنائعي على تقليد اللاحق للأسبق، ومنه على نقل المعرفة السابقة عبر أجيال الحرفيين المتلاحقة.
وهذه الآليات المتضمنة في فعل الصناعة والتي يشملها لفظ «التقليدية» لم تحظ بالقراءة التحليلية التي تبرز حقيقة دورها في نقل حذق المعرفة، من جهة، وحذق المهارة، من جهة أخرى، وهما مكونان لصيقان لظاهرة الفعل الصنائعي .
إذ أنه بمواترة هذين الحذقين عبر زمن الأجيال، وبتراكمهما المنتخب، وبتطابق المستجد/المكتسب ـ وهو ضرب من الإضافة التي يفرضها التلاحق الثقافي وضروريات السوق وما توفره الطبيعة أو تبخل به ـ تتأسس الذاكرة الصناعية (التقليدية).
وإذا أفاد واقع الصناعات التقليدية بأن هذه الذاكرة قد تأسست عبر ممارسة الأجيال الصنائعية إلا أن نفس الواقع المعاين منذ بضع حقب يفيد بأنها قد أصبحت مهددة بالتقلص تحت مفعول عدة أسباب :
أ) بعضها ينتمي إلى داخل المجال وأخرى متأتية من خارجه،
ب) وبعضها اقتصادي تحتمه موجبات الاقتصاد التي يتعامل بها ومعها السوق،
ج) وأخرى ذات طبيعة ثقافية تقوم خاصة على كيفية تقبل المنتج والمستهلك للمنتوج التقليدي،
د) وأسباب أخرى مؤسساتية، وتبدو بشكل خاص في الخطاب الذي تحيط به المؤسسات المعنية بالتراث مجال الصناعات التقليدية، من جهة، والمؤسسات التعليمية وخاصة منها المعنية بالفنون الجميلة وما تؤديه من معارف بشأن المنتوج التقليدي أو من توجيه مثمن له، ويبدو أن هذا الفعل المؤسساتي قد أسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في دفع عدد من المتخرجين لاتخاذ «الصناعات التقليدية» موضعا حرفيا، ولكنهم أفرزوا فيه مكتسبات مدرسية حادت به دون وجهته الأصيلة.
وهذا العرض يصبو في حقيقة الأمر إلى غايتين: أولا، استقراء الآليات المؤسسة لذاكرة الصناعات التقليدية إذ نرى أن تحديدها ووصف دورها، قد يسهمان في بلورة مضمون الاصطلاح وفي الحد مما تتعرض له ذاكرة الصنائع التقليدية من أسباب الحجب، وثانيا، تقديم تحديد شامل للإصطلاح ومجاله، بحيث يكون هذا التحديد خاتمة لهذا العرض.

التذبذب الاصطلاحي
وحسب مايرد في الكتابات الصحفية وفي بعض الدراسات التي تخص بالنظر جوانب من قطاع الصناعات التقليدية، بدا لنا أن الخطاب المتعلق بالحرف التقليدية (أو ما يصطلح عليه بالصناعة /المنتوج التقليديين)، يتسم منذ ثلاثة عقود على الأقل، بقلة تحديد مدلول هذه الاصطلاحات. فنظرا لتناول هذا الضرب من النشاط الإنساني من وجهة اقتصادية موجهة،من ناحية، واعتبار بالدور الذي يلعبه هذا النشاط في مواصلة إحياء التراث الجماعي، بمثابته البنية الأساسية والأصيلة في المجتمعات التقليدية والمحتوية لسمات الهوية الجماعية وتعبيراتها، من ناحية ثانية، فإن الخطاب الذي يشمله يدرج تحت الاصطلاح السائر كل «منتوج» ذي «سحنة تقليدية».وهو بذلك لا يولي اعتبارا لما نتج عن تعويض اليد الصانعة بالآلة، جزئيا أم كليا وبشكل أساسي لما أصبح عليه ذلك المنتوج في شكله ومادته وتداوله من قبل المستهلك. وكأن الخطاب يكتفي بالمكشوف من الشكل الذي يتقمصه المنتوج، أو بالزخرف التـقليدي المستعار لتزيين ظاهرة المنتوج حتى يموضعه في متن الصناعات النقليدية وليدا معبرا عن حذق المهارة لدى الحرفي التقليدي.
وهذه الوضعية المعبرة عن تذبذب اصطلاحي بين ما هو «منتوج تقليدي»، artisanal، حقيقة، وما هو «شبيه به»، أي محاكي له ظاهريا، يترجم ضمن (الخطاب السائر اليوم حول الصناعات التقليدية) عن الاهتمام القليل بمجموعة من الميكانيزمات المسيطرة على الفعل الصنائعي التقليدي l’acte artisanal، والتي من شأنها أن تصنف «منتوجا» يدويا (بشكل أولي) منتوجا تقليديا.

أي تحديد للتقليدي من المنتوج ؟
وقبل بسط القول في هذه الميكانيزمات، يجدر بنا أن نشير الى ما يقصد به بصفة عامة في الإصطلاح منتوج تقليدي objet artisanal، من جهة وبناء عليه «الفعل الحرفي التقليدي»، l’acte artisanal، من جهة ثانية، نظرا إلى أن حذق المهارة التقليدية جزء لصيق ومتكامل مع هذا الفعل الحرفي، من جهة أخرى.
ومما يلاحظ في هذا الصدد أن أغلب المعاجم (1) التي سعت إلى تحديد هذا الضرب تؤكد بشكل واضح صفته «اليدوية»، دون مزيد إفادة حول الآليات التي تجعله يتقبل كمنتوج تقليدي من طرف المستهلك له، ولكن أغلبها يراه «حرفة» (أو مهنة) يتعاطاها شخص صنائعي يقوم بعمل يدوي لحسابه الخاص مستعينا في ذلك بعائلته أو ببعض المساعدين apprentis. فعفيف البهنسي مثلا، الذي يصنف في معجم مصطلحات الفنون، «المنتوج التقليدي» ضمن الفنون يكتفي بالقول بأن «الصناعة التقليدية (هكذا في صيغة الجمع) فنون شعبية يدوية (2)».
بيد أنه مهما عبرت كلمة فنون، في اللغة العربية، عن مدلول لفظة «الصناعات» أو الحرف إلا أنها لا تغفل أيضا الدلالة على أن هذه الحرف تفرز إنتاجا محدد السمات codifié ، وأن هذه السمات المدركة جماعيا ـــ والمتناولة جماعيا أيضا (و من هنا جاء اصطلاح «الشعبي» بشأنها ) هي التي تمكن منتوجا ما من أن يصنف ضمن الصناعات التقليدية (اليدوية) handicrafts. ونتيجة لذلك فانه يبدو من الواضح أن «الصنائعي» المباشر لمثل هذا الإنتاج لم يحذق فنّه أو مهنته في منشأة مدرسية (كما يحصل ذلك مع أغلب الفنانين) ولكن عن طريق التعلم الشعبي القائم على المعاينة (الملاحظة) والمحاكاة وإعادة الإنتاج (أي التكرارrépétition) على منوال المنتج السابق والشائع أو بعبارة أخرى إعادة إنتاج المثائل، يكون فعل الصناعة، بصفة قطعية وفي جميع هذه الحالات بواسطة اليد (الوساطة اليدوية).
ومفاد التأكيد على السمة اليدوية تجنيب هذه العملية الإنتاجية تدخل الآلة وليس المعول (الأداة)، l’outil، الذي يعتبر امتدادا لليد وينتج هو الآخر بشكل تقليدي، بينما يؤكد اصطلاح «الشعبي» علاوة على البعد الجمعي لهذا النشاط الحرفي، على أن كل فرد من أفراد المجتمع الذي يتعاطى هذا النشاط يدرك، دون واسطة، بأنه جزء من ثقافته المادية، من ناحية، وأنه امتهان حرفي ثابت، مستمر ومتواصل عبر الأزمنة، من ناحية ثانية.
ومما لا شك فيه أن المعرفة الجماعية بشان الصناعات التقليدية معرفة قائمة مسبقا وأنها جزء من الذاكرة التقنية (الصنائعية) الصانعة وأنها، بشكل خاص، محكمة بمجموعة من القواعد المحددة مسبقا. ونظرا لأن هذه القواعد تقوم بمثابة القانون المعرفي-العلمي، إن صحّ التعبير، code de faire، فإنها تفرض حدودها على مختلف العناصر والأشكال والحوامل المكونة للمنتوج التقليدي. وأما هذا القانون الذي يمكن أن نصطلح عليه «المعرفة الشعبية الصنائعية»، والذي تحفظه الذاكرة التقنية فإنه، كما يبدو، سابق لفعل إنتاج أو إعادة إنتاج المنتوج (المصنع) التقليدي. وبعبارة أخرى فإن الصنائعي مسيّر بموجب هذا القانون ليحقق «القطعة» موضع فعل صناعته. وبالتالي فإن مجرد تجاوز مفردات هذا القانون ـ من طرف الحرفي ـ يؤدي، بالنتيجة، إلى إنتاج قطعة مغايرة مهما بدت مماثلة للقطعة التقليدية، بل إن مماثلتها لها لا تعدو الشبه الظاهري لا الحقيقي.
ولذا يصحّ القول بأن الصناعة التقليدية رهن تلك الذاكرة التقنية التي توظف ـ بوعي أو دون وعي ـ البعض من عناصر ذلك القانون، على الأقل، حتى تباشر عملية الإنتاج الصنائعي التقليدي.بيد أنه مهما أسهم مفعول الذاكرة في إحداث التماثل بين المنتوجات إلا أن القطعة المحدثة لا تكون سوى جزئيا أي نسبيا تقليدية.
ولعله من الضروري التأكيد، في هذا المستوى، على أنه مهما أحدث التجاوز للقانون المشار إليه نتاجا مغايرا، فإنّ الانتاج التقليدي (وهو المحافظ بطبعه) لا تنتفي عنه سمته الأساسية، ألا وهى الحيوية Dynamisme (إذ لا يجب أن يغيب عن الذهن أن التقليدي في جوهره حيوي متواصل وليس حدثا محنطا كما قد يبدو ظاهريا للبعض).فعلى حد قول الناصر البقلوطي، مستندا على ما جاء على لسان جان بوديلار، من جهة، وما أوردته مجلة Communications في عددها الثالث عشر، من جهة أخرى : «من خاصيات المصنوعات التقليدية أنها تنجز من خامة حية….باشرها الإنسان دون أية وساطة آلية.فالتحفة التقليدية، إن صح التعبير ….في آن واحد فريدة ومتعددة، ذلك أن الفن التقليدي يمتاز بالمحافظة وبالخلق الدائم، إذ يتكرر فيه النموذج الواحد دون الرجوع إلى معيار مضبوط يقاس عليه»(3).
كما هو واضح فإن الناصر البقلوطي يسعى في مقولته إلى تفويق إحدى السمات الأساسية للصناعات التقليدية والتي نصطلح عليها بالتواصل والاستمرارية.وهي سمة واجبة يحققها التكرار أو إعادة الإنتاج للمماثل مماثلة طبق الأصل.بيد أنه في تكرار المماثل ينحشر عنصر مميز وخاص بالصنائعي، يجعل من القطعة المنتجة مماثلة للنموذج الأصل وفي آن واحد مغايرة له.فقد لا تعدو الإضافة – كما هو الحال بشان تزويق القطعة التقليدية -عنصرا ماديا بسيطا جدا، قد لا يرى مباشرة ،و إنما أفردته بعنايتها يد الصنائعي ورغبته الجمالية والوشائجية، أو ما اضطرته إليها الوفرة المادية أو فقدانها.ومن هذا المنطلق لن تكون القطعة مثيلة للقطعة النموذج ولكنها، رغم ذلك،تنتسب لنفس المتن أو الضرب.
و خذ مثالا على ذلك صنعة «محولة الطين التقليدية» (La potière ancestrale) .فهي تستخرج الطين من الأرض ثم تعجنه ثم تشكله في هيأة ما ،الخ…
وفي كل مرة تصنع نفس الصنيع، أي كما اعتادت ذلك على مر السنين، لتنتج من الطين الخام أوانيها الفخارية أو تماثيلها القربانية.غير أن ذلك لا يمنعها من أن تضيف من حين الى آخر موتيفا جديدا أو أن تبدل موتيفا بآخر تستعيره من متن التزويق التقليدي. والناظر/المستهلك للقطعة يصنفها قطعة تقليدية مماثلة لما تعود على رؤيته أو استعماله من القطع، ولا يستغرب الموتيف المحدث نظرا لانتساب هذا الموتيف إلى متن التزويق التقليدي المتكامل. وفي حقيقة الأمر تمثل القطعة المحدثة صيغة مماثلة، seconde version، لنموذج قديم قدم زمن صناعته، ترعاه الذاكرة التقنية لصنائعي المنتوج التقليدي ومستهلكيه. ويقوم هذا النموذج بمثابة الصيغة المجردة schéme، التي تتولد عنها أصناف المنتوج التقليدي وأشكاله بحسب الأطرزة المناسبة Morphologies adéquates،.
وانطلاقا من الصيغة المجردة تنتج سلسلة من المصنوعات التي تنتسب لنفس العائلة : وهي شبيهة بعضها البعض ولا يختلف بعضها عن البعض إلا كما يتباين الإخوة والأخوات من نفس العائلة والفصيلة. وهذه السلسلة حيث يبدو كل منتوج بحكم آليات الذاكرة الجماعيّـة، مولدا من سلالة المنتوج الأسبق، تقيم محطات «المصنوعات التقليدية»، كل بحسب فصيلته، على المسلك الزمني، وهو مسلك غير متقاطع بل متواصل في ديمومة واستمرارية (Pérennité)
وفعلا يراد من تواصل «زمن الصناعة» استمرارية الفعل الصنائعي Le faire artisanal.
ولا يفوتنا هنا التذكير بأنه، في الحالة المعاكسة، أي حيث يحصل التـقطّع في سلسلة زمنية الفعل الصنائعي، يكون المنتوج المولد انطلاقا من النموذج الأصل قد غادر بعد مجال الذاكرة التقنية، وأخذ النسيان يطويه ويرميه في غيبوبة الإهمال. بيد أن واقع الصناعات التقليدية الحقيقية أي تلك التي يمارسها أمناؤها يفيد بأنها محافظة وموسومة بالتواصل Le continuum. فهي تنفر من عدم الاستمرارية في زمنية فعلها الصنائعي وترى في كل منتوج مماثل لها وقد اتخذ سحنة فصيلتها منتوجا آخر، بالمعنى الذي يفيد به «الآخر» في مجال المغايرة والاختلاف .
واذ لا مجال للشك في أن التواصل والاستمرارية لا يفسحان المجال للتكلّس والتحنّط فإن ميدان الصناعات التقليدية هو الآخر، على غرار ميادين النشاط الإنساني، تخالجه الحيوية والحركية.
ونتيجة لذلك فهو يقع في محك التطور بحسب ما يفيد به هذا الاصطلاح في المنظومة الدروينية. أي أن المنتوج التقليدي لا يتمكن من سن تواصله المادي ومن المحافظة على مقوماته في الذاكرة الخاصة به إلا لاستجابته، ومن حين إلى آخر وبشكل مرحلي حتمي، إلى مفعول قانون الانتخاب وآلياته.

III ـ قانون الانتخاب ودوره في المنتوج التقليدي :
يتصرف قانون الانتخاب في تطور المنتوج التقليدي انطلاقا من الأسبـاب الفاعلة الثـلاثــة التـاليـة : الجدوى، والصنعة La teachné والاحتكاك أو الاستعارة (من الآخر Emprunt).

أ) الجدوى :
إنّ كل منتوج تقليدي لم يعد يرى فيه مستهلكه جدوى في حياته اليومية، يبطل إنتاجه وبالتالي تغفله الذاكرة الجماعية. ومثل هذه المنتوجات تحتفظ بها بعض المتاحف الاثنوغرافية. ونظرا لأن الطبيعة تنفر من الفراغ فإنها تحل محلّ المنتوجات المفقودة أخرى توظف لما أنجزت من أجله … ولعلّ هذا ما تقوم به اليوم ثقافة الالومنيوم والبلاستيك (4).

ب) الصنعة :
مهما كانت اليد أداة أساسية في الإنتاج التقليدي إلا أن مهارتها تزداد بتراكم التجربة فتصقل أكثر فأكثر. كما تكتسب ذكاء وحذقا عمليا (أي حرفيا) يمكنها من إضافة الجودة في طريقة تناولها للفعل، ومن تطويع أدواتها المصاحبة لمقتضى مواد المنتوج، ومن الاقتصاد لا في زمن الصناعة فحسب ولكن في المواد وما يتبعها أيضا.
ويرى ريجس دوبري، ومن قبله لورا غوران، أن التحولات التقنية Mutations techniques، الناتجة عن تراكم التجربة اليدوية، أدت إلى اكتشاف الأداة المناسبة وإلى الضرورة العملية للانسجام مع المتطلبات اليومية (5). وهاتان الحالتان اسهمتا في تطور جميع ما أبدعه الإنسان. ولذا يحدو بنا الظن إلى أن مسيرة مختلف منتوجات الصناعة التقليدية قد خضعت هي الأخرى إلى بعض التحولات، وخاصة منها التحولات ذات الطبيعة التقنية، وقد تمثل مفعولها في مختلف الصيغ Morphologies، التي تشكلت، ضمن حدودها، المماثلات العديدة التي نحصيها بين مكونات أسرة الصناعات التقليدية، إن صحّ التعبير.
ومفاد القول إنه مهما تأكدت علاقة انتساب المنتوج التقليدي الحالي للمنتوج الأصلي، أو قل للنموذج الأول، إلا أن آثار التحولات التي صيغ في مدارها قد حيكت في نسيجه مما مكنه من التواصل والاستمرار ومن أن يكون في آن واحد المماثل والمغاير.
وإذ قد يطول تفصيل القول بشان مظاهر آثار هذه التحولات في المنتوجات التقليدية، فيكفي الإشارة إلى أنها تلحق بصفة جد جزئية بشكل المنتوج ووظيفته وأدوات صناعته وبصفة أقل بمواده. فالإناء الخزفي المستدير الشكل مثلا قد يصبح بموجب الضرورة والحاجة بيضوي الشكل وعميقا. وقد يصبح المر?وم عوض غطاء للسرير غطاء للراس، كما يمكن أن يدار الخزف بالأداة (الدولاب) عوضا عن اليد فحسب وأن يعوض صوف الزربية الطبيعي بألياف صوفية ملونة بالأصباغ الطبيعية.
إن هذه التحولات البطيئة والمتواصلة في الوقت نفسه لا تلحق، كما يبدو، بسمة التشابه l’homogénéité، التي تمثل قاسما مشتركا بين مختلف مماثلات variantes نفس المنتوج التقليدي. ولا يستبعد أن تكون هذه التحولات ضربا من حالات الإبداع التي يمليها قانون الانتخاب وتنتج عنها استمرارية متن المنتوج التقليدي في الزمن وثباته إزاء آليات الانتخاب المزيل لبعض الظواهر، وأخيرا، تمكنه من إعادة إنتاج المماثل له.
ومن المفيد أن نشير إلى أن حالات الإبداع هذه لا تدرك من قبل الصنائعي على أنها حالات إبداع، فتقصد لذاتها، وإنما تلهمه إياها، خلال ممارسته للصنعة حيثيات المجتمع وما تفرضه هذه عليهم حتى تتواصل صنعتهم متطابقة مع الطلب والعرض. وكلما توفرت الإبداعية فإنها لا تصل إلى حد إضافة عناصر من شأنها أن تبعد المنتوج عن صنف انتسابه، أو أن تحوله بل تغيره ليصبح منتوجا آخر قائما بذاته. ومهما كانت الإبداعية «متستّرة»، إن صح التعبير، فإنها لا تتجلى إلا من خلال التحليل المقارن الدقيق بين العديد من مختلف مماثلات نفس المنتوج. واما إذا ارتقت الإبداعية إلى أقصى درجاتها وأصبحت واضحة فإنها تؤدي إلى منتوج جديد، ولو كان هذا المنتوج صناعة تقليدية.

ج) الاحتكاك أو التواصل مع الآخر:
ويبدو من جانب ثان، أن التحولات التي يخضع إليها المعطى التقليدي، بصفة عامة، متأتية أحيانا من العلاقات التي يقيمها الصنائعي ومجال الصناعات مع المحيط الخارجي. فالتواصل بالفضاءات العامة والهجرة وانتقال المكتسبات المادية والثقافية، ورؤية القطع الواردة من خارج المحيط أم اكتسابها، وطموح الصنائعي نحو الجودة انطلاقا من محاكاة «النموذج» الذي يعتبره ثمينا ومثمنا له (و هنا تجدر الإشارة إلى تأثير البلور التقليدي ذي الطابع الموريني وكذلك السجاد ذي الطابع الأناتولي على ما ينتج منذ حقب من بلور ذي سحنة تقليدية أو سجاد اتخذ ما يطلق عليه بالطابع القيرواني)، وغيرها من مواضع الاحتكاك بالآخر …هي وضعيات موضوعية تخترق، على مر الأزمنة، مسار الصنائعي ومجال صناعاته التقليدية وتترك آثارها فيهما. ولهذا فإن القطعة التقليدية والفعل التقليدي، على حد السواء، يتواجدان في مفترق تراكم المكتسب من الآخر وتراكم فعل الانتخاب اللذين يعيدان صياغتهما، ولو بشكل جزئي وغير محسوس، زمن حدوث الفعل. فكم من سمة ثقافية متباينة وكم من محدد ثقافي حفرت آثارهما على أخدود النموذج والمتولد عنه من القطع التقليدية المشاهدة في الحال، أو في حركية الفعل التقليدي الإنشائي وما تولد عنه من فعل حرفي حالي؟! بيد أن القراءات المقارنة في المجال الاثنولوجي تفيد بأن الصنائعي ينفر من عدم التواصل(6)، وتبعا لذلك فإنه يتعامل مع هذه الآثار المستجدة من منطلق التوفيق بينها وبين مجموع العناصر المكونة لصناعته بحيث لا تبدو دخيلة ولا تؤدي إلى تصنيفها صناعة مغايرة. وهذا التصرف يمليه قانون الدمج التوفيقي المتواصل بين حلقات سلسلة الصناعات التقليدية المولدة الواحدة للأخرى.

IV ـ التواتر وحذق المهارة :
و اعتمادا على ما سبق، نستنتج أن الفعل الصنائعي التقليدي هو حصيلة تراكم معرفي. وهذه المعرفة الموسومة هي الأخرى بالتواصل والاستمرارية والتي تتنقل من فرد إلى آخر بفضل آليات التعلم الشعبي المشار إليها أعلاه، تقوم مقام المؤسسة المحافظة.
هذه المؤسسة التي نطلق عليها اصطلاح « المعرفة الجماعية» (أو المعرفة الشعبية) تنفر من التجاوزات الـممكنة إذ ترى فيها ما لا ترغبه من عدم تواصل الذاكرة الصنائعية، وغيرها، من جهة، ومن امكانية فقدان البعض من مكتسباتها الثقافية، من جهة أخرى، فكل «مجتمع مسؤول، حسب بول ريكور على أن يواتر، من جيل إلى آخر، ما يعتبر أنه مكتسباته الثقافية» (7).
و هذه المؤسسة التي تقوم على المجموعة، وبصفة أدق على الطوائف الحرفية، لتنقل على حد قول ريجيس دوبري، «من الأمس إلى اليوم متن معارفها وقيمها وحذق مهاراتها التي تؤسس بشكل تفاعلي هوية المجموعة المستقرة…»(8)، تواتر فعلا معارفها عبر الزمن، فهي بالتأكيد، تواترها لتحافظ عليها، وفي الآن نفسه، لتحافظ على نفسها من حيث أنها هوية قائمة بذاتها (9)، وذلك طالما أدت المجموعة مسؤولية حراسة تراثها أو قل «مجال ذاكرتها الجماعية».
و تقع قراءة حذق المهارة أيضا من باب انتقال المعرفة وإعادة الإنتاج الواعي والمتبصر لمضمون ذاكرة عملت المجموعة الحاملة لمكتسبات مؤسستها المعرفية على مواترها عبر الأجيال.
ومهما كان لفظ « المعرفة» عسير التحديد بدقة لما يشتمل عليه من مختلف مجالات المعرفة المعلن عنها والمتداولة وغيرها من المجالات المسكوت عنها. إلا أنه يحق التساؤل حول الطريقة التي بفضلها يتوصل الصنائعي الذي لم يلازم مدرسة سوى مدرسة الحياة، إلى التمييز بين أصناف الطين لينتخب الجيد الملائم لخزفه، أو للتعرف على الأكسيد (الحامض) الذي يساعد استعماله على تليين نحاسه، أو إلى تحديد درجة الحرارة التي من شأنها أن تحول الرمل إلى بلور أو مرونة بعض أصناف الخشب لينتخب منها ما يستقيم وأشكال مراكبه البيضوية؟
إنها «الصدفة»، دون شك ! لقد فتحت أمام الصنائعي الأول أبواب الاكتشاف على مصراعيها. فبفضلها أصبحت معارفه بمكونات الطبيعة ومواردها، وبطرق الفعل وأسبابها، معرفة تجريبية عاقلة savoir empirique، ومتراكمة على مدار الزمن (10)، كما مكنت هذه المعرفة التجريبية، بدورها، من تجنب الأخطاء وعدم تكرارها في حقل حذق المهارة، وكذلك من انتخاب معرفة مقننة ومتواترة بشكل منتظم ومطرد، حتى باتت تلك المعرفة متنا معرفيا (ثقافيا) مرسوما في ذاكرة حملتها ومكتسبا تتناقله الأجيال .
إن نقل هذا المكتسب الجمعي يوطد بصفة خاصة المحافظة عليه، ويوطد بصفة اخص المحافظة على المعرفة المتجذرة وحذق المهارة (11). فكل فرد لم يكن في موضع المتقبل لا يستطيع أن يقوم بدور ناقل المعرفة، نظرا لأنه لم يكن من حفظتها ولم تتموضع ذاكرته بين حلقات سلسلة الذاكرة الجماعية الحافظة التي بدونها لا تحصل عملية مواترة حذق المعرفة والمهارات التقليدية. وفعلا لا يتمكن أي فرد من ان يكون صنائعيا طالما لم يكن، حينا ما، في موضع المتقبل ـ الناقل داخل مؤسسة المعرفة الشعبية.
وباختصار يمكن أن نقول إن حذق المهارة التقليدية هو حصيلة المعارف النظرية والممارسات التطبيقية المتراكمة منذ فجر الزمن والمتناقلة/ المتواترة بين أفراد المجموعة الصنائعية، من جيل إلى آخر. وهذه المجموعة التي أصبح حذق مهارتها مقننا، تباشر المحافظة، بشكل مطلق،على ذاكرتها الصنائعية/التقنية، كما تلتزم بفضل معرفتها التجريبية بملاءمة المعطى التقليدي لما يمليه عليها حاضر ممارساتها.
و من حيث أنه مجال من مجالات الذاكرة المحافظة فإن المعطى الثقافي الخاص بالصناعات التقليدية يستعير بشكل منتظم من ثقافة الآخر المحتك بها، العناصر الصنائعية التي تناسبه دون أن يهمل مكتسباته الأصيلة. وعلى هذا النحو تتواصل حملته محافظة متثاقفة وجسدا حرفيا متكاملا.

الخاتمة :
إعادة تحديد اصطلاح الصناعات التقليدية
ولنعد في نهاية هذا العرض الموجز إلى ما انطلقنا منه حول أهمية إحاطة الخطاب الثقافي والاقتصادي الراهن بتحديد لاصطلاح الصناعات التقليدية لا يشوبه التذبذب، ويثمّن الصنائعي ويموضع القطاع في جدلية العرض والطلب والمنافسة، كما يهتم به لا من حيث جدواه الاقتصادية فحسب ولكن من حيث أنه مكون أساسي من مكونات التراث الثقافي الجماعي الذي تتجلى فيه أسس الهوية الجماعية.
فانطلاقا من الافتراض القائل بأن نشاطا إنسانيا ما يمكن أن يوصف بالتقليدي او بغيره، فيحق الاصطلاح عليه بالصناعة التقليدية فإن الإصطلاح يوطد بذاته استمرارية الفعل الصنائعي ودوامه في الزمن. أي إن كل مرحلة منه متجذرة في مرحلة سابقة لها، فإن لم يكن الأمر كذلك بطل الاصطلاح على هذا الضرب من النشاط بأنه تقليدي.
كما يلزم الاصطلاح بالأخذ بعين الاعتبار مختلف آليات متواترة حذق المهارة عبر الأجيال : فبالإضافة إلى التراكم المعرفي والتطبيقي، وتتمثل هذه الآليات في الانتخاب بموجب الضرورة والاستعارة من الآخر، والتحول النسبي الملزم والتعويض المشروط بقانون المحاكاة.
وبناء عليه نرى إمكانية الاصطلاح على الصناعات التقليدية كالآتي :
1 ـ يظهر المصنوع التقليدي في أشكال مادية (قطع تقليدية) ويعكس بأشكاله تلك مكتسبات لا مادية تدل على حذق مهارة موروثة وموسومة بالعادة.
2 ـ إن المصنوع التقليدي تنتجه اليد بمساعدة أدوات يدوية أو بدونها ومستخدمة لإنتاجها المواد الحية التي تهبها إياها الطبيعة. ويمثل هذا المصنوع إعادة إنتاج موسوم بطابع المقدرة الإبداعية للصنائعي انطلاقا من نموذج وقع تناقله عبر الأجيال وقد تولد عن مثال إنشائي أولي.
3 ـ وأما الفعل الصنائعي التقليدي فيمثل تمظهرا للذاكرة أي استمرارية لذاكرة تقنية. وهو حصيلة حذق مهارة قابلة للاستحضار كلما وقعت مباشرة الصنعة وقد اكتسبت، بالمعاينة وغيرها من آليات التعلم، في موضع الحرفة وبين أفراد المجموعة الحرفية، وهي بدورها مشروطة بالمواترة من جيل لآخر.
4 ـ ونظرا للطبيعة المحافظة للمصنع وللفعل التقليديين فإنهما لا يجنحان للاستعارة من «الآخر» إلا إذا كان «المستعار» ملائما لصيغة (مورفولوجية) «موضع الصنعة»، منسجما مع مختلف عناصره، ومتماهيا مع ما اعتادت عليه اليد من حركية.
وتبعا لهذا التحديد فإن كل منتج تقليدي لا يمتّ بصلة قرابة مع مكونات متن الصناعات التقليدية لا يصنف صناعة تقليدية مهما تمظهر في هيأتها. ولقد أصبح هذا الصنف شائعا نتيجة انتشار المعرفة المدرسية. وهو صنف مخضرم، يتخذ من «التقليدي» المتجذر ظاهره ويسهم في الوأد البطيء إلى حدّ ما لحذق معرفة ومهارة يواجهان بإصرار إرهاصات «السوق» التي يتجلى عنفها في التطاول على اليد المبدعة باتخاذ الآلة والمكننة عوضا عنها وفي الاستغناء عن الطبيعة الحية وتعويض موادها بالمحوّل منها.

الهوامش والاحالات

1) تناول الناصر البقلوطي بالثبت والتحليل أغلب المصطلحات الخاصة بالصناعة أو الحرفية أو المهنة (بفتح الميم) التي أوردتها المعاجم العربية القديمة، وكذلك ما ورد من تعريف على لسان ابن خلدون، انظر البقلوطي (الناصر)، «مرجعية الصناعات التقليدية الثقافية حوار بين الثقافات» (محاضرة قيد النشر).
2) Bahnassi (Afif), Dictionnaire trilingue des termes d’arts, Académie arabe de Damas, 1971. P18
3) البقلوطي (الناصر)، مقولات في التراث الشعبي، منشورات تبر الزمان، تونس، 2005، ص. 30 و31، وانظر ايظا : Baudillard (Jean), le système des objets, Gallmard, Paris, 1968.

4) تقول ج.بابلون بأن «القضاء على الظواهر غير المجدية قانون من قوانين الطبيعة. غير أن الثقافة تتدخل بموجب اختيارات محتمة للحدّ من مفعول هذا القانون».
Babelon (J.P), La notion de patrimoine, Liani Levi, Paris,1994,P.101
5) Debray (Régis), Vie et Morts de l’image, Gallimard, Paris, 1992, P.147 ;
Leroi- gourhan (André), Le Geste et la parole, Volume 1 et 2, Aladin Michel,Paris,1964.
6) Giraud (M.O), Leservoisier (O), Pottier (R), les notions clés de l’ethnologie, Arnaud Colin,Paris, 2002, pp114, 169, 184-185.
7) Ricoeur (Paul), La mémoire. l’histoire et l’oubli, Seuil, Paris, 2000, p.72
8) Debray (Régis), Transmettre, Odile Jacob, Paris, 1997 p .21
9) «ان المواترة تقوم أيضا على التعويض المتكرر، لأنّـها عمليّـة حيويّـة وليست إعادة إنتاج آلية (ميكانيكية) بل إنها كلما أزالت شيئا أضافت محله غيره (من ذات طبيعته)»، المصدر السابق، ص.50.
10) «تشترك مختلف ظواهر حذق المعرفة في أنها متوفرة مسبقا في الذاكرة ولذا لا تحتاج الى أن تكتسب المعرفة مجددا أو أن تعيد الاكتساب، وهي قابلة باستمرار لأن تستحضر في العديد من المناسبات وأن تكون دوما قابلة لإفراز المتغيرات (المماثلات)» ريكول (بول) المصدر أعلاه،ص21.
11) حسب بول ريكول : «إن العادة تقاوم الاكتشاف»، المصدر السابق ،ص36.

عبد الرحمن أيوب:

من مواليد سنة 1948 في صفاقس

واصل دراسته في فرنسا و حصل على ديبلوم في اللسانيات

احرز دكتوراه المرحلة الثالثة سنة 1977

اشتغل بالتدريس و تنقل بين عدة بلدان ثم عين في المعهد القومي للاثار

عضو اتحاد الكتاب منذ سنة 1984

صدر له :

— مدنين من قصور الجنوب التونسي / المؤلف / 1978

— صورة الجازية الهلالية من خلال رسم على البلور / باريس 1980

— قصة بني هلال و ما جرى لهم في تغريبتهم / بالاشتراك/ باريس 1983

— كتاب السيرة و اخبار الائمة لابي زكرياء الوار جلالي / تحقيق / الدار التونسية للنشر 1984

— مهاترات في فكر / لوحات خليط / 1984

–هلاليات / تقديم و لوحات بالاشتراك/المؤلف 1986

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий