Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الخطاب القانوني أنموذجا ثقافيّا

الخطاب القانوني أنموذجا ثقافيّا

الخميس 18 حزيران (يونيو) 2009

بقلم: ليلى سلامة

يُعدّ القانون من الظواهر الاجتماعية التي تتميّز بتعدّد أبعادها؛ فهو تركيب متجانس من دين وأخلاق وسياسة وعادات وتقاليد وفلسفة وأدب. ولعلّ هذا التميّز هو الذي جعله محور عدّة اهتمامات ؛ فالقانون ليس مجال دراسة لبعض المختصّين فحسب، وإنّما هو مبحث قد حظي باهتمام فروع مختلفة من الدراسات الإنسانية؛ فقد انبثقت من النظريّات الكبرى للعلوم الإنسانية من فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع…مباحث فرعيّة اهتمّت بالقانون، فوجدنا فلسفة القانون؛ وسوسيولوجيا القانون؛ وأنثروبولوجيا القانون ولسانيّات القانون[1] … وغير ذلك من المباحث المتّصلة بالظاهرة القانونيّة[2]؛والتي اهتمّت بالبحث في ماهيّة القانون وطريقة اشتغاله وأشكال تنظيمه وتطويره.والنظر في نصوص القانون اليوم يُثير عديد الإشكالات، فهذه النصوص ترسم جملة من القواعد المنظّمة لحياة الأفراد داخل الجماعة؛ وهي قواعد تتسم بعُلويّتها وشموليّتها؛ فلكي يكون نصّ أو خطاب ما، قانونا، ينبغي أن تتوفّر فيه شروط أبرزها أن يكون عامّا وأن لا يقتصر نَفَاذُه على وضع خاصّ؛ وهذا ما يُخوّل الحديث عن الظاهرة القانونيّة باعتبار أنّ القانون خطاب/ نصّ نموذجي لا يكتسب قيمته إلاّ إذا تحوّل إلى واقع مُنجز؛ فنصّ القانون ليس مُجرّد كلمات أو علامات، وإنّما هو مجموعة شديدة التعقيد من الخطابات والممارسات؛ إنّه نتاج تسيّره جملة من القواعد بعضها خفيّ وبعضها الآخر جليّ، وهذا النتاج يُنظّم بدوره ويُقعّد عددا من العلاقات الاجتماعية عبر إكسابها معنى مُسبقا .

إنّ العلاقة بين الخطاب القانوني وواقع تطبيقه/ واقع الممارسة القانونيّة؛ هي التي تسمح باعتبار الظاهرة القانونيّة أنموذجا ثقافيّا (cultural pattern)[3]؛كما أنّها تسمح باعتبار المسألة إشكالية بوجه خاص؛ فالأنموذجي/ كلّ أنموذجي يتّسم بالثبات والتعالي؛ بينما سمة الثقافيّ الأساسيّة هي التغيّر والتبدّل.

فكيف تستقيم العلاقة بين القانون المتعالي الثابت والواقع الثقافيّ المتغيّر على الدوام؟ وهل إنّ القانون هو الذي يُسيّر الواقع أم أنّ الواقع هو الذي يُنتج القانون لأنّه في الآن ذاته موضوعه ومضمونه؟

سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات بالنظر في :

 شكل الخطاب القانوني

 مضمون الخطاب القانوني

 علاقة الخطاب القانوني بالواقع الاجتماعي أو تشكّل الظاهرة القانونيّة

I. شكل الخطاب القانوني

1) في علاقة اللغة بالقانون أو علاقة القانون باللغة

ننطلق من فكرة أن الخطاب القانوني محكوم باللغة؛ فهي أداة صياغته ووسيلته للتعبير، ولمّا كان القانون خطابا معبّرا عن بُنى فكرية، كانت اللغة بقواعد نحوها وتركيبها متحكمة أولى فيه، فهو لا يستطيع تحقيق وظيفته الأساسية كخطاب بأن يفهمه المتلقون المعنيون به إلا إذا خاطبهم بلغة يفهمونها.

لكنّ الناظر في النصوص القانونية يٌدرك صعوبة فهمها على القارئ العادي، ذلك أن الألفاظ فيها قد انزاحت عن معانيها المعجمية الأصلية لتتخذ معاني جديدة اصطلاحية قانونية، وهو الأمر الذي سمح بالحديث عن الخطاب القانوني الذي كان محور أبحاث عدة [4].

من هذه الأبحاث تلك التي اتصلت بمدى تجسيد الخطاب القانوني لعلاقة اللغة بالفعل؛ الأمر الذي ركز فيه النظر Austin J.L في كتابه”Quand dire c’est faire” واعتمد عليه الكثير من الدارسين [5] ليُبّينوا أن الخطاب القانوني هو خطاب وثيق الصلة بالواقع، لأنه لا يكتسب معناه إلا إذا تحوّل إلى منجز فعليّ، بل لعلّ القانون هو الخطاب الوحيد الذي لا تكون له قيمة إلاّ بتطبيقه في الواقع فعلا. الأمر الذي يقودنا إلى تمثل أوّل للخطاب القانوني على أساس أنه أنموذج قولي تطبيقه فعلي واقعي.[6]غير أنّ علاقة الأنموذج والواقع ليست بسيطة مباشرة وإنّما هي وجه من أوجه ما يُسمّى بعمليّة: “التأثير بالقول”(acte perlocutoire) التي قد يتحوّل الكلام بمقتضاها إلى منجز فعليّ.[7] فالخطاب القانوني لا يقتصر على ذلك، وإنما يمكن أن نتحدث فيه عن نماذج فكرية معرفية تتصل بكيفية صياغة القواعد القانونية الآمر الذي سمح بالحديث عن:

2) البناء الشكلي للخطاب القانوني :

النظام القانوني في شكله هو جملة من الأوامر والنواهي أي من القواعد والنُظم التي تحدد سلفا ما ينبغي إن تكون عليه السلوكات الاجتماعية. وهذه القواعد مقرّرة مسبقا وهي ذات صبغة إلزاميّة بل قهريّة، غايتها توفير الحماية الدائمة للسلم الاجتماعي وتأمين تسيير الجماعة وتقعيد السلوكات والتبادلات بين أفراد المجتمع .

إن إلزامية القواعد القانونية تعنى أن عدم احترامها يؤدي إلى العقاب أو إلى فرضها بالقوة أو إلى إبطال ما يخالفها. وهذه الصبغة الإلزامية لا تبرز دوما في صيغة الخطاب الزجريّة أو الآمرة وإنما يُعدّ التنصيص في حدّ ذاته على أمر ما ضِمْن مدونة قانونية، شكلا من إشكال الإلزام، ذلك أنّ تحرير نصّ قانون وإصداره يمرّ بمراحل؛ ففي مجتمعاتنا المعاصرة يُقترح مشروع قانون على مجلس النوّاب الذي يُناقشه وينظر في مدى ملائمة ما فيه لسائر النصوص القانونيّة الأخرى؛ وإمكانية تطبيقه في أرض الواقع؛ ويقترح أحيانا تعديلات على ذلك النصّ لينتهي الأمر برفض القانون أو بقبوله وعندئذ يتحوّل من مشروع قانون إلى نصّ قانونيّ ملزم ينبغي أن يُطبّق وأن يُطيعه جميع الأفراد ويُطبّقوا ما جاء فيه؛ ومتى خالفوه أو خرجوا عنه عُدّ سلوكهم باطلا واستوجب الردع أو العقاب. فالتنصيص هو المُجسّد الأوّل لإلزاميّة القانون .

نموذجنا في ذلك نلتمسه من الدستور التونسي ومن الفصل 4 منه على وجه الخصوص، وفيه نجد المشرع يُحدّد شكل العلم التونسي فيقول: “علم الجمهورية التونسية أحمر تتوسطه دائرة بيضاء بها نجم ذو خمسة أشعة يحيط بها هلال أحمر حسب ما يبينه القانون.”[8] نلاحظ أن صيغة الكلام في هذا الفصل إخبارية فهو يخبرنا عن شكل العلم التونسي؛ وهو يُخبرنا بما عليه العلم الآن كما نعرفه، لكنه يخبرنا أيضا بما ينبغي أن يكون عليه العلم. معنى ذلك أنّه ليس لأيّ كان أن يغيّر في شكل قطعة القماش تلك التي ندعوها علما أو لونها، لأنه بذلك يجعله مخالفا للقانون، مخالفا لما ينبغي أن يكون عليه العلم التونسي. فالتغيير أو التبديل يعني الخروج بذلك العلم عن أن يكون خاصا بهذا البلد الذي ضبط في دستوره ما يجب أن يكون عليه.

والمسالة الإلزامية هذه تبرز بشكل أوضح في النصوص القانونية ذات الصبغة الزجرية والتي تحمل أوامر ونواهي. مثالنا على ذلك الفصل 18 من مجلّة الأحوال الشخصيّة:

 تعدد الزوجات ممنوع

 كل من تزوّج وهو في حالة زوجية وقَبْلَ فكِّ عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن.[9]

فهذا الفصل لم يكتف المشرع فيه بمنع تعدّد الزوجات، وإنما تجاوز ذلك إلى التصريح والتهديد بعقاب من يخالف ذلك.

إن الإلزام هنا قد فرضه نص كانت له قيمة تشريعية تنظيمية، أصدرته الدولة؛ فالدولة هي التي تضطلع بعملية التشريع، ويبرز دورها الإلزامي في قوانين أخرى أكثر اتصالا بالأفراد، مثال ذلك ما يتّصل ببناء مسكن، فالفرد يحتاج إلى رخصة بناء، والحصول على هذه الرخصة أمر إلزامي، وإلا تعرض الفرد إلى عقاب أبرزه هدم ما يُبنى بدون رخصة؛ والحصول على هذه الرخصة هو في شكله الأول مجرد خضوع حرفي لنص قانوني .

ومسألة الإلزام هذه تأخذ أشكالا مختلفة تتراوح بين التطبيق الشكلي /الفعلي كما هو شأن شكل العلم؛ وبين العقاب المالي أو دفع الغرامات في حالة مخالفة القانون أو العقاب بالسجن أو غيره من العقوبات.

ويُفضي بنا الفكر إلى التمييز بين مختلف المجالات التي يتصل بها الخطاب القانوني، ففيه نصوص تأسيسية كالدستور، وفيه نصوص تنظيمية على غرار القانون الإداري أو المدني، وفيه نصوص جزائية هي القوانين الجنائيّة.

لكن الغاية من كل هذه النصوص هي تسييج المجتمع بجملة من القواعد والضوابط التي غاياتها الأولى المعلنة تحقيق العدالة والمساواة لسائر أفراد المجتمع .

هكذا تبدو لنا النصوص القانونية في شكلها متميزة بحيادها، فهي خالية من كل أحكام القيمة. فالدستور لم يحدّد شكل العلم ولونه لأنه جميل أو أجمل. المهم أنّ تلك الضوابط قد صدرت ونصّ عليها في فصل من الدستور الذي أصدرته هيأة عليا هي الدولة .

وهكذا يتشكّل الخطاب القانوني خطابا عقلانيّا ينتج عن رغبته واعية في السيطرة على الكون، بدءا من شكل العلم حتى أدقّ تفاصيل العلاقات الإنسانية التي نجدها مثلا في مجلة الأحوال الشخصية أو غيرها من النصوص القانونية.

والناظر في عدد من دساتير الدول يجدها جميعا تنصّص على شكل العلم، كما تحدد نمط نظام الحكم المتبع وطريقة صياغة القوانين… وغير ذلك من الأشكال القانونية للتنظيم الاجتماعي .

فلكلّ دولة /لكل جماعة إذا قانونها الذي يأتمر به رعاياها وذلك بالضبط ما عنيناه بحديثنا عن البعد الشكلي للقانون .

فالقانون في المطلق- في مفهومه العام الشامل- لا يعدُ أن يكون شكلا فارغا(VACAN) يمكن أن نقول إنّه آلية جُعلت لاحتواء الأوامر والنواهي، لكننا لا يمكن أن نزعم سلفا معرفتنا مضمون ما يأمر به أو ينهى عنه، إنّه آلية تُعني بالحفاظ على النظام الضروري لاستقامة التعايش وسط جماعة ما .

فمن أين يستلهم القانون مضمون أوامره ونواهيه؟

II – مضمون الخطاب القانوني:

يتضمن الخطاب القانوني[10] نصوصا تخضع إلى تراتبيّة مخصوصة ففي أعلى الهرم نجد الدستور، ثم نجد نصوص القوانين، ثم الأوامر، فالنصوص الترتيبية. ويتوزع مضمون هذا الخطاب إجمالا بين القانون المدني والقانون الخاص والقانون العام والقانون الجبائي والقانون الدولي.[11]

تلتقي هذه النصوص مجتمعة في فكرة تحديد ما يجب أن يكون، إنها ترسم الحقوق، لكن حقوق الفرد هي واجباته تجاه الآخرين. فالحقّ والواجب وجهان لعملة واحدة، والقانون إذ يسمح أو يمنع أو يجبر، يقدّم للفرد أو للذات القانونية (بعبارة الحقوقيين ) معايير التصرف مع الآخرين، وهذه المعايير تتميّز أساسا بسعيها نحو التسوية بين الأفراد، فالتسوية هي جوهر العدل والعدالة .[12]

غير أن هذا الوجه المعياري القانوني لا يمثل مضمونه، فما يمتلئ به القانون يختلف من مجتمع إلى آخر؛ الأمر الذي يرتدّ إلى العلاقة الجدليّة بين النصّ والواقع؛ أو بين المعيار والاستعمال؛ فالمعيار هو الأنموذج الحاضر في النصّ القانونيّ والاستعمال هو تطبيقه في الواقع؛ واقع الممارسة البشريّة عبر الأحكام القضائيّة المتحوّلة بدورها من نصوص إلى أفعال واقعيّة كالسجن أو الغرامة الماليّة أو غيرها من العقوبات؛ ولمّا كانت الأحكام القضائيّة تختلف من قضيّة إلى أخرى؛ وتُجسّد تطبيق القضاة نصّا نموذجيّا على واقعة مخصوصة؛ فإنّ تلك الأحكام تتحوّل أحيانا إلى مراجع في قضايا أخرى، وهو ما يسمّيه الحقوقيّون فقه القضاء؛ فأيّ حكم متى صدر عن هيأة تشريعيّة قضائيّة عليا يتحوّل بدوره إلى نصّ مرجعيّ يمكن القياس عليه والاحتذاء به في قضايا مماثل.ة هكذا يتأكّد لنا أنّ القانون في ذاته شكل أو هو نظام فارغ ينتظر دوما الامتلاء؛ انه وسيلة تدخل بها نظم أخرى حيز التطبيق الإلزامي، أو لنقل إنها ترقى إلى مرتبة القانون الإلزامية الجبرية إذ تصبح واجبا. لذا فإنّ ضبط مضمون الخطاب القانوني سيوجب ضبط الواجبات قانونا.

1) في الواجبات :

أنْ تُحَيِّيَ جارك صباحا واجب، وأن تحصل على رخصة سياقة قبل قيادة سيارة واجب كذلك، لكن ثمة فرق بين الواجبين، فأوّلهما أخلاقي ذو مرجعيّة عرفيّة دينيّة يتسم بأنه غير ملزم، والثاني تنظيميّ قانونيّ ملزم.

تحيّة الجار أو تبادل التحيات عموما يختلف من مجتمع إلى أخر ومن عادات إلى أخرى، هو في المجتمعات العربية الإسلامية عرف اجتماعي وديني محبّذ يحثّ عليه رجال الدين ويعتبرونه من فضائل الأخلاق، ومما يمكن أن يؤدى إلى ثواب أخرويّ، وعدم القيام به لا يؤدي إلى عقاب، إنّه بعبارة الفقهاء “مندوب” إليه، إذ عدم القيام به لا يؤدّي إلى أذِيّة أحد، فليس له ضرر مادّي ظاهر ملموس بل لعلّ المتضرر الوحيد من عدم إلقاء التحيّة، هو الفرد الذي لا يحيّي الآخرين لأنه سيصبح منبوذا منهم، إذ التحية مدخل لخلق علاقات بين الأفراد.

في حين أنّ قيادة سيارة دون رخصة معناه أن السائق ليس أهلا لقيادة السيارات؛ فهو لا يحسن قيادة سيارة بشكل مرضي وقيادته للسيارة يُمكن أن ينجم عنها حادث، فقيادة السيارة بدون رخصة قد تكون سببا للموت أي هي أمر يهدد الحياة، ولمّا كان حقّ الحياة وواجب الحفاظ عليها من أوْكَدِ الحقوق /الواجب، كان الحصول على رخصة القيادة شرطا ضروريا لقيادة السيارة ومخالفة ذلك أمرا استوجب التنصيص عليه في نص القانون وضبط عقوبة مخالفته.

هكذا يتضح لنا أنّ مضمون القانون في الأصل يُستمد من واقع الحياة الاجتماعية ومن المعايير السائدة في هذه الحياة، وهذه المعايير وإن اختلفت تسمياتها من دين وأخلاق وأعراف وعادات تلتقي في كونها تهدف إلى تسييج السلوك الاجتماعي وإلى ضبط حدود الحقوق والواجبات لدى الأفراد، ولا يرقى منها إلى درجة الإلزام القانوني إلا ما كان جوهريا وأساسيا لتحقيق السلم بين الأفراد وللحفاظ على الحياة. لذا يمكن أن نرتدّ ببعض الأحكام القانونية إلى مرجعيات مختلفة أحادية أحيانا ومتعددة أحيانا أخرى.

فالزواج مثلا هو علاقة بيولوجية تدخل ضمن قوانين الطبيعة، لكنه في سياق المجتمعات الإنسانية يتحول إلى فعل قانوني ذي مرجعيات متعددة: فهو أولا عقد[13] أي ضرب من الاتفاق يحمل صبغة إلزامية، بمقتضاه يلتزم رجل و امرأة بالتعايش مع بعضهما البعض وبتأسيس أسرة، وصياغة هذا العقد وضبط شروطه تختلف من جماعة إلى أخرى ومن قانون إلى أخر، لكن هذا العمل يبقى هو ذاته الحدث البيولوجي الخاضع لقوانين الطبيعة[14]. فالمرجعيّة القانونيّة تضبط شروط انعقاده وقبول الجماعة به والاعتراف بشرعيته والمرجعية الدينية تصبغ عليه ضربا في القداسة إذ تجعله استخلافا للإله في الأرض وتعميرا لها …

ويسند الزواج أيضا إلى الأعراف والعادات، بل إننا نجد في مجلّة الأحوال الشخصيّة التونسية تنصيصا على ذلك في الفصل 23 “يقوم الزوجان بالواجبات الزوجية حسبما يقتضيه العرف والعادات”.

2)تعدد الأنظمة المعياريّة

يستمد القانون مضمونه من الأنظمة المعيارية السائدة في مجتمع ما ؛ وهي عديدة نذكر منها الدين والأخلاق والعادات والتقاليد؛ وهي كلّها مصاحبة للتشكّل الاجتماعي مساهمة في تقعيد العلاقات فيه؛ غير أنّ ترتيب سلطها يختلف من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر وفق درجة الإلزام، فالخطاب قانونيّ هو الذي يسمح بفعل سلطته لبعضها بان ترقى إلى مرتبة الإلزام، ويتسبب أيضا في إلغاء بعضها الآخر أو إقصائه. وهو الأمر الذي يفضي ضرورة إلى الحديث عن تنازع المرجعيات في الخطاب القانوني وأبرز نتيجة له تغيّر الأحكام. مثال ذلك نلتمسه من أكثر النصوص تجسيدا لسلطة القانون ونعني بذلك قانون العقوبات /الحدود؛ فالسرقة مثلا تُعتبر في كلّ القوانين جرما ينبغي معاقبة مُرتكبه؛ غير أنّ العقاب يختلف من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر ؛ والفرق يتّضح لنا جليّا إذا قارنّا بين حكم السرقة في الفقه الإسلامي وحكمها في القانون الوضعي؛ فتغيّر الحكم/ العقاب من قطع اليد إلى السجن إنّما يعود إلى تغيّر المرجعيّة التي عليها يستند العقاب؛ ففيما يرى الفقهاء أنّ أحكامهم تنطق عن النصّ القرآني؛ وأنهم يُطيعون الله بتطبيق ما شرعه في كتابه وليس لهم أن يُغيّروا فيه؛ يرى أصحاب القانون الوضعي أنّ الأحكام يجب أن تكون مواكبة لمستجدّات حياة الناس؛ فمنطلق القانون الوضعيّ هو الوعي بحركيّة المجتمع وبتغيّر الثوابت فيه وبتبدّل منزلة الإنسان في الكون؛ الأمر الذي أدّى إلى انحسار منزلة الدين-إلى المجال العقائدي/التعبّدي- لتتوسّع سلطة الإنسان على حياته.[15] وقد مكّنه ذلك من أن ينشئ مؤسّسات أخرى لعلّ من أبرزها القانون الوضعي؛ الذي تنصّ المواثيق الدوليّة فيه على حرمة الجسد، مما يجعل قطع يد السارق سلوكا منافيا لحقوق الإنسان ينمّ عن وحشيّة لا تُناسب تطوّر الفكر الإنسانيّ وتمدّنه.

وذلك ما يُبيّن لنا الفرق بين الأحكام الفقهيّة والقوانين الوضعيّة؛ فالخطاب القانوني الوضعي يتّسم بمحافظته على الصيغة الآمرة / الناهية؛ لكنّ مضمونه متغيّر، ويعود ذلك إلى تغيّر المرجعيّة التي يستند إليها هذا القانون؛ في حين يبدو الفقه جامدا في شكله ومضمونه. إنّ اختلاف المرجعيّات هو الذي يقود الواقع الاجتماعي إلى ضرب من التنازع الذي يتجلّى في عدم تسيير القانون لكلّ السلوكات الاجتماعية؛ فثمّة من هذه السلوكيات ما ينفلت من سلطة القانون أو يتمرد عليها، بدعوى الانتماء إلى مرجعية أخرى يعتبرها أرقى هي في الغالب المرجعية الدينية [16].هكذا تبدو لنا الأنظمة المعيارية السائدة في مجتمع ما منسجمة مع القانون الذي يحاول خطابه التعبير عنها، لكن الانسجام لا يكون دائما موجودا بدليل وجود مخالفات للقانون وتباينات بين الواقع الاجتماعي والخطاب القانوني.

وهذا ما يبيّن لنا تعقد العلاقة بين الخطاب القانوني وواقع المجتمعات البشرية، الأمر الذي يشير سؤال: إلى أيّ مدى يُعدّ الخطاب القانوني أنموذجا ثقافيا؟ وما هي استتباعات ذلك؟

III – علاقة الخطاب القانوني بالواقع :

ما من مجتمع يخلو من قانون، هذا ما يتفق عليه علماء الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا والفلاسفة، فانتماء الفرد إلى جماعة اجتماعية ما يستوجب منه الخضوع إلى جملة من القواعد التي تسيّر وتُيَسّرُ التعامل بين أفراد هذه المجموعة وهذه القواعد هي القانون .

إنّ هذا الحدّ للقانون بأنه مجموعة القواعد التي تتفق عليها جماعة ما لتحقيق حسن التعامل والتعايش فيما بينها هو مفهوم تأسيس مبدئي، لا يمكن أن نجعله تعريفا للخطاب القانوني اليوم الذي تبدو علاقته بالواقع الثقافي الاجتماعي من قبيل علاقة المعيار بالاستعمال، فالقانون يرسم قواعد السلوك لكنّ الواقع يفرز دائما سلوكيات جديدة، وخاصّة جرائم جديدة، يحتاج القانون إلى الإحاطة بها بنصوص تنظيميّة أو تشريعيّة، مما يُبيّن أنّ علاقة الخطاب القانوني بالواقع ليست علاقة عموديّة وإنّما هي بالأصحّ علاقة جدليّة يُؤثّر فيها كلّ طرف في الأخر .

أمّا اعتبار الخطاب القانونيّ نصّا نموذجيّا متعاليا يسعى إلى تسييج الجماعات والعلاقات بين الأفراد والسيطرة على أدق التفاصيل فيها، فله وجه آخر لعلّ من أبرز نتائجه تشييء الإنسان.

إنّه خطاب يؤطّر كلّ شيء وكلّ فرد، فالإنسان منذ لحظة ولادته داخل جماعة يسري فيها نظام قانوني -حديث وضعي- ينبغي أن يسجل اسمه ولقبه في دائرة بلدية، وأن تُستخرج له شهادة ميلاد يُنَصّ فيها على الاسم واللقب وتاريخ الولادة ومكانها واسم الأم والأب واسم الموظف الذي قام بتسجيل هذه المعلومات. إن هذه الشهادة هي منطلق لشهادات أخرى: كشهادة تسجيله في المدرسة ونجاحه/أو عدم نجاحه – والامتحانات التي اجتازها وزواجه وحصوله على رخصة سياقه وعمله وانتمائه إلى وظيفة وحصوله على رقم ضمان الاجتماعي… كل هذه المعطيات التوثيقيّة التي يبدأ معها الفرد اسما على شهادة ميلاد لينتهي رقما في قائمة الضمان الاجتماعي وُصولا إلى شهادة الوفاة، تُسيّج الوجود الإنساني l’existence)) وتحوله إلى رقم ضمن أرقام. هكذا يخضع الفرد في ذاته ووجوده إلى الخطاب القانوني وهو بدون عملية التسييج هذه، يصبح في حكم المعدوم، لأنّ تسييج الوجود يمثل التسجيل لأسماء الإفراد وأعمارهم: عبر توثيق لوجودهم ما كان لولا أن أوجبه القانون (المدني). يضاف إلى هذا أنه ما من عقد صحيح ومقبول إن لم يطابق الصيغ القانونية –وما من سلوك مقبول ومباح إذا خرج عن ما أقرّ به الخطاب القانوني.

يُمكن أن نعتبر تشييء الإنسان النتيجة الأولى لنمذجة القانون؛ وهي نتيجة تُفرز استتباعات أخرى فالقواعد الشكليّة العامّة التي هي شرط لتعالى القانون ونمذجته؛ والتي تسمح بتطبيقه على الجميع، وهي توحي بالعدالة لكنّها في الواقع تسير في خطّ عكسيّ، فتطبيق نفس الحكم على الجميع يُلغي الاختلافات والخصوصيّات الفرديّة؛ لذا كثيرا ما يُوصف القانون بأنّه أعمى؛ صحيح أنّ تطبيق القانون في الواقع يُخفف أحيانا من حدّة هذا العمى- لأنّ لكلّ قضيّة حكما خاصّا بها يختلف باختلاف الأفراد والحيثيّات-ويُحقق التواصل بين الأنموذج والواقع؛ لكنّ ذلك لا ينبغي أن يحجب عنّا حقيقة أنّ القانون الذي يُطبّق هو القانون الذي فرضته الجماعة المسيطرة –أقلّية كانت أو أغلبيّة- وأنّ هذه الجماعة لا شكّ تسعى من خلال هذه القوانين إلى الحفاظ على مصالحها وإن ألبستها كساء المصلحة العامّة والعدالة الاجتماعية.

هكذا يحيط الخطاب القانوني اليوم بالأفراد في وجودهم وفي علاقاتهم، ليشكّل الأنموذج الثقافي الأعلى الذي يسيّرهم؛ أنموذج تدعو الدول إلى تطبيقه والخضوع له لأنّه تكريس لغاياتها.

نخلص من خلال كلّ ما تقدّم إلى أنّ الخطاب القانوني يُعدّ إحدى ظواهر النمذجة الثقافيّة؛ وأنّ المنطلق العقلانيّ الذي أعلى الإنسان من شأنه قد حمله على خلق المزيد من النماذج العليا، وأنّ النظر في هذه النماذج وفي علاقتها بتطبيقاتها في الواقع يكشف عن جدليّة وتعقّد في العلاقة بينها؛ فلكلّ واقع نماذجه؛ ولكلّ مجال ثقافيّ مناويله؛ ولكلّ فكر أَنْصِبَةٌُُ تَعْلُو وأخرى تَهْوِي .

المراجع

 دستور البلاد التونسيّة ؛ ط.الدار التونسيّة للنشر والإنتاج الثقافي ؛2005

 سليم شاكر مصطفى: قاموس الأنثروبولوجيا؛ ط،1،الكويت،1981 .

 شكري المبخوت: بحث بعنوان “عمل التأثير بالقول ” قُدّم في ندوة تكريم الأستاذ حمّادي صمّود بكلّية الآداب منّوبة في 23/06/2007

 مجلّة الأحوال الشخصيّة .ط دار الميزان ؛.سوسة؛ 2004

 BEN ACHOUR YADH :Introduction générale au droit .C.P.U.2005

 BEN ACHOUR YADH : NORMES ; FOI ET LOI. Cérès 1993

 CORNU GÉRARD: Vocabulaire juridique.P.U.F.2000

 DROIT ET SOCIETE N°8 1988

 DUCROT.O ; TODORUV.T ; SCHAFFER.J.M :Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langage ;.SEUIL 1995

 Encyclopaedia Universalis France S.A© 2002

http://fr.wikipedia.org

الهوامش:

1)LANDOWSKI ERIC : Introduction ;in DROIT ET SOCIETE ;n°8 ;1988

[2] )نعتبر القانون ظاهرة اجتماعية؛ أنظر تفصيل ذلك ضمن مقال

Sociologie du droit ;in Encyclopaedia Universalis France S.A© 2002

[3] ) سليم شاكر مصطفى: قاموس الأنثروبولوجيا؛مقال: نمط(pattern)ص 727؛ط،1،الكويت،1981 .

Le mot anglais « pattern » est souvent utilisé pour désigner un modèle، une structure، un motif، un type، etc… Il s’agit souvent d’un phénomène que l’on peut observer de façon répétée lors de l’étude d’un de certains sujets auquel il peut conférer des propriétés caractéristiques

http://fr.wikipedia.org/wiki/Pattern

[4] ) أنظر مجموعة الأبحاث المنشورة بالعدد 8 من مجلّة DROIT ET SICIETE لسنة 1988

[5] ) نذكر منهم د.عياض بن عاشور في كتابهCeres 1993 NORMES ; FOI ET LOI.

( [6] أنظر:

DUCROT.O ; TODORUV.T ; SCHAFFER.J.M :Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langage ; article :langage et action. P. 776.SEUIL 1995

[7] ) فصّل القول في ذلك الأستاذ شكري المبخوت في بحث له بعنوان “عمل التأثير بالقول ” قُدّم في ندوة تكريم الأستاذ حمّادي صمّود بكلّية الآداب منّوبة في 23/06/2007

[8]) دستور البلاد التونسيّة .ط.الدار التونسيّة للنشر و الإنتاج الثقافي 2005

[9] ) مجلّة الأحوال الشخصيّة .ط دار الميزان .سوسة 2004

[10] )يتّضح من كلامنا هنا أنّا نعنى بالقانون الوضعي(droit positif)

[11] )أنظر تفصيل ذلك في :

BEN ACHOUR YADH :Introduction générale au droit .C.P.U.2005.pp7 ;14 ;15 ;16

[12] ) أنظر مقال عدالة ( JUSTICE)في:

CORNU GÉRARD: Vocabulaire juridique.P.U.F.2000

[13] )أنظر: Article CONTRAT in : vocabulaire juridique .p.217

[14] )ضبطت مجلّة الأحوال الشخصيّة التونسيّة شروط انعقاد الزواج و تحدّثت عن الزواج الفاسد و الزواج على خلافل الصيغ القانونيّة مما يُؤكّد هذه الفكرة . أنظر مجلّة الأحوال الشخصيّة الفصول 3؛18؛21

[15] ) فصّل القول في ذلك مارسيل غوشيه في كتابه “خيبة أمل العالم”

GAUCHET Marcel :Le désenchantement du monde ، une histoire politique de la religion .Ed :ceres1995( 1er. Ed .GALLIMARD 1985).

[16] )مثال تعدّد الزوجات ممنوع قانونا لكنّه في أذهان أغلب الرجال التونسيّين جائز لأنّ الفقه لا يحرّمه

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий