الدكتور عبد الحميد بورايو لـ”الجزائر”: “آيت منڤلات لم يخن القضية الأمازيغية وهو فنان أكثر منه سياسي”

الكاتب: حاورته: فاطمة نسيم
السبت, 27 أوت 2011

يؤكد الدكتور عبد الحميد بورايو، المختص في الأدب الشعبي والتراث الشفوي الجزائري، وصاحب العديد من المؤلفات في مجال الثقافة الشعبية الجزائرية على تفرد التجربة الشعرية لدى الفنان لونيس آيت منڤلات. وأوضح في لقاء مع “الجزائر” أن آيت منڤلات شاعر متصوف وخدم بصدق وعمق القضية القبائلية واللغة الأمازيغية. كما أنه شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر. ونفى أن يكون خائنا لقناعاته، بل هو شاعر ملتزم ووطني يعج بالإنسانية والحب .

ما هي قراءتك للتجربة الشعرية للشاعر والفنان لونيس آيت منڤلات، ومكانتها في الشعر الأمازيغي الحديث؟

أستمع لأغانيه فأدرك عمق أشعاره ودلالاتها، الفنان الكبير لونيس آيت منڤلات صاحب تجربة ثرية ومؤسسة، وهو شاعر يتميز عن غيره من الشعراء باستخدامه وتوظيفه للتراث الشفوي القبائلي بكل زخمه وثرائه، كما أنه ينطلق من موقف له حضور، هو موقف الحكمة، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال أشعاره الغنائية المنتقاة بعناية فائقة والمبنية على وعي وفهم للحياة وحركيتها، وطبيعة الشعر الغنائي عموما تعج بالبعد العاطفي، وكلما اعتمد عليه أصبح قويا ومتينا وجيدا، وبالتالي يمتلك تجربة متميزة تحمل بصمة خاصة باعتباره يمثل امتدادا لتراث الحكمة في الشعر القبائلي، فهو يقوم مقام “أمسناو” أو العارف في تقاليد القول الأمازيغيي. ويبدو أنه تمثل بصفة عميقة التراث الشعري القبائلي الذي له تاريخ طويل وله مدونة هامة على غرار الشاعر سي امحند أومحند والشاعر محند والحسين، ويقوم بنفس الدور تقريبا الذي قام به الشعراء القدامى في التعبير عن واقعهم، وفي بث روح التواصل بين فئات المجتمع والحفاظ على التقاليد والأعراف والقيم الجمالية في الشعر الشعبي الأمازيغي. كما يعتبر لونيس آيت منڤلات من الذين احترفوا الأداء والقول الشعري في نفس الوقت، وجمع بين الشعر والغناء، وهذه العلاقة واللازمة والمتلازمة تميز الشعر الشعبي الجزائري القديم، فكثيرا ما يسمى الشاعر مغنيا، وعندما يبدع قصيدة يغنيها ومن آليات الإبداع والارتجال هو الغناء، ويمتلك آيت منڤلات ثقافة معاصرة إنسانية استطاع من خلالها أن يمازج ما بين روح التراث وعطره والقيم الإنسانية المعاصرة، ويمثل نموذجا نادرا للتواصل ما بين الماضي والحاضر ويبن الأسلاف والجيل الحالي.

كثيرا ما صنفت أشعار لونيس آيت منڤلات في خانة الشعر الصوفي؟

أما فيما يخص تطور مسار التجربة الشعرية لدى الفنان لونيس آيت منڤلات ونزوعها نحو التصوف، فقد انطلق من التطور في الجانب الوجودي والبعد العاطفي، وهو ما أدى إلى تقوية أشعاره باعتبار الشعر الجيد في العالم هو الشعر الصوفي وفي كل الأديان، كما أن للشعر علاقة وطيدة بالجانب الروحي للإنسان، وهذا الجانب الروحي قد يعبّر عن نفسه من خلال ما يسمى “النفس الصوفي”، ولذلك علاقة بالحس الوجودي لدى الإنسان وعلاقة الإنسان بالقوى العليا، ونجده في مدونة الشعر الجزائري القديم وخاصة الشعر الشعبي فهي معبأة ومحملة بشحنات من هذا التعبير ونجد استمراريته في أشعار آيت منڤلات من خلال التعبير عن خبايا النفس وعلاقة الذات بالعوالم الأخرى.

ماذا يميز اللغة الشعرية لدى الفنان آيت منڤلات؟

اللغة الشعرية التي يوظفها تمتد في التراث الحكائي وهي عبارة عن خزانة تعج بالتراث ومستمدة من شعر الحكمة القبائلي القديم الموروث، والذي مر بتجارب مختلفة ونجد أنه تم تكييفها مع ظروف الإنسان الجزائري الحالية.

ماذا عن عوالم وهواجس الكتابة لدى الشاعر آيت منڤلات؟

يختار الشاعر لونيس آيت منڤلات مواضيعه بعناية، وهي مواضيع مناسبة كالحب والمرأة والعاطفة وغيرها من القضايا الإنسانية بتفاصيلها الصغيرة، وتعبر عن هموم الإنسان المختلفة والاحتياجات الاجتماعية. كما ارتبط بقضايا السياسة والهوية الثقافية. وقد عبّر آيت منڤلات باعتباره من الشعراء المعاصرين بلغة الحياة اليومية بكل مقدرة وكفاءة وحب وحكمة.

لكن هناك من يتهم آيت منڤلات بالتراجع وخيانة القضية الأمازيغية؟

ذلك ليس صحيحا، فقد عبّر الفنان والشاعر لونيس آيت منڤلات عن قضايا المجتمع لجزائري وهمّ الجماعة القبائلية بالذات في وضع تاريخي وسياسي معين، فتكفل بالمطلب الثقافي وخصوصيات الثقافة المحلية القبائلية، وساهم بقوة في التكفل بالمطلب اللغوي والثقافي الأمازيغي، وبالتالي كان قريبا من جماهير منطقة القبائل وأصبح أحد أصواتهم المعبرة عن مطالبهم في الـ70 والـ80 من القرن الماضي، ولكن بعد أن عرفت مسألة اللغة الأمازيغية تطورا على المستوى الاعتراف المؤسساتي والدستوري والاعتراف من قبل السلطة، توجهت انشغالاته أكثر نحو الهمّ الإنساني والمشاكل الاجتماعية التي أفرزها الواقع الجزائري، وبالتالي لا يعتبر موقفه تراجعا بقدر ما تعكس حالة تطور المجتمع وتحقق المطلب الأمازيغي اللغوي الذي مر بمراحل، وهو الآن بمرحلة العناية باللغة والتعليم وكيفية الإبداع من خلالها وتحقيق التراكم، ورغم ذلك أشير إلى أن لونيس آيت منڤلات ليس رجل سياسة، بل فنان وشاعر فذ، وهو مواطن قد يكون التزم لمراحل بخط سياسي أو حزب معين، ولكن يبقى الجانب الثقافي والشعري والإنساني والوطني هو الأهم. كما ارتبط بالمهمشين والذين يعانون، وميل للعدل ونصرة للبسطاء، وهناك من يريدون أن يربطوه بموقف سياسي قد يتقاطع مع بعض الجماعات السياسية، لكنه بالدرجة الأولى شاعر له حسه الوطني الرفيع، ولا يعني لما يخرج عن بعض الأطر السياسية أن يقولوا إنه خائن وغير ملتزم، بل هو ملتزم بالإنسان وجزائريته، وشخصيا أنا أحب ما يقدمه وأتابع حفلاته، له حضور في كل مرحلة، وثمة نوع من التواصل والاستمرارية والعمق في مساره الفني وقناعاته لا يمكن أن نحاكمه كسياسي، وذلك خطأ لأنه عبّر عن روح الفنان أكثر منه سياسي رغم اهتمام بالجانب السياسي.

هل تعتقد أن النقد والدراسات قد أغفلت وظلمت الشاعر لونيس آيت منڤلات؟

ثمة جهود لترجمة أشعاره منذ الـ80، وقد وجهت طلبتي في أقسام الدراسات العليا وما بعد التدرج لترجمة نصوصه الشعرية، وضمنها بحث للطالب عبد النو آيت أوفلة حول “الهوية في شعر لونيس آيت منڤلات”، وأيضا دراسات الباحث محمد جلاوي حول الشعر الأمازيغي وضمنها تجربته، رغم وجود نوع من الظلم غير مقصود بسبب خلافات بين المعربين والمفرنسين وخياراتهم للحرف الذي تكتب به الأمازيغية، كما أنه ليس هناك تواصل كاف بين الثقافة العربية والأمازيغية على صعيد المكتوب رغم محاولات دراسات الأدب الشعبي الاهتمام بالأدب الأمازيغي، حيث المهتمين بالأمازيغية فراكفونيين لا يكتبون بالعربية وكتاباتهم موجهة للفرانكفونيين، ومن جانب آخر المعربين نتيجة الوضع الثقافي السائد لم ينشغلوا بالأدب الأمازيغي، لكن برزت في السنوات الأخيرة نواة وجيل جديد من الباحثين في التراث الشعبي الأمازيغي اهتموا وتفهموا الأدب الشعبي الأمازيغي فثمة استفاقة.

يمكنك متابعة التعليقات الخاصة بهذه التدوينة من خلال الخلاصات.